+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

أحمد ابوخليل القباني رائد المسرح العربي في سوريا
*د.محفوظ الرحمن

يعد أحمد ابو خليل القباني رائدا من رواد المسرح العربي في سوريا، وهوأبو المسرح الغنائي. وله دور فعال في تطوير هذا الفن حيث قدم كثيرا من المسرحيات العربية في سوريا ومصر. ولد القباني سنة 1852م، وأنشأه أبوه تنشيئة دينية، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى العلوم الإسلامية على شيوخ عصره وتعلم القراءة والكتابة، ودرس أصول العبادات وعلوم الدين واللغة والموشحات الدينية في المسجد الأموي وكما أنه تعلم الموسيقى والموشحات الأندلسية وقد اكتسب من الشهرة في فن الموسيقى والغناء، وكما كان فقيها وشاعرا و أديبا بارعا، وكان يكتب الأزجال في شبابه وكان يتردد على كبار الموسيقيين في دمشق، ويحضر في دروس الصوفية وحلقات الدين في التكايا حتى نال لقب الشيخ، وتعلم التواشح والأغاني الدينية وتلمذ على كبار أساتذة الموسيقى الذين شهدوا له بالاقبال على الدرس وبالتفوق والنبوغ وقد نال شهرةً في فن الموسيقى والغناء، و أصبح أستاذاً لهذه الفنون، وكان الناس يرجعون إليه و يلهجون بذكره و بخاصة عندما رحل إلى مصر ليقوم بتأسيس هذا الفن الجديد.(1)
كان من عادة القباني أنه يتردد على المقاهي في صباه وخاصة كان يأتي إلى المقهى الكبير بحي العمارة في دمشق القديمة، وكان يستمع من الحكواتية والقصاصين الشعيبين إلى القصص الشعبية والملاحم والسيرالعربية، وكان يشاهد لاعبى الأراجوز ويستمع إلى ملاحم عنترة وأبي زيد الهلالي وسيرة بني هلال والزماني خليفة والظاهر بيبرس.
وبعد أن شاهد أحمد القباني هذه القصص الهزلية الضاحكة أو التاريخية الحماسية وكان معجبا بخيال الظل وبمعركه على حبيب في المقهى الكبير بحي العمارة بدمشق، فأراد أن يقدم مثل هذه القصص أمام الناس ولذلك أظهررأيه أمام أصدقائه حيث قال: “نحن نشاهد الخيالات المصنوعة من الجلد والتى يحركها ويقوم بجميع أدوارها شخص واحد. وهذه الأعمال متعبة جدا، وإنه إن دلت فإنما تدل على براعة فائقة، واستعداد عظيم وإرادة قوية وصلبة فإذا كتب أحدنا قصة بخمسة أشخاص أو أكثر ثم أخذنا نتحاور في كل ما من شأنه أن يعود بالفائدة على المجتمع، ويحطم الأدمغة المتحجرة، أليس ذلك أفضل من الخيالات التى يزرع فيها الحياة رجل واحد، ومع مرور الأيام نختار القصص العربية والتاريخية، والإسلامية الطافحة بالتوجيه والموعظة والعبر، والشجاعة والفداء والتضحية، ومن ثم نضيف إليها من يغنى ويطرب ومن يرقص السماح ويبدع ونقيم الحفلاف المبدئية في قاعات البيوت الكبيرة”.(2)
عندما شاهد القباني الخيالات المصنوعة (خيال الظل) التي كان يحركها رجل واحد وكان الناس يتمتعون بها ويأخذون العبر والنصيحة فلم يقتصرالقباني بها، بل أراد أن يقدم شخصيات إنسانية حية تنبض بالحياة والحركة وإنه كان تأثر بالفرق الأجنبية التي كانت تأتى إلى باب توما بدمشق وكانت تقدم مسرحيات إجتماعية وأخلاقية في المدرسة العازارية و كان القباني شهد هذه المسرحيات جمعياً، وأخذ فكرةً عن المسرح والتمثيل فأسس في دمشق مسرحاً وألف فرقةً. وقد تأثر القباني بالمسرح الأجنبى وكما تأثربمسرح خيال الظل ولذلك نجده يقلد المسرح الأجنبي في تقديم مسرحياته التي ابتدعها، ولكنه لم يعهد إلى اقتباس المسرحيات الأجنبية بل استفاد منها فقط.(3)
يعتبر أحمد خليل القباني من أحد رواد المسرحية العربية وقد جهد جهدا كبيرا لتطويرها وقدمها أمام الناس. وهو تلميذ مارون النقاش وإن لم يره، ترك القباني خمس عشرة مسرحية ولم ينشر منها غير ثمان، ومثلت فرقته كثيرا من المسرحيات المترجمة، وأما المسرحيات التي ألفها القباني فهي كما يذكر محسن أطمش: ” هارون الرشيد مع الأمير غانم” و “رواية هارون الرشيد مع انس الجليس” و”رواية الاميرمحمود نجل شاه العجم” مقتبسات من حكايات “ألف ليلة وليلة”و مسرحية”عنترة” مقتبسة مما يردده الناس من حكايات شعبية عن البطل والشاعر المعروف، أما مسرحية “عفيفة ز” فهي مقتبسة عن قصة “حفيفاف أميرة العفاف” التي ترددت في الكتب الدينية وسير القدسيين وكان موضوعا لعدد من المسرحيات والقصص وبعض المسرحيات مؤلفة وبعضها مترجمة، وموضوعها هو قصة الزوجة العفيفة المحافظة على عهد زواجها وشرفها والصدق الخائن الذي يحاول النيل منها في غياب زوجها، وكذلك مسرحيته “لباب الغرام أو الملك متريدات” وهي مترجمة بتصرف عن “راسين” صاحب المسرحية المعروفة بهذا الإسم ومسرحيته “حيل النساء الشهيرة” بلوسيا’ وكذلك ناكر الجميل.
هذه مسرحيات القباني كما ذكر محسن أطمش ويتضح لنا أن مسرحيات القباني كلها مترجمة أو أنها اقتبست من القصص الأخرى واتخذ طريق أستاذه مارون النقاش كما أنه اقتبس من قصة “ألف ليلة وليلة” ويختلط في مسرحياته الشعر بالنثر مثل أستاذه ولكن الفرق بينهما هو أن الشعر في مسرحيات النقاش كان ضعيفا مختل الأوزان تتداخل فيه البحور، وفي مسرحيات القباني في أغلب المواضع شعر رصين جزل، ويستخدم الشعر الذي يلائم للحالات النفسية التي يعيشها أبطال المسرحية، فلا خلل في الأوزان ولا تداخل بين البحور، حتى نجده قد نهل من مناهل الشعر العربي القديم، فتارة تجد بيتا وكأنه للمتنبي وثانية وكأنه للبشار، وثالثة وكأنه لأبى العلاء المعري.(4)
ونريد أن نذكر أبياتا للقباني كتبها في بعض مسرحياته فمثلا في مسرحيته”لباب الغرام” حيث يقول :
مونيمُ صبري قد صار فاني وضاق صدري والقلبُ عاني
آذيتقلبي رقّي لحالي لقياكِ طلبي في كل آن
صروف الدهر قدحكمت بظلمي وأبعادي وتعذيبي وسقمي
ألا يا دهر قد حمّلت جسمي عذابا ليس تحمله الجبال
ويقول في موضع آخر:
سلو فاتر الأجفان عن كبدي الحرا
وعن درّ أجفاني سلو العقد والنحرا
غزال إذا ما رمت عنه تصبرا
يقول الهوى لن تستطيع معي صبرا
تعشقته كالظبي والغصقامة
رنا وانثنى كالسيف والصعدة السّمرا
أو كقوله :
ويحك يا قلبي أما قلت لك
إياك أن تهلك فيمن هلك
حرّكت من نار الهوى ساكنا
ما كان أغناك وما اشغلك
ولى حبيب لم يدع مسلكا
يشمت بي الأعداء إلا سلك
بالله يا حمر خديه فمن
شامك أو شمّك أو أخجلك
مولاى حاشاك ترى عاجلا
ما أقبح العذر وما أجملك ..(5)
هذه الأبيات لأحمد القباني نجد فيها الصنعة الشعرية والمهارة في الأداء وقدمها المسرحي في مسرحياته حسب الظروف الملائمة التي يعيشها أشخاص المسرحية.
وقدمت فرقة أحمد ابى الخليل القباني مسرحيات عديدة في دمشق ولكن عندما يئس من صلاح حال التمثيل فيها واضطرب من حملات الحساد. كتب إلى صديقه الذي يعيش في الإسكندرية سعد الله حلابه وهو التاجر السوري الأصل، وطلب رأيه لاستيناف نشاطه التمثيلي في مصر في بيئة جديدة فشجعه صديقه هذا على الحضور وشد رحاله إلى مصر وذهب معه بعض أفراد فرقته ولما وصلت فرقة القباني إلى مصر فنشرت صحيفة الأهرام نبأ قدومها حيث قالت :
“قدم إلى ثغرنا من القطر السوري جوق من الممثيلين للروايات العربية يدير أعماله حضرة الفاضل الشيخ أبى خليل القباني الدمشقي، الكاتب المشهور والشاعر المفلق، وقد التزم للعمل قهوة الدانوب، المعروفة بقهوة سليمان بك رحمي، في جوار شادر البطيخ القديم، والجوق مؤلف من مهرة المتفنين في ضروب التمثيل وأساليبه، وبينهم زمرة من المنشدين والمطربين، تروق لسماعهم الآذان وتنشرح الصدور فنحث أبناء الجنس العربي على أن يتقدموا إلى عضد المشروع، بما تعودوا من الغيرة، والتمثيل سيبدأ به هذه الليلة، غرة رمضان المبارك عند الساعة الثانية بعد الغروب (الساعة 9 افرنجية مساء) وسيتتالى في كل ليلة حتى نهاية الشهر. وأول رواية تشخص”أنس الجليس” وهي بديعة مسرة، وأوراق الدخول تباع في باب المحل باثمانها المعينة، وهي 5 فرنكات للدرجة الأولى و2 للدرجة الثانية و1 للدرجة الثالثة، وهي قيمة زهيدة في جنب الفوائد المكسبة”.(6)
مثلت فرقة القباني عديدا من المسرحيات ثم انتقل إلى القاهرة واستأجرت مسرح”البوليتياما” للتمثيل وقدمت عديدا من المسرحيات التي قدمتها في الإسكندرية ومن قبلها في دمشق، ثم عاد إلى دمشق، ثم عاد إلى الاسكندرية بفرقته الجديدة حيث قدمت الفرقة مسرحيات وانتقل القباني منها إلى المنصورة ومثل فيها فترة من الزمن، وكذلك كان القباني يتردد أحيانا على الإسكندرية والقاهرة.
ولا شك فيه أن أحمد ابا خليل القباني له إسهامات كبيرة في تطويرهذا الفن وإصلاحه، وجهد جهدا كبيرا للمسرحية العربية في الأقطارالعربية في آخرحياته وقام بخدمات جليلة للمسرحية العربية ومثلها مع فرقته في دمشق والقاهرة والإسكندرية ووفرالجوالملائم للمسرح فيها.

*****

مراجع البحث:
1- د.محمد يوسف نجم- المسرحية في الادب العربي الحديث، دارالحياة بيروت ص:62
2- وصف المالح- تاريخ المسرح السوري وذكرياتي ص:12، وتناولت هذه العبارة من رسالة فاطمة حكيم، التراث العربي في الأدب السوري في سورية، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، الجامعة الملية الاسلامية نيودلهي ص:72
3- د.محمد يوسف نجم- المصدر السابق، ص:63
4- محسن أطمش- الشاعرالعربي الحديث مسرحيا، منشورات وزارة الأعلام الجمهورة العراقية سلسلة دراسات، ص:45
5- محسن أطمش- نفس المصدر ص:46-47
6- الأهرام- العدد 1974م من يونيو1884(29شعبان1301) ونقلت هذه العبارة من كتاب د.محمد يوسف نجم- المصدر السابق ص:115-116

*المدير المسؤول للمجلة و أستاذ ضيف بقسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي، الهند.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of