+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

قصة قصيرة مترجمة: العودة إلى البيت
(*برويز أشرفي (نقلها إلى العربية محمد علي أختر

عودة إلى الوطن

بعد حقبة طويلة من الزمن كان في رحلته النهائية إلى وطنه. وكان أهله –  بينهم أبوه وأمه وزوجه وأخته وزوجها وبنوه وبناته – كلهم في انتظاره أمام البوابة رقم 5 على محطة رقم  3 من المطار الدولي. مستندين إلى درابزين كانوا يبحثون عن عزيزهم الذي غادرهم قبل خمسة وثلاثين عاما إلى بلاد أجنبية لكسب رغد العيش لأهله ولبيته. أعينهم مغرزة على شاشة جدول المواعيد، التي كانت تخطر بتأخر الطائرة عن موعدها  بساعة بسبب الطقس الردئ. ما أقسى ساعة الاتنظار! وما أهولها إذ يزيدها التأخير طولًا. .

عاد بعد أربع سنوات في أول رحلته…. وكان أعتق رقبته وتخلى عن كل الديون المالية…. وأنفق معظم ما كسبه في شراء التحف الثمينة لعائلته، التي غطتها تحفه بالبهجة والسرور. وكان هو ِسعيداً كذالك. قرّر أن لن يغادر أهله أبداً و أخبر أمه بقراره: ” لا أود مغادرة وطني بعد اليوم. لا أحب تلك البلاد الأجنبية ولم يعجبني أناسها. لا أحب أن أعود إلى نفس الذل والإهانة التي تكبدتها طوال وظيفتي على يد الكفيل الذي يعاملني كأني ملك له. لم يخرجوا بعد من جاهليتهم الجهلاء. يعتبروننا – الهنود – فقراء محتاجين وينظرون إلينا وإلى وطننا نظرة ملؤها الحقارة. يتفطر قلبي على الذل والهوان.أستطيع أن أكسب هنا في بلادي ما يكفي لقوت الأسرة.”

انحنى رأس أمه وقالت: “حق ما تقول يا بني. ولكن من يعرف أحسن منك أن بيتك مكون من الطين، يكاد ينهار بمطر أوشك موسمه على الحلول. يبتلع ترميمها مبلغا كبيراً كل عام. أليس من الأحسن أن يكون لدينا بيت من الإسمينت والآجر وننجو من تكاليف ترميمه للأبد؟ أيمكن أن يتحقق ذلك بما تكسبه هنا من نقود نزرة؟

غادر وطنه كرها على رغم أنفه. وبعد ثمانية أعوام إضافية، بعث رسالة إلى بيته:

“كثيرا ما أشعر بالتعب والإرهاق. ومأ أشد اشتياقي إليكم وإلى الوطن. ولا تفارقني ذكرياتكم أبدا. يدور بخلدي أن أستقيل عن الوظيفة وأعود إلى الوطن للأبد….أشكر الله أن أصبح لنا بيتنا ولم يبق علينا أي ديون. أتمنى أن أقضي بقية من عمري بين أهلي وأولادي.”

فردته أمه على الهاتف مذكرة إياه بمسئولياته:

“بلغت أختك سن الزواج. وأتمنى أن نؤدي هذا الواجب بأقرب ما يمكن. ولكن لا أريد أن أثقل وأشق عليك.”

وقد تم زواج أخته بفضل الله. وتشرف أبواه بأداء فريضة الحج بكرمه.  خلال تلك السنوات الإثنتي عشر ظل يجهد كالعبيد…… يصنع طعامه بنفسه بعد يوم منهك من العمل… ويرسل أنفس التحائف لأهل زوج أخته لكي تسعد هي برضاهم. أخد يشعر بوهن في جسمه وتخاذل في قواه بسبب أعمالها المرهقة، وأصيب بالسمنة وشتى الأمراض الجسدية نتيجة مناخ البلاد. فلاذ من جديد برسالة مطولة أرسلها إلى أهله يخبرهم بقواه الخائرة وأمراضه المنهكة وبأنه إذا طال مكوثه فيشتد بلاءه حتى يقل راتبه عن علاجه.

تلقى بعد عدة أيام مكالمة هاتفية من زوجه تقول:

“أتعرف أن أبويك تفكران في توريث البيت الأسري لأخيك ريحان؟ فيا تُرى ماذا نفعل لو حصل ذلك؟ وأين نذهب بأطفالنا؟ ألا تحب أن يكون لنا بيتنا الخاص بنا؟ فإنه من مقومات الحياة الأساسية للجميع. ولا أظن أنك تطيق بناءه وأنت في وطنك. على كل حال، أنت أدرى بالأمور، وأقدر على اتخاذ قرار أفضل بالنسبة لنا.”

لم يكن في طوقه بعد ذلك إلا أن ينسى كل ما به من أمراض وكل ما هو فيه من أهوال، وأن يبقى لمزيد من الأعوام مغتربا بعيدا عن  وطنه. تمكن من خلالها من تشييد بيت شاهق وتوفير جميع تسهيلات الحياة الرغدة.  وكان أطفاله قد تحلوا بالتعليم في أفضل المدارس. فاتصل يوماً بزوجه هاتفياً وقال لها:

“ها قد اقتربت من نهاية وظيفتي وسأحصل على مكأفاة نهاية الوظيفة في آخر الشهر الجاري وأعود إليكم وإلى وطني للأبد…..ما أقسى الاغتراب! لقد أنستني هذه السنوات الطوال لذة الحياة بين أهلى وفي بيتي. أشكر الله ألف شكر أن وفقني لتوفير عيشة هنيئة لكم….. وقد تدنت صحتى وتوانت قواي…..ولم أعد أطيق هذه الحياة المغتربة بعد….أتعرّض كل أسبوع لعديد من الفحوصات الطبية….أشتاق إلى العيش بقربكم وبين الأقرباء….وأحيانا يخطر لي على بال هلا يحزنكم غيابي ويشقيكم تباعدي عنكم؟”

“لماذا تظن الظنون….فأنت حياتي وتاج رأسي…دع عنك كل هذا….فلك عندي بشرى سارة…تمت خطوبة “جوهي” إبنتك الحبيبة وفلذة كبدك…ألا تحب أن تكون إبنتك سعيدة مستبشرة في بيت زوجها؟ فللمرة الأخيرة فقط، عليك أن ترسل مبلغا يكفي لحفل زواجها وجهازها…… لم تر وجهها منذ أن ولدت….وأتمنى أن تراها وهي في فستان زفافها….إلى اللقاء” أجابت زوجه وأنهت المكالمة.

وأخيراً، كان يعود إلى وطنه بكل ما ادخره – في هذه الحقبقة الطويلة التي استنزفت خمسة وثلاثين عاما من حياته الغالية –  من السكرى وضغط الدم والقرحة والوجه الحالك.

فأجأتهم جميعاً إذاعة المطار بهبوط الطائرة القادمة من الرياض…بدأ المسافرون يخرجون من بوابة المطار واحدا تلو الآخر. وكان أهلهم يتصيدون الوجوه مستعدين لترحيبه بالأزهار في أيديهم والبسمات على شفتهيم…غادر آخر المسافرين ولم يخرج هو… وإذ إنقض عليهم إذاعة مدوية في كل أنحاء المطار: إن كان السيد تنوير مستمعا إلى هذه الإذاعة، فالرجاء الوصول إلى قسم الشحنات  حيث قد وصلت جنازة إبنه من السعودية  بطيارة خاصة……..”

* الباحث بمركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهرلال نهرو، نيو دلهي، الهند

1
Leave a Reply

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
Danish Recent comment authors
  Subscribe  
newest oldest most voted
Notify of
Danish
Guest
Danish

القصة تبدو كأنها حقيقية، ولو ماكنت، لكنها تصوير صادق لأكثر من تنوير واحد الذي أصبح ضحية للضروريات بل للأمنيات الفارغة، والمترجم الأخ علي أختر قد قدم لنا القصة كأنه يحكي ، لنا قصة شخص يدنومنه قرابة، قد جعل لنا نشعر بألم الغربة و النأي في بلاد نائية و الفضل يعود إلى قدرته على اللغة و ندرة أسلوبه في تعبيرعن المخيلة و حسن ذوقه في اختيارة الكلمات المناسبة ، أتمنى له أحسن التوفيق في المستقبل و اعتبر هذا بداية لإنتاجه الفنون الأدبية و أنا سأكون أو ل من يقبل بحفاوة لو يقدم لنا الأخ المترجم أعماله الأدبية في أيام قادمة و… Read more »