+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

نشأة اللغة العربية الرسمية في الأندلس بعد الفتح الإسلامي

[1] محمد أبو بكر الصديق

[2] د. عبد الرشيد

مخلص:

                اللغة العربية من أعظم أدوات النهضة الإسلامية، ومن أقوى الروابط التي جمعت شعوب العالم الإسلامي من المشرق إلى المغرب. وحين وصل الإسلام إلى الأندلس سنة 92هـ / 711م، دخلت العربية هذه الأرض الجديدة لا بصفتها لغة غزوٍ أو سلطة، بل لغة دينٍ وعلمٍ وثقافةٍ وإنسان. فقد جاءت العربية، حاملة معها قيم القرآن الكريم ومبادئ الفكر الإسلامي وروح الحضارة العربية التي جمعت بين العقل والإيمان وبين الأدب والعلم. ومنذ اللحظة الأولى، بدأت اللغة العربية في الأندلس تتجذر تدريجيًا في المجتمع الجديد، حتى أصبحت بعد فترة قصيرة، لغة رسمية في جهات الإدارة والتعليم، ولغة الحياة اليومية التي توحّد الناس على اختلاف أصولهم وأديانهم.

                ولم يكن انتشار اللغة العربية في الأندلس حدثًا بسيطًا أو سريعًا، بل كان نتيجة تفاعل طويل ومعقّد بين الدين والسياسة والثقافة والمجتمع. فقد لعبت المساجد دورًا أساسيًا في نشرها، إذ كانت حلقات تحفيظ القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف تُقام فيها يوميًا، مما جعل العربية لغة العبادة والعلم في آنٍ واحد. ومع تأسيس المدارس القرآنية والمراكز التعليمية في قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة، ازداد الإقبال على تعلمها، لأن من أراد العلم أو الفقه أو القضاء لم يجد طريقًا إليه إلا عبر إتقان العربية. ثم جاء دور الدولة الأموية في الأندلس التي جعلت العربية لغة الدواوين والضرائب والمراسلات الرسمية، فصار استعمالها شرطًا للتعامل مع الحكومة، مما جعلها تنتشر بين طبقات المجتمع المختلفة.

                كذلك ساهمت الهجرات العربية والبربرية بعد الفتح في ترسيخ العربية داخل النسيج الاجتماعي للأندلس. فقد استقر العرب القادمون من الشام واليمن والمغرب في المدن الكبرى، بينما سكن البربر في القرى والأرياف، وكانوا جميعًا يتحدثون بالعربية كلغة موحدة بينهم. ومع مرور الوقت، تعلّمها السكان المحليون عن طريق الاختلاط والزواج والتجارة، حتى أصبحت لغةً مشتركة في الأسواق والمنازل والمساجد. ومع الجيل الثاني والثالث من السكان، صارت العربية لغة الأم لكثير من الأسر في المدن الكبرى، فانتقلت من كونها لغة رسمية إلى لغة شعبية حيّة تتفاعل مع المجتمع وتعبّر عن واقعه.

                وكان للجانب الثقافي والتعليم دورٌ حاسم في استمرار ازدهار اللغة العربية. فقد أنشئت في الأندلس مكتبات ضخمة مثل مكتبة الحكم المستنصر في قرطبة التي ضمّت مئات الآلاف من المخطوطات، وظهرت مدارس عليا للعلم والفكر والفلسفة تُدرّس بالعربية. ونشطت حركة الترجمة من اللاتينية واليونانية إلى العربية، فازدادت مكانتها لغةً للمعرفة والعلم. ومن خلال هذه المؤسسات العلمية، لم تعد العربية حكرًا على المسلمين فقط، بل استخدمها اليهود والمسيحيون أيضًا في التأليف والبحث، وظهر بين هؤلاء المثقفين المستعربين الذين كتبوا بالعربية في الطب والفلسفة والتاريخ. وهكذا تحوّلت العربية إلى لغة ثقافةٍ جامعة تتجاوز الحدود الدينية، وأصبحت رمزًا للحضارة الأندلسية كلها.

                ومن الجوانب اللافتة أيضًا أن العربية تأثّرت بالبيئة الجديدة، فظهرت لهجة أندلسية خاصة نتيجة امتزاجها باللغات المحلية، لكنها ظلّت قريبة من الفصحى في قواعدها وروحها. ويدلّ ذلك على مدى عمق انتشارها في المجتمع، إذ لا يمكن أن تتكوّن لهجةٌ محلية إلا عندما تصبح اللغة جزءًا من حياة الناس اليومية. وتركت العربية الأندلسية أثرًا واضحًا في اللغة الإسبانية الحديثة، إذ ما تزال مئات الكلمات ذات أصل عربي تُستخدم حتى اليوم، مثل “الزيت” و“السكر” و“القصر”، وهي شواهد حية على امتداد تأثير العربية بعد زوال الحكم الإسلامي من الأندلس.

                إن سيطرة العربية في الأندلس لم تكن مجرد تفوقٍ لغوي، بل كانت ظاهرة حضارية متكاملة جمعت بين العلم والدين والفكر والأدب. فقد ساعدت العربية على توحيد المجتمع الأندلسي المتعدد الأعراق والديانات، وأتاحت لجميع سكانه فرصا ليشاركوا في بناء حضارةٍ راقيةٍ متوازنة. حيث كانت العربية لغة الشعر والموسيقى والفكر والفلسفة، ولغة السوق والتجارة والإدارة، فجمعت بين الرفعة الجمالية والفائدة العملية. وهكذا أصبحت الأندلس نموذجًا فريدًا للتعايش اللغوي والثقافي الذي تُدار فيه الدولة بلغةٍ واحدة تعبّر عن روح الجميع، وتبني جسورًا بين الشرق والغرب، وتؤكد أن اللغة حين تحمل رسالة إنسانية صادقة تصبح أداةً خالدة للحضارة والتاريخ.

تمهيد:

                بعد الفتح الإسلامي للأندلس، لم تكن العربية تدخل كقانون واحد يُفرض بالقوة فحسب، بل دخلت ببطء وثبات عبر مداخل يومية وحياتية جعلت الناس يلتقون بها تدريجيًا. أول مدخل كان المسجد الذي لم يقتصر دوره على العبادة فقط، بل صار مدرسة تُعلّم القراءة والقرآن، والقراءة هنا تعني العربية؛ فتعليم القرآن دفع أجيالًا من الأطفال إلى تعلم الحروف والكلمات العربية، ومن ثم توسع هذا التعليم ليشمل مبادئ الكتابة والفقه، فترسّخت العربية كلغة دينية وتعليمية في الوعي الجماعي للمدن. وأن رواتب المسؤولين ودوائر الحكم اعتمدت العربية للرسائل والسجلات، فوجدت الأسر والحرفيون والتجار أن للعربية قيمة عملية تفتح لهم أبواب الوظيفة والتعامل[3].

                وجانب آخر مهم هو الوجود الديموغرافي والثقافي: جلب الفتح أعدادًا من الجنود والمستوطنين الذين ناطقهم العربية أو تعلموها بسرعة، وهؤلاء استقرّوا في مراكز الحضرية فأنشأوا أحياءً وبيوتًا تتكلم بالعربية، ثم اختلطوا بالسكان المحليين بالزواج والعمل والتعليم، فانتقلت العربية بصورة طبيعية عبر الحياة اليومية. كذلك لعبت المكتبات والمدارس العلمية في قرطبة وإشبيلية دورًا كبيرًا؛ لأن العربية أصبحت لغة العلم والكتابة، والطلّاب والفقهاء والأطباء والمترجمين كلهم عاشوا تجربة مشتركة في نصوص عربية، ما جعل اللغة ليست أداة عبادة وإدارة فقط بل وعاءً للعلم والمعرفة. بهذا الشكل صار تعلم العربية مطلبًا للنخبة والطبقة الوسطى، لاختصار الطريق إلى المعرفة والوظيفة. مع تراكم هذه العوامل دينيًا، إداريًا، تعليميًا واجتماعيًا، تضمن انتشار العربية تجاوبًا من الشرائح المختلفة، بل إن بعض المسيحيين واليهود في المدن بدأوا يستعملون العربية في التعاملات والكتابات، فظهر ما يُعرف بالإنتاج المستعرب الذي يدلّ على قبول اجتماعي أوسع للغة. ومع أجيال متعددة، تشكلت لهجات عربية محلية وبدأت العربية تطغى في المراكز الحضرية على اللغات القديمة، بينما بقيت لهجات محلية في بعض الأرياف لفترة أطول. النتيجة النهائية كانت سيطرة فعلية للعربية كلغة يومية وثقافية في معظم نواحي الحياة الأندلسية، وهي سيطرة لم تكن وليدة قرار سياسي واحد بل نتاج تفاعل طويل لظروف متعددة.

                العامل الديني: لا شك أن العامل الديني كان المحرك الأول والأقوى في انتشار اللغة العربية بالأندلس بعد الفتح الإسلامي سنة 92هـ/711م. فالعربية هي لغة القرآن الكريم، وتعلّمها كان شرطًا لفهم الدين الجديد وإقامة شعائره. والمسلم الجديد الذي دخل في الإسلام كان يحتاج إلى قراءة الفاتحة وحفظ بعض السور القصيرة، وكل ذلك بالعربية، مما جعل اللغة مرتبطة منذ البداية بقداسة الدين وروح العبادة. وقد أدرك الأندلسيون أن تعلّم العربية ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو عبادة في ذاته، لأن قراءة القرآن لا تكون إلا بها. لذا ارتبطت عملية “التعريب” في الأندلس أول الأمر بالمساجد التي لم تكن مكانًا للصلاة فقط بل مدارس أولية تعلّم القراءة والكتابة وحفظ القرآن. ومن هذه المدارس نشأ جيل جديد من السكان المحليين المتقنين بالعربية، الأمر الذي مهّد الطريق لتوسعها في المدن الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة.

                هذا العامل الديني لم يقتصر على المسلمين وحدهم، بل امتد أثره إلى غير المسلمين الذين عاشوا تحت الحكم الإسلامي. فقد احتكّ المسيحيون واليهود يوميًا بالعربية في الأسواق والإدارة، لكن العامل الأهم أنهم كانوا يعيشون في وسط يتردد فيه القرآن والأذان والعبادات اليومية، مما جعل العربية جزءًا من البيئة السمعية واللغوية التي لا يمكن تجاهلها. بل إن بعض المسيحيين المعروفين باسم “المستعربين” Mozarabs  حرصوا على تعلّم العربية لأبنائهم لأنها صارت لغة الحياة العامة والهوية الثقافية، حتى وإن ظلّوا على دينهم. هذا الاندماج الجزئي كان دليلًا على قوة العربية كعنصر ديني وثقافي في آن واحد. وكان العلماء والفقهاء الأوائل في الأندلس أكبر داعمين لهذه العملية، فقد أنشأوا حلقات تعليمية في المساجد لتدريس الفقه والحديث والتفسير، وجميعها لا يمكن فهمها إلا بالعربية. ومع مرور الوقت تحولت الأندلس إلى مركز من مراكز الفقه المالكي، وكان لا بد لطالب العلم أن يتقن العربية ليستطيع استيعاب كتب الفقه والتفسير والحديث. هذا جعل اللغة العربية ليست فقط لغة النخبة أو رجال الدين، بل حاجة يومية لكل مسلم يريد أن يتعلم دينه أو يشارك في الحياة الثقافية والدينية. ومن هنا يمكن القول إن انتشار العربية في الأندلس لم يكن مجرد ظاهرة اجتماعية أو سياسية، بل كان في جوهره ظاهرة دينية أساسية، ارتبطت بالقرآن والعبادة والعلوم الشرعية، وهو ما منحها رسوخًا واستمرارية تفوقت على اللغات المحلية السابقة[4].

العامل السياسي والإداري:

                كان للسياسة والإدارة دور حاسم في نشر العربية وترسيخها لغةً رسمية في الأندلس. فمنذ استقرار الحكم الإسلامي، حرص الولاة والخلفاء الأمويون على أن تكون لغة المراسلات الرسمية والدواوين هي العربية، وذلك على غرار ما كان جاريًا في المشرق بعد إصلاحات عبد الملك بن مروان. ومع مرور الوقت، صارت العقود والضرائب والقرارات السياسية لا تُكتب إلا بالعربية، مما أجبر التجار والموظفين والمزارعين الذين يتعاملون مع الدولة على تعلمها أو على الأقل إتقان أساسياتها. بهذا المعنى، لم تعد العربية مجرد لغة دين، بل أصبحت لغة الحكم والسيادة، ومن أراد أن يشارك في إدارة شؤون البلاد أو ينال منصبًا، كان لا بد له أن يجيد العربية قراءة وكتابة.

                هذا الارتباط بالإدارة أعطى العربية قوة عملية مباشرة في حياة الناس. فقد أدرك السكان أن مستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي مرتبط بإتقان لغة الدولة، مما دفع الكثير من أبناء الأسر النصرانية واليهودية إلى إرسال أبنائهم لتعلّم العربية حتى يتمكنوا من دخول سوق العمل أو الحصول على مناصب في الدواوين. وأن انتشار العربية في نظام القضاء والفتيا جعلها لغة القانون والعدل، وهو ما زاد من حضورها في المجتمع. وبذلك تحولت العربية إلى وعاء للسلطة السياسية والاقتصادية، تتداخل مع حياة الناس اليومية في أبسط تفاصيلها، من العقود التجارية إلى الأحكام الشرعية. ولعل الأثر الأعمق للعامل الإداري يكمن في أنه خلق نخبة مثقفة بالعربية من جميع الأجناس، فظهرت طبقة من الكتّاب والإداريين المحليين الذين برعوا في العربية، بل نافسوا العرب أنفسهم في بلاغتها وأساليبها. وقد ذكر المؤرخون أن كثيرًا من المستعربين شغلوا مناصب عليا في الدواوين، وأبدعوا في كتابة الرسائل الرسمية التي جمعت بين الفصاحة والمهارة الإدارية. هذا التفاعل جعل العربية لغة مشتركة لا تختص بالعرب وحدهم، بل لغة دولة ومجتمع، تُنظّم بها السياسة وتدار بها الحياة الاقتصادية والقضائية. ومن هنا نفهم أن السيطرة الإدارية والسياسية كانت واحدة من أهم الأدوات التي ثبّتت العربية كلغة عليا في الأندلس لقرون طويلة[5].

العامل الديموغرافي:

                 لا يمكن فهم انتشار العربية في الأندلس بمعزل عن العامل الديموغرافي المرتبط بالهجرات العربية والبربرية بعد الفتح. فقد دخل مع الجيش الفاتح جماعات عربية من مختلف القبائل، أغلبها من الشام واليمن وشمال إفريقيا، ومعهم جموع كبيرة من البربر الذين أسلموا حديثًا وكانوا يشكّلون عماد الجيش. هذه الموجات لم تقتصر على الجنود وحدهم، بل تبعهم فقهاء وتجار وأسر كاملة استقرت في المدن المفتوحة. وقد توزعت هذه المجموعات في مناطق متعددة: فالعرب غالبًا استقروا في المراكز الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية، بينما توزع البربر في الأرياف والمناطق الجبلية. ومع مرور الوقت، شكل هؤلاء نواة سكانية جديدة تحمل العربية لغةً وهويةً، وانتقلت لغتهم تدريجيًا إلى السكان المحليين من خلال الزواج، المعاشرة، والحياة اليومية المشتركة. لقد ساعد هذا التمازج الديموغرافي على خلق فضاء لغوي جديد، حيث أصبح من المعتاد أن يُسمع في الأسواق والمجالس حديث بالعربية إلى جانب اللهجات المحلية. ومع الجيل الثاني والثالث من المستوطنين، بدأت العربية تسود داخل الأسرة، فلم تعد مجرد لغة رسمية للدولة، بل لغة أمٍّ تُعلَّم للأبناء. وهذا ما جعل انتشارها أسرع وأكثر رسوخًا، لأنها دخلت في النسيج العائلي والاجتماعي. بل إن كثيرًا من العائلات المسيحية واليهودية في المدن الكبرى بدأت تفضّل تعليم أبنائها العربية لتسهيل اندماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية الجديدة. وهذا الاندماج اللغوي يعكس أن السيطرة العربية لم تكن فقط سياسية أو دينية، بل نتيجة وجود بشري كثيف جعل العربية لغة يومية طبيعية في المدن.

                الأهم أن هذه الهجرات أفرزت ظاهرة “اللهجة العربية الأندلسية”، وهي تطور طبيعي للغة نتيجة احتكاك الناطقين بالعربية مع الناطقين باللغات المحلية. فقد حمل العرب والبربر إلى الأندلس لهجات مختلفة، ومع اختلاطها باللاتينية والرومانسية والإيبيرية ظهرت ملامح لهجة عربية جديدة بخصائص صوتية ومفردات محلية. هذه اللهجة سادت بين العامة، بينما بقيت الفصحى لغة التعليم والأدب والفقه. إن وجود هذه الثنائية (الفصحى – اللهجة) دليل على عمق انتشار العربية، إذ لا يمكن أن تتطور لهجة إلا عندما تصبح اللغة جزءًا حيًّا من الحياة اليومية لعامة الناس. وهكذا نستطيع القول إن العامل الديموغرافي لم يكن مجرد إضافة بشرية، بل كان قوة لغوية هائلة غيّرت الخريطة اللسانية للأندلس خلال قرنين من الزمن.

 العامل التعليمي والثقافي:

                من أبرز العوامل التي جعلت العربية تترسّخ وتنتشر بسرعة في الأندلس بعد الفتح الإسلامي هو الدور التعليمي والثقافي الذي قامت به الدولة ومجتمع العلماء. فالمساجد الكبرى مثل الجامع الكبير في قرطبة لم تكن مجرد أماكن للصلاة، بل تحولت إلى مدارس عامة مفتوحة تدرّس الفقه والحديث واللغة العربية. وكان التعليم في هذه المدارس يتم حصريًا بالعربية، مما جعلها لغة أساسية لكل طالب علم أو فقيه ناشئ. وقد ساعد على ذلك دعم الخلفاء الأمويين الذين أدركوا أن ترسيخ العربية هو وسيلة لترسيخ الحكم نفسه. وقد شهدت الأندلس في القرن الرابع والخامس الهجري نهضة كبيرة في حلقات العلم، حيث اجتمع آلاف الطلاب حول العلماء الكبار، مثل ابن عبد البر وابن حزم، وكل هذا لم يكن ممكنًا إلا بالعربية، لأنها كانت لغة الدروس والفتاوى والكتب.

                والتعليم كان للمكتبات أثر بالغ في نشر العربية. فقد أنشأ الحكم المستنصر في قرطبة واحدة من أعظم مكتبات عصرها، قيل إنها ضمّت مئات الآلاف من المخطوطات بالعربية، وكانت هذه المكتبة مصدرًا لنقل المعارف من المشرق إلى الغرب. وانتشرت بعد ذلك المكتبات الخاصة في بيوت العلماء والأمراء، فأصبح اقتناء الكتب بالعربية علامة على المكانة الثقافية والاجتماعية. وكان النسّاخون ينسخون الكتب بالعربية بكميات ضخمة، فانتشرت المصنفات الأدبية والعلمية بين الطلاب والدارسين. وهكذا لم تعد العربية مجرد لغة للتعليم الديني وحده، بل أصبحت لغة مكتبات ضخمة تحفظ التراث، وتنقله جيلًا بعد جيل. هذه العملية جعلت العربية أداةً رئيسية لتداول المعرفة والعلوم في الأندلس[6].

                أن حركة الترجمة لعبت دورًا مهمًا في رفع مكانة العربية. فقد تُرجمت الكثير من الكتب اليونانية واللاتينية إلى العربية، خاصة في الطب والفلك والفلسفة، على يد علماء مثل مسلمة المجريطي وابن رشد. هذه الترجمات لم تُبْقَ في الأندلس فقط، بل عبرت إلى أوروبا عبر مراكز الترجمة في طليطلة وصقلية. وبذلك صارت العربية لغة علم عالمي، لا يقتصر استخدامها على المسلمين، بل حتى العلماء الأوروبيون اعتمدوا عليها لنقل المعارف. هذه المكانة الثقافية جعلت السكان المحليين في الأندلس يرون أن العربية هي لغة المستقبل، ولغة العلم الذي يرفع مكانة صاحبه في المجتمع. لذلك ازداد الإقبال على تعلمها، حتى بين غير المسلمين، لتصبح بحق لغة جامعة للعلم والأدب والسياسة معًا.

العامل الأدبي:

                لم يكن انتشار العربية في الأندلس محصورًا بالدين والإدارة والتعليم، بل عزّزه عامل أدبي بالغ الأهمية، وهو مكانة التراث العربي القادم من المشرق. فقد حمل الفاتحون معهم تقاليد أدبية راسخة منذ العصر الجاهلي وصدر الإسلام، إضافة إلى منجزات الدولة الأموية والعباسية في الشعر والنثر. هذه الثروة الثقافية جذبت النخب الأندلسية بسرعة، لأنها قدّمت للعربية صورة لغة رفيعة المستوى، ليست مجرد أداة تواصل يومي، بل وعاءً للأدب والحكمة والتاريخ. ومع انتقال دواوين الشعر العربي من المشرق إلى الأندلس، بدأت حلقات التعليم والأمراء والأدباء يحتفون بالعربية باعتبارها لغة الفن والجمال، وهو ما جعلها تتجاوز حدود الاستعمال العملي لتصبح رمزًا للهوية والترف الثقافي.

                وقد انعكس هذا العامل في انتشار حلقات الأدب والبلاغة في القصور والمجالس، حيث كان الخلفاء والأمراء يتباهون برعاية الشعراء والكتاب. فعبد الرحمن الناصر والمستنصر بالله وغيرهما من خلفاء قرطبة جعلوا من العربية لغة المديح الرسمي والسياسة الثقافية، بل إن التنافس بين الأمراء في الأندلس اتخذ طابعًا أدبيًا، حيث كانوا يستقطبون الأدباء والشعراء لإظهار التفوق الثقافي إلى جانب السياسي. هذا الدعم جعل العربية تنمو بسرعة، لأنها لم تَعُد فقط لغة الإدارة أو العبادة، بل صارت لغة الفخر الاجتماعي والهيبة السياسية. كل من أراد الاقتراب من البلاط أو المشاركة في الحياة الثقافية الراقية كان عليه أن يتقن العربية ويبدع بها.

                والأهم أن العربية صارت لغة الإبداع المحلي أيضًا، فلم تعد محصورة في استيراد الأدب المشرقي، بل ظهر في الأندلس جيل من الشعراء والأدباء الذين جعلوا العربية أداة لتصوير بيئتهم وتجاربهم الخاصة. ومن خلال الموشحات والزجل، أبدع الأندلسيون أشكالًا أدبية جديدة أثبتت أن العربية قادرة على التكيّف مع كل بيئة وإنتاج أدب مبتكر. هذا أعطى السكان ثقة أكبر بأن العربية ليست لغة مفروضة من الخارج، بل لغة متجذرة في حياتهم اليومية وقادرة على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم. وهكذا أصبح التراث العربي، مع ما أضيف إليه من إبداع أندلسي، عاملًا رئيسيًا في ترسيخ العربية وسيطرتها على المشهد الثقافي والأدبي في الأندلس.

العامل الاجتماعي:

                الدين والسياسة والتعليم، لعب دورًا كبيرًا في انتشار العربية بالأندلس، خاصة من خلال التمازج اليومي بين المسلمين والمسيحيين واليهود. فالمدن الكبرى مثل قرطبة وطليطلة وغرناطة لم تكن منغلقة على طائفة واحدة، بل عاش فيها الجميع ضمن نظام اجتماعي عرف باسم أهل الذمة. هذا النظام أتاح لغير المسلمين مساحة من الحرية مقابل الجزية، وفي ظل هذا التعايش كانت العربية اللغة المشتركة التي تضمن التواصل بين السكان. فالتاجر المسيحي الذي يبيع بضاعته في السوق، أو الطبيب اليهودي الذي يعالج مسلمًا، كان يحتاج إلى العربية للتفاهم وإنجاز المعاملات. ومن هنا أصبحت العربية لغة الحياة اليومية المشتركة التي لا غنى عنها للتواصل بين مختلف الطوائف[7].

                ومن أبرز الشواهد على هذا التفاعل اللغوي والاجتماعي ظاهرة المستعربين، وهم المسيحيون الذين ظلوا على دينهم لكنهم تبنّوا العربية لغةً للحياة والكتابة. فقد تركوا لنا نصوصًا بالعربية في موضوعات دينية وأدبية، بل كتبوا الشعر والنثر بها، وهو ما يدل على عمق انتشارها في مجتمعهم. وأن بعض هؤلاء المستعربين شاركوا في نقل التراث العربي إلى أوروبا من خلال الترجمة، مما جعل العربية لغة مشتركة بين الأديان والثقافات. وهذه الظاهرة الفريدة تؤكد أن السيطرة العربية لم تكن مجرد سيطرة سياسية أو دينية، بل كانت نتيجة اندماج اجتماعي جعل اللغة وسيلة للتعايش المشترك. ومع مرور الزمن، صارت العربية عامل اندماج اجتماعي حقيقي، لأنها أعطت هوية مشتركة لسكان الأندلس، حتى وإن اختلفت أديانهم. فالمسلمون رأوا فيها لغة القرآن والفقه، والمسيحيون اعتبروها وسيلة للحياة الاقتصادية والثقافية، واليهود وجدوا فيها لغة العلم والفلسفة، حتى إن الفيلسوف اليهودي الشهير موسى بن ميمون ألّف معظم كتبه بالعربية. وهكذا تحولت العربية إلى لغة عابرة للحدود الدينية، تُستعمل في الأسواق والمجالس والجامعات، فربطت بين الناس وأعطت للأندلس شخصية ثقافية موحّدة.

العامل الاقتصادي والتجاري:

                من العوامل التي عززت مكانة العربية في الأندلس وأعطتها حضورًا قويًا في حياة الناس اليومية هو العامل الاقتصادي والتجاري. فالتجارة كانت شريان الحياة في المدن الأندلسية الكبرى مثل قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغرناطة، وكان التجار يأتون من مختلف الأديان والأعراق: مسلمون، نصارى، يهود، ومستعربون. وبما أنّ الدولة الإسلامية جعلت العربية لغة العقود والضرائب والقيود التجارية، صار لا بد من التعامل بها لإبرام الصفقات وضمان الحقوق. وهكذا ارتبطت العربية مباشرة بمصالح الناس الاقتصادية، فمن أراد أن يبيع أو يشتري أو يكتب عقدًا أو يوقّع اتفاقًا، وجد نفسه محتاجًا إلى اللغة العربية. هذا الجانب العملي جعلها لغة معيشية يومية لا يقتصر استعمالها على حلقات العلم أو ساحات العبادة، بل في الأسواق والورش والدكاكين. إضافة إلى ذلك، كان للأندلس موقع استراتيجي في طرق التجارة العالمية، فهي حلقة وصل بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وبين أوروبا وإفريقيا. هذا الموقع جعلها محطة رئيسية للتجار القادمين من المغرب والمشرق وأوروبا. ولكي تتم هذه المعاملات التجارية بيسر، أصبحت العربية لغة مشتركة للتواصل بين التجار، خصوصًا في الموانئ الكبرى مثل إشبيلية ومالقة. وقد أدى ذلك إلى أن يتعلم الأوروبيون الذين يزورون الأندلس شيئًا من العربية ليسهل عليهم البيع والشراء. بل إن بعض الوثائق التجارية التي عُثر عليها مكتوبة بالعربية تؤكد أن اللغة كانت أداة موثوقة لإثبات العقود وتوثيق التعاملات بين الأطراف المختلفة.

                لعبت الضرائب والمالية العامة دورًا في نشر العربية، إذ كانت الدولة تسجّل جباية الضرائب والجزية في سجلات عربية، وتتعامل مع التجار عبر عقود مكتوبة بالعربية. هذا النظام جعل فئة واسعة من السكان، خصوصًا من أصحاب الأراضي والتجار الكبار، يتجهون لتعلم العربية أو توظيف كتّاب يجيدونها. ومن خلال هذا الاحتكاك المستمر تحولت العربية إلى لغة الاقتصاد والمال، فلا يمكن تصور حياة اقتصادية مزدهرة في الأندلس بدونها. وهكذا صارت اللغة العربية لغة السوق بامتياز، تضبط التعاملات وتسهّل المبادلات، وتربط بين مختلف الأعراق والأديان تحت مظلة اقتصادية واحدة. وهذا البعد الاقتصادي ساعد في ترسيخها أكثر، لأنها لم تُفرض بقوة الدولة فقط، بل لأن الناس أنفسهم وجدوا فيها أداة ضرورية لمصالحهم ومعيشتهم اليومية.

النتيجة اللغوية:

                مع استمرار العربية في الانتشار بالأندلس عبر الدين والسياسة والتعليم والتجارة، نشأت نتيجة طبيعية لهذا الامتزاج وهي ظهور لهجة عربية أندلسية خاصة. هذه اللهجة لم تكن بعيدة عن الفصحى، لكنها تأثرت باللهجات العربية القادمة من الشام واليمن والمغرب، واختلطت أيضًا باللغات المحلية القديمة مثل اللاتينية المتأخرة واللهجات الرومانسية والإيبيرية. والنتيجة أن العرب الأندلسيين طوّروا أسلوبًا لغويًا خاصًا بهم في النطق والمفردات والتراكيب. وقد وصلنا كثير من الشواهد على هذه اللهجة في الشعر الشعبي مثل الزجل والموشحات، حيث كان الشعراء يدمجون بين الفصحى ولهجتهم المحلية لإنتاج نصوص قريبة من الناس وسهلة الغناء والتداول. لقد كانت هذه اللهجة الأندلسية انعكاسًا لواقع اجتماعي متنوع، فهي لغة الناس في الأسواق والمنازل والمجالس الشعبية، بينما ظلت الفصحى لغة الأدب الرسمي والفقه والدواوين. هذا التوزع بين الفصحى واللهجة خلق ثنائية لغوية “Diglossia” واضحة في المجتمع الأندلسي. وذلك لم تكن اللهجة مجرد أداة كلام يومي، بل دخلت إلى الأدب الراقي من خلال الموشحات والزجل، حتى أصبحت لها قيمة فنية وجمالية. ويؤكد بعض الباحثين أن هذه التجربة الفريدة منحت الأدب الأندلسي طابعه المميز، لأنها جعلته أكثر التصاقًا بالواقع الاجتماعي والحياة اليومية مقارنة بأدب المشرق.

                وأن هذه اللهجة لم تظل محصورة داخل الأندلس، بل كان لها أثر في اللغات الأوروبية نفسها. فقد انتقلت كثير من الألفاظ العربية الأندلسية إلى الإسبانية والبرتغالية، خاصة في مجالات الزراعة والعلوم والهندسة. كلمات مثل “Aceituna” (زيتون) و”Alcázar” (القصر) و”Azúcar” (سكر) كلها تعود إلى العربية الأندلسية. وهذا يؤكد أن العربية لم تكن مجرد لغة دين أو سياسة، بل لغة حية يومية دخلت في وجدان الناس، وتركت بصماتها حتى بعد سقوط الحكم الإسلامي. وبذلك نستطيع القول إن اللهجة العربية الأندلسية كانت التجسيد الواقعي لسيطرة العربية، لأنها مثلت الامتزاج اللغوي والاجتماعي، وأثبتت قدرة العربية على التكيّف والإبداع في بيئة جديدة تمامًا[8].

أثر العربية على الأقوام غير المسلمة:

                من الظواهر المميزة في الأندلس الإسلامية أن العربية لم تقتصر على المسلمين وحدهم، بل أصبحت لغة مشتركة لليهود والمسيحيين أيضًا. فقد عاش هؤلاء الأقوام في ظل الحكم الإسلامي في إطار نظام “أهل الذمة”، الذي منحهم حرية ممارسة دياناتهم مع بقاء العربية لغة الدولة والاقتصاد. وبمرور الوقت، وجد اليهود والنصارى أنفسهم أمام واقع جديد: إذا أرادوا أن يشاركوا في الحياة الثقافية والاقتصادية فكان لا بد لهم من تعلّم العربية. وهكذا ظهر جيل كامل من المثقفين غير المسلمين الذين تبنوا العربية لغة كتابة وتفكير، حتى أصبحت جزءًا أساسيًا من هويتهم اليومية. واليهود على وجه الخصوص تأثروا بالعربية بعمق، فالفيلسوف الشهير موسى بن ميمون كتب معظم مؤلفاته الكبرى مثل دلالة الحائرين بالعربية، قبل أن تُترجم إلى العبرية واللاتينية. وهذا يعكس أن العربية لم تكن مجرد لغة تواصل عند اليهود، بل لغة فلسفة وعلم ودين. كذلك كتب علماء اليهود في الطب والفلك بالعربية، وشاركوا في حركة الترجمة الكبرى التي نقلت المعارف إلى أوروبا. أما المسيحيون المستعربون، فقد أنتجوا نصوصًا دينية وأدبية بالعربية، بل ألّف بعضهم شعرًا يجمع بين الرموز المسيحية والأسلوب العربي. هذه الظاهرة المستعربة تدل على أن العربية لم تكن مجرد لغة “الغالب”، بل صارت لغة مثقفة قادرة على حمل عقائد وأفكار غير المسلمين أيضًا. هذا التداخل الثقافي خلق ما يشبه ثقافة مشتركة بين سكان الأندلس، إذ صار اليهود والنصارى يتذوقون الشعر العربي، ويستعملون أمثال العرب، ويكتبون رسائلهم ومذكراتهم بالعربية. وبفضل هذه الظاهرة، وصلت إلينا مخطوطات نصرانية ويهودية بالعربية، تُمثل مزيجًا بين هويتهم الدينية ولغتهم الثقافية. بل إن كثيرًا من المصطلحات العربية دخلت اللغة العبرية واللاتينية في الأندلس، وهو ما أثبت أن العربية كانت قوة لغوية جامعة لا تفرّق بين مسلم وغير مسلم. ويمكن القول إن نجاح العربية في احتواء هذه الأقوام المختلفة هو أحد أسرار استمرارها وسيطرتها في الأندلس طوال ثمانية قرون.

خاتمة:

                عندما ننظر إلى مسار العربية في الأندلس منذ الفتح الإسلامي سنة 92هـ/711م وحتى سقوط غرناطة سنة 1492م، نجد أن سيطرتها لم تكن مجرد هيمنة لغوية عابرة، بل كانت ظاهرة حضارية معقدة تستحق الإعجاب والدرس. فقد اجتمعت في العربية عناصر الدين والسياسة والعلم والتجارة لتجعل منها لغة شاملة تنظم حياة المجتمع كله في جانب، وفي جانب آخر، إنها لغة القرآن والعبادة، ولغة الدولة والإدارة، ولغة المدارس والمكتبات، ولغة السوق والاقتصاد حتى أصبحت اللغة المشتركة التي تضمن التواصل بين المسلمين والمسيحيين واليهود. وهذا التعدد الوظيفي هو ما يجعل السيطرة العربية معجبة ومهمة؛ لأنها لم تفرض نفسها بالقوة وحدها، بل تبنتها الشعوب بإرادتها لأنها وجدت فيها المنفعة الدينية والدنيوية.

                وإذا نظرنا إلى الأثر الحضاري، فإن العربية لم تقتصر على توحيد سكان الأندلس داخليًا، بل صارت جسرًا حضاريًا عالميًا بين الشرق والغرب. عبرها انتقلت الفلسفة والطب والفلك والرياضيات من الإغريق والهنود إلى أوروبا، فأصبحت رافدًا رئيسيًا للنهضة الأوروبية. وإن الأدب الأندلسي، من الموشحات والزجل إلى الموسوعات العلمية والتاريخية، أثبت أن العربية قادرة على التجدد والإبداع في بيئات متنوعة. فإن سيطرتها في الأندلس تظل معجبة ومهمة لأنها قدّمت للعالم مثالًا حيًا على كيف يمكن للغة أن تتحول إلى وعاء حضاري ليوحّد مجتمعًا متنوعًا وليترك أثرًا عميقًا في مسيرة الإنسانية جمعاء. ومن خلال هذا العرض المفصّل لانتشار اللغة العربية في الأندلس بعد الفتح الإسلامي، يتضح أن السيطرة العربية لم تكن مجرد حدث سياسي أو ديني، بل كانت عملية حضارية متكاملة تداخلت فيها عوامل الدين والسياسة والهجرة والتعليم والتجارة والثقافة. فقد بدأت العربية كلغة قرآن وعبادة، لكنها سرعان ما تحولت إلى لغة الدولة والإدارة، ثم أصبحت لغة المدارس والمكتبات وحلقات العلم، وصولًا إلى الأسواق والمعاملات التجارية. ومع كل جيل جديد، توسعت دائرة مستخدمي العربية حتى شملت المسلمين والمسيحيين واليهود، حيث تولدت لهجة عربية أندلسية خاصة، واندمجت في نسيج الحياة اليومية. وهذه الصورة الشاملة تكشف أن العربية في الأندلس كانت أكثر من مجرد لغة، بل كانت هوية حضارية ونظامًا اجتماعيًا متكاملاً.

                فمن المعلوم تاريخيا أن العربية في الأندلس كانت أداة لنقل المعارف بين الشعوب والأديان، ومن خلالها انتقلت الفلسفة والعلوم إلى أوروبا، فكانت أساسًا لنهضتها الفكرية. وأن التراث الأدبي الأندلسي أثبت قدرة العربية على الابتكار والتجدد. لذلك تظل سيطرة العربية في الأندلس ظاهرة معجبة حتى اليوم، بما تبوأت بأهم المنابر والمحافل الحضارية التي تنشر المعرفة، وتبني جسور التواصل، وتترك إرثا خالدا وأثرا نافعا في التاريخ الإنساني.

***

[1]باحث الدكتوراه، قسم اللغة العربية، كلية جمال محمد تيروتشيرابالي، بتابعة بهارد داسن ينيورستي، الهند

[2] أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، كلية جمال محمد تيروشيرابالي، بتابعة بهارد داسن ينيورستي، الهند

[3]   نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب ، للشيخ أحمد المقريّ التلمساني، دار الصادر بيروت 1988م

[4] The Arabic role in medieval literary history, by Maria Rosa  Menocal Published by University of Pennsylvania Press, 1987

[5]  تاريخ الأدب العربي عصر الدول والامارات الأندلس لشوقي ضيف ، دار المعارف، القاهرة

[6] The Rise of Colleges: Institutions of Learning in Islam and the West by George Makdisi, Published by Edinburgh University Press 1981

[7] The rise and fall of the party-kings : politics and society in Islamic Spain by David Wasserstein published by Princeton University Press, New Jersey  1985

[8] A Dictionary of Andalusi Arabic written by Federico Corriente, Published by Brill Jun 2022

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of