+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

أصداء الغفلة
بقلم: حسنور إسلام[1]

 

 

منذ أن نُفخ في الإنسان روح من الرحمن، سكنه النسيان، جرت في دمه علة الغفلة والعصيان و نسي آدم كلمات ربه المنان، فزلت به القدم وخاب منه الرجاء والأمان، فأُهبط من دار الرضوان إلى دار الامتحان، يطوي الليالي والأزمان، يبحث عن الغفران.

وهكذا جبل بنو الإنسان، على النسيان والنكران فبعث الله إليهم الرسل والأعيان، ليوقظوا فيهم نور الإيمان ويذكّرهم بعهد الرحمن، الميثاق المكنون في عالم الأرواح بين العبد والوهاب الحنان. ثم تعاقب العلماء والصلحاء وسار على نهجهم الصحابة والأولياء ليكونوا في الناس مصابيح هدى وليقوّموا المعوج من الأخلاق والسنن، لا بسلطان السيف فحسب بل بسلطة القلب والبيان وبسياسة الرحمة والإحسان.

و لِما طبع الإنسان على النسيان، وجبل على الغفلة والنكران، لم يتركه الرحمن في تيه الحيرة والهوان، بل جعل في كل ما حوله آية، وفي كل ما يراه دعوة وهداية.

فكل ما تراه العيون وتلمسه الأيدي وتدركه القلوب والعقول، إنما هو تذكير من الرحيم الغفور، يناديك إلى الفطرة ويوقظ فيك الذاكرة المطمورة، ويعيدك إلى العهد الأول يوم كنت في عالم الأرواح، تشهد بأن لا إله إلا الله.

وطبعا، إن في كل موجود من حولك آية، وفي كل مخلوق دعوة إلى الهداية ……….

فالأشجار بأوراقها والسماء بطباقها والنجوم في أفلاكها والشمس بضيائها والكواكب بسُبحانها، كلها تنطق بجلال الخالق وتشهد بعظمة البارئ. وفي الأرض وما فيها من دابة تمشي، جمل تسير، بقر يحرث، طير يطير، أسد يزرأ و وحوش تهيم، كلها تدل على خالق حكيم عليم.

ثم المرافق من حولك لا تنسى، من المكيف إذا اشتد الحر، إلى المروحة إذا انقطع النفس، من الثلاجة التي تحفظ الطعام إلى الملعقة التي تقرب النعم إلى الأفهام وكذلك الطائرة التي تخترق السحاب والقطار الذي يعانق التراب والسكك الحديدية التي تمتد كالأعصاب كلها تسير بأمر الملك الوهاب.

كل ما ترى أو ما لا ترى، يناديك بنداء الفطرة، ويوقظ فيك الإيمان والعبرة، ليذكرك بأن وراء هذا الكون رباً لا ينام، خالقا لا يضام، حكيما في كل نظام. فارجع إلى الأصل وارجع إلى الطريق، و راجع إلى الفطرة التي فطرك الله عليها، فإنها المنجى والنجاة والبداية والنهاية.

ومن أعظم ما يوقظ القلب من سباته، وينبهه من غفلته، تلك الرنات المتعاقبة لبندول الساعة في هدوء ليله ونهاره، إذ تتقلب الأوقات بأمر ربها ويتتابع الزمان في طاعة سيده ومولاه. فكل دَقة في سكون الليل آية، كل رنة في وضح النهار علامة، يشعر العاقل بفناء لا يرد وزوال لا يُتقى، فترتجف الروح حين تسمع رناتها، وترتقي النفس إذا تدبرت إشارتها كأنها تهمس في الأذن “مر وقت ولن يعود، وذهبت لحظة بلا مردود”، فإذا بالفجر ينفلق بعد سكون، وتذوي شمس النهار في هدوء مشهود، فتظل الساعة برناتها تقول “افهموا المعنى قبل أن يسد السدود واعتبروا بالوقت فهو الوجود” فكل ثانية تمر نذير، كل دقيقة تمضي وعيد، كل ساعة مع عقاربها تدق تهمس في الوجود”، فسبحان من لا يغيب عن عباده وهو الودود”.

ومن الحقائق الناصعة التي لا يدانيها ارتياب، أن الساعة بما تحمله من دق وانسياب تجسد هيئة الوقت الذي هو في ذاته أعظم باب، إلى وعد الله الحق وسبيل التواب. فمرور الساعات وتوالي الأيام وتعاقب الشهور دليل صارخ على دنو الأجل وطي الكتاب، ومناد بصوت الحكمة: ” أن لا بقاء في دار يفنيها التراب ولا سرمدية في زمن يذيبه الغياب”. فالوقت كيانه يطرق أبواب الفكر بلا حجاب ويهتف في ضمير الغافل بنداء الحساب، بأن المصير آت واللقاء قريب عند ملك وهاب.

وإن رنين الساعة حين يدوي في هدوء السكون يوقظ الأرواح من سبات الجنون، ويذكر القلوب أنها ما خلقت عبثا بل لطاعة خالقها الحنون. فجعل الله في توقيتها آية وربط بالزمن عبادات سامية. فالصلاة في الغداة والنهار لها وقت معلوم، والصيام لا يتم إلا في وقت مرسوم، والحج لا يؤدى إلا في أشهر معدودة بحكم محسوم، والزكاة لا تجب إلا عند حلول حول معلوم.

فيا ابن التراب، لا تغفل عن هذا النظام المحكم، ولا تعرض عن نداء صادق يتهجى باسمك في كل نعمة ونغم، بل اغتنم لحظاتك، واملأ كيانك بشكر الإله الأعلى وسبّحه تسبيح من عرف المنعم وتجرد على السأم، وكن في كل حين ذاكرا حامدا معترفا بعظمة من له الملك والكرم، فهو الله الذي لا تأخذه سنة ولا نوم وهو القائم على كل نسم.

وإذا نظرت إلى دقات قلبك وجريان دمك ونبض عروقك وجمود طرفك، ثم انطلاق صوتك، فعلمت أن في داخلك مصنع آيات ومجمع إشارات، وكل خلية فيه تهتف باسم العظيم وكل نفس يخرج ويعود يسبح بحمد الحكيم. فما الإنسان إلا كون صغير في جسد محدود، يحمل في داخله ما يدل على الإله المعبود.

ثم انظر إلى نومك واستيقاظك، جوعك وشبعك، عطشك وريّك، صحتك سقمك، غناك وفقرك، حزنك وفرحك…. تجد في كل حال تقلب وفي كل مكان انقلاب وفي كل انقلاب نداء يقول لك بصوت خفي “أين المفر من حكم رب الأرباب ؟”

وإذا ما تأملت في حركاتك وسكناتك، سفرك وإقامتك، شدّك ورخاءك، فتذكر أن ما كان منك فهو بإذنه، وما لم يكن فمن حكمته، وما مضى فهو في صحائفك، وما أتى فهو من أقداره، فإن كل لحظة تحياها فرصة، وكل نفس تتنفسه نعمة، وكل عمل تعمله شهادة، فاختر لنفسك شهادة الرضا لا شهادة الحسرة والردى.

ثم تأمل في من حولك من الخلق، هذا يولد وذاك يموت، هذا يشفي وذاك يذوب، هذا يرفع وذاك يقصى، هذه تزف عروسا وتلك توارى في التراب، فاعلم أن الأيام دول، وأن الحياة مراحل وأطوار، وكل مرحلة يناديك:

تزود بخير الزاد فإنك في ارتحال ……….. وتهيأ فإنك في انتقال…………… واستقم فإنك في امتحان ومآل

أفلا ترى أن الموت باب، والبرزخ حجاب، والقيامة موعد والحساب كتاب، والجنة أو النار مآب ؟ أفلا تستحي من مهلة أعطاك إياها الكريم ونَفَس منحك إياها الرحيم وجسد سخره لك الحكيم، فأنفقته في غفلة أو رميت به في الجحيم.

يا من جعل الله له سمعا وبصرا وفؤادا، أما آن لك أن تسمع النداء؟ أما حان للبصيرة أن تبصر الضياء ؟ أما آن للفؤاد أن ينكسر بين يدي رب الأرض والسماء ؟

تذكر بأن في كل شروق شمس رجاء، وفي كل غروب عبرة، وفي كل صباح ضياء، وفي كل مساء محاسبة، وفي كل ساعة فرصة، وفي لحظة أمل، فإن ضيعتها اليوم لن تعود غدا، وإن أخرتها عن سجدة فلا تضمن أن تمهل لركعة.

فيا غافلا عن نداء الساعة لا تنم

فالرنين آية، والوقت ينذر الحِمم

 ( فَبِأَیِّ ءَالَاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ )

[1] . باحث من كيرالا.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of