+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

نظريات السيد محمد الرابع الحسني الندوي لحلّ قضايا المجتمع المعاصر من خلال أعماله الأدبية العربية
محمد عرفات عبيد الله الحسنوي

المقدمة:

إن مما لا يزال يجري في مجتمعنا هذا المعاصر كثير من القضايا المختلفة المرتبطة بالعنصريات والإرهابيات الدينية والقومية والعصبية المتنوعة، فلا يزال يسيطر على العالم هذه الأحوال على ممرّ الدهور وكرّ الأيام، ولكن لكل مشاكل حلولها ولكل قضايا إطفاؤها كما لكل أدواء أدويتها.

وقد ساهم الحكماء والأدباء كثيرا في هذا المجال عبر مصنفاتهم ومقالاتهم وأشاروا فيها إلى حلول المشاكل والقضايا التي تقع في مجتمعاتهم، وقد شارك فيها في كل عصر علماءه وأدباءه كما عامل فيها الإمام المجدد الألف الثاني أحمد السرهندي و تلميذه الإمام الهمام شاه ولي الله الدهلوي اللذان قاما بمدافعة الدين الإسلامي من كل ضلالات عصره كدينِ إلاهي للسلطان المغولي أكبر ونحو ذلك من مشاكل الوطن التي قاما فيه بدفاع المستعمرين البريطانيين وما إليها للمثال.

دور الأدب العربي في حلول القضايا

فالأدباء في كل عصر أدّوا حقوقهم على المجتمع بمساهمات مصنفاتهم الغالية وكتاباتهم العالية، فالأدب هو التهذيب كما استعمل لفظ”الأدب” في أوائل القرون الإسلامية في معناه، فتصفية المجتمع يتمكن بتأديب القوم، وذلك في الأعمال الأدبية أبلغ، وقد عامل كثير من الأدباء في مصالح مجتمعاتهم وأنفقوا أقلامهم النفيسة لخدمة الدين والسلام العالمي والاجتماعي بين الأقوام في العالم.

السيد محمد الرابع الحسني الندوي ومصنفاته في هذا المجال

إن للسيد الأستاذ محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله  مصنفات مشهورة في مجال المصالح الاجتماعية، وقد اعتنى الشيخ رحمه الله بإقامة الأمن والسلام في الناس خصوصا في شبه القارة الهندية، وله أربعة كتب مشهورة تعتني بحق الإصلاح وجاجية إقامة السلام فيما بين الناس من مختلف الأديان والأقوام والمنظمات الاجتماعية، فهي:

ا) مقالات في التربية والمجتمع

ب) وقيمة الأمة الإسلامية، منجزاتها وواقعها المعاصر

ج) والعالم الإسلامي اليوم قضايا وحلول

د) والمجتمع الإسلامي في ضوء سورة  الحجرات

فهذه درر غالية قد نسّقها السيد الندوي رحمه الله في سياق عجيب يجلب القراء بحسن سردها ونضارة تناولها واتجاهاتها المختلفة، وسنورد نبذة من يسير تفاصيل مضامين هذه الكتب الأربعة ضمن فصول وعناوين مقتصرة.

ما هي عناصر المصالح الاجتماعية؟

إن الأفراد كما بيّن السيد الندوي رحمه الله في كتاب مقالات في التربية والمجتمع، يتكون منهم المجتمع بجمعهم تحت إطار وحدة الأفكار والمشاعر، فالمجتمع في مصطلح علم النفس يطلق على المجموعات البشرية التي تجمعها وتعمل فيها الوحدة الفكرية بعواملها المختلفة، وللاجتماع البشري فوائد عديدة منها تيسير أداء أعمال القوم بحكم التعاون والتظافر، لأن الإنسان لا يستطيع بمفرده إحراز مطالبه كما يحب هو، فهو المراد في قول الفيلسوف اليوناني أرسطاطاليس:”الإنسان حيوان اشتراكي طبيعيةً”[1]، فلا تنال له الحياة السعيدة في حالة انفراده وانفصاله عن المجتمع.

ومنها أن الوحدة الاجتماعية تمنح الأفراد قوة خارقة وطاقة هائلة، فالأعمال التي يعجز الأفراد عن القيام بها منفردين يحققها المجتمع بسهولة، ومنها أيضا تحدد مكانة الفرد ووظيفته، فإن كان فردا يعمل في نطاق محدود حسب قدرته وكفايته ومع ذلك يشعر ثمار أعمال المجتمع بمشاركته في الأعمال الاجتماعية، وهذا ما رأيناه في الانقلاب الفرنسي عام 1789 بحيث اجتمع أفراد القوم من كل ناحية شبانهم وصغارهم وكبارهم ونساءهم على خلاف السيطرة المستبدة تجت سلطنة تزار، فنجحوا ونالوا ما لا ينال المنفرد إذا سعى واجتهد لذلك فاستطاعوا بوحدتهم الجماعية فقط، فلا يكون لأي ظالم قرار ولأي عامل فرار،  وقد قال الشيخ رحمه الله مؤكدا أن هذه الطبيعة الاجتماعية عاطفيّة.

وإن الطبيعة الاجتماعية عاطفية وهي تتميز بسماتها وخصائصها، ولها عناصر أيضا من مختلف الأنواع منها ارتباط المجتمع بمعتقداته، والمجتمع يتمسك بمعتقداته ويعض عليها بالنواجذ، ولا يسمع لأي إحداث وتغيير، بل يعارض كل مقابل له بكل طاقته، وهذا ما رأيناه وتلوناه في القرآن من قصص دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكلهم قد واجهوا معارضة شديدة من أقوامهم ومقاومة حارة  من مجتمعاتهم ويقولون:”ما ألفينا عليه آباءنا”[2]، وعلق القرآن على ذلك بقوله “وإن كان آباءهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون”[3]، فالقرآن شاهد على سمات المجتمع ووحدة أفكارهم وقوتهم إذا كانوا في مجتمع قوي، فلكل مجتمع معيّن أوضاع مشتركة للطبيعة الجماعية الإسلامية، فهي الوجدان، هو حال مخصوص بحيث يضعف العقل في الوحدة الاجتماعية ويغلبها وضع شبه شعوري ويتقوى فيه الخيال والوجدان، ويتحكم فيها حب الغلو والمبالغة، وذلك في أي جهة كان خيرا أو شرا.

ومنها العاطفية فهي قوة أساسية للوحدة من العصبية والقومية،  وكل أفراد المجتمع يخضعون لذلك المجتمع، ويثورون بالخطابات العاطفية كذلك، ومنها حب الجدة والطرافة فهما صفتا حاكم وقائد يلجأ إلى اختيار الألوان المتجددة والأنحاء المتطرفة، لأن المجتمع لا يستقر على الرضا بلون واحد لمدة طويلة، ومنها تدهور المعايير الخلقية، فلا يرجى منها المستوى الخلقي الذي يردى من الأفراد.

ميزات مقوّمات المجتمع

لكل مجتمع مقوماته ولكل قوم تقاليدهم، فهي الدين والقومية والتقاليد الموروثة والتنظيم والحياة الاجتماعية ونظام التعليم والتربية، فالدين هو أقوى المقومات للمجتمع تأثيرا ونتيجة، وقد لعبت التأثيرات الدينية دورا بارزا ملموسا في تكوين المجتمعات وصيانتها، والسبب هو أن الدين يخاطب قلوب الناس وهم إذا اقتنعوا به فلا تأثير عليهم للعقل.

ومنها القومية، هي تقوم على أساس فكرة مشتركة منبثقة من الوحدة الاجتماعية واللغوية والثقافية، ومنها التقاليد الموروثة، هي تحمل آثارا بعيدة المدى في الحياة، وتنتقل هذه التقاليد جيلا بعد جيل ويحبها المجتمع حبا رائدا ويعض عليها بنواجذهم، وقد يقوم في سببها بتضحيات كبيرة، ومنها التنظيم والحياة الاجتماعية، وهو مجال يستطيع فيه للتنظيم ما لا يستطيع للحكومة فيه وما إليها.

حاجيّة الوسطية في هذا العصر

ولما ننظر إلى مجال الوسطية وحاجيته في هذا العصر، نفهم كما وضحه السيد الندوي رحمه الله في كتابه قيمة الأمة الإسلامية، منجزاتها وواقعها المعاصر، أنها عنصر من عناصر المقومات الاجتماعية لتنمية الأخوة المعاونة والسلام بين المجتمع المعاصر، فمعنى الوسطية لغة كما بينه الشيخ الندوي رحمه الله تحمل معاني الحسن والكمال والتوسط والاعتدال، فقد ورد في كتاب المفردات لغريب القرآن للراغب الأصفهاني في معنى كلمة الوسط، هو وسط الشيء، ما له طرفان متساويا القدر، والوسط تارة يقال فيما له طرفان مذمومان، يقال: هذا أوسطهم حسبا، إذا كان في واسطة قومة وأرفعهم محلا، وكالجود الذي هو بين البخل والشرف، فيستعمل استعمال القصد المصون عن الإفراط والتفريط، فيمدح به، نحو السواء والعدل والإنصاف، نحو قوله تعالى: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا”[4] ونحو ذلك، فلا يكون أي إرهاب وأي إفراط من المؤمنين المتوسطين، وهم يشتاقون السلام والراحة للمسلمين خاصة وللجميع عامة في تعايشهم ومعاملاتهم مع غير المسلمين في مكثهم في بلد يملكها المشركون، فلا بد لكل مسلم وسطي الفكر والعمل ويرعى المساواة والسلام في كل أحيان من أنحاء حياته القصيرة في هذا العصر الراهن، وهذا ما نشاهده الآن في بلادنا الهند من حيث اشتراك المجتمع معا في مقاتلة استقلال الهند ودعمهم حكام الهند معا بدون أي تفرقة بين الدين والشعوب خلاف المستعمرين البريطانيين.

إشكالية العصبية في المجتمع

إن العصبية الدينية مسببة لعديد من التفريعات في المجتمع، وتلك موجودة في أكثر الأديان، ومثال ذلك ما نراه في حياة الغرب المسيحي إبراز شكل صليب في العمارات وفي المظاهر المدنية والثقافية المختلفة، وهي التي يشدد في استعمالها المدنيّون وتركها يعدّ من سوء الأدب عندهم، ومن مفارقات الغرب أنه يعد بناء المسجد في أماكن التعليم رجعية وتخلفا، وهو في نفس الوقت يحافظ على استمرار الكنائس في جامعاته الكبرى واستمرار أداء الطقوس الدينية فيها، وكذلك اليهودية أيضا، التعصب الديني الطائفي فيها شديد، منها ما يبنونه من وطن يهودي طائفي في أرض مغصوبة غصبوها بالجور والمظالم الشنيعة من أرض فلسطين، ويزعمون أنهم متقدمون علمانيون وكذلك كل الديانات، فتكون تعاليم الإسلام مرشدات لهم كلهم فهي ما تتعلق بهذه الأنحاء الكبيرة التي هي:

ا) جوانب الدين والخلق

ب) ودوائر الحياة الاجتماعية

ج) ومجالات العلم

د) ومجالات الفن

فجوانب الدين تحض الأخلاق الحميدة الحسنة لكل إنسان حتى أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله” ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحًا إن الله لا يحب كل مختال فخور”[5]، فهنا يختار الإسلام المساواة التامة مع كل بني آدم، ويحض المساواة والمعاونة أيضا، وهذا ما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته المرحومة: “كلكم من آدم، وآدم من تراب، ولا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى”[6]، وجاء في حديث آخر” الناس سواسية كأسنان المشط”[7]، ومنها صلة الرحم وقد وعد الإسلام وعيدا شديدا من يخالفها ويقطعها، فأما الحياة الاجتماعية فهي تجري على حسب نظام الإسلام السياسي، والعلم هو ما فرضه الله تعالى على كل مسلم ومسلمة وذلك أمر شائع لكافة الخلق وكذلك الفنون أيضا.

سياسية القمع والكبت تؤدي إلى الإرهاب

وهذا أجدر ما بينه السيد الندوي رحمه الله معاصرا موجها إلى القضايا الحالية، وهو تفوق الأمم الغربية على العالم الإسلامي واعتقاد المسلمين بأن الغرب أكثر قوة منهم وإن الغرب مع تساهلهم في أمور دينهم وضعفهم لإقامة شعائر تقاليدهم ومللهم يقومون بالمظالم والمسلمون يعتقدون بأنهم أقوياء رغم أن إلحادهم يتجلى في كل مجالاتهم العقلية مثل المجال الفكري والمجال التربوي والمجال الأدبي والإعلامي، وكان من تأثير ذلك أن عمت الاستهانة بالدين والاستخفاف بعقائده وقيمه والاستهتار بالمعاصي والذنوب، وهذه حالة الغرب ومنهج حياته العارمة، وبذلك استطاع الغرب أن يفرض هيمنته الغربية الصليبية الملحدة على أبناء الشرق بدون أن يكون له منافس أو معارض قوي في اتجاهه هذا الخطير غير أن المسلمين مهما أصابتهم الغفوة والغفلة ينصرهم كتاب الله تعالى لا يزال جديدا، فما أزعجت عقلاءهم صدمات موجهة من الغرب المستعلي العاتم، وهم يعلمون أبناء الإسلام الإلحاد وفكر الاستقلال الديني والذاتي ويعلمهم بأن الإسلام قديم فاحش لا يتبع والغرب جديد يتبع، وهم يعلمون بأن الغرب يفعلون الخير العدل والمسلمون يفعلون الإرهاب وفي الحقيقة يصنع الغرب منظمات إرهابية باسم الإسلام، كداعش والقاعدة ونحوهما، ويسعون ليسودوا وجه الإسلام المشرق في العالم.

وفي الخلاصة فإن الغرب يحاول قمع الإسلام خاصا وتشويش السلام العالمي عاما، فينبغي لكل مسلم أن ينهض لدينه القويم وإقامة شرائعه ومقاصده المستقيمة، والسيد الندوي رحمه الله إنما يخط خططا في هذا الفصل ويشير إلى فعالية الغرب في العالم من الجهود الضالة، ويرشد في كتبه الأربعة المذكورة استعدادات ممدوحة ونصائح قيمة لحلول قضايا المجتمع المعاصر وتكوين أجيال مفيدة مخلصة، ويهنئ من يقوم السلام والعدل في أيديه منفتحا وممتدا، والله الموفق.

هوامش المقال:

[1] كتاب السياسة لأرسطاطاليسpolitics

[2] آية 170، سورة البقرة

[3] نفس السورة آية 170

[4] آية 143، سورة البقرة

[5] الأية 18، سورة لقمان

6 رواه المنذري في الترغيب والترهيب، والحديث عن جابر رضي الله عنه

[7] رواه الديلمي

المصادر والمراجع:

  •  مقالات في التربية والمجتمع للسيد الرابع الحسني الندوي
  • قيمة الأمة الإسلامية منجزاتها وواقعها المعاصر للسيد الرابع الحسني الندوي
  • العالم الإسلامي اليوم، قضايا وحلول للسيد الرابع الحسني الندوي
  • المجتمع الإسلامي اليوم في ضوء سورة الحجرات للسيد الرابع الحسني الندوي

 *محمد عرفات عبيد الله الحسنوي، وانميل، باحث الماجستير في قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة دار الهدى الإسلامية، مالابرم، كيرالا.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of