+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

مقامة حديثة: شكوى الزوج
*محمد سليم

حكى خالد بن سلام قال مرّة وصلت إلى بعض دور المحاكم، فشاهدت زحاما كبيرا للناس منهم من هو القاضى والحاكم، ومنهم من هو الشاكى الباكى، ومنهم من هوالظالم الباغى. وكلّهم قد اجتمعوا وتزاحموا، وتدافعوا وتشاحنوا. والقاضى يطلبهم أن يسكتوا، ويسألهم أن يصمتوا وينصتوا. ثمّ أعلنت عن القضيّة، ويالها من رزيّة! ويالها من بليّة! القضية هى قضيّة زوج أهينت كرامته، ومرّغ فى التراب شرفه فتمّت إهانته. ولطعم الموت الزّؤام، أهون إليه مما قذف به من الاتّهام، ولشرب من حميم آن، أفضل عنده من احتمال هذا الهوان. ووجد الرجل شرفه مثلوما، وقلبه مكلوما. وفؤاده كسيرا، وذهنه أسيرا. وحوله كل من في الأنام، يريد أن يمرّ في الحياة بسلام. والمرء في الدنيا غريب أو عابر سبيل يسافر وقتا ووقتا يضرب بخيام. لكن هاهو الآن فى محكمة أمام القاضى لا ينكر فتواه، ستقضى عليه بالسجن الذى لا يحمد عقباه.

 وقد دافع المحامى عن الرجل هذا الاتّهام، ووصف بهتان الزوجة من باب الشرّ والأمر الحرام، فسأل القاضى عن الزوج هل عنده في هذا الباب أىّ كلام، يدفع به عنه هذا الاتّهام. وقال بن سلام فرأيت الرجل ينهض وعينه فراره، وعلى سيماه من الهمّ اصفراره. وقال الزوج يأيها القاضى الخبير، يامن الذى هو بين الناس شهير. لست من الذين يتحدّثون فيكتمون، أو يتكلّمون فيكذّبون، أو يقولون كلاما فيفترون، أو يذكرون الأحداث فيسترون. ولم يعهد من مثلى أحد بغيا ولا فسادا، ولم ير منّى ظلما ولا فى الأرض نكادا. فكيف بهم الآن يكذّبوننى، ولماذا هم يعيّروننى. كأنّى قد أتيت بإثم عظيم، أو ارتكبت خطأ خطير فى عقباه وجسيم. وهل نسى الرجال ما كنت قد أسديت به في الماضى إلى الناس من خير كثير، وأنا أخاف الله القدير، و إلى منّه فقير. ومن كان فى مثل هيئتى، ويعيش حياته في مثل حالتى. هل يستطيع أن يمدّ يديه إلى كل صغير وكبير؟ أو يرسل بعينيه إلى كل ما هو سخيف ولا ينأى بجانبه عن حقير؟

وهل تناسى الناس أننى فى أيام حياتى التى كنت فيها أعزب، لم أكن أتلهى على لهو الحديث ولم أكن به معجب، ولم أكن قد قلت قولا أو فعلت فعلا يجده الناس شيئا أغرب. وهل تغافل الناس عن عملى وكدّى، وجهدى وجدّى، وشغلى وأمرى. فما نويت لأحد إلا الخير، وما اقترفت فى حقّ أحد الضّير. فلا ضرر و لا ضرار، ولا هوان ولا خوار، ولا هلاك ولا بوار.

وقال خالد بن سلام ثمّ رأيت الزوج يتوقف للحظة، والناس كلهم من كلامه فى حيرة. وقد ابتلع الزوج ريقه، و حرّك يديه وساقه. كأنه من أمره فى اضطراب، أو كأنه شخص يعيش فى حالة اغتراب. و بعد حين شمّر عن ساعديه كرّة أخرى، واستعدّ لإلقاء حديثه مرّة أخرى. وكان قد بدأ جبينه يتفصّد عرقا فتلمع للعرق حبيباته، ورأيت كل من كان موجودا يقلّب جنباته. وكل يهيئ نفسه ليستمع إلى كلماته، وقد رأى فيه كثير من الرّجال خير ترجمان لشكواه من زوجاته. ثمّ رأيت الرّجل يحلف باليمين، وقال إنه صادق فى كلامه فلا يكذّب ولا يمين. وبدأ الرجل مرّة أخرى فقال يأيّها الرجال! هكذا كانت لى الأحوال، قبل زواجى الذى تبعته الأهوال، فألمّت بى الخطوب تباعا، ودهمتنى الملمّات سراعا، ونزلت علىّ النوازل تترا، فلم أستطع أن أقطع سلسلة المصائب قطعا ولا بترا، ولم أتمكّن من أن أستر أحوالى و أهوالى سترا.

 ثمّ أصبحت مضغة للأفواه تلوكنى الألسن، وصرت مدعاة للسخرية تغمزنى الأعين. وبدأ يشمت بى الأعداء، ويهزأ بى سواد من الناس والدهماء. فضاقت علىّ الأرض بما رحبت، وضاقت علىّ الحياة بما وسعت. وقال بن سلام ورأيت الزوج يسرد فى كلامه، ويمرّ فى بيانه، ولمّا شاهد القاضى منه إكثاره، و رأى من الحق إظهاره.  استثقل طول الكلام، وطلب من الزوج اختصار الحديث ورفع السلام. فرأيت الزوج واقفا مبهور الأنفاس، كأنه طارده اللصوص فوجد بين صحابه الأمن والإيناس.

واستأنف الزوج الكلام وقال يأيّها القاضى سبب النزاع بينى وبين زوجتى من أتفه الأمور، ومهماز الجدال من أحقر الأشياء التى يتغاضى عنها الوقور. والقضيّة هى أنى قد ذهبت إلى السوق مع زوجتى، لنشترى حوائج البيت وكل ما كانت زوجتى تشتهى. ثمّ رفع رأسه وقال يارجال! كونوا على حذر وإلا وبال. وإيّاكم أن تصطحبكم نساؤكم إلى الأسواق، فإنهن يتهافتهن على شراء الأشياء كأنهنّ صاحبات مهارات وأذواق. والأدهى فى الأمر والأمرّ هو أنهنّ دائما يترقبن حركاتكم خلسة، ويلقين إلى نظراتكم بين حين وآن نظرة. وإذ أعجبكم حسن النساء الأخريات، فوقعت عليهن نظراتكم فى مفاجآت. فزوجاتكم عندئذ يرفعن الجبال، ويجررن عليكم الوبال، ولا ينفعكم وقتئذ طلب العفو ولا السؤال. وقد حدث لى مثل هذا فى إحدى زياراتى إلى الأسواق، فجرّنى الأمر من الفواجع ما أنسانى الوداد والوفاق. ومنذئذ أنا وزوجتى فى شجار دائم، والشقاق بيننا جار وقائم. وقد رمتنى زوجتى ببهتان، وقذفتنى بإثم وأطلقت علىّ اسم الشيطان، وضيّقتنى بالحياة فلا أجد الراحة ولا السلوان، وهجرتنى زوجتى وذهبت بالولدان، إلى بيت والديها وشكت إليهما بأنى أنا السبب في البعد والهجران، وأنا فى أمرى هذا يأيها الرجال حيران، وقد حاول إصلاح أمرنا وتقدم إلينا بعض الجيران، ولمّا ذكرت لهم السبب أصبح بعضهم علىّ غضبان، لا لأنى اقترفت ذنبا بل لأنى أطلقت لزوجتى العنان، تفعل ما تشاء وتقذف -حاشا لله- بزور وبهتان.

وقال خالد بن سلام ثمّ مضى الزوج يقول يأيها القاضى هذا هو الخبر، وانظر فى القضية فهذا هو الأمر. واقض ما أنت قاض، وأمرك فينا ماض. وماقدّره الله فهو آت، وكل ما هو آت فات. وهذا هو الأمر المحتوم قد عمّ، والقضاء قد حُمّ. ثمّ توقف وسكت، وجلس وصمت. فرأيت الرّجال- خاصة الأزواج- يصفّقون له ويفرحون، كأنهم يشاركونه شكواه فبإظهاره الحقيقة يمرحون. ثمّ رأيت القاضى دكّ الطاولة بيده دفعة، وتكلّم فجأة. فقال يأيّها الرجال ماهذا الهراء؟ أنسيتم ما للمحكمة من عزّة وشرف وثراء؟ واسكتوا واصمتوا، وأصغوا إلىّ بآذانكم وأنصتوا. هذا الأمر الذى ذكره الرجل ليست حوبا كبيرا، ولا شرّه شرّا مستطيرا. لكن كما هو الحقّ المعلوم أنه كلما اجتمعت الصغائر، تصير من الكبائر. فنار عود صغير يتحرّق به غاب كبير. وأقلّ غلطة تجلب أجل محنة، وأدنى سقطة تخلف وراءها أكبر فتنة. فافعلوا الخير، واخرجوا فى السير. واتّعظوا بمصارع الأقوام، إذ أنهم لم يمتنعوا عن الآثام. وهذا الزوج ومثله الآخر من بينكم إذا لم يراع آداب الإسلام، فإنه يقع فى الأمر الحرام، و لا يكون فى حياته فى أمن أو سلام. أما قال القرآن، أنه على الرّجال ذوى الإيمان، أن يغضوا من الأبصار، فيكونوا من الأخيار. ثم أنشد قائلا:

إذا أنت لم تراع آداب الإسلام

فكيف ترجو البر والأمن والسلام

وتقترف الذنوب إثر الذنوب

وتأمل أن تجنى الخير مثل الكرام

ما أحرى بك لو تركت المعاصى جانبا

وسلكت طريقا غير طريق اللئام

فلا تعلم نفس متى يحين أجلها

ولا هى تعرف متى يدهمها الحمام

وعلى النفس أن تسعى للقاء خالقها

بالعمل الحسن واجتناب الحرام

 ثمّ قال القاضى وعلى الزوجة أن لا تتوجس خيفة من أمر زوجه، ولا تضيق الخناق عليه فى شأنه. وعليها أن لا تسيئ الظنون ببعله، وأحرى بها أن ترثى لحاله. فإنه هو الذى يكدّ ويتعب، ويجهد نفسه وينصب. وليرسخ فى ذهنكم أن الوفاق بين الزوجين ضروري لصالح الأسرة وبناءها المستقيم، وأن الشقاق بينهما يؤرّث نيران الحقد ويهدّم بنيان الأسرة القويم. وقال خالد بن سلام ولما فرغ القاضى من حديثه، رأيت الحضور كلهم يقبلون لمبايعته. لأنه أسدى إليهم نصيحة وقعت فى نفوسهم موقعا حسنا، ودفع عنهم الرذيلة فباتت نفوسهم تحسّ خيرا وأمناّ.

*الباحث في الدكتوراه، مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهرلال نهرو، نيو دلهي، الهند

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of