ترجمة: د. بثينة شموس[2]
سال دمٌ أحمر حارٌ على كل الملاءات. دعوني وشأني! تركته لعلّ هذا السيل الأحمر الحار يغسل ذلك الجسد الضخم من صدري، ويجلو هذه الرائحة النفاذة العفنة التي لا تبرح أنفي وفمي. أزلتُ الحجارة واحدةً تلو الأخرى، واقتلعتُ الجذور المتعفنة، ورميتُ التراب والكتل، وأمسكتُ بتلك الجثة الضخمة التي حملتها لأيامٍ وسنين وقرون وألقيتها في ذلك الفم الأسود الفارغ، وها هي لا تحتاج إلى أكثر من حفنة من التراب لتغطيها، وبما أن الدم قد لطّخ الملاءات البيضاء كلها سأصعد كل درجات العالم من دون أن ألهث، وسأنطلق كسحابةٍ خفيفةٍ وشاردةٍ في السماء الزرقاء الصافية.
يتجذر نصل السكين المكسور أكثر فأكثر بين أضلعي، وعروق الدم تتقبله كجسم مألوف. ملأت رائحةٌ نفاذةٌ كل مساحة هذه الغرفة البيضاء والمشرقة. ها هم يُمسكون بيديّ وقدميّ، وتتداخل رؤوسهم، وتحت ضوء المصابيح المبهر ووميض السكاكين والملقط والملاعق أرى تنّيناً أبيض بسبعة رؤوس يلتفّ حولي، ولكن لم يعد عليّ أن أدفن سكيني المكسورة بين أضلاعه وفي فروه الكثيف الناعم كمعطف الفرو الذي أرادت زوجتي شراءه. كم بقيتُ منزعجاً حتى انطلقنا وبدأنا نسير صاعدين وأنا ألهث! كنت ما أزال أفكر فيما إذا كنا سنصل أخيراً إلى السماء بعد كل تلك الدرجات حين وصلنا إلى تلك الصالة الكبرى ذات النوافذ الملونة، وتلك الثريا الكبيرة في منتصف السقف التي تعكس الأضواء جميعاً إلى العيون. وقفت محدقاً حينما كانت زوجتي تسير بين التماثيل، ثم أصبحت زوجتي تمثالاً، بالعينين الزجاجيتين نفسهما والابتسامة المتجمدة ذاتها. كان معطف الفرو على كتفيها. مررتْ يدها على فرو المعطف الناعم، فارتسم قوس قزح وصنع جسراً لامعاً فوق يدها. ضحكتُ، وضحكتْ زوجتي أيضاً، ثم نظرتْ إلى بطانة المعطف وكفّت عن الضحك. تقدمتُ ووقفتُ بين تماثيل النساء.
- عشرة آلاف تومان، يا إلهي؟
نزلنا كل تلك السلالم مجدداً، ودرنا حول كل تلك المدرجات، وكل ما كنتُ أفكر فيه هو متى؛ متى سنصل إلى القاع؟ ولم يكن هناك سوى وقع حذاء زوجتي ذي الكعب العالي على سلسلة الدرج، وصوت لهاثنا وأنفاسنا المتقطعة ونحن منهكون. كانت تنبعث من ذلك الجسد الضخم رائحة كرائحة ماء الخث ودخان التبغ، وكرائحة ورق كتب أدعية أمي.
- يا غياث المستغيثين!
لم أكن أريد ذلك، ولكن ها هو ذا؛ على كتفي، بكامل ثقل عروقه وأوتاره وفرائه. كنتُ أعلم أن الممرات التي لا نهاية لها ستصل في النهاية إلى طريق مسدود، وقد كان هنا الطريق المسدود: جدار من الطين والحجر والجير، وأيضاً فم سرداب مفتوح كباب حجري بدا لي وكأنه ينتظرني منذ سنوات. تحسستُ كأعمى، ودخلتُ السرداب بظهر منحنٍ تحت وطأة هذا العبء الثقيل، ووجدته هناك بعينيه الزرقاوين الشاخصتين من الدهشة. كان جسده الضخم يضغط على صدري ويشدّ ظهري العاري بالباب، وفروه الناعم والكثيف يغور في فمي وحلقي. قلتُ: لو طعنتُ قلبه بسكيني المكسورة لكان بإمكاني أن أجلس وأسلخه وأنا مطمئن، حتى يكون بإمكاني عندما أعود إلى المنزل كل مساء أن أقول لزوجتي:
- أرجوكِ، ارتدي معطف الفرو هذا!
فترتديه وتمرر يدها فوق فروه الناعم، وسيظل بوسعنا أن نبقي هذا الفراء الملون والزَّلِق والناعم في المنزل، ولن نضطر -أنا وزوجتي- بعد الآن إلى صعود كل تلك السلالم والالتفاف حول تلك الدرجات نصف الدائرية.
- يجب ألا تسفك دمه، يجب ألا تفعل، وإلا؛ فمقابل كل قطرة تسيل على الأرض سينبت آخر، وعندها سيملأ السراديب كلها بأشباله.
كان يجلس القرفصاء على الأرض بجانب المصباح الزيتي، وقد صلّب يديه الطويلتين والنحيلتين على ركبتيه النحيلتين، وارتفع صوته من مكان ما في ذلك الظلام المخيّم الكثيف مرة أخرى.
- يجب ألا تسفك دمه!
كانت موجودة هناك، بذلك الجسد الضخم نفسه، ودمها الدافئ والسائل نفسه الذي يجري في عروقها الزرقاء، وقلبها ينبض ستين، بل مئة، وربما ألف مرة في الدقيقة، وثدياها الممتلئان بالحليب يتدليان على الأرض. كانت عيناها الزرقاوان قلقتين من نصل سكيني المكسور؛ فذلك النصل المكسور لا يزال بإمكانه أن يخترق ذلك الفراء السميك، وأن يقطع ذلك الجلد القاسي وكأنه مصقول، ويصل إلى اللحم والأوتار، لتتمكن من تمرير عروق دمها عبر كل تلك الدهاليز والأقبية، وتملأ تلك الأقبية كلها بطعام أشبالها.
- أنت، هل رأيته فيما مضى؟
- يجب ألا تسفك دمه!
تحرك الجسد ذو الرأس المقطوع، وأشرقت بقعة من ضوء أصفر لمصباح زيتي على رأسه. كان شعره ولحيته أبيضين، ولم يكن لديه حتى قوس قزح صغير وخافت، ولكن رأيت عروقاً زرقاء عبر جلده الأبيض والدم يجري فيها.
- عندما استعدت وعيي، لم أرَ سوى هذا النصل المكسور بجانبي. لقد جردوني من ملابسي، وأخذوا ساعتي، حتى ساعتي، ولم يعطوني إلا هذا النصل المكسور. ألا يجب أن يكون في هذا حكمة ما؟
كان رأسه منحنياً، وصاح وسط دموعه التي كانت تتدفق كالنبع:
- يجب ألا تسفك دمه!
تردد صدى صوته في أرجاء القبو المقبب، وهزّ نوافذ الزجاج الملون، وسمعته يخرج من الباب ويدور في الدهاليز. خرجتُ أبحث عن الصوت، لكنه عاد مكتوماً؛ كصوت ألف رجل يصرخون من بعيد، والريح تحمل أصواتهم.
– يجب ألا تسفك دمه!
كانت قدماي العاريتان تتحسسان بحثاً عن الدرجات الباردة والرطبة. أحصت يداي الحجارة الخشنة والمغطاة بالطحالب واحدة تلو الأخرى، وسمعتُ صوت أنفاس؛ أنفاس تكاد تحصى، كما كان وقع الأقدام التي تهبط على الحجارة يصطدم بالقبّة ويرتد إليّ. كانت الأصوات مكتومة وقوية، والأجنحة تصطدم بوجهي، وتفوح منها رائحة العفن والجيَف، وكان الظلام كثيفاً وحاداً وشعرتُ بثقله حتى من تحت عصابة عينيّ. كانت الدرجات طويلة وممتدة بلا نهاية، وصوت الخفافيش يملأ الدهليز بأكمله، وقدماي المتعبتان تتحسسان الحجارة والشقوق. تقدمتْ يدي في الظلام باحثةً عن عمود أو حجر وهي تعطي الحجارة أشكالاً، وانتهت بالاحتكاك بعمود رخامي. كانوا يأتون بأنفاسهم التي تكاد تحصى. كنت أعرف أننا سنصل أخيراً إلى ذلك الباب، وأسمع صريره وهو يدور على عقبه. أزالوا العصابة عن عينيّ، وأخلعوني ملابسي، حتى ساعتي، وتركوني في ذلك الظلام الكثيف والحالك. دار الباب على عقبه مجدداً، وابتعد وقع الخطوات وصوت الأنفاس. كنت أشعر بأنفاسه الثقيلة على بشرتي. قرعت الباب بقبضتي؛ قرعت الباب الحديدي الثقيل بكامل قبضتي، وبقيت أقرع وأقرع بقوة حتى بدأت الحلقتان الناريتان الملفوفتان حول معصميّ تلسعانني بالاحتراق مجدداً، فسقطتُ عند الباب، وأخذ جلدي العاري يشعر ببرودة الأرض الرطبة والأحجار المغطاة بالطحالب، وانزلقت يدي على الأحجار باحثةً عن شيء ما في الظلام إلى أن وصلت إلى نصل السكين المكسور. أيمكن أن يخلو كل هذا من حكمة ما؟ الحكمة التي لا توجد في الكتب؟ الحكمة التي لا يمكن أن تُقرأ تحت نور مصباح الزيت الخافت؛ في ذلك الظلام الصلب، ووسط تلك السطور المضطربة والمشوشة والمتداخلة.
– يجب ألا تسفك دمه!
لحستْ أنفاسه الثقيلة صدري العاري كلسان أحمر. لو أن نصل سكيني قد اخترق فروه السميك؛ لو أنه وصل إلى عروقه الزرقاء ودمه الأحمر؛ فهل كان بإمكانه أن ينثر أشباله في جميع أرجاء السرداب؟ ما الذي كُتب في ذلك الكتاب العظيم ذي الرائحة الكريهة حتى صار شعر الرجل ولحيته بهذا البياض؟
- يجب ألا تسفك دمه!
انطلقتُ أبحث عن الصوت، وعندما عاد –الصوت- اقشعرّ جسمي بأكمله من هول طبيعته العميقة الرنانة، إذ بدا كصوت ألف رجل منهك لاهث. لو سأل الجيران؛ لو ألحوا عليّ…
– صدقوني، لقد أرسلته إلى كربلاء لأخفف عنه.
لكن الجيران، الذين لم يكونوا ليدعوني وشأني كانوا يقولون دائماً: “إذن لماذا لم يأتِ إلينا طالباً منا السماح قبل سفره؟”
عندما وصلتُ إلى المنزل، قرأت سورة الحمد أولاً سبع مرات ورسمت سبعة خطوط على ضريحها، بدءاً من يديها وأظافرها التي كانت تجلس دائماً وتطليها. كانت يداها بيضاوين وأصابعها طويلة، وقميصها الأبيض والمغضّن يُجسّد قوامها، وكان شعرها الأسود مُسدلاً على كتفيها، وطيّات ياقتها تلتفّ حول قفاها مُخفيةً الخطّ العميق بين ثدييها. لكنّ عينيها اللتين كانتا شاخصتين دهشةً وخوفاً كانتا لا تزالان حمراوين بشدة.
- يا امرأة، انهضي، حضّري كوباً من الشاي.
عندما تكون زوجتك لا مبالية، وتجلس قبالتك وهي تضع قطّها الأسود في حجرها وتُداعب فراء ظهره، وعليك –إياك- أن تجلس أمامها وتشاهد تلك الأصابع البيضاء الطويلة وهي تنزلق عبر فراء القط الأسود، وليس بإمكانك إلا أن تنتظر قوس قزح صغيراً وباهتاً ليظهر ويسدّ الفجوة بين أصابعها…
- يا امرأة، عندما يعود الرجل إلى المنزل مُنهكاً، فإنه لا يريد إلا أن يجلس ويشرب فنجاناً من الشاي ويدخن لفافة تبغ. دعي هذا القط وشأنه، وانهضي والتفتي لحياتك واعتني بشؤونك!
مرّرتْ يدها في شعرها، وسوّت طيّات قميصها، وغطّت بشرة فخذها الأبيض الشفاف، ثمّ عادت لمداعبة قطّها من جديد، فاضطررتُ لأن أنهض وأحضّر الشاي بنفسي، وجلستُ لأدخن لفافة تبغ وأنا مرتاح البال، نفثتُ الدخان من فمي على شكل حلقات كانت تدور وتختفي في جو الغرفة.
- لماذا تتدخلون في حياة الناس دائماً؟ إذا كان على كل شخص أن يُحاسب على كل ما تفعلونه أنتم البشر، فلن يستطيع أن يعيش حياته.
ثم صنع هؤلاء مفتاحاً للباب حتى يتمكنوا من الدخول إلى بيتي عندما لا أكون فيه، ليروا ماذا تفعل -أيها الإنسان- في منزلك، في حديقتك، أو حتى في غرفتك وقبو منزلك؟ عندما تجلس في حديقة منزلك وتقرأ الفاتحة ترى شخصاً يقف على السطح ويحدّق فيك، فتقول له: “لكن يا رجل! ربما يكون لدى المرء رأس مقطوع في منزله ولا يريد أن يعرف أحد من عباد الله بذلك”.
- سيدي، من فضلك قل لي كم الساعة؟
من أين لي أن أعرف؟ خاصة في هذا الوقت من الليل، وفي هذا الظلام الدامس والمرءُ مرغم على النزول عن هذا الدرج الرطب وعليه أن يبقي انتباهه بأكمله حتى لا ينزلق فجأة، ويحسب الدرجات خطوة بخطوة، حتى يمسك بيده ذلك العمود عندما يصل إلى الدرجة الثانية عشرة، وعليه أن يتذكر عندما يصل إلى الدرجة الحادية والعشرين ذلك الشرخ لئلا تعلق قدمه فيه مرة أخرى، وعليه –الآن أيضاً- أن يحجب عينيه بيده حتى لا تُعميه الخفافيش، وفي النهاية عليه أن ينتظر حتى يدور ذلك الباب الحجري ويُفتح. كنت أعرف أنه يقف في ركن ما بين أشجار الصفصاف الموجودة بجانب الجدول، وينظر إليّ من هناك، حتى أنني رأيت بصيص سيجارته، فأبطأتُ خطواتي، ولكن هل يمكن العودة؟! عندما تكون زوجة المرء قد سرحت شعرها عشر مرات أو عشرين من الصباح إلى الليل، وطلت شفتيها بأحمر الشفاه، وجلست بجانب عُدّة الشاي تنتظر قدومك لتبدأ بتذمرها… قلت: “ربما لا شأن له بي”، لكنني كنت أعلم أنه بكل تأكيد قد تجول في هذا الزقاق تحت الأشجار منذ المساء وحتى الآن بانتظار مجيئي. كان يحفظ مواصفاتي عن ظهر قلب: رجل طويل القامة، شعره خفيف، وشارباه أسودان، وبين شفتيه لفافة تبغ يدخنها دائماً. نقلت علبة شطائر السجق من يد ليد، ووضعتُ لفافة تبغ بين شفتيّ، وحنيتُ رأسي حتى أمرّ من جانبه.
– سيدي، هل يمكن أن تتفضل معي دقيقتين؟
– إلى أين؟
– لدينا بضعة أسئلة، لا غير…
كان لا يزال جسمه في الظلام تحت ظلال الأشجار، فلم يكن بإمكاني أن أعرف مع من أتعامل.
– ولكن زوجتي تنتظر. لا بد من أنها أعدت الشاي الآن وهي جالسة تنتظر قدوم زوجها.
– سنذهب بالسيارة، لن يستغرق الأمر أكثر من بضع دقائق.
خرج من الظلام، وألقى بعقب لفافة التبغ التي كان يدخنها في جدول الماء، ورأيت بريق عينيه الزرقاوين، وشعره الكثيف، وشاربيه الرفيعين، ولحيته المشذّبة، ومشينا متحاذيين. كان مُحقاً؛ إذ كانت السيارة قد ركنت على جانب الطريق. استقللتُها أولاً وجلستُ بجانب السائق، ثم جلس بجانبي، وانطلقت السيارة. ألقيتُ بعقب لفافة تبغي من النافذة، ومددتُ علبة لفائف التبغ أمام السائق.
- شكراً، أنا لا أدخن.
كان وجه السائق في الظلام. التقط الرجل ذو العينين الزرقاوين لفافة تبغ، وأشعل لفافتي بولاعته. دار الباب الكبير على عقبه محدثاً صريراً حاداً. ترجّل الرجل أولاً، ثم تبعتُه، وفيما كنا ننطلق أدركتُ أنه عليّ أن أسير عبر صف أشجار الدلب والتوت الأزرق، وأن أجتاز تلك الدرجات وأدور حولها. وسمعتُ وقع حذاء الرجل خلفي، وبقيت أسمعه. كانت الدرجات مظلمة، لكنني كنت أذكر جيداً أنه يجب أن أمسك بالدرابزين، فكان الدرابزين في قبضتي، والدرجات تحت قدميّ. كانوا يصعدون الدرج خلفي ويتبعني وقع أحذيتهم وصوت لهاثهم الذي بدأ يعلو. عندما انفتح الباب من تلقاء نفسه خطف ضوء المصباح الساطع بصري. جاء الرجال، وأحاطوا بي كحلقة واحداً تلو الآخر؛ كانوا كظلال داكنة ولا تستقر؛ كخطوط تتغير في كل لحظة؛ كأغصان صفصافة هائجة لا يشعر المرء بوجودها إلا عندما تهب الرياح، لكنك ترى أن تلك الخطوط المتشابكة والمرنة لا تستقر أبداً، ثم تستقر الخطوط وتتشكل بأشكال مختلفة.
- صدقني، لم أفعل شيئاً. أنا شخص لا مبالٍ، لا زوجة له ولا أطفال. أقضي يومي من الصباح حتى المساء أتشاجر مع أبناء الناس، وفي الليل أذهب إلى منزل عائلتي القديم والخاوي نفسه، بالأبواب والنوافذ ذات الزجاج الملون ذاتها، وذلك القبو الذي لا يعرف المرء أبداً أين ينتهي، وتلك المرأة التي لا تريد شيئاً سوى أن تداعب قطها أو تطلي أظافرها.
- لماذا قتلته؟
- عندما يكون الإنسان متعباً ومنهكاً…
رأيت يداً بيضاء ممدودة في الهواء، واحترق وجهي. كانت رؤوس الرجال تهتز باستمرار، واكتست الظلال بلحم وجلد، ودارت حولي دائرة من العيون والشوارب والأنفاس.
- صدقني، زوجتي تنتظرني.
ازدادت دائرة اللحم والأعصاب والدم ضيقاً. وها هو ذا، بهيبته الشديدة والمربكة، يركع على الأرض رافعاً يديه متضرّعاً. انثنت ساقاي تحت ثقل جسده وأنفاسه. عندما ارتفعت يداي أبقيتهما مشبكتين على صدري احتراماً له، لكن عينيّ رأتا أن ظلال اللحم والدم كانت تحاول إجباري على السقوط والتهاوي أرضاً بالضغط على يدي وضرب ركبتيّ. كنت أعرف أنه عليّ ألا أضع جبهتي على التراب، لذا تدحرجتُ على جانبي فوق الأرض. كانت هناك ظلال وممرات في كل مكان. وقد أخلعوني حذائي. بدأ الرجل، ولم أكن أرى سوى الخطوط الحمراء المرتعشة ووجهه الممتلئ من خلفها، وشعرتُ بحرقة في ساقيّ وعضضتُ شفتي وهو ينحني على وجهي وصدري بكل ثقل جسده، ثم ساد ظلامٌ ثقيل، وبدأت خطوط من الدم تتسرب كقطران بارد صلب.
كانت جالسة على المقعد المقابل. وأردتُ أن أقرأ صفحة أو صفحتين على الأقل من كتاب، لكنني لم أستطع. كنتُ أعرف أنها تراقبني وهي تتحدث إلى أمها. التقط الطفل حفنة الحصى ورماها على الكرة الحمراء، لكن نصف الكرة كان لا يزال خارجاً، ثم ذهب والتقط حفنة أوراق من تحت أشجار الدلب، وأحضرها ورمى بها على الكرة التي كانت قد كبرت للتو، فكبرت الكرة مرة أخرى.
- يا امرأة، انهضي، عودي إلى منزلكِ وحياتكِ!
وضعت ملاءة الصلاة على قدميها وتحدثت إلى أمها. اقترب الطفل إلى جانب مقعدي وجمع الأوراق التي كانت الريح قد هبت وبعثرتها. عندما رأيت وجهه عرفت أنه لا ينبغي أن يكون طفلي سميناً وممتلئاً هكذا. كان شعره أشقر وعيناه زرقاوين. كانت هناك شامة لحمية بجانب شفتيه الصغيرتين. وبدأتُ. بدأت بشعره، شعره الأسود الناعم الممتد على جبهته، ورأيت عينيه السوداوين تلمعان، كما لو أن حدقتيهما قد غُسلتا. أخذتُ وجهه الصغير بين يدي، ومسحتُ الشامة اللحمية. كانت شفتاه حمراوين وممتلئتين، وتمنيت أن يكون وجهه ناصعاً كضوء القمر. كانت أصابعه الصغيرة والسمينة تجعله يبدو قبيحاً، وذاك اللغلوغ؛ لا أدري ما الفائدة من وجود هذا اللغلوغ المكوَّن من طبقتين تحت ذقن الطفل؟ يبدو منذ الآن أشبه ما يكون بمدير مدرستنا تماماً.
- فريبرز، تعال يا بني، لا تزعج الرجل.
- أين الإزعاج يا سيدتي؟ أنا أحب الأطفال كثيراً، خاصةً إذا كانت ذقونهم الصغيرة رقيقة ووجوههم ناصعة كضوء القمر وشعرهم أسود وعيونهم…
ضحك وجه الطفل الذي أحطتُه بين يدي، ولمعتْ حدقتاه المغسولتان. انطلقتُ مع وزوجتي. مشينا بطول الشارع المغطى بأوراق الشجر. كانت حماتي تتبعنا لاهثة.
- تمهلا قليلاً لألحق بكما.
- أسرعي، أسرعي يا امرأة!
كانت تقف في جواري. رأيت ملاءتها، ثم ذراعها العارية الممتلئة، ويدها التي تمسك بذراع الطفل. تركت وجه الطفل وضحكت في وجه المرأة. كانت شامتها السوداء في تجويف ذقنها تماماً.
- عندما يسافر والده، يعتقد أن أي رجل يراه هو والده.
- حفظه الله! كم هو طفل لطيف!
انحنت المرأة، ووضعت يد الطفل بين يديها، وسارا على امتداد الشارع المغطى بأوراق الشجر. كان نور الشمس الذي يشعّ مائلاً يضيء ذراع المرأة العاري، وكانت حماتي تلهث.
- يا رجل، يجب أن يكون لدينا طفل أيضاً، فالبيت بلا أطفال كالقبر.
- لم أكن قد فكرت في الأمر إطلاقاً.
سرنا بسرعة. وكانت المرأة التي تتبعني خطوة بخطوة تكاد تفقدني أعصابي.. كنت أعرف أن الجارة تنظر إلينا من خلف الستارة، لكنني خفضت رأسي…
بالمناسبة؛ إلى متى يجب أن يبقى الإنسان وحيداً؟ أليس عليه في كل الأحوال أن يُبقي خلفاً في النهاية؟ خلفاً يجري دمه في عروقه ويتكلم بلسانه، ويأتي على الأقل ليضع باقة من الزهور على قبرك بعد وفاتك، أو يقرأ الفاتحة على قبرك إن كان لديه اعتقاد وإيمان بذلك. عندما وصلتُ إلى المنزل، أعددت الشاي وجلست خلف الموقد واضعاً لفافة تبغ بين شفتي.
- يا امرأة، انهضي، ارتدي قميصكِ الأخضر، وسرّحي شعركِ الأشعث هذا.
ذهبت وجلست أمام المرآة، وسرّحت شعرها، ووضعت شامة سوداء في تجويف ذقنها، وأتت وجلست بالقرب مني وذراعها عارية.
- كيف تريدين أن يبدو طفلكِ؟
- سميناً وأشقر.
- لا، يجب أن يكون وجهه منيراً كضوء القمر، ولا أريده أن يبكي أبداً. هل تعدينني بهذا؟
وقد وعدتني. وعرفت أن فترة حمل طفلتي قد بدأت. كانت في البداية ظلاً بلا شكل، وغير منتظمة. كان شعرها أشعث وغير مسرح. عدلتُ شعرها بأطراف أصابعي وغسلت حدقتيها ووضعت هاتين الطيتين الرقيقتين بجانب شفتيها، وأمسكتُ بين يدي يديها النحيلتين البيضاوين. كان الشارع المغطى بأوراق الشجر طويلاً بلا نهاية، ولم تستطع الطفلة مجاراتنا في المشي. كانت يداها باردتين وسعالها لا يتوقف. احتضنتها بقوة. امتقع وجهها ودارت عيناها، وحدقت في ركن من الغرفة.
– يا رجل، طفلتنا تحتضر، خذها إلى الطبيب.
– هل ستسمحين لي بقراءة صفحة أو صفحتين وتدخين لفافة تبغ ورأسي مرتاح؟
لكنها لم تكن لتدعني وشأني. ألقت ملاءتها على رأسها، واحتضنت الطفلة وحدقت بي بعينيها الحمراوين، فجريتُ للخارج؛ جريتُ إلى عيادة الطبيب. صعدت كل تلك الدرجات وأنا ألهث. كانت النساء يجلسن في غرفة الانتظار، يضعن أطفالهن النحيلين بين أذرعهن وهن يراقبن باب عيادة الطبيب يُفتح ويُغلق فيما يقف رجل بجانبه. ذرعتُ الغرفة جيئة وذهاباً، ورميتُ عقب لفافة التبغ في الردهة وأشعلتُ لفافة تبغ أخرى. كنت أعرف أن الطفلة تحتضر، فقد بدأت تسعل ذلك السعال، وهل يمكن احتمال ذلك السعال الجاف المتقطع؟ ثم جاءت. كانت طويلة القامة وسمراء، شعرها الأسود منتشر على جبهتها، وتحمل طفلة بين ذراعيها. ذهبت إلى أمام الباب.
- سيدي، أرجوك! طفلي سيموت.
- سيدتي، دور هؤلاء أولاً، تفضلي بالجلوس إلى أن يحين دورك أيضاً.
نظرت إلينا جميعاً وذهبت وجلست على أحد الكراسي. بدأ أطفال بقية النسوة النحيلون بالسعال بصوت هادئ ومنتظم.
- يا امرأة، ألم تعديني بأن طفلتكِ لن تبكي، وأنها لن تلوث الغرفة، ولن تمرض، ولن تدور عيناها، ولن تلفظ أنفاسها أمام المرء فلا تُجبره على حملها إلى المقبرة وإلقائها في تلك الحفرة العميقة السوداء الفارغة؟!
بكت المرأة، وبكت الطفلة أيضاً، فأطفأتُ لفافة التبغ، وذهبت وجلست بجانب المرأة، وأمسكت بيد الطفلة التي كانت باردة جداً. كان وجهها ناصعاً كضوء القمر، وهناك شامة مليئة بالشعر بجانب شفتيها، وكانت تنظر إلى ركن الغرفة بعينيها السوداوين. نظرت إليّ المرأة وابتسمت:
– حفظها الله. تبدو طفلة جميلة وهادئة.
– أنت لا تعرفين ما المصيبة التي حلت بها؛ لم تكن تهدأ لحظة واحدة في مكانها، لكن فجأةً قبل أسبوع أصيبت بسعال ديكي. عندما يبدأ سعالها، تسعل أولاً مرات متعاقبة، ثم تنقطع أنفاسها. ركضتُ كثيراً حتى تمكنتُ من الوصول قبل فوات الأوان، والآن ترين بنفسك…
– سأعطيك دوري.
ابتسمتْ، ورأيتُ كيف ظهر تجويف غمازتيها حول فمها، واحمرّ وجهها. دخلنا الغرفة معاً. كانت رائحة الدواء نفاذة، وكان الطبيب جالساً على الجانب الآخر من الطاولة تحت ضوء المصباح الساطع، مرتدياً ثوباً ناصع البياض، ينظر إلينا بعينيه الزرقاوين وإلى الطفلة التي كانت تحدق الآن في المصباح بعينيها السوداوين. تحدثت زوجتي، وتحدث الطبيب وأنا أنظر إلى الطفلة ويديها الصغيرتين وعينيها وشفتيها. كنا ننزل الدرج، وكانت الطفلة تضحك بين ذراعيّ، وأمها تتبعني وهي تلهث.
– يا امرأة، هل تصلحين لأن تكوني مدبرة منزل؟ ما الفائدة من جلوسك هناك طيلة النهار تداعبين هذا القط؟ على الأقل انهضي وأوقفي بكاء هذه الطفلة المسكينة!
– هل تظن أنك أحضرتَ خادمة؟ أنا بشر أيضاً، وأريد أن أرتاح ولو لدقيقة.
كنت أعلم أن حياتنا لن تدوم، وأن الطفلة تحتاج إلى ألف أمر وأمر، وسنضطر للجلوس في عيادة الطبيب حتى يحين دورنا، وبالمناسبة فالطفلة لن تنجو، وتلك الحفرة السوداء العميقة الفارغة في المقبرة حُفرت من أجلها.
– إذن انهضي، اذهبي إلى الحمام، وأصلحي وجهك ووضعك.
مسحت زوجتي دموعها، ووضعت صرتها تحت ذراعها، وغادرت، وأنا جلستُ عند الموقد، وصببتُ لنفسي كوباً ساخناً من الشاي الداكن، وأشعلتُ لفافة تبغ.
في البداية، كان الأمر ضبابياً ومربكاً. لم يكن هناك شيء في مكانه، وفي كل لحظة كنت أخشى أن تسقط تلك الجدران الأربعة السميكة، وذلك السقف بأضوائه المتذبذبة… حاولتُ جاهداً في البداية لأُبقي النافذة في مكانها الأصلي. كانت النافذة مفتوحة، وعندما توقف الجدار المقابل رأيت لونها البرتقالي، ثم الجدار الآخر والباب، وأولئك الذين جاؤوا كالظلال والتفوا حولي. كنت أدرك شيئاً فشيئاً أن خطوط أجسادهم الوهمية بدأت تتشكل على هيئة لحم وجلد، شعرتُ بثقل أجسادهم الضخمة على أديم الأرض، وبأنفاسهم اللاهثة المتقطعة. كنتُ مستلقياً على أرضية الغرفة منهكاً وغارقاً في الدماء، وفي الشعور بذلك الطعم المالح والحار في فمي، وببرودة الأرض تحت يديّ وخدّي. أمسك أحدهم بياقتي ورفعني، فشعرتُ بحرقة لاسعة ومؤلمة في لحم باطن قدميّ وبشرتهما، كما لو أن الأرضية مليئة بشظايا زجاج حاد. قادني الرجل في أرجاء الغرفة، وراقبني الآخرون حين كانت ركبتاي تنثنيان ألماً؛ راقبوني بعيونهم الزرقاء وأنا أسير في الغرفة على شظايا كل ذلك الزجاج الحاد.
– لماذا قتلته؟ لماذا خنقته؟
نظرتُ فقط إلى عينيه وذقنه. عندما فتح شفتيه سال لعاب كثيف على عيني اليسرى وبدأ يتحرك، وبدأ مخاطه الشبيه بالدودة يتحرك على خدي. أفلتَ الرجل ياقتي، وتحررت قدمي من كل شظايا الزجاج الحادة، ورأيتُ كيف تقترب رؤوس الرجال من بعضها وتبتعد، وكيف تحركت النافذة، وعندما وصلت النافذة إلى الباب، انحنت رؤوس أشجار الدلب خلف النافذة، وانجذبت للأمام أكثر فأكثر لتراني وأنا أسقط. لم أكن أرى سوى أرضية الغرفة والبقعة الحمراء التي كانت تقترب أكثر فأكثر. كانت يداي خلفي في قيد ناري، ثم جاءت السحب؛ سحب خفيفة هائمة، بلا وزن، تستقر على أجنحة الريح وتسبح في تلك الزرقة الصافية. وأنا الذي كنتُ أرغب في ارتقاء كل درجات العالم بقيتُ ساكناً في ذلك الظلام الدامس، وفوق صدري وكتفي تلك الجثة الثقيلة. كان بجانبي، وكانت جثته الضخمة ذات الفرو الكثيف تضغط على صدري وكتفيّ، وكنتُ أسمع الدم ينبض في عروقه الزرقاء عبر كل ذلك الفراء الذي كان يدغدغ وجهي ويغور في فمي وحلقي، ويداي ما تزالان في تلك الحلقة النارية التي انغرزت في عظام معصميّ.
قلتُ لنفسي في البداية: “لن يُساء أحد بذلك، فمن جهة سأجد ما يشغل زوجتي، ومن جهة أخرى عندما أعود إلى المنزل مُنهكاً يمكنني أن أرى ابتسامتها وأُداعب شعرها الأسود الناعم، أو أن أُمسك يديها الصغيرتين بيديّ الكبيرتين وأحدق في عينيها السوداوين المُبتسمتين. وبالمناسبة؛ إن هذا البيت كبير وخاوٍ، ووجود طفلة فيه سيجعله ينبض بالحياة؛ طفلة تلتقط كرتها الحمراء وتذهب لتجلس تحت ظلال الأشجار وشجيرات الورد الأحمر. حملتُ مع زوجتي ذلك الحمل الثقيل لمدة تسعة أشهر كاملة في بطوننا، وأنا -الذي كنت أثقل ويزداد وزني يوماً بعد يوم- كنتُ على يقين من أن طفلاً آخر سيولد بين ذراعيّ اليوم أو غداً، وبقيتُ أنتظر تلك الليلة الطويلة المُظلمة وأنا أُدخّن لفائف التبغ واحدةً تلو الأخرى، وأُكتم الصراخ في حلقي.
- يا امرأة، سنسميها “فريبا”.
- لا أحد يسمي ابنه “فريبا”، على الأقل لنسمّه “سهراب”!
وتبادلنا الكثير من الكلام أنا وزوجتي، وفي النهاية سمّيناها “فريبا”، فقد كانت فتاةً، وملأت المنزل بصراخها، وامتلأت الغرف برائحة الحليب والبول والعصيدة، وبذلنا -أنا وزوجتي- الكثير من الجهد حتى تمكنتْ من الضحك والجلوس على الأرض، وحبوتُ بنفسي على أربع كثيراً حتى بدأتْ تحبو وتمشي، ومزقتِ الكتب والأوراق، وأصيبت بالسعال الديكي. استهلكت زجاجة زيت نفط حتى كبرت وتمكنت من الوقوف على قدميها، وكسرت مزهرية الخزف المتوارثة، ونزعت الزجاج الملون كله من مكانه. كنت أعرف أنه يجب عليّ أن أكفّ عن التسكع في الشوارع والمقاهي، وأن أشتري الخبز واللحم والدواء، وأعود إلى المنزل ليلاً حتى تتمكن الطفلة من تسلق رأسي وظهري ونتف شعر شاربي.
- يا امرأة، على الأقل نوّمي هذه الطفلة ليلاً حتى لا تتسلق على ظهر المرء ورأسه كل هذا الوقت.
- وهل أنت مرغَم على قراءة كل هذه الصحف أو تصفح كل هذه الكتب؟
- إذن ضعي الدمى أمامها.
لكن الدمى لم تصمد أمام أسنان الطفلة الحادة؛ لم يكن يمر يومان إلا وأضطر إلى جر نفسي تحت المطر إلى متجر دمى وارتقاء كل تلك السلالم.
- ولكن يا خالتي، أمع كل هذه المشاغل والأعمال الملقاة على عاتقي تريدينني أن أتزوج؟!
- أنتَ لا تعرف كم هي جميلة! إنها سيدة نجيبة، ولا يوجد ما لا تجيده، فمن كل إصبع منها تقطر ألف مهارة.
- هل تستطيع -مثلاً- أن تُسكتَ طفلتها أو على الأقل أن تمنعها من إتلاف كل هذه الدفاتر والكتب؟
- ليتني أعلم ماذا كُتب في هذه الكتب حتى علقتَ بها لا تبرحها كالدودة؟
- أنت تعلمين يا خالتي أنني لستُ من مُحبي النساء والعائلة. أهلاً بك كلما أتيتِ إلى هنا، ولكن لا تحدثيني عن النساء والزواج.
عندها ألقت خالتي ملاءتها على رأسها وانصرفت غاضبة.
كنت قد رأيتها مرات عديدة؛ كانت طويلة ونحيلة، بعينين سوداوين لامعتين، وشعر قصير دائماً، قصير جداً لدرجة أنه كان بإمكان المرء رؤية بياض قفا عنقها عندما كانت تمشي.
- لقد سئمت من هذه العادات والتقاليد. إذا كنتِ تريدين أن تكوني زوجتي، فلنذهب إلى مكتب تسجيل الزواج مباشرة.
وانطلقنا، وصعدنا الدرج، وظلت زوجتي تصرّ على أنني يجب أن أبيع هذا المنزل، وتقول لقد تعبتُ من تنظيف كل هذا الزجاج الملون، وتلحّ عليّ قائلة: “عليك أن تعود إلى المنزل باكراً في الليل وأن تهتم ببيتك وحياتك”، وتكرر باستمرار: “عليك أن تكفّ عن قراءة هذه الكتب”.
قلتُ في نفسي: “لو أنجبتْ بضعة أطفال، لكفّت عن التذمر”، فحملت زوجتي. وظهرت بقع على وجنتيها، وكانت تمشي في أرجاء الغرفة والفناء ليل نهار متثاقلة وهادئة، وتفوح منها رائحة الحليب الطازج أينما حلت.
- حسناً، هذه المرة سنسميه “سهراب”.
- يا امرأة، سمّينا الأول “سهراب”، أفنسمي هذا أيضاً “سهراب”؟
- حسناً، سنسميها “فريبا”.
وسميناها “فريبا”. بكت ولوّحت بيديها. بكت ونمت أسنانها. بكت وجلست. بكت وحبت ومشت. بكت ووقفت وصرخت. اشتريتُ سواراً وانطلقتُ أنا وخالتي. كانوا قد ذروا الماء أمام منزلهم الذي تفوح من ردهته رائحة عبقة بالتبن والرطوبة، ورائحة ورود البيتونيا تنتشر في الفناء وتكاد تصيب المرء بالدوار. جلستُ في أعلى الغرفة التي دخلن إليها بملاءات الصلاة البيضاء، ولم أستطع أن أرى إلا إحدى عينيهن التي كانت سوداء حالكة. عرفتُ أنني لن أجد أياً من التجاعيد الخفيفة لوجه أمي في وجه خالتي الممتلئ والمحمرّ. كانت عينا خالتي تبرق كضوء مصباح يدوي تحت طبقات اللحم. نظرتُ إلى طرح الزهور على السجادة. كانت خالتي قد قالت لي: “التدخين ممنوع!”، وكنت قد نظفتُ أسناني بالفرشاة مرتين، وفي المرتين قالت: “ما زالت رائحته كريهة”.
- ما يزال الجير على أسنانك. أسدِل شعرك هذا على جبينك أيضاً!
أخذَتِ المشط من يدي، ووقفتْ على كعبي قدميها، ورتبت شعري. عندما نظرت في المرآة رأيت الفتى ذاته الذي كان يتأبط الكتب ويمشي ببطء وهدوء في الأزقة الموحلة، لكن هذين الخطين من التجاعيد عميقان على جبيني بشكل لا يمكن تجاهله. عندما أدارت خالتي وجهها، أعدتُ ترتيب شعري كما في السابق وانطلقنا. كانت خالتي لا تكف عن إطرائها بالثناء على عيني زوجتي وشعرها، وكانت ورود البيتونيا تعلو وتهبط في ماء النرجيلة التي كنت أتوق إلى سحب دخانها ونفثه. جاءت بقصر قامتها وثقلها، وجلست قبالتي مطأطئة الرأس. كان شعرها الأشقر ظاهراً من طرف ملاءتها البيضاء وهي تفرك يديها الممتلئتين ببعضهما.
- انزعي ملابسك!
خلعت قميصها الأبيض الطويل. اشتمّتْ يداي رائحة عطر قميصها، ورفعتُ جسدها الممتلئ والنضر. كانت ثقيلة جداً، ورحتُ ألهث حتى استطعتُ أن أضعها على ذلك السرير الكبير.
- كم تفوح من فمكِ رائحة التبغ؟
- لقد نظفتُ أسناني بالفرشاة ثلاث مرات.
وضعتُ ثدييها في قبضتي، وملأتْ رائحة شعرها الأشقر أنفي، وقد تجولت زوجتي في المنزل تفوح منها رائحة الحيض، وازداد وزنها شيئاً فشيئاً، حتى لم يعد بالإمكان حملها بين الذراعين. جلسنا معاً بجانب عُدّة الشاي، ودخّنّا لفائف التبغ، وقضينا تسعة أشهر كاملة مع رائحة الحليب الطازج من حمالات صدرها وقميص الداخلي.
- هذه المرة سنسميها “فريبا”.
- يا امرأة، هل ستعودين إلى عنادكِ مرة أخرى؟
ومع أنها بكت رفضتُ، فسمّتها زوجتي: “فريبا”. قلبت الطفلة المنزل رأساً على عقب بصراخها، وكنتُ دائماً ما أنحني لأتمكن من وضع إبهام قدمي في فمي وسط رائحة الحليب والبول والعصيدة التي ملأت المنزل بأكمله.
وضعت يدي في جيبي لأدخن، فضغطت خالتي على ركبتي، ونظرتُ فرأيت عيني زوجتي الزرقاوين… عندما اختفت رائحة الرطوبة والقش، كنا قد صرنا في الزقاق.
– خالتي العزيزة، ألم أقل إن عينيها يجب أن تكونا سوداوين وشعرها أسود؟
– إذن انتظر حتى ألدَ لك واحدة بنفسي.
وضعتْ ملاءتها وانصرفت غاضبة، وأنا غارق في التفكير باقتراض المال لشراء دواء الأطفال بطريقة ما، أو على الأقل لشراء معطف الفرو من مكان ما.
– يا امرأة، أعليّ بهذا الراتب القليل أن أشتري الطعام والملابس لكل هؤلاء الأطفال، وأن آخذهم إلى السينما؟ أوبإمكانهم –أيضاً- إن أرادوا مسح أيديهم الدَّبِقة بسروالي وأطراف معطفي؟ ألا يجب أن يكون لديّ طقم ملابس آخر لأتمكن من الذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي لأعلّم أبناء الآخرين؟!
كانت زوجتي تزداد وزناً يوماً بعد يوم، وكانت تمسح أنوف الأطفال بتلك المريلة المتسخة، وتسرّح شعرهم، وتعلق الملابس على حبل الغسيل، أما أنا فكنت أفتش في جيوبي وجواري لأسيّر أمور الأطفال الثلاثة أو الخمسة أو السبعة الذين تجمعوا حولي.
لففتُ الكتب في جريدتين. كانت زوجتي تقف مراقبةً والطفلة بين ذراعيها، ثم ضحكتْ.
- اشترِ دميتين أيضاً!
ومسحتْ أنف الطفلة بمريلتها، ووضعتْ حلمة ثديها في فمها الواسع الأدرد. وضعتُ كتابين آخرين في جيوب معطفي الواسعة، وانطلقتُ. كان المطر قد بدأ للتو بالهطول، لذا سارعتُ خطاي على الأرصفة المبتلّة. كانت الكتب ثقيلة؛ كنت أشعر بثقل كل من فيها من أشخاص تحت ذراعيّ. الآن هم يسيرون بمحاذاتي تحت رذاذ المطر ذاك.
- لو لم يكن الله موجوداً لكان كل شيء مباحاً، حتى الجريمة.
- إن كان الله موجوداً، وكان كل شيء مما يجب عليّ -أنا العبد الفقير- أن أفعله مكتوباً على اللوح الأبدي، وكل ما لا يجب أن أفعله، فكل ما أفعله خير، ولا يمكن أن يؤخذ عليّ القيام به أو أن أُسألَ عنه، حتى من قِبل الله.
كانت الفتاة الصغيرة المرحة تجلس على كرسيها الدوّار ضاحكة، والمرأة الطويلة والبيضاء التي وضعت ريشة في قبعتها، تدفع الكرسي إلى الأمام، وكانت المرأة تعبر وحدها الشارع المغطى بأوراق الشجر، وتراقب يدي الرجل وهما تضغطان على يديها، ثم أسندت رأسها على كتفه.
- سيكون حبنا أبدياً.
حبنا وثلاثة آلاف فرنك، ثلاثة آلاف فرنك فقط لرجل سوارُ ساعته من الذهب، ويملك كل هذه الممتلكات والعقارات، وامرأة جاءت لتأخذ ثلاثة آلاف فرنك فقط مقابل حبها، ولتنقذ زوجها وحياتها…
- ألم تركع أمامي على هذه السجادة بالذات وتقل لي: سأحبكِ إلى الأبد؟
- أحببتُكِ وسأحبكِ. لكنكِ تعرفين هذه ثلاثة آلاف فرنك… أنتِ جميلة! لا شك في ذلك، لكن هذا المال أيضاً كثيرٌ جداً.
أحبَّها حقاً، لكن كيف يُمكنه تأمين كل هذا المال في هذا الوقت القصير؟ أمن الضروري دائماً امتلاك كل هذا المال لإثبات الحب؛ ليتمكن المرء من احتضان جسد امرأة من جديد والوصول إلى لحظة الاتحاد بين جسدين؟ أليس من الممكن -مثلاً- اجتياز نهر متجمد، أو ترويض حصان بري، أو إطلاق سهم على أرنب يختبئ تحت الشجيرات، وأخيراً وضعُ باقة زهور جميلة وكبيرة على القبر والسلام بالتصليب؟
– يا لها من سيدة طيبة! يوم الإثنين الماضي أخذتْ دبوساً من حانوتي، وقالت: سأرسل لك المال مقابله. اليوم فقط، عندما أحضر ساعي البريد رسالتها، رأيت إيصال بريد بطول أربعين سنتيمتراً في تجويف الرسالة. يا لها من سيدة طيبة، ويا لجمال خطها!
كانت الأوراق اليابسة تُصدر حفيفاً، وكانت المرأة تسير منهكة ومرهقة بين صفين طويلين من أشجار الدلف والزيزفون العارية.
- إذن على المرأة الوحيدة أن تموت لتثبت حبها؛ لتثبت حبها لزوجها، وحبها لخائنها، وحبها لطفلها، وحتى لخادمتها ولقوس شعرها؟
جثا “شارل” بجانب المرأة، وأمسك بيديها البيضاوين، وبلّلهما بدموعه، بينما استمر السم في التسلل إلى عروقها مُخثّراً دمها.
- إذن، على الأقل أحضروا راهباً، راهباً ما، ليتمكن المرء من الاعتراف بحقيقة أنه من الجيد –خاصة في ليلة مظلمة- أن تُسند المرأة رأسها إلى الكتف العارية لخائنها، بينما تذرف الدموع على زوجها الحبيب، وتترك جسدها لمداعبات خائنها.
الريح يا أخي، لو هدأت الريح لكان بالإمكان إيجاد آثار أقدامه على هذه الثلوج، لكن هذه الريح تخفي آثار الأقدام كلها، وليس بإمكان أحد أن يرى جثته في هذه الصحراء البيضاء الشاسعة، وحتى لو أشرقت الشمس غداً لا يُعرف إن كانت كل هذه الذئاب التي لا تكفّ عن العواء قد تركت منه شيئاً سوى بعض العظام البيضاء وحذاء جلدي ممزق.
- كيف سيعيده الله القادر إلى الحياة غداً؟ ألن تأكل الذئابَ ذئابٌ أخرى، والضباع ستأكل الذئاب، وسيأكل الضباع شيء آخر، وهكذا دواليك… بالمناسبة؛ كم مرة تنتقل هذه الخلايا من بطن إلى آخر، فتصبح برازاً، وأفكاراً، وعواء ذئاب، وثلجاً يتساقط باستمرار؟! من جانب آخر يا أخي، ما هي النعمة السماوية التي قد تُخفف معاناة فتاة صغيرة جداً تتلوى تحت أنياب ذئب، وترى الأمعاء التي غذّاها جسدها؟
- لا أسمعك يا أخي، هذه الريح…
- الله قادر يا أخي.
- إن هدأت الريح، فسنجد آثار أقدامه. كما ترى، هذا البياض كالجبل، وإن اجتزنا هذا المنعطف، فسنجد منعطفاً آخر بعده، ووادياً وجبلاً، وإذا اجتزنا تلك القمة، فسنجد منعطفاً آخر ووادياً و…
- حسناً، حسناً يا أخي، لنجلس ونشعل ناراً وندخن لفافة تبغ، فعواء الذئاب يقترب أكثر فأكثر.
- بالمناسبة؛ كيف تعرف النحل أن جثة ما تتحلل في ركن ما؟
والمرأة التي كانت تعلم أن هناك، وراء الردهة وبين تلك الجدران السميكة، سرير ونصل سكين في انتظارها، أمسكت بطرف تنورتها الحريرية البيضاء الطويلة بين يديها كي لا توقظ أحداً بحفيفها، فلا يهرع أحد لمساعدتها وإنقاذها من النصل الذي قد يمزق لحم صدرها الأيسر ويغوص في قلبها.
- ونحن نعلم أيضاً أنه فقط بجانب هذه الجثة التي بدأت تفوح برائحة نتنة يُمكن النوم بأيدٍ متشابكة ووجوه متقابلة، والإصغاء إلى وقع أقدام امرأة تعبر الدرج بلا انقطاع.
- “روغوجين”، عِدني أنك غرستَ نصل السكين تحت صدرها الأيسر، عدني!
- صدقني يا أخي، لم تتألم إطلاقاً، وحتى في اللحظة التي غاصت السكين في لحم جسدها كانت تبتسم وتضغط على يدي، وأنا قبّلتُ جفني تينك العينين الحمراوين الشاخصتين على اتساعهما من الدهشة، ومسحتُ خيط الدم الذي سال من زوايا شفتيها بهذا المنديل الحريري.
كانا نائمين جنباً إلى جنب، ودموع الأمير “ليون ميشكين” تبلّل خد “روغوجين”. الإنسان وحيد دائماً، حتى عندما يكون جنباً إلى جنب مع الآخر، أو مواجهاً له، وحتى عندما يوشك نصل السكين على الوصول إلى القلب، أو عندما ينحني “شارل” ليبكي على ذراع المرأة الأبيض. إن كان الله موجوداً، وهو موجود، إذ لا يمكن ألا يكون موجوداً، لأن الرجال، لأن الله، ولأن “سهراب” والقدر الذي لا مفر منه إذا أُمروا بوضع السرج على الحصان الأسود فستتشكل قصةٌ تُكتب بدمع العيون، لذا يجب أن يكون موجوداً ليتمكن من الوجود، ولنتمكن من أن نجلس ونثبت أنه موجود أو لا، و:
- يا أبي، لماذا تخليت عني؟
كان يمشي وهو يحمل ذلك الصليب على كتفيه، وقد كان بإمكانه أن يقتلع المسامير بأسنانه، ويجلس على الصليب، ويحلّق في الأعالي فوق السحاب، لكنه كان يحمل خطيئتي وخطيئتك على كتفيه، ودمه الجاري يعزز أسس عرش البابا الأبدي. صعد “بلال” الحبشي التل الأبيض وهتف: “الله أكبر” واجتمع الناس حول التل فاغري الأفواه، مشدوهين من عظمة الله ورنين صوت “بلال”، وهم يفكرون في نفقة زوجاتهم الأربع، وفي زيجات المتعة التي لا تعد من الكثيرات ممن رغبوا في الزواج منهنّ ولم يستطيعوا.
- اذهبي يا أختي، واطرقي أبواب بيوت القرية الواقعة وراء الغابة جميعاً، وخذي حبة خردل من صاحب المنزل حتى لا يموت أحد من أقاربكِ.
مرت المرأة عبر طريق الغابة المغطى بالورق. كانت القرية هناك.
– يا أختي، من مات في هذا المنزل؟
– أخي. لقد مزقته كلاب السيد الكبيرة إرباً إرباً. اجلسي يا أختي، لأروي قصته: “رامايانا” كان بطلاً لا مثيل له…
– لا يا أختي، ليس لدي وقت أضيعه. هناك؛ في تلك الغابة الواسعة، ينتظر رجل الله حبة خردل ليعيد ابني من “النيرفانا”.
– إذاً احكي قصة موت طفلكِ.
– يا شيخ، هل مات أحد من أقاربكِ؟
– نعم، كثيرون، يا أختي. زوجتي وأطفالي الخمسة وأبي وأمي ماتوا جميعاً جوعاً. هل أنتِ جائعة أيضاً؟
– لا يا أبتي، أريد فقط حبة خردل، من صاحب البيت لكي…
– خردل! ليس لديّ حتى قطرة ماء لأشربها، ولا كسرة خبز… لكن خردل، ربما بالإمكان إيجاده…
– لا، قال رجل الله… الآن أستودعكم الله، إن وجدتُ ابني، سآتي إلى بيتك وأقص عليك القصة كاملة. ادعُ من أجلي!
– لعرش أي إله يا أختي؟
– يا بني، سامحني على إيقاظك من نومك الطويل. هل مات أحد في هذا البيت؟
– نعم يا أماه، لقد متُّ نفسي، وقد ذهبت أمي إلى تلك الغابة الكبيرة لتبحث عني، عند رجل الله.
ورجل الله لم يكن رجل الله، إذ كان يعلم أنه غير موجود، وأنه لم يكن موجوداً. وحبة واحدة؛ حبة خردل واحدة فقط…
كان بائع الكتب قد سرّح شعره شعرة تلو الأخرى إلى جانب رأسه الأصلع.
– سيدي، كيف تستطيع أن تتنفس طوال اليوم وسط كل هؤلاء الناس، وكل هذا الكلام والموت وأمواس الحلاقة والعيون الزرقاء؟ وفوق هذا تسرح شعرك شعرة شعرة على رأسك الأصلع؟
– هل أحضرتها للبيع؟ لكن في الحقيقة هذه الكتب صارت قديمة. كما تعلم؛ الكثير من الزبائن يريدون الكتب للزينة، ولا يحبون أن يكون شخص آخر قد مسّ كتبهم المحبوبة قبلهم.
– وهل ينامون براحة في الليل؛ في الليالي المظلمة، من دون أن يشعروا بهذا الكم الهائل من الناس على أرضية مكتبتهم؟
– سيدي، إذا لم يتمكن المرء من النوم، وإذا كان رأسه يؤلمه، فسيكفيه أن يتناول حبة، حبتين، حفنة من الحبوب، وهذا كل شيء… وأنت، في هذا العمر الصغير، بهذا الظهر الذي يبدو متيناً، لماذا يجب أن تتلوى من الصداع وآلام الظهر؟
– اشترِ بنصف السعر، المهم أن تشتري هذين الكتابين أيضاً!
– ليست بذات فائدة يا سيدي، لم يعودا نافعين لنا لكثرة ما تبادلتهما الأيدي.
لكن الدمى والكرات الحمراء لم تكن تصمد أمام أسنان الأطفال الحادة، وقد أدركتُ أنه عليّ إنهاء الأمر في تلك الليلة بالذات.
– إذن يا امرأة، انهضي، اذهبي إلى الحمام!
تأبطتْ زوجتي صرّتها، وارتدت ملاءتها المخصصة للصلاة، وانطلقتْ، وأنا جلستُ خلف عُدّة الشاي، وسكبتُ فنجاناً ساخناً وداكناً، وأشعلتُ لفافة تبغ. كان السماور أسود اللون، وكانت أرضية الغرفة مغطاة بأعقاب لفائف التبغ وأعواد الثقاب.
قلتُ في نفسي: “سأتذكر أن أكنس هذه الغرفة غداً، وأن أنظف هذا السماور بغبار الطوب وألمّعه”، ونفختُ دخاناً كثيفاً على شكل حلقات من فمي. نظرتُ إلى الزجاج الملون الذي يتلاشى خلفه ضوء الشمس، ودخنتُ. كانت نافذة الغرفة تهتز في مكانها، ورأيتُ قمم أشجار الدلب، بل وسمعتُ وقع أحذية على أسفل الدرج تقترب أكثر فأكثر، فأغمضت عينيّ، ودفنتُ خدي في الدم المتخثر ودخان لفائف التبغ. وصلني أولاً صوت مفتاح دار في قفل الباب مرة، بل مرتين، بل مئة مرة، ثم وقع أحذية، وأنفاس لاهثة بالإمكان عدّها وهي تدور حولي كتنيّن ضخم ذي سبعة رؤوس.
- لا يزال فاقداً للوعي.
وكم تمنيت أن أتسلل عبر ذلك العالم اللامحدود من جديد؛ ببطء وخفة، ومن دون أن أصعد كل هذه الأدراج وأحصي أنفاسي، لأصعد أعلى فأعلى وأبلغ تلك السحب البيضاء وقوس القزح الكبير والملون والسماء الزرقاء الصافية، لكنني كنت أعلم أنني لا أستطيع صعود كل تلك الدرجات مع ذلك الحمل الثقيل ذي الرائحة الكريهة الذي كان يقبع على كتفيّ ويثني ركبتيّ. كانت الغيوم الكثيفة قد غطت السماء بأكملها، والريح تغفو في أعلى القمم.
تشكّلت كتلة من الجلد والعظام واللحم والأوتار، وهبطت، فارتجفت أضلعي، وجرت رعشة من الألم في صدري. كنت أعلم أنني سأسقط على ظهري فوق الأرض، ولم أكن أريد ذلك. كان المصباح الساطع هناك يخطف بصري، وكانت دائرة الرؤوس هناك أيضاً حين كنتُ مستلقياً على ظهري، ومن خلال ستار الدم الذي غطى عينيّ رأيتُ المصباح ودائرة الرؤوس والأجسام.
- انهض!
وضعتُ باطن قدميّ على الأرض، فسَرَت برودة الأرض في بشرة قدميّ، وعاد ذلك اللسع المؤلم كالذكرى، واستقرّ في جلدي ولحمي، فأرخيتُ ركبتيّ. كانت دائرة الرؤوس والأجساد تضحك، وقد أمسك أحدهم بياقتي ورفعني عن الأرض. نظرتُ إلى وجهه، فرأيت عِرقاً أحمر ينبض كعلقة حمراء على خده. شممت رائحة مزيج من النبيذ والكلوروفورم والتبغ من فمه.
- لماذا قتلتَه؟
نظرتُ إلى حدقتيه الزرقاوين، وإلى حلقات دخان لفائف التبغ. كانت يداي في حلقات الأصفاد. كنتُ أعلم أنني سأضطر مجدداً إلى نزول تلك الدرجات التي كنت أشعر بقساوة بنيتها ورطوبتها تحت قدمي. كانوا يتبعونني بوقع أحذيتهم وأنفاسهم التي يمكن إحصاؤها، كان أحدهم يمسك بأصفاد يدي، وكانت الدرجات تتحرك معاً، وتتقارب أكثر فأكثر، وكنت أعلم؛ أعلم أنني لن أصل إلى القاع أبداً؛ أبداً.
كان الطقس في الخارج مشمساً باعتدال الخريف، وفي الجانب الآخر مجموعة من أشجار الدلب، وكنت أشعر بيد الخريف الباردة الشافية على خدي. قلت لنفسي: “قل، اعترف أنك قتلته! قل إنك سلخت جلده لتصنع معطفاً من الفرو لزوجتك! قل إن إلحاح زوجتك أخرجك عن طورك! قل إنك ترغب في أن تأتي وتجلس تحت ظل هذه الأشجار البارد وترى كيف تتساقط الأوراق واحدة تلو الأخرى عندما تطير العصافير.” راقبتني تلك الآذان الثلاث في وهج الشمس خارجة من ظل أشجار الدلب بسلاح لا يكاد يثبت على خصرها، لكن الجسم النحيل كان ينحني أمام ذلك السلاح، ولم يكن يظهر إلا اقتراب ذلك السلاح بما يلمع من حربته. أردت أن أقول: “صدقوني أنا بريء”، لكنني لم أتمكن من تحريك فكي السفلي، فقد كان رأس الحربة الحاد موضوعاً على حلقي تماماً خاطفاً ببريقه البصر من عينيّ.
جلسنا عند قبر كنارينا الصغير وقرأنا الفاتحة. عندما فتحتُ باب السرداب كان القمر أحمر قانئاً، أما هو فكان صغيراً ونحيلاً لدرجة أنني خشيت في أية لحظة من أن ينحني كساق نبات طري. كان يجرّ وراءه تلك الجثة الضخمة، وقد أضاء القمر وجهه المستدير الطفولي بنور أخضر. كنت قد رأيته في مكان ما، في غرف تفوح منها رائحة الدفء والحبر والليقة والقصب حديث التقليم، ورائحة المطر وهو يغسل النوافذ، ولكن كيف كان لي أن أذكره وهو صغير ونحيل إلى ذاك الحد عندما جردوني من ملابسي ولم يبقَ لي سوى ذلك النصل المكسور؟ كان وجهه المنير يتفصد عرقاً، وكانت خصلة من شعره الأسود الكثيف تتدلى على جبينه.
- أتسمح لي بأن أساعدك؟
كانت الجثة ثقيلة، ورفعناها -أنا وهو- ووضعناها على الأرض بجانب قبر والدي الفارغ، فرأيت تحت ذلك الكفن الأبيض تلك الأصابع البيضاء الطويلة، وتلك الأظافر المطلية، والقميص الأبيض الذي كان يجسّد قوامها. كانت عيناها الحمراوان قد بقيتا مفتوحتين. ألقى ريش الكناري الأصفر والباهت في قعر الحفرة وملأ فمه الأسود الكبير بحفنات من التراب، وجلسنا عند القبر. أمسكت بمعصمه وقرأنا الفاتحة معاً. كانت يداه باردتين تفوح منهما رائحة ورق الكتب، ومع أفول القمر أظلمت النوافذ الزجاجية الملونة بالكامل.
كان الحجر الأول هو الأقرب، وكان هو نفسه المصطبة الموجودة أمام البوابة ذات المصاريع الخمسة حيث كان والدي يجلس طوال شهر رمضان قبيل غروب الشمس حاملاً علبة لفائف التبغ وأعواد ثقابه في يده، يراقب غروب الشمس وهو يتلاشى، وما إن تهبط العتمة ويرتفع الأذان من الأبراج البعيدة كان يشعل لفافة تبغ ويدخّن… نزعت الحجر من الأرض بعد أن زعزعتُه مرة أو اثنتين، والتقطته بكلتا يدي ووضعته في بداية المنحدر الزلق. كان يكفي فقط بضع حفنات من الطين والجير وحفنة من الإسمنت ليكون الحجر الأول هو الدرجة الأولى، وكانت الدرجة موجودة وصلبة ككل الدرجات الحجرية التي يمكن أن توطَأ، وكان الحجران الثاني والثالث حجري عتبة مدخل المنزل اللذين نُزعا من مكانهما. كان شاهد قبر أبي أثقل من شاهد قبر أمي. مررتُ مرة أخرى عبر تلك الشوارع المهجورة، وعبر ذلك الجسر الذي حمل عبء السنين، وعبر تلك الأزقة و… وأخيراً تشكلت الدرجة الخامسة. نحتُّ الأعمدة من الرخام الصلب وحملتها على كتفي. كان الطريق الجبلي طويلاً لا نهاية له، وكانت الشمس في ذروتها، وعندما رفعتُ الأعمدة، رأيتُ درجات أخرى تكمل الدرجات الخمس الأولى، وقد استقرت كل واحدة منها في طقس ما على المنحدر الزلق وعُلِّقت به. كان عليّ بناء جدارين من الحجارة الخالصة المنحوتة، وفي صفين أزرقين لا ينتهيان كانت تتواجد عوارض السقف الأفضل على الإطلاق، وعندما بدأ حزاز الصخر يظهر ببطء على هياكل الحجارة الرطبة لطختُ سقف القبو بالطين. حملتُ الباب الحجري على كتفي، واجتزتُ منحنِياً ولاهثاً كل تلك الشوارع والأزقة والأدراج. دار الباب على عقبه، فوجدتُ نفسي عارياً في ذلك الظلام الدامس المطلق، ولم أجد بجواري سوى نصل سكين مكسور. هو أيضاً كان هناك؛ على كتفي، وقد شعرتُ بثقل ذلك الكناري الصغير على كتفي العارية، فقد كانت قدماه تغوصان في جلدي. انطلقتُ تحت جنح الظلمة كالأعمى لا أرى شيئاً، أصنع كل حجر بمرارة وأعبره. عندما دار باب القبو على عقبه رأيته برداء أخضر وهالة بيضاء حول وجهه المتجمد؛ بدا كأيقونة.
– أين يمكن أن أبحث عن ذلك القبر الصغير في هذا السرداب الذي لا ينتهي؟
– إنه عظيم وغفور. بحر كرمه سيغسل الدم عن يديك.
– ولكن بأي بحر سيغسل عرقي ودمي؟ وبأي يدٍ سيضع المرهم على الجرح القديم في كتفي؟
– إنه رحيمٌ كريم.
– لا أريد سوى قبرٍ صغير.
– سأذكرك في دعائي أثناء قيام الليل.
انحنى الجسدُ عديمُ الشكلِ في دعائه وركع على التراب. كنتُ أعلم أن سجوده سيدوم ألفَ عام، وقد كان هناك، بثقلِ قط أسود يقبع في حجرِ امرأة، وأصابعُ المرأةِ البيضاءُ الطويلةُ… أثناء سجوده كان يفرك جبهته بالتراب، وبدأت دعواته تملأُ القبوَ بأكمله كديدان لا تهدأ. كانت مخالبُ القط تستقرُّ على كتفيَّ العاريتين عندما انطلقت، وبمرارةِ بنيت كل قبوٍ وعبرت منه.
لو لم تُزعجني زوجتي، لو لم تكن تُزعجني كل يوم عندما كنت أعود إلى المنزل منهكاً ومرهقاً من التعامل مع كل هؤلاء الأطفال الحمقى؛ ولو سمحت لي بالجلوس خلف موقد النار المشتعل ووضع يدي على النار، وفركهما ببعضهما، أو على الأقل لو سكبت لي فنجان شاي ساخناً وثقيلاً داكناً… بالمناسبة؛ كم من الجميل أن يجلس المرء خلف عُدّة الشاي من دون أن تُزعجه زوجته أو يشاغب أطفاله أمام عينيه، وبينما هو يشرب الشاي على مهل يُشعل لفافة تبغه من جمر الموقد المتقد، وينفخ الدخان كحلقات من فمه، ويعيد تشكيل عيون والدته متألقةً من جديد، ويرشف رشفة أخرى، ويقرأ كتاباً على رسله، وينسى كيف أن أبناء الناس الحمقى يبدؤون بالتسلق على ظهور أو أعناق بعضهم حتى قبل أن تطأ قدمك خارج قاعة الصف. عند ذاك، طوال هذه السنوات، وفي الصفوف جميعاً والساعات كلها عليك أن تقرأ:
– “يُحكى أن أسداً أصيب بالجرب، وضعفت قواه لدرجة أنه لم يعد قادراً على الحركة، وعجز عن الصيد. كان هناك ثعلب في خدمته، وكان يلتقط بقايا فرائسه. في أحد الأيام قال له: “ألن يُعالج الملك هذا المرض؟” قال الأسد…” ثم تتذكر أن شعر غرتك قد استرسل على جبينك، وغطّاه بأكمله كراحة اليد. وكل صباح عندما تريد أن تسرح شعرك، ترى خصلة من الشعر عالقة بين أسنان مشطك، وحتى في الليل ما إن تطأ قدمك المنزل -مهما كان الوقت متأخراً- ستبدأ زوجتك وأولادك بإزعاجك وإقلاق راحتك، ولن يمكنك القيام بشيء، حتى تدخين لفافة تبغ بارتياح، وأيضاً عندما تريد أن تضع يدك على ثدي زوجتك في السرير عليك أن تقول: “ولكن يا امرأة، من أين لي بعشرة آلاف تومان؟”
كنت أعلم أن هذا ليس عملاً صحيحاً. لقد علّمت أبناء الآخرين الحمقى ألف مرة: “لا تؤذوا نملة، لأنها حمّالة بذور”، وقلت: “يا أولاد، فليكن هذا موضوع تعبير للدرس القادم”، وقد قرؤوا مواضيعهم؛ قرؤوها مرات عديدة، كانت رتيبة ومتشابهة كأنها موضوع واحد كذاك الذي ربما لا يسمعه المرء إلا في الأحلام العميقة قبيل تباشير الصباح عندما يكون المرء نائماً قرب زوجته، وفجأة يسمع أحدهم يردد دعاءً، ويواصل ترديد ذاك الدعاء الذي يبدو أنه قد كُتب على جلد غزال؛ دعاء بعبارات وسجع مألوف لدرجة أنك تستطيع أن تردده معه حتى من دون أن تكون قد سمعته فيما مضى، وعندما تستيقظ ترى زوجتك تنام قريبة جداً منك، وشعرها يغطي الوسادة بأكملها، وبما أنك مرتاح من لسانها حينها تمرر يدك على شعرها الناعم كالفرو، فتتقلب وتحتضن جسدها، وتمرر يدك حول عنقها وتغمض عينيك لربما سمعتَ الدعاء ذاته، لكن لا، لم تعد تسمع الدعاء نفسه، بل صوت تنفس زوجتك الهادئ والمنتظم وهي تحاول أن تصعد كل تلك الدرجات والسلالم.
– يجب ألا تسفك دمه!
كنت أعرف، كنت أعرف منذ البداية أن الأمر لا جدوى منه. كان عليّ أن أرهن لحيتي لهذا وذاك، حتى أنني بعتُ راتب شهرين مُقدّماً، ولكن عندما رأيتُ البطاقة اللصيقة بالمعطف أدركتُ أنه ينقصني خمسة آلاف وخمسمائة تومان بالضبط.
– كفّي عن ذلك يا امرأة!
كنتُ أعلم أنها ستقول مُجدداً: تفوح من فمكَ دائماً رائحة التبغ، وشعرك يتساقط خصلةً خصلة، ثم مدت يدها إلى جذور شعرها.
– يا امرأة، بدلاً من هذه الأشياء انهضي وأعدّي كوبين من الشاي!
لكن عندما تكون المرأة لا مبالية؛ عندما تجلس وتمرر يدها على فراء القط الناعم، وتضطر –أنت- للجلوس ومشاهدة قوس قزح الصغير والباهت الذي ينزلق بين أصابعها البيضاء الطويلة… لم يتركوا للمرء حتى مصباحاً زيتياً ليتمكن من رؤية عنقه على الأقل، وربما يمدّ يديه ويتشبث بعنقك من دون أن تُلاحظ إطلاقاً أن حدة مخالبه تخدش وجهك، وسيضغط بقوة حتى يخرج بؤبؤا عينيه الزرقاوين من محجريهما وتتدلى ساقاه، فتجلسَ –أنت- حين تجد وقتاً لذلك، وتسلخ جلده بنصل سكينك المكسور، وتصنع معطفاً رائعاً من الفرو لزوجتك، حتى تتمكن من الوقوف في وجهها عندما تعود من الحمام قائلاً:
– انظري يا امرأة أيّ فرو رائع اشتريت لكِ! أعلم أنه صغير بعض الشيء، لكن إذا وجدتُ اثنين أو ثلاثة آخرين فسيمكنكِ أن تصنعي معطف فرو لنفسكِ حتى لا تشعري بالحرج أمام أحد بعد الآن.
كانت قد غسلت عينيها بالصابون حتى احمرّتا. أسقطتْ ليفة الاستحمام وأشارت إلى الفرو بإصبع مرتجفة.
- يا رجل، هذا الفرو فرو…
ولا شك في أنني ابتسمتُ، وكلما كنتُ أقترب للأمام أكثر كنت أشعر بنوع من الفخر بنفسي، ولا بد من أن زوجتي قد أدركتْ ذلك. حملتُ الفرو أمام وجهها؛ أمام عينيها، فتراجعتْ إلى الوراء أكثر وأكثر وأنا ما أزال أرفع الفرو أمام عينيها.
- أرأيتِ؟ إنه لا يختلف إطلاقاً عن جلد ذلك المعطف، غير أنه صغير بعض الشيء. لكن…
وغطت زوجتي عينيها بيديها، بتلك الأصابع البيضاء الطويلة ذاتها، وتراجعتْ، وتوقفتْ عندما لامس ظهرها الباب، ثم انحنت إلى أن جثت على ركبتيها وبدأت كتفاها بالارتجاف، وبدأ صوت شهيق بكائها يعلو أكثر فأكثر، لففتُ الفرو حول عنقها لترى كيف يمكن أن يتحول هذا الفرو إلى قوس قزح، وأن الأمر لا يتطلب سوى القليل من الصبر للحصول على ثلاثة أو أربعة سوداء منها.
- يجب ألا تسفك دمه!
سقطت دائرة الضوء الصفراء والباهتة للمصباح الزيتي الذي كان فوق الحامل الثلاثي على الكتاب الكبير وعلى جسد الرجل فقط، أما ما تبقى من القبو فكان مظلماً، ومع أن باب القبو انفتح مصدراً صريراً بقي الرجل جالساً هناك يردد دعاءه.
- ألا تعرف أين قبوي؟
رفع رأسه فخرج وجهه من البقعة الصفراء الباهتة التي يضيئها ضوء المصباح الزيتي، وحتى عنقه اختفت في الظلام. سمعت من مكان ما في الظلام:
- لم أغادر هذا المكان منذ سنوات، ولا أذكر حتى كيف وصلتُ من هناك إلى هذا المكان.
- حتى أنهم قد فتحوا ساعتي.
ومرة أخرى ارتفع صوت من مكان ما في الظلام. كان الصوت كدعاء هادئ ورتيب:
- لا تخجل! الظلام بحد ذاته خير رداء.
كان على وجهه قناع الظلام، فبدا كجسد بلا رأس، وارتدّ صوته عميقاً وقوياً، وأنا أواصل السير كضرير في تلك العتمة.
- اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات. اللهم…
كان صوتَ أمي. فتحتُ باب القبو، فدخلت رائحة تراب الموتى والسبّحات والماء الذي يذرى على الأضرحة. كنت أعرف أن أمي ليست هناك، فقد لفوا جسدها بكفن أبيض، وذهبنا -أنا وأبي- نتبع النعشَ الذي كان يُحمل على الأيدي في كل مكان، ونحن نردد الصلوات مع الرجال. كانت أصابع أبي الطويلة والخشنة تلتف حول معصمي، وأردت أن أُعيد تشكيل ذلك الوجه النحيل مرة أخرى. كان وجه أمي يُسحق في ذلك النعش، وكانت الديدان تبني بيوتاً لها في جلد وجهها. بدأتُ بعينيها أولاً؛ كانت عينا أمي خلف عدسات نظارات سميكة، وكانت تخلع نظارتها عندما تريد الوضوء للصلاة وتحني رأسها وتحرك صفحة ماء الحوض الأخضر، لذا لم أكن أستطيع رؤية عينيها وسط ذبذبة الماء، وعندما كانت تصلي كنت أجلس أمامها وأنتظر انتهاءها من الصلاة وبدأها بالدعاء لترفع خمارها، لكنني كنت أرى نظرتها الهادئة العميقة غارقة في الدموع، لذا انصرفت عن محاولة تذكر عينيها، ورأيت أنه من الأفضل –بدلاً من العينين- أن أشكّل شعرها في البداية. كانت تفكّ وشاح شعرها، وتشمّرُ عن أكمامها، وتخلع نظارتها وتضعها على حجر البركة، وتتوضأ وهي تدعو وتردد الصلاة على النبي في صمت، فتمرر أصابعها الطويلة والنحيلة على منتصف رأسها، على طول الخط الذي يفرُقُ شعرها الكستنائي، لذا أعدت تشكيل يديها، ورأيتُ العروق الزرقاء تحت جلدها. أطّرتُ وجهها المنير كالقمر بذلك الشعر الكستنائي، ووصلتُ إلى جبينها الذي كان فيه خط تجعيدة أو اثنان أو ثلاثة، وكلها غير عميقة، بل كانت ثلاثة خطوط رفيعة تمتدّ على طول جبينها، وتتلاشى كلما وصلت إلى شعرها. ثم عدنا إلى عينيها وتلك النظارات التي غطّت نظرتها. لم أستطع أن أكمل في ذلك.
– … للمؤمنين والمؤمنات، اللهم للمؤ…
ما إن كانت تخلع خمارها حتى تضع رأسها على تربة الصلاة الحسينية مجدداً. كنتُ أعلم أن انتظاري لا طائل منه، فكلما كانت ترفع رأسها كان الدمع يملأ عينيها.
– يا أمي، ألم تحفري لي أخيراً ذلك القبر الصغير؟
كان الظلام كجدار من القطران البارد، وهل كان يمكن لصوت أمي أن يخترق ذلك الجدار؟ وهل كنت أستطيع الوصول إلى فم أمي وإعادة تشكيله من جديد؟ كان أبي لا يزال ممسكاً بمعصمي، وكنا قد وقفنا بجانب تلك الحفرة الكبيرة التي يملؤها الرجال بالتراب. كنت لا أزال أعيد تشكيل عينيّ أمي، لكن النظارات والخمار الأسود وقطرات الدموع كانت تمنعني، فعدت للابتداء بشعرها مجدداً وصولاً إلى يديها وإلى ملاءتها السوداء المخصصة للصلاة. كان الرجال يدقون الطين الجاف بظهر المسحاة حين ظهر الرجل الأعرج وفي يده قربة ماء يتجول حول القبور ويقترب لاهثاً، وبينما كان يفرغ قربته على قبر فارغ ركع أبي على ركبتيه وسحبني من يدي، وركع الرجال، ورسم كلٌّ منا سبعة خطوط على الأرض وقرأ الفاتحة سبع مرات. كان أبي قد حفر تلك الحفرة لنفسه، وكنا كل جمعة عندما نذهب لزيارة القبور نزور أولاً قبرَي جدي وجدتي ثم نتجه إلى تلك الحفرة التي كانت حينها سوداء وخالية، وكنتُ أخاف دائماً من أن أقع في ذلك الفم الأسود الفارغ. سحبني أبي من يدي وجلسنا -نحن الثلاثة- وقرأنا الفاتحة.
- أبي، لماذا لم تحفر ثلاثة؟
- يا بني، لمَ تتدخل فيما لا يعنيك. اقرأ الفاتحة وكفى!
- أين سيدفنوننا إياي وأمي إذن؟
- كفى يا فتى، فعل أبوك هذا من أجل طول العمر.
- أمي، يا أمي، أنتِ أخبريني إذن أين قبري؟
- ما زال الوقت أمامك لتعيش وتدرس. أنا وأبوك لدينا الكثير من الأحلام بشأنك، ونريد أن نراك هانئاً إن شاء الله.
كنت أعرف صوت أمي. كان الرجل الأعرج يتجول حول القبور ويأتينا لاهثاً، ويسكب قربة الماء على قبر أمي. وضع أبي النقود في كفه، وجلستُ مع وأبي نقرأ الفاتحة، وعندما عدنا، رأينا أن القفص فارغ؛ لقد فعل فعلته، ولم أجد في القفص سوى ثلاث ريشات صفراء وصغيرة، فبكيت، فربّتَ أبي على رأسي.
- سأكون لك أماً وأباً.
- أبي، لقد فعل فعلتَهُ في النهاية.
- هذه مشيئة الله يا بني، الكل يموت. لا يمكنك فعل شيء حيال ذلك.
أمسك بيدي وقادني إلى الغرفة. جلس عند المدفأة وأشعل لفافة تبغ، وكتفاه ترتجفان. كنت أعرف أنه فعل فعلته في النهاية، فذهبتُ والتقطتُ القفص لأخفيه في مكان ما، وعندما وصلتُ إلى باب العلّيّة، سمعتُ زمجرته. دخلتُ وأغلقتُ الباب، فارتفع صوت زمجرته. عندما رأيتُ عينيه الزرقاوين بحثتُ عن شيء ما، وفجأةً شعرتُ بجسده الثقيل على صدري، وانغرست مخالبه في جلد عنقي، وما إن دار الباب ما عدتُ أسمع زمجرته.
- يا بني، سأشتري لك واحداً آخر.
- أبي، لم أعد أريد كنارياً، دعنا نذهب إلى قبر أمي ونقرأ الفاتحة، واحفر لي قبراً هناك إلى جانب قبر أمي.
جلست بالقرب من الموقد، ونثرت الكتب حولي، أما أبي فكان يجلس خلف الموقد، وقد سكب لنفسه فنجان شاي وسكب لي واحداً، وأشعل لفافة التبغ بجمر الموقد، وبدأ ينفث الدخان كحلقات. كنت أنظر إلى تلك الحلقات وأرى فيها عيني أمي دامعة كما كانت دائماً.
- اقرأ دروسك يا بني.
وقرأت: “يُحكى أن أسداً أصيب بالجرب، وضعفت قواه لدرجة أنه…”
- عليك أن تدرس دروسك. انظر، لقد بقيتُ خمساً وعشرين سنة في تلك الدائرة لا أنفك عن العمل في مكتب المحفوظات ذاك؛ ما الذي نالني من ذلك كله؟
كان الصوت صوت أبي، ذلك الصوت الضخم واللطيف نفسه، ولأنني لم أستطع رؤية أبي عبر ذلك الظلام الكثيف بدأتُ بشاربيه. كان شاربا أبي كرماد لفائف التبغ خليطاً من الأبيض والأسود. بدأتُ بهما، ثم وصلتُ إلى تجعيدتين بجانب شفتيه وفمه الذي كانت تفوح منه رائحة التبغ دائماً. كانت عينا أبي سوداوين، ورأيتُ بضع خصلات شعر على رأسه.
- أبي، أين ستدفنني إذن؟ على الأقل احفر لي قبراً صغيراً قرب قبر أمي!
- اجلس يا بني، واقرأ الفاتحة على قبر أمك!
ملأ الرجال الحفرة، وسوّوا الطين الجاف بظهر المسحاة. جاء الرجل الأعرج وسكب قربة الماء على التراب. شكّلتُ أصابع أبي الخشنة. سحبني أبي من يدي فجلستُ، ورسمتُ سبعة خطوط على قبر أمي أولاً، ثم على قبر أبي.
- يا أبي، أين قبوي؟ لقد تجولت في هذه الدهاليز حتى أصابني الإرهاق، حتى إنهم فتحوا ساعتي.
- يا بني، عليك ألا تنساه أبداً.
كان الجمر أحمر متوهجاً، وكان أبي يدخن. لم أرَ سوى النقطة الحمراء المتوهجة ودخان سيجارته. كان الدخان قد تلاشى في ذلك الظلام الكثيف.
عندما عدتُ إلى المنزل في المساء لأجلس على الأقل أمام الموقد وأدخن لفافة تبغ ظهر القط الأسود نفسه مرة أخرى، وجاب الغرفة. كنت أعلم أنه هذه المرة يبحث عن زوجتي ليستلقي في حجرها وينظر إليّ بعينيه الزرقاوين، وعندها سيُفقدني صوابي حتى أنهض وأصعد كل تلك السلالم والدرجات مرة أخرى. مددت يدي وأمسكت بذيله الأسود، فزمجر وخدش يدي. أطفأت سيجارتي في الردهة، وأخذت السكين من المطبخ، وعندما وصلتُ إلى الفناء رأيته يدخل القبو، فنزلتُ الدرج وأغلقتُ باب القبو خلفي. كان القبو مظلماً ورطباً. كنت أعرف أنه يقف الآن في مكان ما، وينظر إليّ بعينيه الزرقاوين، ورأيتُ عينيه، وتوجهتُ نحوه، فارتفع صوت زمجرته وسمعتُ وقع خطاه الهادئة وهي تصعد الدرج. خدش باب القبو ثم رجع، وعاد للاستقرار في مكان شعرتُ فيه بثقل جسده على صدري وحدّة مخالبه. سال دم دافئ على خدي وأنا أطعنه بالسكين، فآلمني معصمي ورأيتُ شرارة نصل السكين على الجدار. لم أكن أريد أن يُتلف فروه، لذا وضعتُ السكين في جيبي، وفيما كان يصعد درجات القبو هذه المرة قفزتُ فوقه وأمسكتُ بقفاه، فانزلق قوس قزح كبير وكثيف تحت أصابعي. كان الصوت صادراً من مخالبه التي كانت تخدش الجدار. التفّتْ أصابعي حول عنقه، وعندما لم أعد أسمع صوتاً رميته أرضاً. أخرجتُ السكين، ولم أكن قد بدأتُ باستخدامها بعد حين رن جرس الباب. لم أكن أُريد أن يُصاب فروه بأذى، فحاولتُ جاهداً سلخه عن اللحم بشكلٍ سليمٍ وآمن، ولكن حين ارتفع رنين جرس الباب أكثر أسرعتُ فجرحتُ يدي. غسلتُ يدي ونصل السكين المكسور على حافة الحوض، وأخفيتُه في جيبي. كانت قد أتت من الحمام بعينين حمراوين بشدة.
- انظري يا امرأة، كم هو جميل قوس القزح في هذا الفراء الذي لم تدركي جماله فيما مضى!
لففتُ الجلد حول عنقها. كانت كتفاها ترتجفان، ثم انقطعت أنفاسنا، تماماً كما كان يحدث عندما كنا ننزل الدرجات والسلالم، ورأيتُ قوس قزح في شعر زوجتي المسرَّح.
عندما حانت اللحظة الحتمية خلعتُ ملابسي، وفرشتُ فراش الجلد، وجلستُ في ذلك الكهف العاري من السقف والنوافذ من دون أن أُشعل المصباح. وضع الرجل الحجر على الصخرة، ومسح العرق عن جبينه، واعتدل، ورأى الشمس في أوجها والطريق الذي كان ضائعاً بين التلال المجاورة، وأخذ ينظر إلى الطريق الذي سلكه، وحين وصلتُ إلى منعطف الطريق لاهثاً ومنحنياً:
- يا أخي، هلّا ساعدتني؟ فالطريق طويل والحجر ثقيل!
وقفتُ بجانب الصخرة. ولمستُ جبهتي بإصبعي.
- يا أخي، لا توجد حتى قطرة عرق واحدة على جبهتك.
- أعلم يا أخي، لكن كل من يحمل صخرة على كتفيه يمسح العرق عن جبهته عندما يصل إلى منعطف الطريق.
- نعم يا أخي، وقد فعلتُ الشيء ذاته.
ونظرتُ إلى الشمس وهي في أوجها، وإلى الطريق الذي يضيع بين التلال.
- إنها الظهيرة والطريق طويل، ساعدنا على حمل هذا الحجر عبر هذا الطريق الجبلي إلى الجانب الآخر من التلال.
- أنا متعب يا أخي، ظهري مثقل بحجر أثقل من ظهرك؛ حجر لا يمكن للمرء أن يضعه للحظة واحدة على جرف، وينظر إلى الطريق الذي سلكه.
- يا أخي، لا يوجد حجر على ظهرك.
- ولو كان لما كان هناك ما يحزنني، إذ يُمكن حمل حجرك على الظهر بمساعدة الغير، ونقله إلى الطرف الآخر من التلال، والتنفس بارتياح بعد ذلك، ولكن…
- لكن ماذا يا أخي؟
- حجري يزداد ثقلاً مع كل خطوة وكل نفس. وليس تعب الساقين والذراعين ما يُثقل أعبائي؛ بل إنه عبء الحسرة والماضي، وعبء أنني أعلم أن لا عودة لرؤية هذه الصخرة البيضاء، وحتى لرؤية حجرك مرة أخرى. أترى يا أخي؟ أنا أحمل هذه السلسلة الجبلية بأكملها على ظهري.
- إذن يا أخي، دعنا نبذل جهداً ونحمل حملك معاً.
- لا يا أخي، وحدي، أنا وحدي من يجب أن أحمل كل هذا إلى المقبرة وراء التلال والقلاع، بل أن أحمل حتى عبء معاناتك نفسك، وعبء عبثية هذه الأحمال كلها.
- إذن يا أخي، بأمان الله!
وتجاوزته لاهثاً ومنحنياً، وبحجر على كتفي أكبر من ذي قبل، وأنا أعلمُ أن الحجر سيكون أثقل على كاهل ذلك الرجل من ذي قبل أيضاً، لأن حجراً منذ هذه اللحظة قد بدأ بالنمو في داخله، حجراً أثقل من ذاك الذي كان يحمله، وسيكون هذا الحجر حجر الزاوية الأول في بنائه لسردابه.
كان الحجر الأخير هو الأبعد، وبهذا الحجر الأخير شُكِّلت جدران السرداب. كل ما كان ينقصها هو سقف وزجاج ملون، وكان السقف موجوداً، بثقل كل الأقبية المهددة بالانهيار في أية لحظة، وقد كنتُ هناك؛ في ذلك السرداب المظلم الرطب.
- هنا مقبرتي، وهنا اللقاء الأخير.
وكان هناك، وقد امتلأ القبو كله بضخامته التي كانت تتزايد، وبظلامه الراكد.
- أبي، يا أبي، لماذا تخليت عني؟
بدأتُ بشارب أبي، بألم بنّاء يريد أن ينحت من الرخام شاربين خفيفين ومشوشين يحتفظ بهما في ذاكرته. لكن شاربي أبي الممزوجين بالأسود والأبيض كانا يسودّان ويمتدان إلى شحمة أذنيه، وكانت تانك العينان السوداوان تفقدان لونهما، ولم يعد بمقدوري أن أتذكر تينك المغارتين السوداوين. كانت حدقتاه زرقاوين، ويداه مقبوضتين، وأصابعه مخفية تحت شعره الأسود، وصارت يداه الآن كالمخالب، أظافره حادة وفراؤه الكثيف ناعماً.
- أمي، ودّعيني بدعاء!
كانت ملاءة أمي سوداء حالكة، وكان فرو كثيف قد بدأ ينمو عليها، وأخذت تتشكل كلحم وجسد بتفاصيل مبهمة وغير محددة؛ جسد تفوح منه رائحة ماء الخث وكتب أدعية أمي. والعينان؟ كانت نظارة أمي ضائعة، كنت أرى كيف يطفو بؤبؤا عينيها السوداوان في الدمع الرطب، والآن، صار محجرا العينين ثقبين سوداوين عميقين؛ ليس إلا.
- اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.
- أمي، يا أمي، هذا قبري، فمن سيرسم خطاً على قبري؟
لم أكن أريد ذلك، ولكن ها هو ذا هنا، وقد امتلأ القبو بأكمله بجسده الضخم. كانت عيناه الزرقاوان الخاليتان من الرموش تنظران إليّ، وجسده الضخم على صدري وكتفيّ. كنت أعلم أن مخالبه الحادة والقوية هي التي ستنغرز في النهاية. كان الوقت ينفد، ولم أعد أستطيع البدء بأصابعه وأظافره.
- يا امرأة، تعرّي!
- إذ عدني أنك ستعود إلى المنزل أبكر في الليل، وأنه لن تفوح من فمك رائحة التبغ، وأن معطف الفرو ذاك…
فوعدتُها، واستلقت عارية على ذلك السرير الواسع، وامتلأت الغرفة برائحة الحليب الطازج من حمالة أثدائها وثدييها المليئين بالحليب؛ تلك الرائحة التي كادت تملأ الأقبية كلها بطعام أشبالها.
- يجب ألا تسفك دمه!
كانت تلك الكتلة من اللحم والأوردة والأوتار والعظام على كتفيَّ وبجانبي، مع رائحة كتب الأدعية والتبغ والعطر ورائحة الحبر… كنت أعرف أنه عليّ أن أمسك بعنقه وأضغط عليها بقوة كافية لأجعل عينيه الحمراوين تخرجان من محجريهما. انطلقت يداي بحثاً عن عنقه في الظلام. رأيت عينيه الزرقاوين ومخلبه الثقيل الذي يحاول أن ينغرز، فغارت السكين، واخترقت فروه الكثيف، وشقّت جلده، واستقرت بين أضلاعه، فبلل دم دافئ يدي.
دفنتُ الريشات الثلاث الصفراء والصغيرة في الحديقة تحت شجيرات الورد الأحمر، وسوّيتُ الطين المتكتّل، وأمسكت معصم يده بأصابعي الطويلة والخشنة. جلسنا عند قبره الصغير، ورسمنا سبعة خطوط وقرأنا الفاتحة سبع مرات، والآن بعد أن بلل الدم كل الملاءات البيضاء أستطيع أن أصعد كل درجات العالم من دون أن ألهث، وأن أتحرر كسحابة خفيفة وشاردة تتجول في السماء الزرقاء الصافية.
***
[1] السماور: وعاء معدني لإعداد الشاي، يستخدم في روسيا وأوروبا الشرقية وبلدان الشرق الأوسط، وهو قريب مما يعرف في الثقافة العراقية بالكتلي والقوري، ولكنه غير مستخدم في المجتمع العربي بشكل عام. وهذه القصة “دخمهای برای سماور آبی: قبو للسماور الأزرق” وردت في مجموعة الأعمال القصصية الكاملة للكاتب هوشنغ غلشيري، والتي تحمل عنوان: “نیمهی تاریک ماه: النصف المظلم للقمر”، وهي تتحدث بأكملها عن ماضي البطل، إذ يعمل على إعادة ترسيم أبيه وأمه، ويذكر الكثير من ذكرياته بشكل متواتر ومتقطع، وهو انعزالي ووحيد وكثير المطالعة، مما سبّب له خلطاً بين أوهامه والحقيقة، فهو غير متزوج، لكنه يسرد أوهاماً كثيرة عن زوجته وابنته، كما يخلط الضمائر كثيراً، إذ يتحدث عن نفسه بصيغة المخاطب أحياناً، وأحياناً أخرى بصيغة الغائب، وهو يتخيل الماضي كحيوان ضخم لا يبرح كتفيه، فيكون تارةً تنّيناً، وتارة قطاً، وتارة جثة لا يذكر ماهيتها، وكله تصوير لثقل الماضي على كتفيه، وهذا الماضي هو ذاته السماور الذي يبحث له عن قبو.
[2] دكتورة في جامعة طرطوس- سورية؛ البريد الإلكتروني: b.shemous@gmail.com
Leave a Reply