ذكر القرآن الكريم قصة أصحاب الفيل الذين شنّوا الغارة على مكة ليهدموها فخيّب الله كيدَهم ودمّرهم تدميرًا. قال تعالى:
“أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ ١ أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ ٢ وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ ٣ تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ ٤ فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۢ ٥”. (سورة الفيل)
هؤلاء كانوا أبرهة وجنوده. لعنهم الله وعذّبهم شرّ عذاب.
اليوم أتحدّث عن لفظ “الفيل” وأصله وما تفنّنت فيه العرب فجعلوا من هذه البذرة شجرة لغوية دوحاء لها فروع خضراء تنشر ظلالها على كلّ مَنْ استظلّ بها.
فالفيل جمعه أفيال وفُيُول وفِيَلة، حيوان إفريقي وآسوي عرفتْه الهند قبل ستة آلاف سنة بل أكثر وأخدمته لأهداف عديدة كبيرة وصغيرة فقاتلت به العدوّ وتاجرت به الرفيق. و”الفيل” العربي سنسكريتي (پِيْلْ) عرّبته العرب بالفيل فأخطأ مَنْ قال إنّ الفيل أصله فُعْل.[1]
قال تأبط شرًا:
| فخرّ كأنّ الفيلَ ألقى جرانَه | عليه، فتَى شهم الفؤاد أسيل[2] |
وقال كعب بن زهير:
| لقد أقوم مقامًا لو يقوم به | أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل[3] |
وقال عبدة بن الطبيب:
| حلّتْ خويلةُ في دارٍ مُجاوِرةً | أهلَ المدائن فيها الديكُ والفيل[4] |
وقال الأحوص الأنصاري:
| شكوت إليه ثقل غرم لو انه | وما أشتكي منه على الفيل بلدا[5] |
وقال الأخطل:
| يعمن على كلاكلهن فيه | ولو يزجى إليه الفيل، هابا[6] |
وقال طفيل الغنوي:
| ترعى منابتُ وسميٍّ أطاع له | بالجِزعِ حيث عصى أصحابَه الفيل[7] |
وقال العجاج:
| صعبَ الفُيولِ ألحمَ الفيلَ العَفَرْ | اليس يمشي قُدُمًا إذا ادّكر[8] |
وقد أشار كلٌّ من شعراء الجاهلية والإسلام إلى حدث الفيل بمكة فقالت امرأة عربية جاهلية تنصح ولدها على تحريم الكعبة:
| والفيلَ أهلك جيشَه | يُرمَون فيها بالصخور[9] |
وقال أبو قيس:
| ومن صُنعه يومَ فيل الحبو | ش إذ كلّما بعثوه رَزَم |
| محاجنُهم تحت أقرابه | وقد شرّموا أنفه فانخرم |
| وقد جعلوا سوطَه مِغولًا | إذا يمّموه قفاه كلِم |
| وفولّى وأدبر أدراجَه | وقد باء بالظلم من كان ثم |
| فأرسل من فوقه حاصبًا | فلفّهم مثل لفّ القزُم |
| تحضّ على الصبر أحبارُهم | وقد ثأجوا كثؤاج الغنم[10] |
وقال لبيد مشيرًا إلى أبرهة وجيشه وما أصيبوا به:
| مَنْ يبسُطِ الله عليه إصبعا |
| بالخير والشر بأي أولِعا |
| يملأ له ذَنوبًا مُترَعا، |
| والفيلَ يوم عرنات كعكعا |
| إذ أزمع العُجمُ به ما أزمعا |
| وأفلت الجيشُ بخزي مُوجعا[11] |
وقال عبد الله بن الزبير الأسدي:
| أ حابسَ كيدِ الفيل عن بطنِ مكة | وأنت على ما شئتَ جمّ الفواضل |
| أرِحني من اللائي إذا حلّ دينُهم | يمشّون في الدارات مشي الأرامل[12] |
وجاء في حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين فإنها لا تحل لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدى وإما أن يقيد فقال العباس إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ إلا الإذخر —“.[13]
وجاء في حديث عمر، رضي الله عنه، الطويل أنّ النبي ﷺ قال: “ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها”.[14]
ومن هنا سمّوا ذلك العام بعام الفيل الذي ولد فيه نبيّنا الكريم صلّى الله عليه وسلّم.
ومنه الفيّال صاحب الفيل فقال لبيد:
| لو يقوم الفيلُ أو فيّالُه | زلّ عن مثلِ مَقامي وزَحَل[15] |
ومنه أبو الفيل الخزاعي الصحابي الذي روى عنه عبد الله بن جبير، وذو الفيل البَجَليّ الذي قتلتْه بنو نصر بن معاوية. قال شاعرهم:
| وذا الفيل المُقَنَّعَ قد تركنا | غداةَ القاع منجدلًا بقفر[16] |
والشاعر الأموي حاجبُ الفيل الذي قال:
| لقد قرّتْ بقندابيلَ عيني | وساغ لي الشرابُ إلى الغليل[17] |
وحتى شبّه به الليل فقال ابن مقبل:
| وليلة مثل لون الفيل غيّرها | طمسُ الكواكب والبيد الدياميم[18] |
وشبّه بآذانه النبيُ صلّى الله عليه وسلّم ورقَ السدرة المنتهى فقال: “ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقِلال”.[19]
والفيل (جمعه أفيال) يأتي للرأي الخاطئ أيضًا. قال صُحَير بن عُمَير من بني تميم:
| إذا أطاش الطعنُ أيدي البعله |
| وصدَّق الفيلُ الجبانُ وهلَه[20] |
| أقصدتُها فلم أُجِرْها أنمله |
| من حيث يمّمتُ سواءَ المقتله[21] |
ومن هنا فال يفيل فيلًا أي ضعف رأيه كما قال الكميت:
| بني ربِّ الجواد فلا تفيلوا | فما أنتم فنعذرَكم لفيل[22] |
وكذا فال مَنْ هو ضعيفُ الرأي مخطؤه فقال جرير:
| رأيتُك يا أخيطلُ إذ جرينا | وجُرِّبتِ الفراسةُ كنتَ فالا[23] |
ومنه فَيَّلَ رأيه: ضعّفه.[24] كما قال أمية ابن أبي عائذ الهذلي:
| فلو غيرَها من وُلدِ كعبِ بنِ كاهلٍ | مدحتَ بقولٍ صادقٍ لم يُفَيَّلِ[25] |
وتَفَيَّلَ الشبابُ: زاد، والمرءُ: سمن كما أنشد الليث:
حتى إذاما حان من تفيّله[26]
وقال العجاج:
| كلُّ جُلالٍ يمنع المُحَبَّلا |
| عَجَنَّسٌ قَرمٌ إذا تفيّلا[27] |
ومنه استفيل الجملُ: صار كالفيل في عظمه فأشد لأبي النجم:
يُديرُ عينَي مُصعَبٍ مستفعل[28]
وداء الفيل مرض نجد وصفه في معظم كتب الطبّ اليوناني ويعرف بالإنجليزية بـ”Elephantiasis”.
ومنه الفَيَالة فيقال في رأيه فيالة وفُيُولة أي ضعف كما أنشد ابنُ برّي لأفنون التغلبي:
| فالوا عليّ فلم أملكْ فيالتَهم | حتى انتحيتُ على الأرساغ والثُنَن[29] |
والفيل أيضًا استعارة لخلق عظيم جدًا فقال كعب بن زهير:
| لقد أقوم مَقَامًا لو يقوم به، | أرى وأسمع ما لو يسمعُ الفيلُ |
| لظلّ يرعد، إلا أنْ يكون له | من الرسول، بإذن الله، تنويل[30] |
وبالجملة فلو استعارت العرب هذه الكلمة من الهند ولكنهم جعلوها عربيّة فصاغوا منها المصدر وما يشتقّ منه وتفنّنوا في تراكيبه وشبّهوا به وأوردوه على سبيل الاستعارة.
***
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- تاج العروس من جواهر القاموس للسيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، مطبعة حكومة الكويت، الكويت، 1965م
- التبيان لما في الهند من الحيوان للأستاذ بدر جمال الإصلاحي، جمع وتدوين: د. أورنك زيب الأعظمي، روزورد بوكس، الهند، 2015م
- ديوان ابن مُقبِل، تحقيق: د. عزة حسن، دار الشرق العربي، بيروت، لبنان، 1995م
- ديوان أبي قيس صيفي بن الأسلت، دراسة وجمع وتحقيق: د. حسن محمد باجوده، مكتبة دار التراث، القاهرة، 1391هـ
- ديوان الأخطل، شرح: مهدي محمّد ناصر الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1994م
- ديوان الأصمعيات، تحقيق: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون، دار المعارف بمصر، ط3
- ديوان العجّاج، تحقيق: د. عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق، 1971م
- ديوان الكميت بن زيد الأسدي، جمع وشرح وتحقيق: د. محمد نبيل طريفي، دار صادر، بيروت، ط1، 2000م
- ديوان المفضليات للمفضل الضبي، تحقيق وشرح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف، ط6
- ديوان تأبط شرًا وأخباره، جمع وتحقيق وشرح: علي ذو الفقار شاكر، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1984م
- ديوان جرير، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت، 1986م
- ديوان طفيل الغنوي، تحقيق: حسّان فلاح أوغلي، دار صادر، بيروت، ط1، 1997م
- ديوان كعب بن زهير، تحقيق: الأستاذ علي فاعور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م
- ديوان لبيد بن ربيعة العامري، دار صادر، بيروت، د.ت.
- شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، جمع وترتيب: بشير يموت، المطبعة الوطنية، ط1، 1934م
- شعر عبد الله بن الزبير الأسدي، جمع وتحقيق: د. يحيى الجبوري، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1974م
- شعرالأحوص الأنصاري، جمع وتحقيق: عادل سليمان جمال، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط2، 1990م
- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطّار، دار العلم للملايين، بيروت، 1956م
- صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير، دمشق، ط1، 2002م
- صحيح مسلم للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النبسابوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1991م
- كتاب الألفاظ لابن السكيت يعقوب بن إسحاق، تحقيق: الدكتور فخر الدين قبادة، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، لبنان، ط1، 1998م
- لسان العرب لابن منظور الإفريقي، دار صادر، بيروت، د.ت.
- مجلة المورد الفصلية الصادرة عن وزارة الثقافة والإعلام، دار الجاحظ للنشر، العراق
[1] راجع للبحث المشبع عنه كتاب أستاذنا بدر جمال الإصلاحي “التبيان لما في الهند من الحيوان”، ص 63-80.
[2] ديوانه، ص 189
[3] ديوانه، ص 49
[4] ديوان المفضليات، ص 135
[5] ديوانه، ص 37
[6] ديوانه، ص 27
[7] ديوانه، ص 76
[8] ديوانه، 1/55
[9] شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، ص 110
[10] ديوانه، ص 90-91
[11] ديوانه، ص 95-96
[12] شعره، ص 113
[13] صحيح البخاري، رقم الحديث: 2434 وصحيح مسلم، رقم الحديث: 7731
[14] صحيح البخاري، رقم الحديث: 2731 و2732
[15] ديوانه، ص 147 وتاج العروس: فيل، وفي اللسان (زوح):
| لو يقوم الفيلُ أو فيّالُه، | زاح عن مثلِ مَقامي وزحلْ |
وكذا فيه (زوخ):
| لو يقوم الفيلُ أو فيّالُه، | زاخ عن مثلِ مَقامي وزَحَل |
[16] تاج العروس: فيل
[17] مجلة المورد، 15/1/1986م/ص 191
[18]ديوانه، ص 131
[19] صحيح مسلم، رقم الحديث: 162
[20] البَعَلة: الحمقى، الوهل: الفزع أي رأيه الخاطيء يطابق خوفه
[21] ديوان الأصمعيات، ص 237
[22] ديوانه، ص 349، وكتاب الألفاظ لابن السكيت، ص 136، والصحاح واللسان: فيل
[23] ديوانه، ص 329، وكتاب الألفاظ لابن السكيت، ص 136، والصحاح واللسان: فيل
[24] الصحاح: فيل
[25] تاج العروس: فيل
[26] تاج العروس: فيل
[27] تاج العروس: فيل
[28] تاج العروس: فيل
[29] تاج العروس: فيل
[30] ديوانه، ص 66، تنويل: تأمين
Leave a Reply