مدخل:
من الغريب عامة أن يعشق علماء دين كبار النساء غير أزواجهم ويتغزلوا بهن في شعرهم. ولكن الواقع لا ينفي ذلك. إذ اتضح لنا خلال دراسة تاريخ الأدب العربي أنه لم يتغزل الشعراء الفساق فقط بالنساء في شعرهم بل غامر بعض العلماء الكبار والفقهاء أيضا في هذا الميدان. فكتب فقيه شهير مثل ابن حزم الأندلسي قصائد تغزل فيها بالنساء، ونجد في قصة من قصص ألف ليلة وليلة أن فقيها كبيرا ماهرا في علم القراءات عشق بجنية واتصل بها جسديا. ومن المستحيل أن يتخيلها كاتبها بدون ان تحدث واقعة شبيهة بها في أرض الواقع. ومن بعض العلماء الذين كتبوا الشعر الغزلي وعشقوا النساء، الشيخ ابو الحسن علي بن عبد الغني الحصري الضرير القيرواني.
كان أبو الحسن علي الحصري الضرير حافظا للقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، وعالما بالشريعة الإسلامية، كما كان له رسوخ وتضلع في علوم اللغة والنحو والأدب والقراءات. إضافة إلى ذلك، كان الشيخ الحصري شاعرا كبيرا أيضا. فكان يعشق النساء ويتغزل بهن، الأمر الذي يتناوله هذا المقال على أساس أبياته الشعرية وقصائده ذات الصلة.
ميلاده ونشاته:
ولد أبو الحسن علي الحصري عام 420 هـ في القيروان. واسمه الكامل علي بن عبد الغني أبو الحسن الفهري الحصري نسبة إلى صناعة الحصر. ولد الحصري بصيرا ثم عمي في أيام طفولته. والجدير بالذكر أن هذا الشيخ الحصري هو غير الشيخ أبي إسحاق الحصري صاحب “زهر الآداب”.
نشا الشيخ علي بن عبد الغني المكنى أبا الحسن في مدينه القيروان في حي الفهريين نسبة إلى قبيله فهر العربيه وهي القبيلة التي ينتمي إليها فاتح القيروان ومؤسسها عقبه بن نافع الفهري. وتوفيت أم الحصرى وهو طفل صغير وتوفي والده وهو شاب بلغ سن الرجولة.
حياته العائلية:
كان في حياة الحصري شيء من عدم الاستقرار النفسي والأُسَري بسبب فراق زوجته إياه، والتي كانت أندلسية قيسية من قبيلة ثقيف. أما سبب هجرها إياه فإنها كانت شابة وأصابت الشيخوخة بالشيخ الحصري مبكرا. فأحبت شابا بربريا وهربت معه الى الجزائر.
وبسبب انعدام الاستقرار في حياه الشاعر، توالت عليه موجة من المصائب والصعاب. وكان قد فقد أمه وبصره في صغر سنه ثم أباه لاحقا، فأجبرته صروف الدهر على هجرته من مسقط رأسه الى مدينه سبتة المغربية ومنها إلى الأندلس، وهناك فارقته زوجته، وانتقل إلى الله أحب أبنائه إليه صغيرا ولم يبلغ من العمر عشر سنين كما توفي عدد من أبنائه. وتركت كل هذه الأحداث والنكبات والمآسي على الشاعر أثرا عميقا. فعبر عن عواطفه الجياشة تجاه هذه المصائب وعواطفه الحزينة في شعره. حيث كانت الأحداث الأخرى تنزل في حياته فبدأ يعتزل بالنساء، سعيا إلى التغلب على هذه الأوضاع والظروف، فيقول:
ولما دهاني الدهر وابني وأمه بحربين بكر مرة وعوان [[2]]
صددت عن البيض الرعابيب سلوة وأقسمت جهدا لأملكن عناني.
تعليم الشاعر:
حفظ الحصري القرآن الكريم، وأجاد بعلم القراءات حتى أصبح مقرئا شهيرا، ثم درس العلوم الشرعية من لغة وتفسير وحديث وعقائد وفقه. كما أنه تبحر في علوم الشعر والنقد والأدب، ونظم في علم القراءات شعرا ولاسيما له قصيدة نظمها في قراءة الأمام النافع، تبلغ أبياتها 209 بيتا. وبكونه لغويا ونحويا وشاعرا كبيرا. إنه استخدم ذخيرته اللغوية الهائلة وثقافته العالية ومعارفه الواسعة في قرض الشعر ويلاحظ أثر القرآن الكريم والتعليم الديني في بعض أشعاره.
مؤلفاته:
ومما دبج قلمه ما يلي:
- ديوان اقتراح القريح واجتراح الجريح
- ديوان المعشرات
- مستحسن الأشعار
- الرائية، وهي منظومة نظمها في القراءات وفي قراءة النافع.
غزله:
عجبا! لم يصدّ الحصري كونه عالما دينا كبيرا ومقرئا شهيرا عن الوقوع في عشق النساء حتى غير زوجه والمغامرة في ميدان الشعر بشكل عام وفي الشعر الغزلي بشكل خاص.
كتب الحصري الشعر في أغراض كثيرة بما فيها الرثاء والغزل والمدح وأغراض أخرى. وهنا يقتصر الحدث عن غزله فقط. وكتب الشاعر ديوانا باسم “ديوان المعشرات”، يشتمل على 29 قصيدة وكل قصيده تحتوي على أبيات في الغزل والنسيب. ويقول الشاعر في المعشرات:
أما لَكَ يا داء المحب دواء بلى عند بعض الناس منك شفاء
أسير العدا بالمال يفديه أهله وما لأسير الغانيات فداء. [[3]]
أسود الشرى في الحرب تحمي نفوسها بنجدتها ما لم تَعِنَّ ظباء. [[4]]
ثم يبين في القصيدة لاحقا أن العشق والهوى لا يمكن التغلب عليهما، بما أنه لا يستطيع الصبر على مفارقة الحبيب، إذ قلبه في يد من يحبه، يقلبه كيف يشاء ثم يندم على أنه كان يلوم المحبين؛ لأنه بعد أن وقع في الحب، عرف ما يفعل الهوى بالعاشقين.
ويقول في قصيدة أخرى:
بكت رحمه للصب عين عدوه فما لحبيب القلب لا يرحم الصبا؟ [[5]]
بخيل بأن يحيا القتيل بلحظه وأن يرد الظمآن بارده العذبا.
ويصف في القصيدة نفسها عيني حبيبته ويشبههما بالظبي قائلا:
بعينين هاروتيتين كأنما يجرد نحوي منها صارما عَضْبا، [[6]]
براني هوى الظبي الغرير وقادني ذليلا وكم راض الهوى جامحا صعبا. [[7]]
ويبين في مطلع معشراته، أنه أعجب بثلاثة أعضاء منها: برِدْفيها الممتلئتين، وخصرها النحيل والسحر الذي في عينيها، فيقول:
ثمِلت بذكراها وطبت كشارب لها بالمثاني تارة والمثالث، [[8]]
ثلاث سلبن القلب حسن عزائه وألبسنني ثوبي خليع وناكث [[9]]
ثَقالة رِدْفيها ورقة خصرها وسحر العيون القاتلات البواعث.
انظر كيف يقوم الشاعر بمثل هذا الوصف الدقيق لأعضاء محبوبته وهو أعمى! فالعميان يرون الحياة بما فيها ببصائرهم لا بأبصارهم.
ويضع أحد الباحثين عده احتمالات لوصف الشاعر الحسي الدقيق لمفاتن المحبوبة رغم عماه:
- تشعرك بعض قصائده أحيانا بأن احدى هؤلاء الحبيبات قد تكون زوجته
- إن الشاعر عرف ثقل الأرداف لحبيبته ودقة خصرها وغير ذلك من مفاتن المحبوبه وأوصافها الحسية بلمسها بيديه
- خياله الواسع وحفظه لوصف الشعراء العرب الآخرين حبيباتهم ثم استمداد وصفهم واستخدامه في وصف حبيبته.
بيد أن شعر الحصري لا يخلو من أبيات تدل على الغزل الصريح. فهو يصف ما يدور بينه وبين عشيقته مصرحا بمفاتنها وما ناله أو حاول أن يناله منها، قائلا:
لمَىَ شفة المحبوب أو ورد خده مدى أملي لو تم لي ما أؤمِّل [ [10]]
لعمري لو قبّلته كيف أشتهي لأعطيته دنياي لو كان يقبل
لهوت به لهو التريف بكاسه يولّي بتوقيع المدام ويعزل. [[11]]
وكذلك قوله الذي صرح فيه بتقبيله محبوبته وهو:
تميميه ترقى الضجيع بريقها إذا عقرب منها على الصدغ دبت. [[12]]
فحبيبة الشاعر هنا تنتمي إلى قبيله تميم، والمعلوم أن زوجة الشاعر كانت قيسية من قبيله ثقيف، مما يدل على أن للشاعر حبيبات غير زوجته، فكان يلهو ويتمتع بهن أيضا.
كما صرح باسم حبيبته في موضع آخر وهو يقول:
قالت هي الشبيبه وقّرتها وشبيبة المرء تري دينه
فقلت إني لأريد الصِبا إن كنت يا هند تريدينه.
يتحدث الحصرى في قصائده الغزلية عن الحب والهوى، ومعاناته من العشق، وآلامه التي تنتج عن حبه، ويبين أوصاف حبيبته كما يتحدث عن الهجران والإقبال وما أصابه في سبيل الحب من آلام ومتاعب متمثلة في أرق وسهر وفكر دائم وفؤاد مشغول بحب العشيقة، مصرحا في بعض أبياته بغزله الذي يقربه من شعراء الغزل الصريح.
ويقول الحصري في إحدى قصائده في الغزل:
أبثك ما في النفس لست أُرائي أنا بعض قتلى حبك الشهداء
ألفت البكا إذ عز فيك عزائي إلى أن بكت أرضي معي وسمائي.
وإني لراض عنك في هذه الحال.
بفيض دموعي فيك سكبًا على سكب. بعطفك في ذاك الرضا قبل ذا العتب [[13]]
بما بيننا من عفة زمن القرب بما جردت عيناك من صارم عضْب [[14]]
أجرني من الخد المطرز بالخال. [[15]]
فالشاعر في قصيده المخمس يكثر الاعتذار، ويحاول التقرب إلى حبيبته، معترفا بأخطائه وزلاته.
ويقول الشاعر في قصيدة غزلية له:
ودّعت من أهوى بل استودعتها قلبي وسر مدامعي وزفيري
فبكت بنرجستين خفت عليهما نفسي فلم ألثم بغير ضميري.
قالت: أترحل والأحبة هاهنا؟ قلت: القضاء كما علمت ضروري
قالت: متى الرجعى فقلت إذا انتهى مقدور ربي مقدِّر المقدور.
يتبع الشاعر في قصيدته هذه الأسلوب القصصي الحواري، ويبين به الحوار الذي يجري بينه وبين حبيبته، واصفا الأحداث حسب ترتيب وقوعها، ويصور لحظة الوداع، وتظهر فيها مشاعر الحب والهيام لكل من المحب والحبيب.
ومن أبياته في الغزل مايلي:
قالت: وهبتك مهجتي فخذ ودع الفراش ونم على فخذي [[16]]
وثنت إلي مثل الكثيب يدي فأجبتها نعم الأريكة ذي
هنا لم يهتد الشاعر الى فخذها إلى أن أخذت حبيبته يده ووضعتها على فخذها، فأحس باللمس بلينه حتى شبهه بكثيب الرمل؛ لأن الشاعر كان أعمى. وهكذا يصف الشاعر الضرير وصفا دقيقا لمفاتن المحبوبة مستخدما حاسه اللمس.
ومن قصائد الحصري قصيدة “يا ليل الصب”. وهذه القصيدة ليست غزلية ولكنها ابتدئت بمقدمة غزلية. وتعد هذه القصيدة أحد أسباب شهرته وعلو مكانته. فاشتهر الحصري بـ”شاعر يا ليل الصب”. أُعجبنا بحلاوة ألفاظها، وسمو معانيها وإيقاعها الموسيقي. ونورد هنا مقدمتها الغزليه وهي ثلاثة وعشرون بيتا:
يا ليلُ الصبُّ متى غدُه أ قيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ
رقدَ السُّمَّارُ فأَرَّقه أسفٌ للبيْنِ يردِّدهُ
فبكاهُ النجمُ ورقَّ له ممّا يرعاه ويرْصُدهُ
كلِفٌ بغزالٍ ذِي هَيَفٍ خوفُ الواشين يشرّدهُ
نصَبتْ عينايَ له شرَكاً في النّومِ فعزَّ تصيُّدهُ
وكفى عجباً أَنِّي قنصٌ للسِّرب سبانِي أغْيَدهُ
صنمٌ للفتنةٍ منتصبٌ أهواهُ ولا أتعبَّدُهُ
صاحٍ والخمرُ جَنَى فمِهِ سكرانُ اللحظ مُعرْبدُهُ
ينضُو مِنْ مُقْلتِه سيْفاً وكأَنَّ نُعاساً يُغْمدُهُ
فيُريقُ دمَ العشّاقِ به والويلُ لمن يتقلّدهُ
كلّا لا ذنْبَ لمن قَتَلَتْ عيناه ولم تَقتُلْ يدهُ
يا من جَحَدتْ عيناه دمِي وعلى خدَّيْه توَرُّدهُ
خدّاكَ قد اِعْتَرَفا بدمِي فعلامَ جفونُك تجْحَدهُ
إنّي لأُعيذُكَ من قَتْلِي وأظُنُّك لا تَتَعمَّدهُ
باللّه هَبِ المشتاق كَرَى فلعَلَّ خيالَكَ يِسْعِدهُ
ما ضَرَّك لو داوَيْتَ ضَنَى صَبٍّ يُدْنيكَ وتُبْعِدهُ
لم يُبْقِ هواك له رَمَقا فلْيَبْكِ عليه عُوَّدُهُ
وغداً يَقْضِي أو بَعْدَ غَدٍ هل مِنْ نَظَرٍ يتَزَوَّدهُ
يا أهْلَ الشوقِ لنا شَرَقٌ بالدّمعِ يَفيضُ مَوْرِدُهُ
يهْوى المُشْتاقُ لقاءَكُمُ وظروفُ الدَّهْرِ تُبَعِّدهُ
ما أحلى الوَصْلَ وأَعْذَبهُ لولا الأيّامُ تُنَكِّدهُ
بالبَينِ وبالهجرانِ فيا لِفُؤَادِي كيف تَجَلُّدهُ
الحُبُّ أعَفُّ ذَويهِ أنا غيرِي بالباطِلِ يُفْسِدهُ
خاتمة:
زبدة المقال إن أبا الحسن الحصري رغم كونه عارفا بالعلوم الشرعية مثل التفسير والحديث والفقه وعقائد، كتب قصيدة تعليمية طويلة في قراءة الإمام نافع، أنه كان يعشق النساء ويتغزل بهن في قصائده، مما اتضح من أبياته الشعرية المذكورة أعلاه.
***
[1]. أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية، كلية البنات الحكومية العامة للبكالوريوس، كولكاتا، الهند. (shafiqjnu@gmail.com)
[[2]] بِكْر: أول ولد الأبوين. عوان: يقال: حرب عوان: قوتل فيها مرة بعد أخرى.
[[3]] الغانيات: و: غانية: المرأة الغنية بحسنها وجمالها عن الزينة.
[[4]] الشَرَى: موضع كثير الأُسْد. تعن: تظهر.
[[6]] عينين هاروتيتين: عينان ساحرتان. عَضْب: قاطع.
[[8]] ثمِلت: أسكِرت. المثاني (في الشعر): قد يشير المثاني إلى الأبيات التي تتكرر أو تعاد في القصيدة أو إلى الأبيات التي تحتوي على مواعظ او قصص متكررة. المثالث (في الشعر): هو فن من فنون الشعر يصفه بعض النقاد بأنه يتكون من ثلاثة أشطر (أو مصاريع) بحيث إذا أخذنا الحرف الأول من كل شطر وجمعناها، يتكون منها شطر رابع.
[[9]] الخليع: الذي ترك الحياء وركب هواه.
[[10]] لَمَى: سمرة في الشفة تستحسن. أؤمِّل: آمل.
[[11]] التريف: المترَف. يولّي: يدبر. توقيع المدام: رفع الخمر. بتوقيع المدام: رافعا الخمر. يعزل: (هنا): يبتعد.
[[12]] الضجيع: المضطجع مع أحد.
[[15]] أجرني: أسحب نفسي. خال: برد يمني أحمر فيه خطوط سوداء.
المراجع والمصادر:
- على الحصري القيرواني، تونس.
- ألف ليلة وليلة، طبعت على نفقة سعيد على الخصوصي بجوار الأزهر الشريف بمصر
- سلمى الحفار الكزبري، الأندلسيون يعشقون، مجلة العربي الكويتية، العدد (547) – إصدار (6- 2004)، تم الاسترجاع من الموقع التالي: https://alarabi.nccal.gov.kw/Home/Article/8558 15/ 08/ 2025م
Leave a Reply