تُعد المدائح النبوية من أهم أغراض الشعر العربي منذ البعثة النبوية المباركة، وقد كان الصحابة يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدافعون عنه في أشعارهم، ويهجون أعداءه من المشركين والكفار، واشتهر من بين شعراء الصحابة حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك رضي الله عنهم جميعًا، كما اشتهر كعب بن زهير بقصيدته التي عُرفت بالبردة، وسار كثير من الشعراء على نهجها وظهرت قصائد أخرى باسم البردة في عصور الإسلام حتى اليوم مثل بردة البوصيري، ونهج البردة لأحمد شوقي وغير ذلك لكثير من الشعراء.
وما زالت المدائح النبوية تحتل رصيدًا كبيرًا من قصائد الشعراء، فنجد في دواوين الشاعر المصري المعاصر حسن عبد الفتاح الحضري(1) عدة قصائد في المديح النبوي، فلا يكاد يخلو ديوان من دواوينه المنشورة، من قصيدة أو قصيدتين أو أكثر في هذا الغرض الشعري الذي تزدان به الأشعار، ومن أشعار حسن الحضري قصيدة عنوانها “نور أضاء المشرقين” التي يقول في مطلعها(2):
النُّورُ أشرقَ بالميامنِ رتَّلا
|
آياتِه القمرُ المنيرُ وبجَّلا
|
|
نُورٌ أضاء المَشْـرِقَيْنِ وجاوزتْ
|
أعلامُه الآفاقَ هَدْيًا أمْثلا
|
|
عَلَمُ النُّبوَّةِ لاحَ في عليائه
|
فتقهقرتْ جِنُّ الغَوايةِ خُذَّلا
|
|
وتصدَّعَتْ أعلامُ كِسـرَى هَيبةً
|
لمَّا جَلَا مِن نُورِ أحمدَ ما جَلَا
|
|
يومٌ كأنَّ الدَّهرَ حلَّ رِحالَه
|
فيه فلَبَّى الأمسُ والغَدُ مُثَّلا
|
|
يا رايةً رُفِعتْ بِنُورِكَ تهتدي
|
في نُورِها الدُّنيا بهاءً أكمَلا
|
يفتتح الحضري قصيدته بذكر النور، وهو نور النبوة ونور الوحي الإلهي بالقرآن الكريم الذي أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر الحضري بعض المعجزات التي صاحبت النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله (فتقهقرتْ جِنُّ الغَوايةِ خُذَّلا) وقوله (وتصدَّعَتْ أعلامُ كِسـرَى هَيبةً)، وهي قصيدة طويلة وتُعد من أروع المدائح النبوية المعاصرة.
والشاعر حسن الحضري حريص على ذكر “النور” في مدائحة النبوية، وله قصيدة عنوانها “هو النُّور مَن بالنُّور جاء” وهذا العنوان مستوحى من قول الله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ} [سورة المائدة، آية: 15]، وفي مطلع هذه القصيدة يقول الحضري(3):
| عَدَتْ طارقاتُ الهمِّ والليلُ مقبلُ
|
فلِلقلبِ منها آهةٌ وتأمُّلُ
|
|
| وأطلالُ رسمٍ تبعثُ الذِّكر بعدما
|
توهمتُ أنَّ الذِّكر إذْ ذاك معضِلُ
|
|
| فماذا تُرَجِّي مِن رسومٍ تقلَّبتْ
|
بها حادثاتُ الدهر مِن حيث تَذهلُ
|
|
| وهلْ يتردَّى في الصبابة عاقلٌ
|
وهلْ يَتْبَعُ الأشجانَ إلا مضلَّلُ
|
|
| فَدَعْ عنكَ هذا إنما الأمرُ منقضٍ
|
بما قدَّر الرحمنُ لو كنتَ تعقلُ
|
|
| وشُدَّ إلى خيرِ البريَّةِ مَدْحَه
|
ومَن ذا يوفِّي حقَّه ويكمِّلُ
|
|
| وقد بَسَطَ المُدَّاح فيضَ عطائهم
|
فما بلَغوا إلا يسيرًا يقلَّلُ
|
|
| فماذا يقولُ المادحون وقد مضـى
|
بمدحِكَ قرآنٌ مِن اللهِ مُنْزَلُ
|
|
| وذِكْرُكَ مقرونٌ لدَى العرش باسمِه
|
فأيُّ مقامٍ بعدَ ذلك أفضلُ؟!
|
|
| هو النُّورُ مَن بِالنُّورِ جاء فأشرقتْ
|
له ظلماتُ الأرضِ مِن حيث يُقبلُ
|
وقد بدأ الشاعر القصيدة بمقدمة غزلية، فهو من التيار المحافظ الذي يسير على منوال الأقدمين، ثم انتقل من المقدمة الغزلية إلى المديح النبوي بعد حُسن التخلص بقوله:
| فَدَعْ عنكَ هذا إنما الأمرُ منقضٍ
|
بما قدَّر الرحمنُ لو كنتَ تعقلُ
|
وبعد هذا البيت، يبدأ في غرض القصيدة وهو المديح النبوي، فيقول: (وشُدَّ إلى خيرِ البريَّةِ مَدْحَه…) إلى آخر أبيات هذه القصيدة الطويلة، وتمتاز المدائح النبوية في شعر حسن الحضري بالطول واستقصاء الخصال والشمائل النبوية والحديث عنها، وتمتاز أيضًا بالتنوع في التناول واختلاف طريقة عرض المعاني من قصيدة إلى أخرى في مدائحه النبوية الكثيرة، وقد فازت قصيدته “أسَّستَ بالتوحيد أعظم أمَّة” (سنة 2012) بالمركز الأول في جائزة شاعر الرسول، وهي القصيدة التي يقول في مطلعها(4):
| أمُّ القُرَى تُزْجي أجلَّ سَلَامِ
|
يَهدي بِهَدْيِ الواحدِ العلَّامِ
|
|
| النورُ أشرقَ في البقاع وعمَّها
|
بِـشْرٌ تألَّق بعد طول ظلامِ
|
|
| خيرُ البريَّة جاءها بـشريعةٍ
|
غرَّاءَ تنطقُ عن بديعِ نظامِ
|
|
| بالعدلِ والشُّورَى وفَيْضِ سماحةٍ
|
وجميلِ عفوٍ عن صنيعِ لئامِ
|
|
| وسِدادِ رأيٍ كان منكَ وحكمةٍ
|
تبقَى عوارفُها على الأيامِ
|
وفي هذه القصيدة وغيرها من قصائد المديح النبوي في شعر حسن الحضري، نجد المفردات السلسة التي تجمع بين الوضوح وقوة المعنى، فلا تحتاج إلى معاجم اللغة للكشف عنها كما هو الأمر في بعض الأغراض الشعرية الأخرى التي نجد فيها عنده صعوبة في اللفظ يحتاجها المعنى، مثل أغراض الوصف والفخر، لكن في المديح النبوي نجد سهولة اللفظ مع احتفاظه بالجزالة وأرقى درجات الفصاحة التي يمتاز بها شعر حسن الحضري، ونجد في مدائحه النبوية المعاني التي تصل إلى أقصى الغاية في كل شيء، مثل قوله في هذه القصيدة (يَهدي بِهَدْيِ الواحدِ العلَّامِ)، (النورُ أشرقَ في البقاع)، (خيرُ البريَّة جاءها..)، (وجميلِ عفوٍ عن صنيعِ لئامِ)، وكقوله في بعض أبيات هذه القصيدة:
| وإذا أمَرتَ فأنتَ خيرُ معلِّمٍ
|
وإذا نَهَيْتَ فأنتَ خيرُ محامِ
|
|
| وتجودُ بالحسنَى على ذي سوأةٍ
|
فيعودُ متَّشحًا بخيرِ وئامِ
|
وهكذا في كل معنى يذكره، يصل به إلى الغاية التى تفيد تمام المعنى بالشكل الذي يليق بمدح النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي قصيدة عنوانها “بردة الأشواق” وهو أيضًا عنوان الديوان الذي يضم هذه القصيدة، يقول حسن الحضري في مطلعها(5):
| شوقٌ دعاكَ فلا أرى أنْ تَكتُمَهْ
|
ورماكَ بالأشجان فهْي مُحَتَّمَهْ
|
|
| فوقفتَ تَسفَحُ دمعَ عينكَ واجلًا
|
والليلُ يأبى أنْ يسرِّحَ أنجُمَهْ
|
|
| أرسلتُ شِعري نائبًا فتحيَّرَتْ
|
أبياتُه وترقَّبَتْ متوسِّمَهْ
|
|
| خشعَ القصيدُ جلالةً في رَكْبِهِ
|
وخشعتُ مِن فيض المهابة فاعلَمَهْ
|
|
| ماذا يقولُ الشِّعرُ في أوصافِه
|
واللهُ في قرآنِه قد عظَّمَهْ
|
|
| لمَّا رأيتُكَ في منامي زائرًا
|
هنَّأتُ نفسي واغتنمتُ المَكْرُمَهْ
|
|
| ألقيتُ في نومي تحيَّةَ عاشقٍ
|
صَبٍّ مَشُوقٍ ما يُبيِّنُ هَمْهَمَهْ
|
|
| بشَّرتَني والحقُّ ما بشَّرتَني
|
فأفَضْتُ في صبري ولمْ أسألْ لِمَهْ
|
ومن الواضح أن مطلع هذه القصيدة ليس غزلًا وإن كانت ألفاظ المطلع تحتمل ذلك، فالشوق المذكور في مطلع القصيدة هو شوق إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال في البيت الثالث مباشرة: (أرسلتُ شِعري نائبًا..)، ثم ذكر الحضري بعد مفتتح القصيدة أنه رأى في منامه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه بشَّره ببعض البشريات، وما نلاحظه هنا نجده في قصيدة أخرى عنوانها “سدرة المنتهى”، يقول الحضري في مطلعها(6):
| دعاكَ مِن غُلَّةِ الأشواقِ داعيها
|
فالقلبُ يكتمُها حينًا ويُبديها
|
|
| وقُمتَ تَسفحُ دمْعَ العين في وجَلٍ
|
وبِتَّ تحت نجومِ اللَّيل تحصيها
|
|
| أرسلتُ شِعريَ أبياتًا منمَّقةً
|
وبتُّ أنسجُ ما جادت قوافيها
|
|
| ماذا تقدِّمُ أشعاري لِمَنْ وقفتْ
|
تَحارُ في وصفِه أحلى معانيها
|
|
| أمْ ما أسطِّرُ فيه بعدما نزلتْ
|
آياتُ ربِّكَ بالتَّعظيم نتلوها
|
فالمطلع يعبر عن شوق الشاعر إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، كما يذكر بعد أبياتٍ رؤيا منامية أيضًا رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم:
| لمَّا رأيتُكَ في نومي تبشِّرُني
|
هنَّأتُ نفسي وقد وافتْ أمانيها
|
|
| وقلتُ صبرًا لنفسي بعدَ ما سمعتْ
|
فكلُّ ما هو مكتوبٌ سيأتيها
|
خلاصة القول: إن الشاعر لم يفصح في أي من القصيدتين عن مضمون الرؤيا؛ بل انتقل بعد ذكرها مباشرة إلى أبيات المديح النبوي، ومن خصائص هذا الغرض الشعري عند حسن الحضري أنه يذكر المعاني والصفات الثابتة للنبي صلى الله عليه وسلم، ويسير في مديحه النبوي على مذهب أهل السنة والجماعة.
الهوامش:
1- حسن عبد الفتاح خلف الحضري، شاعر وأديب وناقد مصري معاصر، صدر له حتى الآن عشرة دواوين وعدة مؤلفات أدبية ونقدية، ونُشر له كثيرٌ من الأبحاث العلمية والدراسات النقدية في عدد من المجلات العلمية والثقافية.
2- ديوان “سلام على تلك الديار”، حسن عبد الفتاح الحضري، (ص69- 73)، مكتبة الآداب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط2، 2016م.
3- ديوان “فلا تعتب عليهم”، حسن عبد الفتاح الحضري (ص67- 73)، مكتبة الآداب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2017م.
4- ديوان “نبضات في دجى الليل”، حسن عبد الفتاح الحضري، (ص104- 110)، مكتبة الآداب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2014م.
5- ديوان “بردة الأشواق”، حسن عبد الفتاح الحضري (ص86- 92)، مكتبة الآداب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 2018م.
6- المصدر السابق (ص102- 110).
[1]. باحثة من مصر.
Leave a Reply