+91 98 999 407 04
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

الرواية السردية و الرواية السينمائية، علاقة جدلية أم علاقة تكامل؟
بركات بن يحى

الملخص:

    أثرت وتأثرت الرواية بغيرها من الفنون الأخرى نتيجة تلاقح الأجناس الأدبية والفنية بعضها ببعض، وكان لهذا التأثير دور واضح في ظهور أجناس جديدة تحمل خصائص وسيمات مختلفة عما هو متعارف عليه. ومن بين هذه الفنون التي أثر بعضها على بعض؛ الرواية والفنون السمعية البصرية من تلفزيون وسينما.. فأين تكمن العلاقة بينهما، وهل علاقة جدلية أم أنها علاقة تكامل؟ وما مدى تأثير كل منهما على الآخر؟ والمتلقي وعلاقته بالنص المكتوب والمرئي؟ وللإجابة عن تلك التساؤلات نحاول تتبع ثلاث عناصر رئيسية:

– أولا: انفتاح النص الروائي

– ثانيا: الرواية والفنون السمعية البصرية

– ثالثا: الرواية المكتوبة والمرئية.

أولا: انفتاح النص الروائي

1- العلاقة بين الفنون:

      أثيرت قضية العلاقة بين الفنون في أواخر الستينات، ولاسيما العلاقة بين الرواية والسينما، والشعر والدراما والسرد، وهذه القضية برزت خاصة مع مظاهر التجديد والحداثة ومحاولة كسر القواعد والقوانين بين الفنون، وقد أشار النقاد إلى عسر الفصل بين الفنون والآداب، وصار الأديب فنانا، وصارت تسبق الأجناس الأدبية لفظة فن، فهناك فن الشعر وفن القصة القصيرة وفن الرواية، وهكذا حتى غدت خصائص الفن الحديث خصائص للأجناس الأدبية نفسها ولاسيما الاتصال بين الفنون والآداب، ولقد أفرزت الحداثة، في ما أفرزت ما الآن بقضية يسمى الاتصال والانفصال بين الفنون بتأثير تطور الثقافة والعلوم من جهة، وتطور وسائل الاتصال بالجماهير من جهة أخرى”[1].

   “ففي العصر الحديث توصل باحثوا هذه الفنون إلى أن الفنون تفسر بعضها بعضا من جوانب متعددة وكثيرا ما تشرح الأعمال الفنية تصوير عمل أدبي معين، والعكس وهنا ظهرت لغة الفن لتلتقي مع لغة الأدب”[2]

         فالعلاقة بين الأدب وغيره من الفنون علاقة جدلية، فيها تواصل حضاري معروف وهناك ترابط بين الفنون في أساليب فنية مركبة، وعملية الربط تلك بين الأدب وسائر الفنون لا تعني أن هذه الأنواع الفنية خاضعة لتاريخ واحد وأحكام موحدة، بل على العكس لكل فن مادته وأساليبه[3].

      فعلى الرغم من كون الفنون تتداخل لتكمل بعضها أحيانا، ولتشكل أحلى صورة فنية غير أن لكل منها خصائص وسيمات تجعله بذلك يختلف جذريا عن الفن أو النوع الأدبي أو الفني الآخر، ولكل منها قوانين وقواعد ومعايير تحدد مساره الفني، ومهما حاولت مجاراة مظاهر الحداثة فإنها لن تتجرد من جميع قيودها التي تحكمها، يقول في ذلك عبد الله أبو هيف: سواء اقتربت الفنون من بعضها البعض واختلفت فإن لكل منها وحدتها واختلافها[4]

  ويقول في ذلك أيضا نعیم اليافي: ” وسواء اقتربت الفنون من بعضها البعض، واختلفت، أو وضعت في سلم تعلو درجاته، أو كانت في عجلة دائرة بلا توقف، وسواء قرب الشعر من الرسم أو من الموسيقى، أو من غيرهما، فإن ذلك كله رهن ظروف طارئة هي روح العصر السائدة، ولكن تبقى وراء الفنون وحدتها واختلافها، وفوق العصر وروحه الواسطة  تملك طبيعتها الخاصة وتاريخها الخاص، وهي تتحكم بهما، وعن طريقهما في الفنان و في عمله”[5]

        فكل أدب وكل فن يعبر بطريقته الخاصة عن عصره وتاريخه وكل يدرس موضوعه من زاوية معينة، وبروح الأنواع، فقد تكون المعالجة للموضوع عن طريق الكلمة، أو عن طريق الصورة أو عن طريق “فكل فن يحمل خصائص لغته وبيئته وجنس كتابته وموروثه على مر السنين، وهذه الأمور متجمعة توجه عملية التأثير والتأثر وتتحكم فيها”[6]. وليس من العجيب أن تتسع دراسة الأنواع وتتفرع إلى مدارس، وتتمحور في تيارات ومذاهب وإذا قارنا الأدب بغيره من الفنون الجميلة فسنجد انسجاما قد ارتقى بينهما تاريخيا حتى وصلتنا على صورها وأشكالها ومفاهيمها الحالية، ولقد مهدت لهذه النظرة لفتات تاريخية كثيرة في دراسة الأدب وأنواعه وفنونه مقارنة بالفنون الأخرى[7]. كما التفت لهذه القضية الأدبية، العديد من الكتاب، فقد اهتم عبد الرحمن مجيد الربيعي بتقنيته القصصية والروائية، وبذل جهوده مبكرا لوعيها وتطوير الخصائص الفنية، مثلما التفت إلى قضية الاتصال بين الفنون واستفادته من تقنيات الرسم. ويستفاد من توكيد الربيعي على الاتصال بين الفنون على أن التقنية مفتوحة: “وليست هناك تقنية جاهزة يمكن تعريفها، أو الحديث عنها، فالتقنية ليست موديل بدلة ولا خارطة بيت إنها ابحار، انشغال، دأب، استشراق، حركة، رصد، استنتاج، وكل كاتب محمل بخصوصياته، وتجاربه وحياكة أساطيره[8]

2- الرواية والفنون الأخرى:

      يعرف سانت بوف الرواية بقوله: “حقل فسيح من الكتابات التي تتخذ لها سيرة الاقتدار على التفتح على كل أشكال العبقرية، بل على كل الكيفيات، إنها ملحمة المستقبل، وربما تكون الملحمة الوحيدة التي تحتوي التقاليد كان صادق التنبؤ بمستقبل الرواية التي اعتدت على عهدنا هذا، وقبل عهدنا هذا أيضا؛     الجنس الأدبي الأكثر مقروئية في العالم”.

فالرواية هي الفن المنفتح على المجتمع، بشكل خاص، نظرا لطبيعتها الراصدة التي تقوم وعيا خاصا للحياة، سواء أكان ذلك الوعي مرتبطا بلحظة راهنة أم ماضية، فسطوع الفن الروائي كان مرتبطا بسطوع البرجوازية، وقد غدت الرواية، في – إطار ذلك فن هذه الطبقة، حيث تبحث من خلاله عن إجابة لأسئلة متصلة بالجماعة وبالوعي الفردي، الذي لا ينفصل بالضرورة عن الوعي العام الذي ينتمي . إليه هذا الفرد[9].

      فالرواية بمفهوم سانت بوف هي فضاء واسع يتسع لممارسات فنية كثيرة، وغير محدودة، فهي تتسع للشعر، والنثر، والأسطورة، والخرافة، وأكثر من ذلك، وقد شبهها في قوله بالملحمة لاتساع مواضيعها وطولها، واحتوائها على الشعر أيضا، أما بالنسبة لقوله ملحمة المستقبل، فربما يقصد أنها ستصبح الجنس الأدبي الأكثر شهرة بين الأجناس الأدبية الأخرى، وهذا ما أكد عليه عبد الملك مرتاض في تعليقه على القول. وهو ما تؤكده الدراسات الحديثة، التي تذهب إلى كون الرواية الأكثر أهمية، وشهرة سواء من ناحية الشكل أو الموضوع، أو من ناحية المقروئية والاهتمام من قبل النقاد والدارسين.

أما بالنسبة لتعريف عادل ضرغام، فهو يذهب إلى كون الرواية فنا منفتحا على المجتمع، في كونها أقرب الفنون رصدا للظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية، فهي مرآة الواقع التي يبحث عنها القارئ، لكنها تأتي في قالب فني جمالي يستميل هذا القارئ، ويستولي على اعجابه واحساسه وشعوره بطريقة لطيفة.

      وهو ما ذهب إليه أحمد سيد محمد في كون الرواية قد شهدت في مسارها التاريخي عصورا ذهبية، خاصة في مطلع القرن العشرين، فظلت متفوقة على سائر الفنون الأدبية الأخرى، لكنها في الوقت الراهن أصيبت بنوع من الاسترخاء[10]. فهي بالتالي تحيا عصورا مختلفة، قد تشهد في مرحلة ما ازدهارا وانتشارا واسعا، كما قد نشهد انحطاطا وضعفا، في وقت آخر، وما جعل الرواية تشهد هذا الازدهار هو كونها بالإضافة إلى الفنون الأخرى هي الفن المنفتح على المجتمع بشكل خاص، نظرا لطبيعتها الراصدة، كما أشرنا سابقا. فقد حظيت الرواية ونقدها بعناية يعضدها تقدم هذا الجنس الأدبي على بقية الأجناس الأدبية. وقد تبوأت الرواية المكانة الأولى بوصفها ديوان العصر[11] .

أ- الرواية والملحمة:

     تشترك الرواية مع الملحمة في جملة من الخصائص والسمات، فهي تسرد أحداثا تسعى لأن تمثل الحقيقة، وتعكس مواقف الإنسان وتجسد ما في العالم، أو تجسد ولو القليل مما في هذا العالم فهي تشبه الملحمة لاتساعها لشخصيات وأحداث وأمكنة وأزمنة كثيرة، كما أنها طويلة نسبيا مقارنة بالملحمة. وتم تشبيه الرواية بالملحمة مرارا وتكرارا من قبل الأدباء والنقاد، لكن ما يميزها عنها كون الملحمة تكتب شعرا، بينما لغة الرواية هي النثر. لكن هذه السمة ما لبثت أن تلاشت مع سقوط المعايير والقوانين التي تفصل كل جنس أدبي عن الآخر، حيث أنه أصبح العديد من الكتاب، يمزجون في كتاباتهم بين الشعر والنثر فلا نفرق إن كان ديوانا شعريا أم رواية، كما أن الملحمة تعتمد في موضوعها العام على قصص خيالية، لا وجود لها على أرض الواقع ، تمجد أبطالا خرافيين، في حين أن الراوية هي بمثابة (شاشة حية) لتجسيد الصراع الاجتماعي والثقافي والايديولوجي، وهذا الأمر يدفعنا للإدراك أن الرواية لا تقتصر على تجسيد الواقع فحسب؛ وإنما هي موقف من هذا الواقع. كما أن الملحمة تمجد الأبطال فقط، وتهمل في مضمونها عامة الناس، في حين أن مضمون الرواية يبنى على واقع حياة كل طبقات المجتمع، “فلم تعد الفنون مقصورة على طبقة من الناس كما كان سابقا بل أصبح تذوقها في متناول الجماهير الغفيرة بكافة طبقاتها الكادحة….[12]

ب الرواية والشعر:

       من المعروف أن كلا منهما يمثل جنسا أدبيا مستقلا عن الآخر سواء من ناحية الشكل أو الأسلوب، أما فيما يخص التداخل بينهما فقد كان في البدء يكمن في توظيف اللغة الشعرية، باعتبار أن الرواية الجديدة قد تميزت “بقدرتها على التعامل مع اللغة تعاملا منتجا” . فالرواية الكبيرة الجميلة – كما يقول مرتاض شديدة الحرص على أن تكون لغة كتابتها مثقلة بالصور الشعرية الشفافة، لأن النثر، هو قبل كل شيء يمثل اللغة التي يتحدث الناس بها في حياتهم اليومية، ولا تريد الرواية أن تتدنى لغتها إلى هذه النثرية الفجة (المتبدلة)، فسعت إلى ترقية لغتها، حتى يمكن لها أن تتصنف في الأدبية. باعتبار أن “الشعرية خاصية لغوية في الابداع تكشف عن مدى قدرة المبدع على التعامل مع ا تعاملا انتاجيا”2. فلغة الشعر هي لغة راقية، لغة البديع والخيال، ورهافة الحس، فحولت بذلك الرواية من رتابة المألوف في لغتها إلى الغير مألوف، ولم تقتصر على اللغة الشعرية فحسب، وإنما تعدت ذلك إلى المزج في الرواية الواحدة بين الشعر والنثر. يقول في ذلك عبد الملك مرتاض: “هذا الجنس الأدبي الشعري، اللاشعري معا، والاجتماعي ،وللاجتماعي والواقعي والأسطوري جميعا. هذا الجنس المتغطرس المختال الذي طغى، في عهدنا هذا على جميع الأجناس الأدبية الأخرى”[13].

ج- الرواية والمسرحية:هي تشترك معها في خصائص معينة من حيث استلهامها لبعض لوحاتها الخشبية، وشخصياتها المهرجة، ولأن الرواية أيضا، شيء قريب من ذلك، لأن الرواية، في طور من أطوارها لا تستطيع أن تفلت من أهم ما تتميز به المسرحية، فأهم ما يميز الرواية هو : الشخصية، الزمان، الحيز، اللغة، الحدث، هذه العناصر تجعل الرواية على ارتباط وثيق بالمسرحية، فضلا عن كونها، قد أخذت عنها لغتها السوقية التي أصبحت من سمات المسرحية المعاصرة، وهي سماتها الفنية، وإنما أضافت عليها سيمات جديدة أخرى. ويقول عبد الملك مرتاض في هذا: “الرواية بهذا لم تتنازل عن طويلة الحجم، غنية بالعمل اللغوي، الذي يجمع بين اللغة الشعرية واللغة السوقية”.

د الرواية والفنون التشكيلية:

ما نجده ظاهرة بارزة في الروايات المعاصرة، هو تعبيرها عن سعة موضوعاته وثقافة كاتبها، من خلال معرفته لكم كبير من المعلومات سواء كانت أدبية، أو فنية قديمة أو حديثة، فهو من خلال روايته يحاول أن يستنفذ أقصى طاقته المعرفية والأدبية، لا لشيء إلا ليكسب إعجاب القارئ، فهو يمزج الرسم بالغناء والموسيقى وفن الباليه إن لم نقل قد تجاوز ذلك إلى الألعاب كرة القدم خاصة .

    فأصبح الروائي في سياق كتابته، يتذكر بعضا من أشهر الفنانين، الرسامين أو المصورين أو الممثلين، أو الشعراء ويقول في هذا الشأن عبد الله أبو هيف عن اللوحة والرواية: “من خلال متابعة مجموعة روايات تضمنت متونها بحثا  مسهبا عن أعمال فنية شهيرة، بل إن هذه الأعمال تشكل أساسا للرؤية بحيث يغدو مقدرا الوعي بالعمل الفني لب الرواية مما يساعد على إضفاء بعد آخر للشخصية داخل الرواية للكشف عن خفايا أعماقها.(فالروائي بعد هذا أن نرى) كما تقول فيرجينيا وولف، وعبر هذا التواصل مع الفن يشكل الكاتب رؤيته الخاصة”.[14]

     تلك أهم العلاقات بين الفنون الأدبية، بعضها ببعض ذكرناها باختصار شديد، ورغم التداخل الذي نجده بين هذه، الأجناس والفنون غير أنه يبقى دائما لكل منها، سيماته وخصائصه التي تميزه عن غيره من الفنون الأخرى، ومهما كان التداخل قائما بينها، غير أن هذا التداخل لا يعني الخلط، لمجرد التجربة أو مواكبة الحداثة فإذا خرجت الرواية سياق ما ذكرناه إلى شيء آخر لا معنی له، أصبحت فنا هجينا، ويبقى دائما الشكل الفني أساس هام في التفريق بين الألوان والأجناس الأدبية والفنية بصفة عامة.[15]

ثانيا: الرواية والفنون السمعية البصرية

1- مفهوم السمعي البصري:

      “هو جملة من العلامات اللغوية وغير اللغوية، لغوية متمثلة في الكلام الذي ينطق به الممثلون وغير اللغوية من أحاسيس وشحنات انفعالية مصاحبة لإلقاء النص المكتوب”[16]

والسمعي البصري هو عملية بعث اشارات بالصوت والصورة تنتقل إلى الحواس مباشرة لتؤثر في المتلقي. ومن أشهر أنواع السمعي البصري السينما والتلفزيون؛ هذا الأخير الذي يستحوذ على مشاهديه، فهو يسيطر على بصرهم من خلال تركيز الانتباه على صورة متحركة ناطقة متغيرة محصورة في إطار محدود[17].

2- علاقة الرواية بالسينما:

       نحاول التركيز من خلال هذه الدراسة على العلاقة القائمة بين الرواية والفنون السمعية البصرية من سينما وتلفزيون، فنحاول دراستها من مستوى متقارب من خلال عرضنا لعلاقتها بالسينما بما أننا خصصنا هذه الدراسة بشكل كبير لها، غير متناسين بذلك التلفزيون، وإنما بعد السينما مقاربة للتلفزيون في طريقة التأثير والتأثر، بغض النظر عن ما يوجد من اختلاف في الوقت، وطريقة التصوير، وطريقة العرض. “وقد أثيرت قضية العلاقات بين الفنون في أواخر الستينات. ولاسيما العلاقة بين الرواية والسينما… برز ذلك مع نزوعات التحديث الأدبي نحو اختراق التقاليد القائمة لهذا الجنس الأدبي أو ذاك “3 . فالعلاقة بين الفيلم والرواية ترجع إلى سنوات بعيدة، تمتد تقريبا إلى تاريخ السينما منذ نشأتها فقد تشكلت تلك العلاقة بصور مختلفة مع مرور الزمن، وقضية تحديد العلاقة بين الرواية والسينما ليس بالأمر الهين، فنحن نجد أن لكل فن منهما طريقة كتابته الشخصية وخصائصه البنيوية، التي تجعله مستقلا بذاته أمام الفنون الأخرى وتميزه عن غيره من الأجناس، وقد تناول الكثير من نقاد السينما ومؤرخيها هذا الإشكال، في وقت مبكر من تاريخها كما كتب الكثير فيها، حتى من خارج هذا التخصص، وربما تميزت علاقة السينما بالرواية بشكل خاص في كونها “اقتبست منها العديد من الروايات منذ بداياتها الأولى ففي النصف الثاني من القرن العشرين لا نلفي جنسا أدبيا أحظى لدى القراء بالقراءة والمتابعة والنقد، كجنس الرواية، وقد ظاهرها على تحقيق هذه المكانة الأدبية الممتازة، أن كثيرا من الإبداعات الروائية تحول اليوم إلى أفلام سينمائية يشاهدها ملايين النظارة، في معظم أقطار العالم، مما جعل أفكار الروائيين تصل القراء من أكثر من طريق وترد عليهم في عقر دارهم من أكثر من وسيلة إعلامية”[18].

فالأفلام التي اقتبست عن أعمال روائية، أو مسرحية، أو قصصية اكتسبت قيمة خاصة، وتحظى عادة باحترام مسبق. جهد الأديب، بناءه الفني، خياله المبدع، أسلوبه الممتع جميعها عناصر تضيف ميزات إلى الفيلم السينمائي أن نلغي نجاح العديد من الأفلام التي كتبت كسيناريو مباشرة، دون أن تعتمد على

المستلهم من الأدب، وهذا لا يعني أثر أدبي، لكن شهرة الأدب تجتذب مزيدا من الناس لمشاهدة العمل الفني، ومقارنته بالأصل الأدبي.

       في أحيان قليلة يخرج العمل السينمائي تحفة نادرة تزيد الأصل جمالا على جمال، وعمقا على عمق، وفي أحيان أخرى يبقى للعمل الأدبي سحره الذي لا يضاهى ، ويبقى العمل السينمائي مجرد تفسير وتجسيد معين لكنه ليس نهائيا، ولا شك أن اقتباس الرواية الأدبية أو المسرحية للسينما أو للتلفزيون أمر محمود، لأن الاستناد إلى قصة قوية دراميا، وإلى نص أدبي ذي بناء متماسك، وإلى شخصيات انسانية مقنعة في صراع وتفاعل، تسهم جميعا في إعطاء العمل الفني قيمة وعمقا أكبر، ولكن مقابل ذلك لابد من الاعتراف بأن كثيرا من الأعمال الفنية العربية والأجنبية تخرج مخيبة للآمال بعض الشيء[19]. “وبالرغم من ظهور السيناريو كنص مكتوب للسينما، إلا أن هذه العلاقة مهيأة للاستمرار وتحمل معها أسباب ديمومتها، لاعتبارات التلاقي بين كل من الرواية والفيلم، ثم بسبب كون السينما فنا يشكل ملتقى لكل الفنون الأخرى، بما فيها فن الرواية، ولكن هذه العلاقة ظلت تطرح معها اشكالاتها الفنية والنقدية وتمتد الاشكالات الفنية لتشمل التقنية كذلك، أي تقنية الرواية والفيلم وتكثر التساؤلات حول الكلمة المكتوبة والكاميرا، الأدب والمعادل السينمائي، وظهرت جراء ذلك مصطلحات جديدة”[20].

   يقول ستيفن أولمان:”يوجد صورتان للكلمة، منطوقة ومكتوبة، وإلى جانب الانطباعات الصوتية المختلفة، التي تتركها الكلمة المنطوقة يجب أن تضاف الصورة البصرية لشكلها المكتوب، كما تضاف لها مجموعة أخرى من انطباعات الحركة”[21].

   نقصد بهذه الهيمنة استعارة بعض المفاهيم الأدبية والأسلوبية، في بنية العمل الفيلمي، وبشكل أدق منطقها الذهني في خلق صور متخيلة ومفترضة عند المتلقي، للحصول على الصورة النهائية، وبعث الايحاءات المحفزة لذاكرة. المتلقي، بنية مسبقة من الكاتب هذا بالنسبة للرواية، وفي المقابل استخدمت الراوية بعضا من التقنيات السينمائية الحديثة، التي استفاد منها الروائي المعاصر في بنائه للنص السردي، “ومرجعه في ذلك قدرة السينما على تصوير حضور الموضوع الخارجي، دون أية تضمينات انسانية وكان جريبه المنظر والمبدع لبداية الرواية الجديدة له علاقة بالسينما، فكتب سيناريوهات لكثير من الأفلام وقاموسه (الروائي) مملوء بتعبيرات مثل: shots montage close up flash back، وكان يفتح رواياته بمناظر أشبه باللقطات السينمائية وكتب رواية العام الماضي في مارينباد (last year at Marinbad) وهي من نوع ما يسميه بالرواية السينمائية لاعتمادها على التكنيك السينمائي”[22]

      وربما يعود هذا الاختلاف في استخدام الأساليب إلى كون الانسان في عصرنا هذا ضجر بتلك التقنيات الكلاسيكية للكتابة الروائية ونفر منها نفورا، واستمر طعمها. فبالرغم من كونها ذات لغة راقية غير أن هذه اللغة لم تحقق ما يبتغيه المتلقي بصورة كاملة، فحاولت التجديد من أسلوبها،[23] ربما كان هذا الاستخدام قديما، عند الكتاب العرب لكن التنبه لهذه الظاهرة نجده قد ساد بشكل كبير في عصرنا هذا، ربما لظهور وسائل تعبير واتصال أدت بالرواية إلى محاولة التطور من شكلها حتى تصبح في مستوى الوسائل والفنون الأخرى، والعودة لمكانتها السابقة. لكن السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا، هل العلاقة بين الرواية والسمعي البصري والسينما تحديدا، هي مجرد علاقة اقتباس؟ هل تأخذ منها نصوصا وفقط؟ تجدر الإشارة إلى أن هذه العلاقة لا تنحصر في هذا الجانب، وأية نظرة ترى العلاقة في هذه الحدود هي نظرة متخلفة تماما، فهي علاقة فيها التقاء وفيها اختلاف علاقة تحتم معها صيغا للتأثير وبالتالي فالمنهج المقارن بين لغتي هاتين الوسيلتين التعبيريتين، يجب أن بالكشف عن الخصائص الفنية التي تتمتع بها الرواية كنص مكتوب (ما أشرنا إليه سابقا) وما يراد منها في السينما كأداة ( سمعية بصرية ) وإذا ما حدث مثل هذا، فإن الروائي، أمام حالة يقتني فيها أسلوبه، باستخدام جماليات السينما وما فيها من ايجاز، وسرعة الحركة،المتبادل،والمشاهد والتصوير.

استخدام التقنيات السينمائية في الرواية:

   لما كانت أعراف الرواية تتغير في ضوء المفاهيم المتغيرة للطبيعة الإنسانية، والمشكلات الإنسانية، والعلاقات الإنسانية، فإن الروائيين المختلفين في الفترات المختلفة عمدوا إلى أدوات وأساليب مخالفة عن تلك التي كانت، للتعبير عن نظرتهم الجديدة، وهذه الأساليب كثيرا ما تنم عن شبه ملحوظ بتلك المستخدمة في الفنون الزمنية الأخرى كالموسيقى والأفلام وليس من السهل أن نستشف دائما الأساليب المستعارة على عمد من تلك التي نشأت بصورة طبيعية من المبادئ المشتركة التي يمكن الاستدلال عليها من مشابهة معينة في الوسائط، غير أن ثمة شك في أن كثيرا من الروائيين قد استخدموا عن وعي أساليب الأفلام بنفس الطريقة التي انتحلت بها القصص الرومانسية والروايات القديمة جماليات وأساليب الملحمة والمسرحية[24]. ولعل تهاوي الحواجز الفاصلة بين أنواع الفنون هو ما أدى إلى مثل هذا، من أهم هذه التقنيات والأدوات المشتركة بين الأفلام الروايات:

ثالثا: الرواية المكتوبة والمرئية

1- الجدل بين المكتوب والمرئي:

     يكمن الجدل القائم بين النص المكتوب والشفهي (المرئي) في كونهما نصين لنص واحد، أو وجهين لنص واحد، ويكمن هذا الصراع بين ثقافة الكلمة وبلاغتها الشفهية،    وثقافة الصورة، ومعنى ذلك الفارق بين حاسة الاتصال اللغوي؛ الأذن وحاسة الاتصال الصوري؛ العين، وقد فرق بينها بارت على أساس التفرقة بين الأعمال الأدبية والتقليدية كالرواية الكلاسيكية، وبين أعمال القرن العشرين، فالمكتوب يعتمد أساسا على ما يشترك فيه الكاتب والقارئ من أعراف ومن ثم فالمعنى متجمد فيها نسبيا ومغلق”[25].

أما المقروء: فالقارئ فيها يبادر إلى كتابة النص بنفسه بمعنى انتاجه فالصوت بالتالي حياة وجود، وحضور والكتابة موت وعدم وغياب.” فلأشياء موجودة لأننا نراها، أما ماذا نرى وكيف نرى فذلك يتوقف على الفنون التي أثرت فينا. إن النظر إلى شيء ما يختلف على مشاهدة ذلك الشيء فالإنسان لا يبصر شيئا إلا إذا شهد جماله”[26] فاللهجة الشعرية التي تؤدى لها وقع خاص في المركز الحسية من الدماغ سواء كانت عن طريق السمع أم عن طريق البصر.

“فالنص لم يعد فقط في شكله التعبيري المعهود، بل أصبح نصا مبثوثا مرسلا بالصوت والضوء والحركة باتجاه أن يكون له سطوة علينا فقد تطورت وسائل البث وتقنيات انتاج النصوص” . فنحن نجد صورتين للكلمة: منطوقة ومكتوبة وإلى جانب الانطباعات الصوتية المختلفة التي تتركها الكلمة المنطوقة، يجب أن تضاف الصورة البصرية لشكلها المكتوب كما تضاف لها مجموعة أخرى من انطباعات الحركة فالنص المكتوب يشمل على التصوير والتعبير يخبر ويعبر ما يقتضيه الاخبار عن الأشياء الخارجية وتصويرها من تقنيات غير ما يقتضيه التعبير عن الاحساس بالشيء وتبليغه، لكن مع ذلك تبقى الكتابة هي الشكل الخارجي المرئي منفردا يشارك الكاتب، بواسطة الحروف الصامتة، همومه وأفكاره، يتعاطف معه أو يتخذ موقفا مغايرا له، فنحن بهذا المعنى نسمع الكاتب بأبصارنا، أما الشكل في النص المرئي فهو ينطلق من الكلمة ليصير صورة حية وصوتا مسموع عا. فالكلمة في العمل السينمائي منذ وضعها الأول تولد بصيرورتها وتحولها، فهي قد كتبت لتصير ألوانا مرئية حية في إطارها الزماني وفي مجالها المكاني، كتبت لتصير أصواتا مسموعة، كتبت لتنسلخ عن الفردية لتلتحق بالجماعة، لتستقطب المضامين والجماليات التي يمنحها إياها المخرج[27]

    والمصور ومهندس الصوت وصناع الديكور ومركب الشريط، فالكلمة المكتوبة ينشئها الفرد ويقرأها الفرد. في حين أن الكلمة السينمائية تؤلفها جماعة ويقرأها الجميع .[28]

    فالأشكال الأدبية أحرزت كينونتها الخاصة المستقلة وتأصلت بفعل القراءة، أي عبر العلاقة المباشرة بين الكاتب والقارئ، والأدوات الرئيسية هنا المرئي هي اللغة بكل تقنياتها ودلالاتها ومجازاتها، فبواسطة اللغة يتحقق الاتصال والتفاعل والتأثير، فهي الطاقة التي يستخدمها الكاتب للتعبير، ويستخدمها بدوره القارئ للتأويل والتحليل، أما بالنسبة للنص فالعلاقة تتم مباشرة بين المتفرج والفيلم المعروض أو المسلسل، أي على المستوى السمعي والبصري بالتالي فإن اللغة هنا تفقد تقريبا تلك الأهمية، ولا تمتلك الوظيفة ذاتها للتأثير في المشاهد، مع هيمنة الصورة والصوت والحوار، والمؤثرات السمعية والبصرية. “فهي تستحوذ على الاعجاب بالتوجه إلى الحواس مباشرة دون حاجة إلى فترة للتأمل والتفكير في حين أن الأدب يعتمد كليا على واسطة رمزية تقف بين المشاهد والشيء المشاهد، الممثل بالرمز”. فاللغة الأدبية تقوم على الحروف والكلمات أما السينما فسمعية بصرية – إذا تحدثنا عن السمعي البصري فنحن كما سبق وأن أشرنا نقصد السينما والتلفزيون تعتمد على الكاميرا والاضاءة والصوت والموسيقى والالوان والملابس والمونتاج، في تمديد وإثراء وتعميق المنظور أو المادة. والفارق الأساسي بينهما يكمن في الطريقة التي بها يتم انتاج الصورة في كلا الوسطين وكيفية استقبالها فالسينما تقدم صورا متتابعة تفرض نفسها على المتفرج بماديتها وليس بلجوئها إلى أما بالنسبة للنص المكتوب فالقارئ لا يكتفي بالقراءة فحسب بل يذهب إلى قراءة ما بين السطور، باعتماده على نشاطه التخيلي وحكمه الخاص. والصراع القائم بينهما المسؤول الأول عنه هو النقد، …لقد فصل أرسطو النص الدرامي المكتوب عن العرض المسرحي المرئي والمسموع ووضعه في مرتبة أعلى باعتباره أدبا يقرأه المثقفون في العاجية، ويتأملونه في عزلة هادئة بعيدا عن صخب الحياة وفي مأمن من مخالطة العامة”[29]

        فالمؤلف الأدبي اللغوي عند أرسطو مكتمل في ذاته لا يحتاج شيئا آخر خارجه، وقد جعله بذلك في مرتبة عليا بعيدا عن الفنون الأخرى كونه أدب موضوع للمثقفين في أبراجهم العاجية، ونحن نجد وجهات نظر مختلفة بالنسبة للعديد من النقاد والكتاب والمخرجين؛ فنجد على سبيل المثال أن رأي المخرج الكاتب: [30]علي غانم يختلف فالأدب عنده هو ظاهرة انفراد وانطواء، فعندما أكتب أكون وحيدا ، وكذا عندما ينكب القارئ على الاطلاع على ما كتبت يكون وحيدا، أما السينما بالنسبة له فهي ظاهرة عجيبة لأننا نتعامل بواسطتها مع الجمهور، مع الناس، وبذات الوقت فالسينما ظاهرة حية لأننا عندما نصور فيلما نكون أمام ممثلين يواصلون رغباتنا وأحاسيسنا، فالسينما مرتبطة بالحياة.

        ومع هذا الجدل المحتدم بين الصورة الكتابية والصورة المرئية، ومع وجود هذا القدر من الاشكال، غير أن الروائي عبد الحميد بن هدوقة يرى في العلاقة بين الأدب والسينما علاقة غائية مستقبلية، كل منها يحاول بوسائله الخاصة تغيير واقع معاش إلى واقع متصور، وفي هذه العلاقة الغائية نجد الكثير من الأشياء المشتركة، بينهما فالتعبير يعني الاحساس بالشيء، يعني التصور الفرداني المنسجم لما يحسه الكاتب والفنان إزاء واقع معين. والتبليغ يعني القارئ بالنسبة للكاتب، والمشاهد بالنسبة للفنان السينمائي، وهذا الفرق المذهل من وجهة نظره يجعل المرء يتساءل؛ ما قيمة الكتاب إذن إذا كان لا يتجه إلا إلى المثقفين المتعلمين، يتجه إليهم فرادى لا جماعات؟ كيف استطاع الكتاب رغم ذلك أن يقف شامخا كأداة ثقافية ممتازة، وسط هذه التحويلات الجدرية المذهلة للتعبير والتبليغ؟2. فعلى الرغم من كون السينما تجتهد في مجاوزة الرواية والتفوق عليها فقد كان يعتقد في أول ظهور للسينما أن مستقبل الكتاب مهدد، ولكن السينما تبوأت مكانتها كما يقول مرتاض- “من حيث لم يفقد الكتاب من مكانته قيد أنملة، بل ربما ازدادت هذه المكانة تمكنا وتحصحصا. فالأدب السردي يجب أن يظل راقيا ما أمكن، وذلك على الرغم من جماهيرية الرواية التي ربما يطبع من العنوان الروائي الواحد الناجح في بعض العواصم الغربية ملايين النسخ[31] “”. والسؤال الأهم لتحديد هذا الجدل هو كما تفضل عادل ضرغام: ماذا تفعل فينا الرواية ليكون لها ذلك الحضور الطاغي، وذلك الإحساس المبهم الذي لا يستطيع القارئ تبريره أو تحديد أسبابه؟ وهو ما سنتطرق إليه في العنصر الموالي من وقع تأثير النص المكتوب والمرئي على المتلقي، مع عدم التركيز على تأثير النص المكتوب، لأنه قد سبق وتناولناه في جمالية التلقي، فقد نحاول تبرير الجدل من خلال رد فعل المتلقي. [32]

2- المتلقي وعلاقته بالنص المكتوب والمرئي:

     “يعد عنوان أي عمل أدبي مقومات الجمالية والفنية التي تستطيع أن تكشف عن مدى تمكن المبدع من موضوعه.. بل من الأسس المؤثرة في إحداث المتعة والجمال واللذة لذة القراءة والاستمتاع بها، فعنوان العمل صناعة احترافية اتقانها”4 على المبدع باعتبار أنه عتبة النص أو النافذة التي يطل منها على النص وهو المفتاح الذي يفتح ويدخل من خلاله القارئ إلى النص، وهو وسيلة جذب القارئ إلى النص، التي قد تشجعه على القراءة والاطلاع عليه. وعلى

    المستوى العام، يلاحظ أن النص بما فيه من دلالة فنية يمكن أن يضيف إلى وعي الجماهير قوى جوهرية، تأثيرية تتحكم في موقف القارئ، وقد تؤثر هذه الأعمال الأدبية إما بالسلب أو الايجاب ومن مثال ذلك التأثير الذي قد يستغربه الكثيرون هو تأثر جمال عبد الناصر برواية (عودة الروح) لتوفيق الحكيم في احداث الانقلاب السياسي على الأوضاع السياسية، والاجتماعية والمعيشية التي كانت تسود مصر في عهد الملك فاروق، كذلك نص رواية (الكرنك) لنجيب محفوظ التي أحدثت بلبلة سياسية خاصة بعد أن حولت إلى فيلم حاولت إلى تقريب صورة الظروف المعيشية للمشاهد المصري بكل العناصر السينمائية لأحداث التأثير المطلوب[33].

       ولأحداث مثل هذا الأثر يتعين على الكاتب أن ينمي احساس القارئ، ويعرف كيف يؤثر فيه من خلال التوتر واللهفة إلى مواصلة القراءة، بتغيير سرعة الأحداث وترتيبها، واعتماده على أدوات زمنية متعددة. فمحك نجاح الرواية كما سبق وأن أشرنا هو قدرتها على إثارة شعور بالحضور في تلك الحقيقة ومعها. وقيمة الرواية تقدر أولا بدرجة شعور القارئ المميز بأن العمل كله رمز لشيء أوسع وأعمق من القيمة الفعلية لشيء يثير فيه أصداء تكسب المشكلة الانسانية التي عالجتها الرواية معنى. عاما شاملا[34]

فنحن بهذا لا ننكر ما للكلمات المكتوبة من وقع في نفوس القراء، ومالها من تأثير، على أفكارهم وسلوكهم وآرائهم فهي تطبع في نفوسهم شعورا بالتألق مع مضمونها ومحتواها، بأسلوبها الشعري الراقي والأنيق، الذي يعتبر سلاحا ذو حدين، حده الأول يكمن في تأثير موضوعاته الايجابية، أما الثاني فهو سهولة نفوذ الموضوعات السلبية إلى عقول وقلوب القراء بطريقة سلسة وجذابة: ” فالكلمات تتداخل مع الأفكار وترتبط بها ارتباطا وثيقا، فهي بالتالي تؤثر عليها تأثيرا كبيرا”. لكن مادام هذا التأثير قائما فما هو الدافع وراء انصراف عديد من القراء عن قراءة الكتاب؟.[35]

      خاتمة:

   من خلال ما سبق نجد أن الرواية قد انفتحت على الكثير من الفنون الأخرى، وكان من أبرز تلك الفنون فن السينما والتلفزيون، ومن خلال التداخل بين هذين اللونين ظهر فن جمالي جديد مزج بين متعة الكتابة وجمالية الصورة والصوت. وهذا التمازج أدى إلى نوع من التأثير المتميز لدى المتلقي، من خلال استخدام بعض التقنيات السينمائية في الرواية، واستخدام الرواية كعنصر أساسي في السينما والتلفزيون، فقد استفادت الرواية من السينما والتلفزيون، كما استفاد التلفزيون والسينما من الرواية، ومحك نجاح كل منهما هو مدى قوة تأثيره على المتلقي. فنجد أن الكثير من النصوص المكتوبة قد ساعدت كثيرا في تعميق الفكر السينمائي، والارتفاع به إلى مستويات عليا، وعلى العكس من ذلك إذ نجد أن ثمة نصوصا عظيمة، لكنها في الاخراج شوهت تشويها. ويعود هذا إلى عملية الاقتباس القابل للمد أو البسط، بمعنى الاضافة التي قد تجعل من النص المقتبس يبتعد بشكل ملحوظ عن النص الأصلي، بل يحدث أن يتناقض معه.

هوامش المقال: 

[1]  عبد الله أبو هيف، النقد والتحليل الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد، ص ص 138، 139.

[2]   شفيق البقاعي، الأنواع الأدبية مذاهب ومدارس ) في الأدب المقارن )، ص 190

[3]  المرجع ننفسه، ص ص193،192

[4]  عبد الله أبو هيف النقد والتحليل الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد، ص 137.

[5]  : المرجع السابق، ص ص 138، 139، نقلا عن نعيم اليافي، الشعر بين الفنون الجميلة، المكتبة الثقافية، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1968، ص 94،93.

[6]  أحمد سيد محمد، الرواية الانسيابية وتأثيرها . عند الروائيين العرب ) محمد ديب نجيب محفوظ )، ص119.

[7]   شفيق البقاعي، الأنواع الأدبية مذاهب ومدارس ) في الأدب المقارن )، ص185

[8]  عبد الله أبو هيف النقد والتحليل الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد، ص46،45. نقلا عن، عبد الرحمن مجيد الرب، سومر إلى قرطاج قراءات في الأدب العربي المغاربي، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة، تونس، 1997، ص235.

[9] عادل ضرغام، في السرد الروائي، ص17.

[10] أحمد سيد محمد، الرواية الانسيابية وتأثيرها عند الروائيين العرب (محمد ديب نجيب محفوظ )، ص34.

[11] عبد الله أبو هيف، النقد والتحليل الأدبي العربي ا الجديد في القصة والرواية والسرد، ص35.

[12]  عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، ص12.

[13] عبد الملك مرتاض في نظرية الرواية، ص12. محمد تحريشي في الرواية والقصة والمسرح، ص136.

[14] عبد الله أبو هيف، النقد والتحليل الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد، ص33.

[15]  أحمد سيد محمد، الرواية الانسيابية وتأثيرها عند الروائيين العرب محمد ديب نجيب محفوظ)، ص77.

[16] : محمد الصفراني التشكيل البصري في الشعر العربي ا الحديث (1950-2004)، المركز الثقافي العربي النادي الأدبي بالرياض، بيروت، ط1، 2008، ص 16.

[17]  فتح الباب عبد الحليم سيد ابراهيم ميخائيل حفظ الله، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1963، ص14. عبد الله أبو هيف النقد والتحليل الأدبي العربي الجديد في القصة والرواية والسرد، ص130.

[18] عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، ص27.

[19]  رياض عصمت السينما والأدب، على الموقع الإلكتروني: www.afak. cinemasy.com – بتاريخ: 2012/04/02، الساعة 20:00.

[20]  يوسف يوسف الرواية والفيلم : نماذج وتطبيقات على الموقع الإلكتروني: www.startimes.com ، نقلا عن، لودي دي جاينتي، في السينما، تر: جعفر علي دار الرشيد للنشر، بغداد، ص ص 48، 493، بتاريخ: 2012/04/02، الساعة: 20:00

[21]:. ستيفن أولمان، دور ا الكلمة في اللغة تر: كمال محمد بشير مكتبة الشباب، القاهرة، 1975، ص 43.

[22] . عدالة أحمد محمد ابراهيم الجديد في السرد العربي المعاصر، ص247

[23]  عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، ص50.

[24]   أ. أ مندولا ، الزمن والرواية ، ص.66

[25]  راجع: السيد ابراهيم، نظرية الرواية دراسة لمناهج النقد الأدبي في معالجة فن القصة، ص213.

[26]  – محمد الصفراني، التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث (1950- 2004)، ص ص 14،6.

[27]   شفيق الباقعي، الأنواع الأدبية مذاهب ومدارس (في الأدب المقارن)، ص219 3: يمنى العيد، الراوي: الموقع والشكل بحث في السرد الروائي، ص19.

[28]  خلفة بن عيسى الرواية السينمائية: استجواب مع مجموعة من المبدعين، ص ص 11،10. –

[29]  أ. أ مندولا، الزمن والرواية، ص268.

[30]  صليحة، المسرح بين النص والعرض، ص ص 14،13.

[31] خلفة بن عيسى الرواية والرواية السينمائية: استجوا 2 المرجع : نفسه، ص ص 12،11.

[32]  عبد الملك مرتاض في نظرية الرواية، ص256. 4 محمد تحريشي، في الرواية والقصة والمسر ص 138 ، 139.

[33] مصطفى عبد الغني، الاتجاه القومي في الرواية، ص 12.

[34]  أ. أ مندولا الزمن والرواية، ص ص 270،65.

[35]  . ستيفن أولمان، دور الكلمة في اللغة، ص197.

* جامعة عبد الحميد ابن باديس، الجزائر 

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of