+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

شرح كلمة “ضنين” في قوله تعالى: “وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ” في ضوء كلام العرب
 بقلم:  د. أورنك زيب الأعظمي  [1]

شرح كلمة “ضنين” في قوله تعالى: “وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ” في ضوء كلام العرب

 جاءت هذه الآية في سورة التكوير التي يردّ فيها القرآنُ اعتراض الآخرين على القرآن والنبي أنّ هذا القرآن مما ألقى عليه الجن أو جنّ جنونه فيثرثر ما شاء. قال الله تعالى:

“إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠ مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ ٢٢ وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥ فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ ٢٦ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧”. (سورة التكوير)

في هذه الآية وردت كلمة “ضنين” التي كتب عنها المفسّرون وعلماء اللغة أنها تعني البخيل. فقال الراغب الإصفهاني: “ما هو ببخيل”.[2]

والضنين من ضنّ يضنّ ضنًّا وضنّة وضنانةً وعادةًما يتعدّى بـ”الباء”. قال لقيط بن يعمر:

فإن غُلِبتم على ضِنٍّ بداركم فقد لقيتم بأمر حازمٍ فزعا[3]

وقال أوس بن حجر:

يُجَرِّدُ في السربالِ أبيضَ صارمًا مُبينًا لعين الناظر المتوسّم
يجود ويعطي المال من غيرِ ضِنَّةٍ ويضرب أنفَ الأبلخ المتغشّم[4]

وفي البيت الأول شاهد آخر وهو “مبين” بمعنى واضح. ففي القرآن “عَدُوّٞ مُّبِينٌ” (2/168)، “ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ” (3/164) و”إِثۡمٗا مُّبِينٗا” (4/20). وقد كثر ورود هذه الكلمة في الشعر العربي لأنّ العرب كانوا مولعين بالجود وكانوا يذمّون البخل وصاحبه ولديهم كلمة خاصة لمن لم يحضر القمار وهي “برم”.[5] وقال الشماخ بن ضرار الشيباني:

أفاد محامدًا وأفاد مجدًا فليس كجامدٍ لحزٍ ضنين[6]

وقال جميل بثينة:

سليني مالي يا بثين فإنما يُبَيَّنُ عند المال كلُ ضنين[7]

ومرة أخرى بدّل “ضنين” بـ”بخيل” فقال:

بثين، سليني بعض مالي، فإنما يُبَيَّنُ، عند المال، كلُ بخيل[8]

وقال منقذ الهلالي:

كنتُ الضنينَ بمن أصبتُ به وسلَوتُ حين تقادم الأمر[9]

وقال قيس بن الحطيم:

أجود بمضمونِ التلاد وإنني بسرّك عما سالني لضنين[10]

وقال الأعشى الكبير:

يومًا بأجود منه حين تسأله إذ ضنّ ذو المال بالإعطاء أو خدعا
غيثُ الأرامل والأيتام كلهم لم تطلع الشمس إلا ضرّ أو نفعا[11]

وقال لبيد بن أبي ربيعة العامري:

ولا أضِنُّ بمعروفِ السَنام إذا كان القُتارُ كما يُستَروَحُ القُطُر[12]

وقال عبد الله بن رواحة:

فإنْ تضننْ عليك بما لديها وتقلبْ وصلَ نائلها جديدا[13]

وقال المثلم بن عمرو التنوخي:

وإني إذا ضنّ الأمير بإذنه على الإذن من نفسي إذا شئتُ قادر[14]

وقال قيس بن الملوّح:

خليليّ إنْ ضنّوا بليلى فقرّبا لي النعشَ والأكفانَ واستغفرا ليا[15]

والدليل على هذا أنّ معدّيها عين معدّي “البخل” فقال زهير بن أبي سلمى:

ومن يك ذا فضلٍ فيبخل بفضله على قومه يستغن عنه ويذمم[16]

وقال عنترة بن شداد العبسي:

ولقد حبستُ الدمعَ، لا بخلًا به، يومَ الوداع على رسوم المعهد[17]

وقال دريد بن الصمة:

وهَوَّنَ وجدي أنني لم أقل له كذبتَ، ولم أبخل بما ملكتْ يدي[18]

وقال بدر بن عامر الهذلي:

بخِلتْ فُطَيمةُ بالذي توليني إلا الكلام وقلّما يجديني[19]

وقال صخر بن عمرو بن الحارث أخو الخنساء:

وطَيَّبَ نفسي أنني لم أقلْ له كذبتَ ولم أبخلْ عليه بماليا[20]

وقال الأحوص الأنصاري:

لقد بخلتْ بالودّ حتى كأنها خليلُ صفاءٍ غيّبتْه المقابر[21]

وقال العباس بن مرداس:

أبلغ أبا سلمى رسولًا يروعه ولو حلّ ذا وأهلي بعسجل
رسول امرئ يُهدي إليك رسالة فإنْ معشرٌ جادوا بعرضك فابخل[22]

وقال عمر بن أبي ربيعة العامري:

يا هند لا تبخلي بنائلكم عنّا فلم أقضِ منكم أربي[23]

وقال الفرزدق:

يا ويحَ أختِ بني كنانةَ إنها لبخيلة بشفاءِ من يُجرِم[24]

وله كذلك:

فلو بخلتْ يداي بها وضنّت لكان عليّ للقدر الخيرا[25]

وقال الأخطل:

وليس بخيلُ النفس بالمال خالدًا ولا من جوادٍ، فاعلمي، ميّت هزلا[26]

وقال جرير:

هل من نوالٍ لموعود بخلتِ به وللرهين الذي استغلقتِ من فادي[27]

وحتى أن الأفعال التي تشبهه معنًى تتعدّى أيضًا بالباء مثل “قَنِعَ” فقال تأبط شرًا:

يقول: أهلكتَ مالًا، لو قنعت به من ثوب صدق، ومن بزّ وأعلاق[28]

وقال لبيد بن أبي ربيعة العامري:

فاقنعْ بما قسم المليكُ فإنما قَسَمَ الخلائق بيننا علّامُها[29]

وقال الأحوص الأنصاري:

فلا النفسُ من تهمامها مستريحةٌ ولا بالذي يأتي به الدهرُ تقنع[30]

وقال عُبَيد بن عبد العزى السلامي:

كأنْ لم تجاورنا رميمٌ ولم نقمْ بفيضِ الحِمى إذ أنت بالعيش قانع[31]

وقال قيس بن الحطيم:

لقد خفتُ ألا تقنع النفسُ بعدها بشيء من الدنيا إنْ كان مقنعا[32]

وقال الأقيشر الأسدي:

إرددْ عليّ سلامي قد قنعتُ به واحبسْ سلامَك عني يا ابنَ إسحاق[33]

وكذا “أمْسَكَ” حيث قال تأبط شرًا:

إني إذا خلّة ضنّت بنائلها وأمسكت بضعيف الوصل أحذاق[34]

وكذا “طَمِعَ” كما قال أمية بن أبي الصلت:

وآخرون على الأعراف قد طمِعوا بجنّةٍ حفَّها الرمّانُ والخضِر[35]

وقال الحارث بن هشام:

فصددتُ عنهم والأحبّةُ فيهم طمعًا لهم بعقابِ يومٍ مُرصِد[36]

وكذا “حريص” و”شحيح” على أصل التضمين فقال أبو الأسود الدؤلي:

فأقسمتُ لو أعطيتَ ما سُمتَ مثلَه وأنت حريصٌ ما غدوتَ برأسها[37]

وقال ابن قيس الرقيات:

خيّرتْني بين أنْ أكـ تُمَ سرًّا أو أبوحا
ولقد تعلمُ أني كنتُ بالسرّ شحيحا[38]

وقال ابن ميادة:

إنْ تُريغا لتعما سرَّ سُعدى تجداني بسرِّ سعدى شحيحا[39]

فاستبدل “شحيح” معدّي “بخيل” ألا وهو الباء.

وهكذا الرجاء كما قال راجز من بني جعدة:

نحن، بني جعدة، أرباب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرج[40]

ولكن يبدو من إمعان النظر في بعض أبيات الشعراء أنّ “ضنين” يلمح على “حريص” فمثلًا قال تأبط شرًا:

إني إذا خلةٌ ضنّت بنائلها وأمسكتْ بضعيف الوصل أحذاق
نجوتُ منها نجائي من بجيلة إذ ألقيتُ ليلةَ خبتِ الرهطِ أرواقي[41]

وقال لبيد بن أبي ربيعة العامري:

فمكثتُ بعدهم وكنـ تُ بطولِ صحبتهم ضنينا[42]

وقال الفرزدق:

سبرتَ به نفسًا عليك كريمةً وقد علموا ألّا تضنّ بها بخلا
تجود بها لله ترجو ثوابَه وليس بمُعطٍ مثلَها أحدٌ بذلا
وفيٌّ إذا ضنَّ البخيلُ بماله وفيٌّ إذا أعطى بذمته حبلا[43]

وقال جميل بثينة:

فيا قلبُ دعْ ذكرى بثينة إنها وإنْ كنتَ تهواها، تضنّ وتبخل[44]

وقال الشاعر:

فإني بالجموح وأمّ عمرو ودولحَ، فاعلموا، حجِئٌ ضنينُ[45]

ويؤيد ذلك قول الخنساء حيث تستخدم كلمة “برم” (بخيل) بجانب كلمة “ضنين” فتقول:

وقد حال خيرٌ من أناس، ورفدُهم بكفّيْ غلام لا ضنين ولا برم[46]

وذلك لأنّ الذي يبخل لا بد أنّ يكون حريصًا على ما يبخل به فقال عدي بن زيد:

وللخَلْقِ إذلالٌ لمن كان باخلًا ضنينًا ومن يبخلْ يزلّ ويُزْهَد[47]

ويؤيد هذا معدّي الحرص “على” فقال امرؤ القيس:

تجاوزتُ أحراسًا إليها ومعشرًا عليّ حراصًا لو يسرّون مقتلي[48]

وقال النابغة الجعدي:

فمن يحرصْ على كِبَري فإني من الفتيان أزمانَ الخُنان[49]

وقال عبد الله بن سبرة الحرَشي:

ويلُ امِّ جارٍ غداةَ الجسرِ فارقني أعززْ عليّ به إذ بان فانصدعا
يمنى يديّ غدتْ مني مُفارِقةً لم أستطع يومَ خِلطاسٍ لها تَبَعا
وما ضنِنتُ عليها أنْ أصاحبَها لكن حرصتُ على أنْ نستريح معا[50]

وقال المتلمس الضُبعي:

لعلّك يومًا أنْ يسرّك أنني شهدتُ وقد رمّتْ عظامي في قبري
فتُصبحُ مظلومًا تُسامُ دنيةً حريصًا على مثلي، فقثيرًا إلى نصري[51]

وقال مالك بن أبي كعب الأوسي:

ولا خيرَ في مولى يظلّ كأنه إذا ضيم مولاه، أكبَّ على غُنم
حريص على ظلم البريّ مخالف عن القصد مأمون ضعيف عن الظلم[52]

وقال عمران بن حطان:

لقد كان في الدنيا يزيد بن بعثر حريصًا على الخيرات حلوًا شمائله[53]

وقال الأقيشر الأسدي:

سريعٌ إلى ابنِ العمّ يلطُطُ وجهَه وليس إلى داعي الندى بسريع
حريصٌ على الدنيا مضيعٌ لدينه وليس لما في بيته بمضيع[54]

وقال تعالى: “وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٩٦”. (سورة البقرة)

وقال: “لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨”. (سورة التوبة)

وقال أيضًا: “إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧”. (سورة النحل)

وكذا هذا معدّي كلمة “شحيح” التي هي مرادفة لكلمة “حريص” فقال الفرزدق:

ولو ضاع ما قالوا ارعَ منا وجدتَهم شحاحًا على الغالي من الحسب الجزل[55]

وقال مطيع بن إياس:

ليس من العدل أنْ تشِحِّي على فتًى ليس بالشحيح[56]

وقالت عَمرَة الخثعمية:

هما يلبسان المجدَ أحسنَ لِبسةٍ شحيحان ما اسطاعا عليه كلاهما[57]

وقال الله تعالى:

“قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨ أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩ يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡ‍َٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠”. (سورة الأحزاب)

ولعل الشيخ أمين أحسن الإصلاحي الذي يرى أنّ “ضنين” يضمن الحرص لأنّ معدّيه في الآية “على” والذي هو معدّي الحرص لعله سديدٌ رأيٌه ومصيب.[58]

ومن بواعث السرور أني وجدتُ شواهدَ على إيراد القرآن الكريم هذه الكلمةَ وتعدّيها فقال المنقذ بن الطماح الأسدي:

حاشا أبا ثوبانَ إنّ به ضنًّا على الملحاة والشتم[59]

وقال أعرابي في إحدى دعواته:

“— اللهم لا تحقق عليّ العذاب ولا تقطع بي الأسباب واحفظني في كل ما تحيط به شفقتي وتأتي من ورائه سبحتي وتعجز عنه قوتي، أدعوك دعاء ضعيفٍ عملُه متظاهرة ذنوبُه ضنين على نفسه، دعاءَ من بدنُه ضعيف ومنتُه عاجزة قد انتهت عدتُه وخلقت جدتُه وتم ظمؤه. اللهم لا تخيبني وأنا أرجوك ولا تعذبنى وأنا أدعوك —“.[60]

وقالت امرأة إسلامية لزوجها تعاتبه على عدم عنايته بها:

أتهدي لي القرطاسَ والخبزُ حاجتي وأنت على باب الأمير بطين
إذا غبتَ لم تذكر صديقًا ولم تُقِم فأنت على ما في يديك ضنين
فأنت ككلبِ السَوء ضبّع أهلَه فيُهزِلُ أهلَ البيت وهو سمين[61]

وفي البيت الأخير شاهد على معنى “أهل البيت” للزوجة[62] كما في قوله تعالى “قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣”. (سورة هود)

ولم أجد شاهدًا غير هذه الثلاثة سوى الإمام أبي العباس عبد الله بن محمد الذي ليس من شعراء عصور الاستشهاد فقال:

وأرغو ناب في الحروب محكم ضنين على نفس المشح المغالب[63]

ولعل هذا ما فهمه البخاري إذ قال: “الضنين: يضنّ به”[64] أي حرف (على) يعني (الباء) هنا.

وأما إذا جاء “ضنّ” بدون حرف “الباء” فهذا يعني أنّ المضنون به محذوف هنا كما قال عمرو بن قميئة:

صبرتُ على وطءِ الموالي وحطمِهم إذا ضنّ ذو القربى عليهم وأخمدا[65]

أي ضنّ بما لديهم عليهم وأخمد ناره.

وكذا قول المرار بن سعيد الفقعسي:

عقلتُ نساءَهم فينا حديثًا ضنين المال والولد النزيعا[66]

وكذا قول الشاعر:

ألا أصبحتْ أسماءُ جاذمةَ الحبل وضنّتْ علينا والضنينُ من البخل[67]

موقع هذه الكلمة في ضوء سيرة النبي وسياق الآية: عندما ندرس سيرة النبي الخاتم ﷺ نجد أنّ أعداء الإسلام لم يتهموه بالبخل فقد كان يجود بما لديه منذ أن لم يبعث وكان شهيرًا بسخائه وجوده وأعظم أخلاق البشرية كما قالت زوجته خديجة رضي الله عنها عندما قصّ عليها الرسول ﷺ ما قصّ من لقاء جبريل: “إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.[68]

وفي ضوء هذا الواقع عندما نتفكر في سياق هذه الآيات نجد أنّ “ضنين” يعني “حريصًا” لا “بخيلًا” وبما أنّ هذه الكلمة وردت في اللغة لمعنيين فأتى القرآن بحرف جرّ “على” ليحدّد المعنى. لنقرأ الآيات مرة أخرى:

“إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠ مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ ٢٢ وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣ وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥ فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ ٢٦ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧”. (سورة التكوير)

فالقرآن كلام جاء به رسول أمين ومطاع، وليس هذا من ثرثرة المجنون ولا مما كتبه له أحدٌ من البشر لأنه ليس بحريص على الوحي. ولقد ردّ القرآن الكريم اتهام الأعداء النبيَّ الكريمَ ﷺ بالكهانة فقال تعالى حاكيًا اتهام المعارضين ورادًّا عليهم: “فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩ أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠ قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١ أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢ أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣ فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٣٤”. (سورة الطور) فذكر الكهانة التي كان فيها الكاهن يحبّ أنْ يلفظ شيئًا عن الغيب رجمًا بالغيب.

وقال: “فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١ وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣ وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ٤٦”. (سورة الحاقة)

ولكنه لم تجيء آية ردّ فيها الله تعالى على أيّ اتهام من الأعداء وجّهوه إلى الرسول ﷺ بأنه بخيل يرغب بالمال عن صرفه للآخرين.

———

[1] مدير تحرير مجلة الهند وأستاذ مشارك، قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي، الهند.

[2] المفردات في غريب القرآن، 2/390

[3] ديوانه، ص 53

[4] ديوانه، ص 118

[5] ومن شواهد هذه الكلمة وقول جحر بن خالد:

كلبيّة علق الفؤاد بذكرها ما إنْ تزال ترى لها أهوالا
فاقني حياءكِ لا أبا لك إنني في أرضِ فارس مُوثَق أحوالا
وإذا هلكتُ فلا تريدي عاجزًا غسًّا ولا برمًا ولا معزالا

شرح ديوان الحماسة، 1/131

وقول متمم بن نويرة:

لقد كفّنَ المِنهال تحت ردائه فتًى غير مِبطان العشيات، أروعا
ولا برمًا تُهدي النساءُ لعرسه إذا القشعُ من حسِّ الشتاء تقعقعا
لبيبٌ أعان اللبَ منه سماحةٌ خصيبٌ إذاما راكبُ الجدب أوضعا
تراه كصدر السيف يهتزّ للندى إذا لم تجد عند امرئ السَوء مَطعما
ويومًا إذاما كظَّك الخصمُ إن يكن نصيرَك منهم لا تكن أنت أضيعا
وإن تلقه في الشَرْبِ لا تلق فاحشًا على الكأس ذا قاذورة مُتزيّعا
وإنْ ضرّس الغزو الرجالَ رأيتَه أخا الحرب صَدقًا في اللقاء سَمَيدعا
وما كان وقافًا إذا الخيل أجمحتْ ولا طائشًا عند اللقاء مُدَفَّعا
ولا بكَهامٍ بزُّه عن عدوّه إذا هو لاقى حاسرًا أو مُقَنَّعا

ديوان المفضّليات، ص 265-266

وقال رؤبة:

قد علموا أنّك إذا عيّ البرمْ
وألبس الأرضَ الضبابُ والقَتضمْ
وسَنَةً شهباءَ صمّاءَ الصَمَمْ
منحدرُ الوابل وكّافُ الديم

شرح ديوانه، ص3/82

وقال ابن أحمر:

غطارفةٌ يرون المجدَ غُنمًا، إذاما طَلَّقَ البرمُ العيالا

لسان العرب: طلق

[6] ديوانه، ص 336

[7] ديوانه، ص 44

[8] ديوانه، ص 81

[9] شرح ديوان الحماسة، 1/654

[10] ديوانه، ص 82

[11] ديوانه، 1/291

[12] ديوانه، ص 57

[13] جمهرة أشعار العرب، ص 499، ديوانه، ص 118

[14] شرح ديوان الحماسة، 1/186

[15] ديوانه، ص 126

[16] ديوانه، ص 110

[17] شرح ديوانه، ص 62

[18] ديوان المفضليات، ص 108

[19] ديوان الهذليين، 2/256

[20] شرح ديوان الحماسة، 1/678

[21] شعره، ص 145

[22] شرح ديوان الحماسة، 1/166

[23] ديوانه، ص 90

[24] ديوانه، ص 551

[25] شرح ديوان الحماسة، 1/392

[26] ديوانه، ص 280، 282

[27] ديوانه، ص 120

[28] ديوانه، ص 141

[29] ديوانه، ص 179

[30] شعره، ص 172

[31] قصائد جاهلية نادرة، ص 120

[32] ديوانه، ص 94

[33] ديوانه، ص 100

[34] ديوانه، ص 129

[35] ديوانه، ص 390

[36] شرح ديوان حسان بن ثابت الخزرجي، ص 296

[37] ديوانه، ص 73

[38] ديوانه، ص 64

[39] ديوانه، ص 98

[40] شرح الشواهد الشعرية في أمّات الكتب النحوية، 1/241

[41] ديوانه، ص 28

[42] ديوانه، ص 215

[43] ديوانه، ص 468

[44] ديوانه، ص 41، 55

[45] العباب الزاخر: حجأ

[46] ديوانها، ص 107

[47] جمهرة أشعار العرب، ص 396 ولذا عدّ زهير “شحيح” من مرادفات “برم” فقال:

ينزعنَ إمّةَ أقوام لذي كرم بحرٍ يفيضعلى العافين إذ عدموا
حتى تآوى إلى لا فاحشٍ برمٍ ولا شحيح، إذا أصحابُه غنموا

ديوانه، ص 117

[48] جمهرة أشعار العرب، ص 124

[49] ديوانه، ص 182

[50] كتاب الوحشيات، ص 25

[51] ديوان شعره، ص 198

[52] كتاب الأشباه والنظائر، 1/17

[53] شعر الخوارج، ص 160

[54] ديوانه، ص 92

[55] ديوانه، ص 488

[56] شرح ديوان الحماسة، 1/549

[57] شرح ديوان الحماسة، 1/671

[58] تفسير تدبّر قرآن، 9/230-231

[59] مغني اللبيب، 1/131، وشرح شواهد المغني، 1/368

[60]  جمهرة خطب العرب، 3/224-325

[61] شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، ص 204

[62] وقد شاعت هذه الكلمة لهذا المعنى في كلام العرب فقال امرؤ القيس:

إذاما ركبنا قال ولدانُ أهلنا تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطِب

ديوانه، ص 34

وقال دثار بن سنان:

دعاني الأثبجانِ ابنا بغيض وأهلي بالفلاة فمنيّاني
وقالا: سرْ بأهلك فأتينّا إلى حَبٍّ وأنعامٍ سِمان
فسرتُ إليهم عشرين شهرًا وأربعةً فذلك حجّتان

مختارات ابن الشجري، ص 414

وقال أعشى نهشل:

أين الذين بنَوا فطال بناؤهم وتمتّعوا بالأهل والأولاد

الصبح المنير في شعر أبي بصير، ص 298

وقال جران العود:

أأترك صبياني وأهلي وأبتغي معاشًا سواهم أمّ أقِرُّ فأذبَح

ديوانه، ص 5

وكذا هي عمّت في القرآن الكريم كما قال تعالى: “وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١”. (سورة آل عمران) و”قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣”. (سورة هود) و”وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥”. (سورة يوسف) و”إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠”. (سورة طه) و”إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَ‍َٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٧”. (سورة النمل) و”وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ١٢”. (سورة القصص) و”وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا ٣٣”. (سورة الأحزاب) و”إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥ فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦”. (سورة الذاريات)

[63] البداية والنهاية، 2/195، 3/212

[64] صحيح البخاري، رقم الحديث: 3

[65] ديوانه، ص 12

[66] مجلة المورد، 2/2/170

[67] لسان العرب: ضنن

[68] صحيح البخاري، رقم الحديث: 3

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of