+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

قصة قصيرة: فقدت حلما جميلا
د. محسن عتيق خان

في الملابس الحمراء، فتاة تحيطها فتيات القرية و نسوتها، و تزينها بالحلى والأكاليل بين الضحك الخفيف و ابتسامات مزعجة، فقد تم زواجها آنفا و ستزف الليلة إلى زوجها الذي يسكن في القرية المجاورة. “ساجدة” تجلس في ملابس العروس وتستحي في كل لحظة لما تسمع من صديقاتها من كلام ممتع ولكن مزعج. إنها لم تتجاوز ست عشرة سنة بعد، ولم ترى زوجها قط ولكنها سمعت عن إسمه يذكر في البيت مرارا، فبدأ قلبها يخفق لهذا الإسم الذي أصبح يحلو لأذنيها و يقع في نفسها وقعا حسنا، و ازدادت رغبتها في السماع عن هذا الإسم الحلو بمرور الأيام فبدأت تصغي إلى أحاديث أبويها و أقاربها لتتمكن من سماع شيئ جديد عن صاحب هذا الإسم، و في ازدياد رغبتها مساهمة لصديقاتها فهن يذكرنها عن ذلك الإسم، و يتكلمن عن صاحبه، و قد رأت إحدى صديقاتها هذا الشخص في قريته عندما ذهبت للقاء بعض أقربائها هناك، فهي تجلس إلى تلك الصديقة و تحاول أن تستفسر عنه مزيدا و مزيدا. قد جعل هذا الشخص مكانا من قلبها و تربع في نفسها فبدأت تفكر فيه كثيرا و تستحي أمام غيرها عندما يذكر إسمه رغم حبها الجم له حتى حضر يوم الزواج.

أجهشت بالبكاء عندما ودعها أبوها للزفاف، فشعرت لأول مرة أنها تغادر بيتها للأبد، و تنتقل إلى بيت لم تعرف عنه شيئا و لم ترى أصحابه إلا مرة أو مرتين، إنها عانقت أمها و صديقاتها و هي تَبكي و تُبكي، وأخيرا أخذت أمها بيدها و مشت إلى المحمل متثاقلة و أجلستها فيه. عندما مشى بها الحمالة بدأ خفقان قلبها يزيد و يصاحب حركات المحمل فكانت في قلبها أمنيات مزدوجة بالحب و التردد و الشوق.

عندما دخلت بيتا جديدا وجدت نفسها في حشد كبير من النساء، و شعرت بأن كل واحدة منهن تشتاق إلى رؤيتها، فبدأت إحدى النساء و هي حماتها تزيل النقاب عن وجهها لتراها نسوة الأقارب والجيران اللواتي بدأن يضعن بعض الروبيات في يديها حسب استطاعتهن، و كانت تعرف بأن هذا طقس من طقوس الزواج. عند انتصاف الليل عندما انفض حشد النساء من حولها دخل عليها رجل وسيم، قوي البنية، طويل القامة، فعرفت بأن هذا هو زوجها و بدأ قلبها يخفق بشدة عنيفة، و لكن الكلام الحلو من هذا الرجل أبعد عن نفسه كل مخاوف. إنه أزال النقاب عن وجهها بعد أن أنس إليها و تأكد من طمأنينتها ثم أغدق عليها حبه.

كانت أيام ابتدائية أيام نشوة فلم تدرك ماذا حدث ولكنها بدأت تحس بأنها وجدت رجلا يبالي بأتفه أشيائها، و يراعي كل حاجاتها، و يحضر لها كل ما تطلبه، و يسمح عن كل خطاياها و يعاملها في كل أمر معالمة حسنة، و هكذا مضت ثلاث سنوات وكأنهما لا يزالان في إعراسهما، و يزدادان حبا و احتراما كل يوم.

ذات يوم عندما خرج زوجها إلى الحقول، جاءت خلفه حسب العادة و قامت عند الباب لتودعه، رأته ذاهبا على الطريق و عندما توارى عن الأنظار أغلقت الباب و شغلت نفسها بشؤون البيت، فكنست الفرش وغسلت الأواني المتراكمة منذ عشاء الأمس، ثم اغتسلت و بدأت تنتظر له للغداء، ولكنه لم يجئ ومضى وقت الغداء، فبدأت تقلق له و بدأت أفكار مختلفة تجهم رأسها من كل جانب فتأتي إلى الباب من حين لحين ليراه آتيا إلى أن أذن المؤذن لصلاة المغرب فلم تتمالك على نفسها و خرجت من بيتها ليخبر أخا زوجها عن تأخره و تطلبه أن يخرج في البحث عنه. كان أخوه يستعد للصلاة، و عندما سمع أن أخاه لم يرجع بعد، أسرع إلى جانب الحقول.

عادت و هي كانت مضطربة و بدأت تنتظر لزوجها بقلق شديد، فلم يتأخر مثل هكذا قط، و كان يخبرها مقدما إذا اقتضت الحاجة إلى ان يبقى في الحقول حتى الليل. جلست على عتبة الباب محدقة في الطريق، وفي ظلام الليل الذي يزداد شيئا فشيئا، فرأت عدة أشخاص يحملون رجلا على أكتافهم، و كان هناك بعض أطفال يتنافسون في الجري إلى القرية و قال أولهم صائحا و هو يتلهف “قد مات العم، فلعل الأفعى لسعته”. و ما أن سمعت هذا الصوت شعرت كأنه فجر دنياها و دفعها إلى ظلام حالك لا خروج منه، فأغميت عليها، و عندما أفاقت كانت قد فقدت الحواس، وكانت تبكي وتصيح مثل مجنونة.

بعد عدة أيامة عندما عادت إليها حواسها أدركت بأنها قد فقدت حلما جميلا، وفقدت أحب شيئ في حياتها، وضيعت كل آمالها في الدنيا. إنها خسرت حلمها الجميل في تحويل بيت الطين والقش إلى بيت من اللبنة والإسمنت، و في أن تنجب له أبناء و تشيخ معه، وفقدت الأقارب الجدد و محبتهم و شفقتهم، ولكن لم تكن مستعدة أن تقبل الحقيقة، و تغادر هذا البيت الذي قضت فيها أحلى أيامها، و قررت أن تتشبث بهذا البيت وتقضي طول حياتها مع ذكرياته الحلوة إذ لم تستطع أن تتصور حياة في بيت دون هذا البيت و في أحضان رجل آخر. وعندما جاء أبوها ليأخذ بها إلى بيته رفضت أن ترجع إلى بيت أبويها رغم إصراره الشديد فقد كان إمام مسجد قريته و كان يحب أن تتم تسوية الأمور من الإرث و الزواج حسب الشريعة الإسلايمة بهذا الشأن ولكنه أضطر أن يخضع أمام عنادها فقد وجدت مساعدا في صورة أحد إخوان زوجها الذي رضي أن تعيش هي في بيت زوجها المرحوم و تملك حقوله التي كانت تكفي لسد رمقها ولعل ذلك طمعا في امتلاك حقول أخيه بعد وفاتها فليس لأخيه ابن يرثه.

بعد بضعة أيام عندما سئمت بالوحدة و خافت لكون بيتها في نهاية القرية، أسكنت معها الابن الأصغر لاخي زوجها، وهو لم يكن يبلغ اثنتي عشرة سنة من عمره، و لجأت إلى الدين و تفرغت لعبادة الله فتصلى الصلوات الخمس وتصوم الصيام من حين لحين حتى أصبحت من نسوة القرية الجادة والجديرة بالثقة. كان أخو زوجها يزرع حقولها بالمناصفة، و كل ما تحصل عليه كان يكفي لها لطول سنة، و كان أبوها يأتي إليها من وقت لوقت ويصلح بيتها في كل موسم المطر. إنها بدأت تعيش مع ذكريات زوجها وحاولت و تحيي ذكره كل سنة فبدأت تعقد حفلة سنوية تقيم فيها مأدبة لأقاربه، وتتصدق بإسمه و هكذا بدأت حياتها تمر ببطء وسكون.

مرت على وفاة زوجها حوالى خمس سنوات و نشأ خلالها هذا الفتى اليافع في أحضانها، ولكن حدث شئ غريب في هذا الشتاء عندما كان يحاولان أن يحصل بعضهما من البعض الدفأ كالعادة كما في السنوات الماضية في مواسم الشتاء، فقد كان ينام معها منذ كان طفلا صغيرا و نشأ و ترعرع في حضنها. إنها لم تدرك متى اشتعلت وهي تحاول أن تحصل على بعض الدفء منه تحت اللحاف، و متى انزلق ثوبها، و متى تدفق جسدها الهائل،  ومتى فتحت فخذيها في دوامة من النشوة، ومتى بدأ السرير يئز، ومتى أخذت تهتز صعودا و نزولا بلا هوادة، فتسلقت اللذة الأليمة مع هذا الأبن الذي شب و تربى في حضنها.

و هذا الذي حدث مرة بدون إرادة منها عرفتها من جديد إلى اللذة التي كانت فقدت إثر موت زوجها، وأشعرتها بتفاهة العالم الذي اختارته بالجبر، فتهدمت فجأة جدران التدين والعبادة التي أقامتها حول نفسها للدفاع عنها في لحظة ارتطام واحدة فقط إذ أدركت بأنها تفتك شبابها الرائع من أجل رجل قد أصبح حلما مفقودا، فبدأ ذلك يتكرر كل ليلة، و شعرت كأنها دخلت في عالم جديد كله جميل، كأن ليالي النشوة الأولى قد عادت إليها من جديد، فقد حصلت على اللذة التي كانت نسيتها بعد وفاة زوجها، فكانت أرضا خصبة و في عنفوان شبابها، ولكنها كانت غافلة عن النتيجة، فجاءت بثمر فضيحة تحمله في أحشائها ولم تدرك ذلك إلا عندما بدأ بطنه ينتفخ بمرور الأيام.

لم تتمكن من أن تخفي ما تطور في بطنها و سرعان ما لاحظت نسوة القرية ذلك، وما أن انتشر الخبر في القرية و بين الأقارب، أصبح ذلك حديث الناس الذين بدؤوا يتكلمون عن العار الذي جرت هذه الأرملة على الأسرة وأهالي القرية، فعقدت اجتماعات عامة في مدرسة القرية لحل هذه القضية تحميل مسؤلية الفضيحة، ولكن لم يصلوا إلى أي نتيجة و بدلا من ذلك نشأت هناك خلافات بين الناس، وشجارات بين الأسرات، وحدث قطع الصلة بين الأصدقاء، وقطع الرحم  بين الأقارب، وعند ذلك أدرك أبوها بأنه أخطأ خطأ لا يُغتفر عندما لم يتبع قوانين الشريعة في أمرها وخضع لإرادتها الحقيرة، فإذا كان حاول أن يقوم بتقسيم إرث زوجها وبتزويجها مرة أخرى وفقا للشريعة لما جرت العار على الأسرة و لم تكن تحدث هذه الفضيحة التي شتت شمل الأسرة بأكملها. أما هي، ففقدت أرضها و عرضها ووالديها وإخوتها وأصبحت بمثابة منبوذة لا يعتني بها أحد.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of