+91 98 999 407 04
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله واهتمامه باللغة العربية: في ضوء قراءة لسيرته الذاتية اوراق زندگی
د. عظمت الله

مدخل:

يسلط هذا المقال أضواء على حياة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله بإيجاز، ثم على اهتمامه باللغة العربية وآدابها، دارساً ومدرّسا ورئيسا لقسمها وعميدا لكليتها في ندوة العلماء، لكناو، الهند، متطرقا إلى جولاته وصولاته في سبيل الإتقان بهذه اللغة في البلاد وخارجها، ثم في سبيل خدمتها على أرض البلاد، وكذلك تفاعلاته ولقاءاته مع الأدباء العرب، وحاول المقال تغطية الجهود التي بذلها أستاذنا الغالي المغفور له في خدمة اللغة العربية وآدابها وترويج الصحافة العربية في الهند، وما له صلة بهذا الاتجاه بالإشارة إلى تلامذته الذين يخدمون لغة الضاد في المؤسسات المعنية بتدريس هذه اللغة في الهند وخارجها. وإن الغرض وراء كتابة هذا المقال هو الاطلاع على ثمرات المساعي الجادة والتجارب الثرية التي قام بها الشيخ في خدمة اللغة العربية، ليمكن استغلال مثل هذه الفرص واستثمارها بغية تحقيق الأهداف المرجوة، وإثراء هذا المجال السامي لتعم الفائدة علما وأدبا وفكراً وثقافةً.

نبذة وجيزة عن الشيخ:

الحديث عن سماحة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله، يمتد بطول وعمق إبداعاته العلمية والفكرية والإسلامية، وهو من أبرز علماء اللغة العربية وأصحاب الفكر الإسلامي على أرض الهند، والذين لعبوا دورا بارزا في تحريض الأمة الإسلامية الهندية على التمسك بشعائر الإسلام وتعليماته السمحاء، ليستضيء بها العالم علما وفكرا وصلاحا.

كان الشيخ محمد الرابع بن رشيد الحسني الندوي، من مواليد عام 1929م[1]، ينحدر أصله إلى أسرة الأشراف المعروفة بالحسني والحسيني في منطقة تكيه كلان بمدينة راي بريلي، ولاية أوترابراديش، الهند. لقد أنجبت هذه الأسرة الشهيرة في أوساط العلم والأدب والزهد والصلاح والتقى والدعوة والإرشاد، عددا لا بأس به من الصلحاء والعلماء ورجال الدين الأبرار بمن فيهم العلامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي، وهو خال الشيخ محمد الرابع الحسني. نشأ وترعرع الشيخ محمد الرابع في هذه الأسرة الشريفة التي اهتمت بتعليم أولاده على منهج التعليم الديني حسب الشريعة الإسلامية كل الاهتمام، وتربى الشيخ رحمه الله، تحت رعاية خاله العلامة أبي الحسن علي الندوي تربية خاصة منذ الطفولة.

كما يكتب الشيخ رحمه الله في سيرته الذاتية: “لقد حظيتُ برعاية وتوجيهات كريمتين من قبل خالي الثاني الشيخ سيد أبي الحسن علي الحسني الندوي، في كل مرحلة من مراحل الحياة، وسعيتُ لئلا أقوم بأي عمل دون مشورته، وليست الاستشارة مطلوبة فحسب بل كان اطمئنانه موضع اهتمام “[2].

تلقى الشيخ الرابع تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه تكيه كلان بمديرية راي بريلي، ثم انتقل إلى مدينة لكناؤ، الهند، ليعيش تحت رعاية خاله الأكبر السيد عبد العلي الحسني، حيث أكمل مرحلة الكتاتيب، وبعد ذلك التحق بالمدرسة الابتدائية التابعة لندوة العلماء في عام 39-40 ـ حيث واصل تعليمه الديني في السنوات القادمة مباشرة أو غير مباشرة، إلى ذلك، تلمذ الشيخ على الأساتذة البارعين من مدرسة مظاهر العلوم بسهارنفور، ودار العلوم ديوبند أيضا، خلال عامي 1946-1947م[3]. واستفاد من الجو الديني والتربوي في كلتا الدارين الطيبتين. وفي أواخر عام 1947م، إنه رجع إلى ندوة العلماء. على كل، أكمل الشيخ محمد الرابع تعليمه في مراحل الابتدائية والثانوية والعالمية والفضيلة من ندوة العلماء[4]. وتم تعيينه فيها كمدرس مساعد في أواخر عام 1948م[5].

أهم أساتذته:

تتضمن قائمة الأساتذة الذين قد تلمذ عليهم شيخنا محمد الرابع الحسني الندوي لغرض كسب العلم والمعرفة وإتقان اللغة العربية عددا كبيرا من كبار الأستاتذة، ومن أهمهم السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي، والشيخ المفتي أحمد حسن خان التونكي، الشيخ المفتي محمد سعيد الأعظمي، الشيخ شاه محمد حليم، الشيخ محمد ناظم الندوي، الشيخ محمد عرفان خان الندوي، الشيخ عبد السلام قدوائي الندوي، والشيخ السيد حميد الدين الفيض آبادي، الشيخ سيد عبد الغفار النكرامي[6]. وهؤلاء كلهم من الهند. وثمة عدد من كبار الأساتذة العرب، استفاد منهم الشيخ محمد الرابع خلال إقامته أو رحلاته العلمية والثقافية إلى شتى بلدان العالم العربي.

أما الحديث عن الفترة الطويلة التي استغرقها  تعليم الشيخ الرابع الندوي، فإنها تتراوح ما بين سن السادس حتى سن العشرين، وخلال هذه الفترة، إنه استفاد من ثلاث أهم المؤسسات التعليمية في الهند وبعض المؤسسات في الحجاز، فيمكن القول إنه نهل من شتى مناهل العلم والعرفان في الهند وخارجها. وحصل على جدارة في القواعد والترجمة وإتقان اللغة العربية وضلوع في العلو م والدراسات الإسلامية ولاسيما في علوم الأدب العربي، إذ يكتب الشيخ الندوي في سيرته الذاتية بأن مجال اختصاصه هو اللغة العربية والأدب العربي وجغرافيا العرب[7].

شغفه باللغة العربية:

انطلقت عليه بوادر الوعي والشغف باللغة العربية منذ سنوات مبكرة من العمر، في حين كان يتربى تحت كنف خاله الشيخ أبي الحسن علي الندوي الذي كان لديه اهتمام خاص بمطالعة كتب الأدباء العرب، فكانت الكتب العربية متوفرة بسهولة لدى خاله، مما وفر له فرصة سانحة لتعزيز شغفه بهذه اللغة العريقة[8].

 

اهتمامه بتعلم اللغة العربية خارج البلاد:

بعد اكمال دراساته في الهند، قضى الشيخ محمد الرابع الندوي ما يقارب من سنة واحدة في أرض الحجاز لغرض الاستفادة من المصادر الأصلية مباشرة، إذ حالفه الحظ أن يرافق خاله المحترم السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي في سفره إلى الحجاز، وأقام في مكة المكرمة حوالي 8 أشهر، ثم لفترة تقارب من 4 أشهر في المدينة المنورة[9]، حيث أنه استفاد من بعض المكتبات العربية الكائنة في كلتا المدينتين، ثم عاد إلى وطنه الغالي، بقدرته المنقحة ومهارته اللغوية الرشيقة. فعُيّن الشيخ الندوي كأديب ثان للغة العربية في دار العلوم ندوة العلماء، وذلك على اقتراح قدمه مدير ندوة العلماء آنذاك الشيخ محمد عمران خان الندوي، في حين كان الشيخ عبد الله عباس يشغل منصب الأديب الأول في ندوة العلماء، وعندما انتقل الشيخ عباس إلى الحجاز في عام 1955م[10]، وقرر المكوث هناك، فأُسند إلى الشيخ محمد الرابع الندوي، منصب الأديب الأول أيضا.

على منابر التدريس:

استهل الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي مهام التدريس كمدرس لمادة اللغة العربية وآدابها في دار العلوم لندوة العلماء في عام 1949م[11]، وذلك قبل ذهابه إلى الحجاز في عام 1950م. عُيّن الشيخ الندوي أستاذا مساعدا في قسم اللغة العربية في نفس الدار، وثم رئيسا لهذا القسم في عام 1955م، حتى تمت ترقيته إلى منصب العميد لكلية اللغة العربية وآدابها في هذه الدار في عام 1977م. علما بأن الشيخ الرابع الندوي أوقف التدريس خلال فترة مكوثه في الحجاز، ثم استأنف عمله في مجال التدريس بصفته الأديب الأول في عام 1955م، واستمر في خدمة التدريس حتى وافته المنية في 13 أبريل 2023م، وهكذا انشغل الشيخ الندوي بتدريس المواد المختلفة بما فيها الحديث النبوي الشريف وترجمة بعض السور القرآنية، ورياض الصالحين، والأدب العربي وغيرها من المواد الأخرى من الصحافة والتعليم والتربية وإصلاح المجتمع في مختلف المراحل التعليمية من المتوسطة إلى الثانوية والدراسات العليا ذات الاختصاصات. واستغرقت هذه الفترة أكثر من سبعة عقود من الزمن، الممتدة ما بين 1952-2023م بجانب المسؤوليات الأخرى المعنية بالشؤون الإدارية والتعليمية، وخاصة تجاه خدمة المجتمع الإسلامي في الهند.

وجدير بالذكر أن ثمة عددا كبيرا لا يمكن أن يعد ويحصى، من تلامذته الذين يخدمون هذه اللغة الراقية في معظم أقسام اللغة العربية بالجامعات الهندية المنتشرة في كافة أرجاء الهند، كما يقدم بعض الآخرين من تلامذته، إسهاماتهم في خدمة اللغة العربية وآدابها في عدد من بلدان العالم مثل اليابان وأستراليا والإمارات وأمريكا وبريطانيا وماليزيا.

وتجدر الإشارة إلى أن كلية اللغة العربية التابعة لندوة العلماء، هي كلية تختص بتدريس اللغة العربية وآدابها، والتي توفر دورة خاصة في الأدب العربي بجانب دورة الدراسات الإسلامية التي تتبنى منهج التدريس في اللغة العربية، وينضم إليها الطلاب الأجانب بشكل خاص. وكان ترأسها الشيخ الندوي رحمه الله تعالى منذ بداية التحاقه بندوة العلماء، في حين تم تعيينه كالأديب الأول، فإنه كرس جهوده في رفع مستوى أداء هذه الكلية حتى تم تعيينه مدير ندوة العلماء في عام 1993م. وارتكزت جهوده بشكل خاص على رئاسة مهام تدريس اللغة العربية في ندوة العلماء خلال الفترة من 1977 حتى 1993م ـ مما يتمثل في 16 سنة مركزة في الكلية المختصة باللغة العربية.

جهوده في ترويج الصحافة العربية:

وبفضل اطلاعه الواسع على العالم العربي وعلى العوامل الهادفة إلى ترويج اللغة العربية من خلال الصحافة والإعلام، ونظرا إلى ضرورة إطلاق الصحافة العربية في الهند، أحس الشيخ الندوي بضرورة ماسة لإنشاء صحيفة في اللغة العربية، فإنه أطلق شخصيا صحيفة يومية في البداية، وعندما تيقن له بنجاح هذا المشروع والإقبال عليه من قبل الراغبين والمهتمين بلغة الضاد، فإنه قام بإنشاء صحيفة عربية نصف شهرية باسم “الرائد” في عام 1959م، من خلال جهوده الشخصية ثم ساعده الأساتذة الآخرون أيضا في إنجاح هذا المشروع العربي، وتكللت هذه الجهود بنجاح باهر بتوفيق الله، في الأوساط العربية ولاسيما لدى طلاب اللغة العربية ودارسيها في الهند. ومن جهة أخرى أصبحت هذه الصحيفة ترجمانا عربيا لندوة العلماء، ولم تزل تصدر صحيفة الرائد هذه منذ إنشائها حتى يومنا هذا، مما استغرق حوالي 65 سنة، بإذن الله وبتوفيقه[12]. وساهم في إنشائها، كل من الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي الندوي، والشيخ سيد محمد الحسني، والشيخ محمد واضح رشيد والدكتور ضياء الحسن الندوي، الدكتور شفيق الرحمن الندوي، والشيخ محمود الأزهر الندوي، كتابةً وإدارةً، ولقد ترأس تحريرها فقيد اللغة العربية الشيخ محمد واضح حوالي 35 سنة. وحاليا، يتولى مسؤولية رئاسة التحرير لها الشيخ محمد جعفر الحسني، أستاذ اللغة العربية في دار العلوم ندوة العلماء.

إضافة إلى ذلك، كتب الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي باستمرار، مقالات متنوعة العناوين في مجلة البعث الإسلامي التي تصدر تحت رئاسة فضيلة الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي الندوي، من ندوة العلماء بلكناو، الهند. وتعد مقالاته التي نشرتها هذه المجلة، إسهامات قيمة في ترويج الصحافة العربية في الهند. بما يسهم إصدار هذه المجلة العربية إسهاما قيما فيما يخص تطوير الصحافة العربية في البلاد، وهذه أقدم مجلة عربية يستمر إصدارها منذ حوالي ثمانية عقود ماضية، إذ قام بإنشائها الأستاذ محمد حسني رحمه الله في عام 1955م. ومنذ ذلك الوقت، لا تزال تصدر هذه المجلة دون انقطاع، بفضل الله وتوفيقه، فيما يرجع الفضل الكبير إلى أستاذنا المحترم الشيخ سعيد الرحمن الأعظمي الندوي. أطال الله عمره بالصحة والعافية.

مؤلفاته حول اللغة العربية وآدابها:

ألف الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي عددا من الكتب في اللغة العربية، يربو على ثلاثين مؤلفا [13]، معظمها في اللغة العربية أو تمت ترجمتها إلى العربية، من أهمها:

  • منثورات من أدب العرب: ظهر هذا الكتاب في حيز الوجود في عام 1377هـ، بعد أن قامت إدارة ندوة العلماء بتكليف الشيخ محمد الرابع بإعداد المناهج الدراسية الخاصة بتدريس اللغة العربية بموجب القرارات الصادرة من ندوة العلماء، ومنذ ذلك الوقت، يأتي هذا الكتاب ضمن المقررات الدراسية في ندوة العلماء وغيرها من المؤسسات التعليمية الأخرى في البلاد وخارجها.
  • الأدب العربي بين عرض ونقد: صدر هذا الكتاب من قلم شيخنا الرصين كأول كتاب في مجال النقد الأدبي باللغة العربية في الهند عام 1965م ـ 1385ه. وتم إدراج هذا الكتاب في المناهج الدراسية في بعض المؤسسات التعليمية المعنية بتدريس اللغة العربية في الهند.
  • تاريخ الأدب العربي (العصر الإسلامي): ظهر هذا الكتاب من قلم الشيخ رحمه الله، الرصين في عام حوالي 1990م ـ 1410هـ وذلك ضمن سلسلة من الكتب التي تختص بمجال الأدب العربي، والتي انتخب لها كل من شيخنا هذا وشقيقه الصغير السيد محمد واضح رشيد الندوي رحمه الله. ويعتبر هذا الكتاب من بوادر الإنتاجات الأدبية التي ظهرت في حيز الوجود على أرض الهند في مجال الأدب العربي المعني بالعصر الإسلامي.
  • مختار الشعر العربي (جزءان): قام الشيخ رحمه بتأليف هذا الكتاب أيضا ضمن المناهج الدراسية الخاصة بتدريس اللغة العربية بموجب القرارات الصادرة من ندوة العلماء.
  • معلم الإنشاء (الجزء الثالث): ألف الشيخ الندوي الجزء الثالث لهذا الكتاب ضمن سلسلة الكتاب عام 1955م ـ 1374هـ، ركز فيه تعليم الطلاب طريقة الكتابة والترجمة في اللغة العربية من الأردية إلى العربية وبالعكس، ويشمل هذا الجزء نماذج من مقالات كتّاب العرب والهنود من الإنشاء والترجمة. وتم إدراج هذا الكتاب في المقررات الدراسية في بعض المؤسسات التعليمية المعنية بتدريس اللغة العربية في الهند.
  • جزيرة العرب: ألف شيخنا رحمه الله هذا الكتاب باللغة الأردية في عام 1381هـ وذلك بعد جهد جهيد بذلها المؤلف في إعداد هذا الكتاب، فيما أنه استفاد من حوالي 300 كتاب ذات الصلة بجغرافيا العرب. واستغرق إعداد هذا الكتاب ثلاث سنوات [14]. ولم يسبق لهذا الكتاب نظير في الهند فيما يخص الاطلاع على جغرافيا جزيرة العرب، ويعتبر هذا الكتاب مصدرا هاما في موضوع الجغرافيا الذي يختص بجزيرة العرب.

وثمة مؤلفات أخرى هامة أيضا مثل الأدب الإسلامي وصلته بالحياة، الغزل الأردي ومحاوره، إضافة إلى ذلك. كرس الشيخ الندوي جهوده على ممارسة الترجمة العربية أيضا، فظهرت على يده عدة مؤلفات مترجمة بالعربية ومنها كتاب “بين التصوف والحياة” للشيخ عبد الباري الندوي، وذلك أول كتاب قام بترجمته الشيخ الرابع الندوي من الأردية إلى العربية، عندما بلغ من العمر 20-22 سنة. والآن ينشر المجلس العلمي للنشر بمدينة لكناو، هذا الكتاب باسم المنهج الإسلامي لتربية النفس[15].

وهذا غيض من فيض إبداعاته الأدبية، ويتضح بناء على عرض وجيز من هذه المؤلفات العديدة، أن الشيخ رحمه قدم إسهامات لم يسبق لها نظير في الأدب العربي على أرض الهند. لذا اعتبر بعض الكتاب الهنود الشيخ الرابع الندوي أول كاتب دبج يراعه مثل هذه المؤلفات الهامة في المهجر الشرقي أي في شبه القارة الهندية باعتبارها مهجرا في الشرق، حيث اهتم الأدباء والكتاب بتأليف اللغة العربية اهتماما هاما على غرارة أدباء المهجر الغربي ـ أمريكا ـ

رحلاته إلى دول العالم العربي:

سافر الشيخ الرابع الندوي لأول مرة، ضمن وفد مكون من ثلاثة أشخاص من المنتسبين إلى الندوة العلماء، وهم الشيخ عبد الله عباس الندوي والشيخ معين الله الندوي والشيخ الرابع الندوي، إلى العراق ومملكة البحرين، وكان هذا السفر ناجحا كزيارة دينية وثقافية وللدعوة والإرشاد، إلا أنه لم يكن مفيدا كجمع التبرعات لمؤسسة ندوة العلماء. وخلال هذا السفر، زار الوفد مدينة بغداد لمدة أسبوع كامل ثم مدينة البصرة لأسبوع واحد. وإنهم التقوا بعدد من كبار العلماء من أهمهم الشيخ بهجة البيطار وكذلك الشيخ علي الطنطاوي الذي كان موجودا في بغداد آنذاك.  ثم توجه وفد ندوة العلماء هذا إلى مملكة البحرين وأقام هناك لمدة شهر واحد.

إلى ذلك، زار الشيخ محمد الرابع الندوي دولة الكويت برفقة الشيخ سيد أبو الحسن علي الحسني الندوي في عام 1962م، حيث سنح له فرصة اللقاء مع الشيخ عبد الرزاق الصالح والشيخ عبد الرحمن الأوسري.

وزار الشيخ الندوي المملكة المغربية أيضا لمدة أسبوعين، وذلك برفقة الشيخ سيد أبي الحسن علي الحسني الندوي، حيث أنه التقى بعدد من كبار العلماء مثل الشيخ محمد الفاسي رئيس جمعية الجامعات الإسلامية آنذاك، والدكتور عبد الكريم خطيب، كما أنه استفاد من المؤسسات العلمية مثل مكتبة جامعة القرويين، شاهد الشيخ بأم عينيه، المكتوبات على جلد الظبي. وكان غرض هذه الزيارة حضور مؤتمر دولي عقدته رابطة الجامعات الإسلامية، شارك فيه نخبة من كبار العلماء والأكاديميين والباحثين من مختلف البلدان الإسلامية.

ضمن زيارته إلى العالم العربي، سنح للشيخ محمد الرابع الندوي فرصة الزيارة إلى دول الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة قطر في أوائل شهر يناير عام 1979م، حيث أنه شارك في عدد من البرامج برفقة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في إمارات أبوظبي، ودبي، والشارقة والفجيرة، والتقى بعدد من كبار العلماء في هذه الدولة، من أهمهم قاضي القضاة أحمد عبد العزيز المبارك والشيخ عبد الله علي المحمود.

ومن الإمارات، توجه الوفد إلى مدينة الرياض، وأقام فيها على مدى 3-4 أيام، والتقى بالمفتي العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وزار الوفد خلال هذا السفر، كلا من المدينة المنورة، وجدة.

ثم اتجه الوفد إلى دولة قطر للمشاركة في برنامج. يضاف إلى ذلك، حظي شيخنا بزيارات عديدة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وبلقاءات مع العلماء والأدباء العرب مثل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في الهند وخارجها.

وكذلك زار الشيخ محمد الرابع الندوي جمهورية الجزائر برفقة شيخه أبي الحسن علي الندي لحضور مؤتمر تلمسان الدولي الذي استمر ثلاثة أيام اعتبارا من 10 حتى 13 شوال عام 1402م. حيث قدم فضيلته ورقة بحثية بعنون: لمحات شعورية ونفسية في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقام الشيخ الندوي بزيارات علمية وثقافية إلى عديد من الدول العربية مثل سوريا والأردن، والعراق والكويت بغرض المشاركة في مؤتمرات عقدتها رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة.

لقاءات مع الأدباء العرب:

حظي الشيخ الندوي بلقاءات علمية مع صفوة من العلماء والأدباء العرب خلال حضور المؤتمرات ومكوثه في الحجاز ومن أهمهم العلامة ابن باز، والعلامة عبد الله بن حميد، والشيخ ناصر الدين الألباني، والعلامة تقي الدين الهلالي المراكشي، والشيخ أمين الشنقيطي، والشيخ اسيد علوي المالكي والشيخ محمد الحركان، والشيخ عبد الله الخياط، والشيخ صالح القزاز والأستاذ علي حسين فدعق والشيخ أحمد محمد مال وغيرهم.

يطيب لي أن أشير إلى أن الشيخ الندوي كان يركز دوما على الجانب الإسلامي في كافة الأمور سواء كانت تتعلق بالعلم والعمل والقول والفعل أو مهما كان المجال. ومن هذه الناحية، نرى أن الشيخ لما له صلة باللغة العربية وآدابها، نظم عددا من المؤتمرات ضمن منصة رابطة الأدب الإسلامي في الهند، فحدد عناوين المؤتمرات من الأدب العربي بأشكاله وأصنافه المختلفة نثرا وشعراً مثل المصطلحات غير العربية في اللغة العربية، القومية العربية والاتحاد الإسلامي في ضوء الأدب العربي الحديث، والشعر العربي في الهند وغيرها كثير من الموضوعات ذات الصلة باللغة العربية وآدابها.

تقديراً لإنجازات الشيخ محمد الرابع الندوي وإبداعاته في خدمة اللغة العربية على أرض الهند، منح الرئيس الهندي نيلم سنجيوا ريدي، الشيخ الندوي الجائزة التقديرية لخدمة اللغة العربية في شهر يناير في عام 1982م[16].

خاتمة:

وطبعا، كل ما جاء ذكره عن حياة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي وعن إسهاماته العلمية والأدبية ذات الصلة بلغة الضاد، في الصفحات السابقة من هذا المقال، هو ما توصلت إليه خلال قراءتي ومطالعتي لكتاب “اوراق زندگی” للشيخ محمد الرابع، ولكتابات نشرتها المجلات العربية وغير العربية بعد وفاة أستاذنا الغالي، وزد على ذلك إنما هو نتيجة لما استفدتُ وقرأتُ وشاهدتُ أنا بأم عينيّ خلال دراستي بصفتي تلميذا للمغفور له في حرم ندوة العلماء، خلال الدروس والبرامج والحفلات والحلقات الخاصة بالفقيد الغالي في دار الضيافة، من عواطفه السامية ومشاعره الجياشة تجاه رفع مستوى اللغة العربية بغية الإتقان بفهم القرآن الكريم فهما صحيحا. مما يثبت جديته وحماسه في سبيل خدمة هذه اللغة، بجدارته وضلوعه في اللغة العربية وآدابها قديما وحديثا وتدريسا وتأليفا. وذلك إن دل على شيء فإنه يدل على أن شيخنا رحمه الله من رواد نهضة اللغة العربية وآدابها على أرض الهند. وله رصيد هائل من الإبداعات العلمية والإنتاجات العربية، مما يثري مجال الأدب العربي والمكتبات العربية بشكل خاص في الهند. وإنه لهو ممن وصفه الشاعر العربي بـ:

قد مات قوم وما ماتت مآثرهم

وفي الختام، أسأل الله العلي القدير أن يجعل كافة الإنجازات العلمية التي صدرت من قلم شيخنا نافعة ومفيدة لنا ولكافة المهتمين بلغة الضاد دارسين ومدرسين، وأن يتقبل جهوده المشكورة في خدمة اللغة العربية، وأن يجعلها في ميزان حسناته. وأن يُسكن فقيدنا الغالي في جنات النعيم. يا رب العالمين.

***

هوامش المقال: 

[1] . اوراق زندگی: ص31

[2] . نفس المصدر: ص38

[3] . نفس المصدر: ص 42

[4] . نفس المصدر: ص 49

[5] . نفس المصدر: ص43

[6] . نفس المصدر: ص 50

[7]   نفس المصدر: ص57

[8]. نفس المصدر: ص65

[9]. نفس المصدر: ص63

[10] . نفس المصدر: ص95

[11] . صحيفة الرائد: ص12، الصادرة في 16 أبريل، 2023م، من مؤسسة لصحافة والنشر، ندوة العلماء، لكناؤ، الهند.

[12]. اوراق   زندگی : ص66

[13]. صحيفة الرائد: ص16

[14] . اوراق   زندگی: ص66

[15] . نفس المصدر: ص64

[16] . نفس المصدر: ص222

المصادر والمراجع:

  • الندوي، السيد محمد الرابع الحسني، اوراق زندگی،    الطبعة الأولى، المجلس العلمي للنشر والتحقيق، لكناو،  عام 2022م.
  • الندوي، السيد محمد الرابع الحسني، الأدب العربي بين عرض ونقد، الطبعة الخامسة، مؤسسة الصحافة والنشر، لكناؤ، عام 1997م.
  • الندوي، السيد محمد الرابع الحسني، منثورات من أدب العرب، الطبعة الصادرة في 1411 هـ، مؤسسة الصحافة والنشر، لكناو. عام 1411 من الهجرة.
  • عدد ممتاز لمجلة البعث الإسلامي، عن حياة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي، العدد ـ 10/ المجلد – 59. مؤسسة الصحافة والنشر، لكناؤ، نوفمبر عام 2023م.
  • صحيفة الرائد، العدد 20/ المجلد-64. مؤسسة الصحافة والنشر: لكناؤ، أبريل عام 2023م.
  • مجلة تعمير حيات الأردوية، عدد خاص عن الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي، العدد ـ 18/ المجلد ـ 60. مؤسسة الصحافة والنشر، لكناو، يوليو عام 2023م.

 *أستاذ مساعد، مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي، الهند

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of