+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

القلب في القرآن الكريم: دراسة تحليلية في مفهومه وأنماطه
بقلم: أ. د. سيد شاهد علي[1]

 ترجمه: د. محفوظ الرحمن[2]

مدخل:

يرسم الإسلام صورةً متكاملة للوجود الإنساني، تتآلف فيها الروح والأخلاق والسلوك، ويغدو القلب محور هذه المنظومة ومصدر إشعاعها. ففي القلب تتشكل معاني الإيمان، وتنبثق دوافع الفعل، وتُوزن القيم والمواقف. ومن هذا المنطلق، تتجه هذه الدراسة إلى تأمل مفهوم القلب في القرآن الكريم، مستنطقة دلالاته ووظائفه، ومتتبعة أنماطه كما عكستها الآيات القرآنية وهدي السنة النبوية.

وتكشف هذه الدراسة عن تعدد صور القلب بين سليمٍ يشرق بالهداية، ومريضٍ يتأرجح بين اليقين والشك، وقاسٍ غلظت مشاعره عن الموعظة، ومطمئنٍ سكن إلى ذكر الله، ومختومٍ أُغلق دونه نور الحق، ويقظٍ لا يغفل عن مراقبة ربه. ولكلّ من هذه القلوب أثره العميق في تشكيل السلوك الإنساني وتحديد مساره الأخلاقي.

وتنتهي الدراسة إلى أن تزكية القلب هي الغاية الكبرى التي يتجه إليها الخطاب القرآني، وأن التقوى تمثل الحارس الأمين الذي يصون نقاء القلب ويحفظ للإنسان توازنه الأخلاقي، لتغدو حياة المرء انعكاسًا صادقًا لما استقر في أعماقه.

تمهيد:

يطلّ الإسلام على الحياة بوصفه نسقًا متكاملًا، تتآزر فيه العقيدة والعبادة، وتتجسد فيه الأخلاق، وينتظم به السلوك الإنساني في بعديه الفردي والاجتماعي. ويقدّم القرآن الكريم الدين على أنه نور هداية أنزله الله على أنبيائه، ليقود الإنسان في مسيرته نحو السموّ الروحي والرقيّ الأخلاقي. فلا يقف هذا الدين عند حدود الامتثال الظاهر لأحكام الشريعة، بل ينفذ إلى الأعماق، حيث يسعى إلى إحياء القلب وتزكيته، ليغدو السلوك الخارجي مرآةً صادقة لما استقر في الداخل من إيمان وتقوى.

يقول الله تبارك وتعالى:

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. (سورة البقرة الآية 38-39)

وفي سياق التصور القرآني، يتجلّى القلب بوصفه موضع الإدراك والبصيرة، ومستقرّ النية، وأساس المحاسبة، إذ تُناط به الهداية والضلال، ويُقاس به صلاح الإنسان أو فساده، كما دلّت عليه آيات القرآن الكريم في إسناد الفهم والإيمان والمسؤولية إلى القلوب.

المعاني المفاهيمية للقلب:

اتخذ القلب عبر الثقافات والتقاليد الفكرية المختلفة، في الفهم الإنساني صورًا متعددة. ومن منظور دراسة القرآن الكريم، يمكن تصنيف هذه الصور إلى ثلاثة تأويلات رئيسية، كلها تجد سندها في النص القرآني:

  • القلب كمركز للعواطف، بينما العقل كمركز للفكر العقلي والمنطقي.
  • القلب بوصفه العقل ذاته، وهو استخدام شائع في الأدب الكلاسيكي.
  • وحدة القلب والعقل، ممثلةً في قدرة متكاملة على الإدراك والعاطفة والحكم الأخلاقي.

يشير الفقهاء والمفكرون الإسلاميون إلى أن الدين يتجلى في بعدين متكاملين: دين الشريعة، ودين القلب. فالأول يهتم بالعمل الظاهر، بينما الثاني يهتم بصفاء الداخل وسلامة القيم والمعايير الأخلاقية.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

“أَلَا وإَِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ”. (صحيح مسلم)

مساءلة القلب في القرآن الكريم:

يُقرّ القرآن الكريم بأن القلب هو قدرة تخضع للمحاسبة الإلهية فهو يقول:

} إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا {  (سورة الإسراء الآية 36)

وتؤكد هذه الآية أن المسؤولية الأخلاقية في الإسلام تتجاوز حدود الأفعال الظاهرة لتشمل حالات الإنسان الباطنية، من إيمان ونية ووعي قلبي وروحي، مما يجعل القلب محور المحاسبة والمقوّم الحقيقي لسلوك الإنسان.

تصنيف القلوب في القرآن الكريم:

يصف القرآن الكريم حالات عديدة للقلب استنادًا إلى سلوك الإنسان وميله الروحي، ويمكن تصنيفها بحسب الصفات الحسنة والسيئة.

  • القلوب المتصفة بالفضائل والميزات الإيجابية:

القلب السليم: قلب طاهر، صادق النية، ومتّبع لهداية الله.

يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌۭ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍۢ سَلِيمٍۢ. (سورة الشعراء الآية 88-89)

القلب الحنون: قلب عطوف، رقيق المشاعر، ومخلص في عبادته، كما ظهر في مثال إبراهيم عليه السلام.

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (سورة هود، الآية:75)

القلب اليقظ: قلب واعٍ بالله، متنبّه في الإيمان.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (الأنفال الآية: 2)

القلب القوي: قلب راسخ في الإيمان ومخلص في العبادة.

وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. (سورة الكهف الآية: 14)

القلب المطمئن: قلب يشعر بالسكينة والطمأنينة من ذكر الله.

أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ. (الرعد: 28)

القلوب المتآلفة: قلوب متوافقة، متلاحمة، وموجَّهة بهداية الله.

لو أنفقت مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ. (الأنفال: 63)

القلوب المتصفّة بالشرور والميول السلبية:

القلب القاسي: قلب عنيد، مقاوم للهداية ومصرّ على الانحراف

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً. (البقرة: 74)

 القلب المريض: قلب مصاب بالذنوب والنفاق

 فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ  (البقرة: 10)

القلب الغافل: قلب مهمل، غافل عن الحق، وغير متنبه لحال نفسه وأفعاله.

لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا (الأعراف: 179)

القلب الماكر: قلب مخادع، ينكر الحق ويتظاهر بالفضيلة دون صدق.

يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ. (سورة التوبة الأية:8)

القلب المحجوب: قلب طمسته الأعمال، فلا يستطيع تمييز الحق أو الهداية.

كَلَّا ۖ  بَلْ  ۜ  رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ. (المطفّفين – 14)

القلب المختوم: قلب مغلق نتيجة الكبر أو الاستبداد.

كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ. (سورة غافر-35)

القلب الشاكّ: قلب متذبذب، غير ثابت في الإيمان وممتعض في اليقين.

وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُون.) سورة التوبة45:)

القلوب المنقسمة: قلوب مشتّتة، بلا انسجام أو إدراك واضح.

تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ (سورة الحشر-14)

الأدعية لحماية القلب ورعايته:

إذ يُعدّ القلب منبع جميع الأعمال، خيرها وشرها، يركّز القرآن الكريم والسنة النبوية على الالتجاء إلى الله تعالى في حمايته ورعايته، ليظل القلب صافياً، مستنيراً بالهداية، ومتيقّظاً للحقّ والخير:

رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ. (سورة آل عمران-8)

كان رسول الله ﷺ يكثر من الدعاء، ويقول:

يا مُقَلِّبَ القلوب، ثَبِّت قلبي على دينك (جامع الترمذي)

وَاهْدِ قَلْبِي وَسَدِّدْ لِسَانِي( سنن ابن ماجه)

وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي (مسند أحمد)

وشدد النبي محمد ﷺ على ميل القلب الطبيعي للتقلب والحاجة الدائمة للرجوع إلى هداية الله وحفظه، موضحًا بذلك أهمية الاستعانة بالله دائمًا

مَثَلُ القَلْبِ مَثَلُ الرِّيْشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ( سنن ابن ماجه)

النطاق القرآني للقلب

يولي القرآن الكريم القلب عنايةً فائقة، متناولًا إياه في سور وآيات عديدة، ليجعل منه لبّ الإيمان، ومرکز الفهم، وصنوّ التوجيه الأخلاقي للإنسان. ومن خلال هذه الإشارات المتواترة، يتجلّى للقارئ أن القلب هو صانع الإيمان والكفر، وموطن الإخلاص والنفاق، وميدان اليقين والشك، ومصدر الطمأنينة والهداية، ليصبح بذلك المفتاح الروحي الذي يحدد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة:

خاتمة:

يقدّم القرآن الكريم تصورًا متكاملًا للقلب بوصفه مركز الوعي الروحي والأخلاقي للإنسان، فهو مقر الإيمان، ومصدر الفهم، ونواة النية، وموضع المحاسبة. ومن خلال تنويع وصف القلوب وتصنيفها، يشدّد القرآن على أن صلاح الروح ونجاحها مرتبط بالحالة الداخلية للقلب أكثر من المظاهر الظاهرة، وهو ما تؤكده أيضًا تعاليم النبي ﷺ التي توضح تقلب القلب وحاجته الدائمة إلى هداية الله ورعايته.

يشير مصطلح التقوى في الإسلام إلى الإدراك الواعي لله الذي يوجه الإنسان نحو الطاعة وينأى به عن المعاصي. ويجعل القرآن الكريم التقوى المعيار الأسمى للشرف والفضل عند الله: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”(الحجرات: 13)، فيما أكّد النبي ﷺ أن التميز الحقيقي ينبع من تقوى القلب، فهي الأساس الذي يشكّل الأخلاق الحميدة وسلوك المؤمن وسماته الإنسانية (صحيح مسلم).

يشكل كل من القلب والتقوى إطارًا قرآنيًا متكاملاً يُحافظ على الضمير الأخلاقي ويوجهه عبر وعي مستمر بالله. وتؤكد هذه الصلة أن التقوى تحفظ سلامة القلب وتبقى عاملًا جوهريًا للنمو الروحي وتحقيق النجاة.

                                                                              ***

[1] . أستاذ في قسم الدراسات الإسلامية، الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي، الهند.

[2]. أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية الإسلامية، نيو دلهي، الهند.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of