بقلم: هوشنغ غلشيري[1]
ترجمتْها: د. بثينة شموس[2]
مرحباً يا ناصر العزيز،
وصلتنا رسالتك، وسررنا بها كثيراً، شكراً لأنك تفكر فينا، نحن أيضاً بخير، ما زلنا هنا، في مكاننا؛ مكان شبيه بماسولة[3]، أو ما نسميها: “باغان”، ولكن البيوت هنا بنيت على طرفي هذا المنحدر من أعلاه إلى قعره، وبيتنا في الأعلى، في قمة تلك الهضبة أو الجبل، حيث يسبح الضباب كغيوم خفيفة وسريعة، ثم تأتي بيوتنا متكئاً أحدها على الآخر، بين أشجار البلوط الجبلي الكثيفة والمتداخلة، والصخور المغطاة بالطحالب الزلقة. أحياناً تكون بضعة بيوت ملتفة حول بعضها كالمضلَّع، ثم أشجار وبيوت أخرى وبيوت إلى ذلك القعر تغوص البيوت بين الأشجار الكثيفة التي تلتمع بوميض أسود يظهر بين الفينة والأخرى.
هذا وحسب؛ طبعاً لا يوجد طرق في أي مكان، ولا حتى طريق متعرج. كأننا قد كنا هنا منذ الأزل، وسنبقى إلى الأبد، وعندما أذهب لرؤية شيء ما أو أحد ما أتوه، ففناء هذا المنزل سقف لذاك المنزل، وأحياناً تكون البيوت –أعتقد أنني قلت هذا- ملتفةً على فناء واحد كالمضلَّع. ومن عتمة هذا الليل الأبدي يسألني صوت: أهذا أنت؟
فأقول: نعم
- أخشى أن تكون قد تهتَ!
ويظهر لي رأس ملثم بطاقية سوداء، ويقول: أتريد أن أرشدك؟
- شكراً، سأجد الطريق بنفسي.
سأصل في النهاية، وعندما أصل سأجد “فرزانة” تجلس أمام غرفنا تعمل شيئاً ما، مثلاً تكنس، ثم سأجلس على مائدتنا في الظلمة أو تحت ضوء النجوم الواهي لنتناول شيئاً ما، ليعود ويظهر مرة أخرى. هو فتى خجول لمّا يكتمل نمو شعر لحيته بعد، يأتينا دون أن يلقي بالتحية، ويتجول في المكان وهو يتفحّص كل شيء بنظره، حتى إنه ينحني ويتشمم فناجين الشاي، وحتى يتشمم إبريق الشاي الذي وضعناه إلى جانب الموقد، ثم يذهب، ثم يظهر شخص آخر من قلب العتمة التي تخيم على منزلنا، ولكنه هذه المرة رجل بالغ ملثم ويضع طاقية ويرتدي سلطة دون أكمام مسدلة على قميصه وسرواله، ويتجول في البيت وهو يتفحّص كل شيء، وأحياناً يقلب دثاراً على وجهه الآخر أو معطفاً وهو يتفحّصه بدقة، فأقول: تفضل!
- شكراً.
- ليس لدينا أي شيء.
- نعم، رأينا ذلك، ولكن حسناً… قلنا في أنفسنا أنه ربما يوسوس لك الشيطان مرة أخرى.
الأولاد هنا أيضاً، أتذكر؟ أصبح عمر “غزل” سبعة أعوام، وعمر “باربد” خمسة أعوام فقط. لست أعلم لماذا لا يبكيان، بل يكتفيان بالجلوس هكذا في تلك الظلمة التي لا يجلوها إلا ضوء النجوم الخافت، ثم يأتي شخص ثالث، ويتجول أيضاً، وكرمى لأولادي أنهض وأمشي في جواره، وأقول: ولكن نحن كما ترى…
- نعم.
- لماذا تعودون دائماً إذن؟
- حسناً، ذلك الفتى في ضيق؛ كان يجب أن تضع شيئاً ما في جيبه.
فأقول: حسناً، على عيني، لمَ لم تخبروني منذ البداية؟
ثم أتذكر أنه يوجد بضع قطع نقدية من فئة المئتين في جيب سروالي. حسناً، لو أعطيته خمساً منها لانتهى الأمر، فأنطلقُ على السلّم الصدئ لبيتي إلى الأسفل، وأجد أحدهم على السلّم أيضاً، فأمرّ من جانبه بعد أن أجمع نفسي وأنا أهتدي بلمس درابزين السلم دون أن أرى شيئاً، وأستمر في هبوطي حتى أجد ذلك الفتى. يبدو وجهه وهو حليق اللحية مستطيلاً ونحيلاً كحصان، ويرتدى معطفاً أبيض على قميص مخطط، وسروالاً فاتحاً، وينتعل حذاءً من الكتان. نسير معاً، وأنا لا أرى أمامي، فأسقط مرتين على تلك الصخور المستقرة في سفح الهضبة، وأنهض مجدداً وأعود لمحاذاته في السير، وأقول: لمَ لم تخبرني منذ البداية؟ لا اعتراض لديّ على ذلك.
فيمسك بساعدي، ويقول: يوجد كل شيء هنا، بدءاً من فتيات الهوى إلى أنواع المخدرات؛ كل أنواعها لدينا، ما عليك إلا أن تطلب فقط.
فأقول: لكني لم آتِ إليك من أجل هذه الأشياء.
- أتخدعني؟
- صدقني.
- أنت! لقد قرأتُ أعمالك جميعاً. أعلم أنك كذلك، والآن كل ما تتمناه موجود من الغلمان إلى الأرامل، حتى المتزوجات أيضاً، أعلم أنك لا تستاء من ذلك.
ثم يُدخل حزمة صغيرة مغلّفة بورق بين جلدي وملابسي، ويقول: هذه مخدرات، إنها نقية، تعاطَها، ستغير حالك.
فتنزلق قطرات عرق بارد في ظهري وأنا أحاول إيجاد الحزمة المغلفة بالورق، ولكني مع كل محاولاتي أعجز عن إعادتها إلى جيبه، فأقول: “لقد هجرت حياة المجون، كنت أتعاطى أحياناً، ولكني أقلعت عن ذلك، فقد رأيت بنفسك أنني الآن متزوج ولي عائلة وأولاد؛ يجب أن أفكر فيهم.
- إن كنتَ تريد عرقاً فموجود، ويوجد ويسكي خالصة وأصلية، ولدينا أيضاً جعة؛ جعة معلّبة بكميات كبيرة.
- عليّ أن أعود؛ أبنائي بانتظاري، وزوجتي…
ثم يضع يده على فتحة جيبه، وأنا أتهاوى على الأرض مرة أخرى، وتصطدم ركبتي بالأرض وتبتل أطراف أصابعي بشيء لزج كالدماء، ولكني لا أكترث لذلك، بل أستمر في مدّ يدي للبحث عن الحزمة المغلّفة بالورق، فيمسك بكتفي ليساعدني على النهوض، ويقول: دعها، لقد ضاعت وانتهى الأمر. إن كنت تريد فهناك المزيد، بل أستطيع أن أصحبك إلى الملهى.
وأجدُها في النهاية، ثم أنهض وأقول: لا، لا، لم أعد أهلاً لذلك، عليّ أن أعود.
ثم أُدخل الحزمة في مكان ما في ثيابه، فيقول: حسناً، كما تريد، ليست في جيبك الآن، ولكن عليك أن تتذكر أننا نضع مثل هذه في ركنٍ ما من منزل مَن نريد، ونترك الأمر للبقية فيما إذا كانوا يريدون أن يحاسبوه على ذلك أم لا.
- ولكن لماذا؟ لماذا تفعلون هذا معي؟
- قل هذا هناك.
ويذهب بسرعة، ولا أستطيع اللحاق به، وحين يرتطم رأسي بنتوء مخفيّ هابط من السقف يقول لي: انتبه من السلّم.
عندما تنتهي رائحة الرطوبة ننعطف في ممر طويل ثم ننتهي إلى غرفة ومنها إلى غرفة أخرى وهو يردد على مسامعي باستمرار بصوت لا يكاد يُسمع بأنه عليّ أن أكتب كل ما يطلبونه مني هنا.
ويتحدث عن أولئك الذين اعترفوا في النهاية، ويقول: “أعتقد أنه لا جدوى من أية محاولات، أنت أدرى بمصلحتك”.
ولا أتكلم، بل أبقي انتباهي لئلا أصطدم بنتوء في السقف مرة أخرى، أو ألا أتعثر بنتوء في درجات السلم فأقع في قعر جهنم تستقر تحتها، ثم أجلس في نهاية رتل من الناس من كل صنف ونوع، فيقول لي أحدهم: “ألديك سيجارة؟” فأعطيه واحدة، فيعبّ منها نفثة دخان، ولو أرادوا المزيد لأعطيتهم، لكن رجلاً بالغاً ملثم الرأس ينحني باتجاهي إلى وسطه ويقول: “مسؤولية ذلك على عاتقنا، فكل هذه مهرّبة. أنت ترى ذلك بنفسك”.
الفتيان والشيوخ يجلسون وجهاً لوجه متلاصقين ويتهامسون، وبين الفينة والأخرى ينادي الرجل البالغ اسماً فينهض أحدهم، فينقر على الباب المجاور، ويدخل، ثم يخرج بعد حين ويقول: سنتان وثلاثة أشهر وخمسون عصا، وعصا فوقها.
ثم يذهب شخص آخر، فينال هذا ثلاث عصوات سلفاً، ولا يناله إلا أربع سنوات في السجن. يقول رجل بقدم واحدة شيئاً ما وهو في جواري، فأسأل: “ماذا قلت؟”
- لا شيء يا عزيزي، كنت أخاطب ربي: يا رب، لا أريد إعداماً.
- ولمَ الإعدام؟
- لي ثلاثة كيلوغرامات منها، لو وضعتَها أمام الطفل فسيخاصمك.
وما زال يوجد الكثيرون. يأتي إليّ شخص ويمسك بساعدي ويقول: تفضل، دورك.
فأعبر معه من باب دوّار وزجاجي مقابل درجات السلّم اللولبي حتى نصل في النهاية إلى ممر خالٍ وغرفة عارية وباب آخر مفتوح إلى منتصفه ينتهي بغرفة أخرى فيها كرسي ومنضدة كبيرة ومعدنية يجلس مقابلها شخص ما، يمد يده ويشغل مصباحاً مكتبياً ويقول: حسناً، اكتب. اكتب كل شيء.
ويضع أمامي بضعة أوراق وفي يدي قلماً. لا أستطيع أن أرى ماذا كُتب بعد “س”، فالمصباح يخطف بصري، فأنظر إلى الرجل الذي يبدو رجلاً بالغاً ويرتدي معطفاً مخططاً، فيقول: لماذا لا تكتب؟
- لا أستطيع أن أقرأ، نظارتي ليست بحوزتي.
- اكتب كل فسق وفجور قمتَ به في أي مكان، بالتفصيل الممل.
- ماذا تعني بكل فسق وفجور؟
- فكر قليلاً وستتذكر.
أضع رأس القلم أمام “ج” وأنظر إليه مرة أخرى وهو يسحب كتاباً من بضعة كتب منضّدة فوق بعضها خلف قاعدة المصباح، ثم يقول: أتريد أن أذكّرك؟
ثم يقلب صفحاته ويقول: نحن نعلم. لقد كذبت فيما كتبته في هذه الأخيرة مثلاً، فلا يمكن أن يكونا قد شربا هذه الكمية من المسكرات حتى لو كانا عاشقاً ومعشوقاً على امتداد هذه الأعوام، ثم يستلقيان إلى جوار بعضهما كزاهدين وكأن شيئاً لم يكن. حسناً ابدأ من هذه، واكتب الحقيقة وحسب.
فأقول: ليس بمقدور إبراهيم[4]؛ حتى لو تجرأ وفعل فلم يعد بمقدوره العودة، سيبقى هناك إلى الأبد، ولن يعود.
- انسَ أمر إبراهيم، ماذا عنك؟ اكتب بالتفصيل ما حدث.
- أنا لست إبراهيم. إبراهيم موجود، ولكنه ليس مستعداً ليفسد كل شيء بما تسمونه فسقاً وفجوراً.
- إذن أنت تعترف بأن الفسق والفجور ليسا جيدين.
- يتعلق الأمر بمكان حدوثهما وزمانه.
فيقول: وماذا بالنسبة لما حدث حينما كنتَ جالساً في ضوء القمر، حيثما تجلس كل يوم وتمزمز العرق؟
- هذه مجرد قصة، وذاك شخص آخر؛ إنه راعٍ.
- لو لم تكن قد جربتَ ذلك بنفسك لما استطعت أن تكتب عنه.
- إنها مجرد قصة، حتى إنها تعود إلى ما يزيد عن عشرين عاماً.
- وماذا عن ذلك الشيخ الهازئ الذي يريد أن يرقص، فيقرع الجرس أولاً ليرغم الشبان على الذهاب إلى ساحة “ونك” ليرقصوا؟
وظل يتكلم؛ يتكلم عن مكان بعيد يجري الماء فيه بين الأشجار الجافة وسط خسوف القمر، ثم يقول: لماذا توسوس للناس ليرحلوا إلى مكان آخر؟
ثم يسحب كتاباً آخر ويتصفحه ويقول: ما زال هناك المزيد، وكله عن الألوان؛ لون العينين ولون ظل الجفون. أنتم أصل الشر والفساد. حتى إني البارحة عندما كنت أصلي تذكرتُ هذا ولم أتمكن من متابعة صلاتي بقلب حاضر ويقظ.
- حسناً ولكن هذا موجود، موجود في الحياة.
- أرأيت؟ إذن هو موجود، اعترفتَ بنفسك بأنه موجود، وأنك فعلت هذه الأشياء.
ثم يتناول كتاباً مرة أخرى ويتصفحه، وكتاباً آخر ويتصفحه، ويقول: تفضل، هنا أطلقتَ أهل المدينة كلهم ليخرجوا بمصابيحهم من أجل البحث عن زجاجات المشروبات الكحولية. وهنا –أنت تذكر ذلك دون شك- ينطلق هذا الرسام كل يوم ويراقب نساء الناس ويرسم موضعاً من أجسادهن كل مرة، ثم يذهب إلى قرية بعيدة لينام مع من كانت محبوبته في شبابه.
- كل ما تقوله مجرد قصة. ربما قد رأيتُ بعضه في الأحلام، صدقني، مثلما يحدث الآن، إذ إني…
فيصرخ: وماذا عن ذاك؟ أين كان؟
يبعثر الكتب ويتصفحها واحداً عقب الآخر، وينظر إلي بعينين حمراوين وناعستين: موجود، أنا أذكرُ ذلك جيداً: عندما يفتح الباب يراها تحمل على يدها ملاءتها وحجابها وتقف بقميصها الأبيض الساتاني ذي الأكمام القصيرة، ثم تدخل، فيُجلسها على حافة السرير ويَجلس في جوارها. لا بد من أنك تذكرت ذلك، ها؟ يجلس في جوارها ويعبث بأزرار قميصها، فيفكها ويغلقها، ويتكلم كلاماً من هنا وهناك ليبعث فيها الطمأنينة ويخبرها بأن كل شيء سيكون على ما يرام.
- أين؟ ليس لدي مشهد كهذا.
فينهض: إذن لا تذكر؟ سأذكّرك بنفسي. بعد ذلك حين تكتشف المرأة المسكينة أنها تجلس عارية بنصفها الأعلى مع رجل عملاق مثلك تنفجر بالبكاء.
- أخبرتك أنني لمّا أكتب شيئاً كهذا.
- ستكتب، ستكتب ذلك دون شك يوماً ما.
يذهب إلى جوار الستار اللفاف للنافذة ويعود قائلاً: كله هكذا؛ إما أسلاك وأصوات صراخ، أو امرأة كهذه تأتي لتشفع لزوجها، وبمَ تأتي؟ بقميص ساتاني لامع وشعر أسود، ثم تبكي حتى النهاية، حتى عندما ترتدي قميصها لتذهب. أنتم شياطين، وكل ما تكتبونه من وساوس الشيطان، وكأن الله ليس موجوداً، وكأنه ما وُجد إنسان على سطح هذه الأرض قطّ يجلس باتجاه القبلة ويردد باستمرار إلى أن ينجلي الظلام عند الفجر: “العفو يا الله، العفو”. أود أن أسألك ما الفائدة من كتابة ما تكتبونه؟ لماذا لا تكتبون إلا عن هذه الأشياء؟
فأقول: ماذا تريدني أن أكتب الآن؟
- كل شيء، ولكن اكتب الحقيقة فقط، اكتب ما فعلتَه وما كتبتَه.
فأكتب هذا المشهد، ثم لا أدري أيها أكتب بعد ذلك، وأستمر في ملء الأوراق، وأضعها أخيراً أمامه، فلا ينظر إليها، بل يعود إلى كتابة “س” ويرفقها بشيء يكتبه خلفها، وأنا أعود إلى الكتابة، كما أفعل الآن حين أكتبُ لك؛ أكتبُ لك لتعرف، وإن شئتَ فتعال، فالمكان ليس سيّئاً، وهناك مكان لك هنا. أتعلم؛ من الأفضل أن تأتي مع زوجتك وأبنائك.
***
[1] “هوشنگ گلشیری: هوشنغ غلشيري” كاتب إيراني معاصر له العديد من الروايات والمجموعات القصصية، وقد جُمعت مجموعاته القصصية في مجموعة “نيمهى تاریک ماه: الوجه المظلم للمقر”، والقصة المختارة هنا تقع في آخر المجموعة المذكورة.
[2] مدرس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة طرطوس- البريد الإلكتروني: b.shemous@gmail.com
[3] ماسوله: مدينة في محافظة غيلان في إيران، تتميز بطريقة بناء تقليدية تشبه المدرجات، إذ يكون سقف أحد البيوت شرفة أو فناء أمام بيت في آخر أعلى منه.
[4] إبراهيم: شخصية في إحدى روايات الكاتب.
Leave a Reply