+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

رحلة إلى كيرلا الجميلة
د. مزمل كريم

أجد نفسي دائما تبحث عن فرص السفر إلى الأماكن التاريخية والسياحية، ومنذ زمن كنت أشتاق إلى زيارة ولاية كيرلا ومدنها لأهميتها التاريخية والسياحية وجمالها الطبيعي ومناخها الساحر الأخاذ، وهي تقع على الساحل الجنوبي للهند، ومن الغرب يحدها بحر العرب، وفي الغرب الشرقي سلسلة من الجبال الشامخة، وفيها بحيرات وأنهار عديدة، وهي أول بقعة في الهند وصلت إليها أضواء الإسلام، وهي زاخرة بالآثار الطبيعية وممتازة بالبيئة الجميلة الخلابة.

 ذات يوم اطلعت على ندوة دولية ستنعقد في جامعة كاليكوت في شهر أكتوبر عام 2017م، فعزمت مع بعض أصدقائي من جامعة علي كره الإسلامية على المشاركة في تلك الندوة، ورأيت  أن هذه المناسبة ستوفر لي فرصة لسياحة مدنها السياحية ومشاهدة بيئتها الطبيعية.

واتفق معي بعض أصدقائي من الباحثين على المشاركة في تلك الندوة،  فبإذن الله حجزنا مقاعدنا في القطار السريع: “منغلا” (Mangla (Exp برفقة أحد عشر كوكبا من الزملاء والزميلات، ومن الحقيقة إن حظى السفر بمرافقة الأصدقاء تتضاعف متعته وسرورا أضعافا مضاعفة، وكنت مع خيرة الأصدقاء، فركبنا القطار من مديرية “مترا”(Mathura): إحدى مدن معروفة في أترا براديش الغربية، وفي الحقيقة هناك مسافة طويلة بين أترابراديش وكيرلا ويبلغ طولها إلى ثلاث ألف كيلو ميتر تقريبا، ويستغرق السفر أكثر من ثلاثين ساعة، ولو لا أتمتع بمرافقة الأصدقاء ليرهقني السفر طول السفر ويصيبني تعب بالغ وملل شديد، فكنال نتناول خلال السفر موضوعات شتى ونجذب أطراف الحديث في شؤون متنوعة، وهكذا تمتعنا بالمناظر الطبيعية الخلابة خارج نافذة القطار فنطل على الوديان الخضراء والأنهار الجارية والأشجار الباسقة والتلول العالية، كلها تذكرنا بقدرة الخالق البارئ الذي لا تحصى نعمته، وخطر ببالنا أن الله أمر بسير في الأرض لأنها يدفع الإنسان إلى التدبر في آياته ويساعده على معرفة كونه، كما قال: “سِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ” (العنكبوت: 20)

بعد أكثر أربع وعشرين ساعة وصلنا إلى كيرلا، ونزلنا من القطار بعد سفر طويل على محطة “كوزي كود”(Kozhikode) ورحب بنا هناك الدكتور عبد السلام- الأستاذ المساعد في جامعة كالي كوت- بكل حفاوة وبالغ إكرام، وأنزلنا في غرفة الضيافة لجامعة كالي كوت، وهي من أشهر جامعات كيرلا، ومعروفة بجودة تعليم اللغة العربية في جميع أوساط اللغة العربية في الهند، والبروفيسور إحتشام أحمد الندوي هو مؤسس قسم اللغة العربية في هذه الجامعة، وأول أستاذ اللغة العربية في هذا القسم، وهذا القسم يصدر مجلة عربية شهيرة باسم “مجلة كاليكوت”، وتصدر المجلة على مدار ثلاثة أشهر، وتمتاز بجودة مقالاتها وأعلى معاييرها الفنية والعلمية وتنوع موضوعاتها، ويساهم فيها كل من العلماء الهنود والعرب بمقالاتهم القيمة، وأما الندوة الدولية التي جئنا للمشاركة فيها فكانت حول شخصية على أحمد باكثير، وهو أديب معروف بمسرحياته الإسلامية الرائعة ورواياته الإسلامية الجميلة. قرأت الندوة ورقتي العلمية حول الموضوع “الفلسطين واليهود في مسرحيات باكثير”، وحضر في الندوة عدد كبير من الأساتذة والباحثين، وأشاد كل من المشاركين من الهند والعرب بمحاولة الجامعة المشكورة لإبراز المكانة الأدبية والثقافية لهذا الأديب ولإحاطة جميع جوانب هذه الشخصية العبقرية.

بعد انتهاء الندوة زرنا رحاب جامعة كاليكوت وكلياتها وأقسامها، وعلى الأخص قسم اللغة العربية ومكتبتها الغنية بالكتب حول الموضوعات المتنوعة. ثم شددنا الرحال لزيارة الأماكن السياحية في كيرلا فتجولنا في ساحل كالي كوت، لأن هذه المنطقة تقع على ساحل بحر الهند، وركبنا هاهنا باخرة كبيرة لم أرها من قبل، وأخذنا جولة في مياه البحر بتلك السفينة العملاقة، ورأينا الأمواج من قريب، وتلاطم مياهه كأنها تروع الناظرين، لا نجد حتى الأفق البعيد إلا الأمواج المتلاطمة الجياشة، أبهرنا هذا المنظر الطبيعي البهيج، وسررنا بهذا سرورا بالغا، وبعد الفراغ منه عدنا إلى غرفنا. وفي المساء من اليوم التالي غادرنا إلى مدينة “أليفوزا (Allephuza) وهي أيضا تقع على ساحل البحر، ومعروفة بسياحة السفينة المنزلية (House Boat)، وتسمى هذا لأن جميع المرافق المنزلية موجودة في هذه السفن من الغرف المأثثة بمكيفات الهواء والفراش والتلفزيون والمطعم ودورة المياه وغيرها، وتجري السفن في مياه البحيرة الكبيرة لخمس أو ست ساعات، ويقال مياء الخلف (Back Water)التي تمتد إلى مئات كيلو ميتر، ورأينا مزارع الأرز أطراف المياه ووجدنا الناس يسكنون في كلا الجانبين لهذه المياه، ويستخدمون السفن لنقلهم ومواصلتهم من موضع إلى موضع آخر، ويبدو أنهم يسكنون في جنة الأرض، لأن هذه المنطقة محاطة بكل جوانبها بالمناظر الطبيعية، فتمتعنا بركوبها كثيرا، وغمرنا السرور لأنها كانت تجربة جديدة من نوعها. بقينا في سفينة تجري في البحيرة لساعات طويلة، ويخيل إلينا كأننا أيضا من سكان البحر، ورأينا أشجار جوز الهند بكل جانب البحيرة،  وهذه قد زادت المنظر روعة وجمالا، وأصابنا نوع من السحر تسرب إلى عمق قلوبنا وامتلك لبنا، لأننا لم نمتلك أن نغض أبصارنا عما كنا نرى أطرافنا من مشاهد جميلة، وكنا نتمنى لو توقف الوقت وبقينا هاهنا أبد الدهر، وشعرنا كأن هذه البقعة في الأرض من أراضي الجنة.

بعد أن فرغنا من سياحة أليفوزا (Allephuza)، اتجهنا إلى منطقة “كنيا كماري” (Kanyakumari) وهي جزء من ولاية تامل نادو، وتتصل بحدود كيرلا، وليس هناك مسافة طويلة بينها وبين “ألف فوزا” و”كنيا كماري حد أخير من البلاد في جنوب الهند، وهذه المنطقة أيضا معروفة للسياحة، وهي شبه الجزيرة تحدها البحار من ثلاثة جوانب: خليخ البنغال، بحر الهند، وبحر العرب، ويوجد هنا تمثال صخري ضخم ل “وويكا نند” (Vivekanada Rock): وهي شخصية هندوكية شهيرة لنشر الدين الهندوكي خارج الهند، وبني هذا التثمال على صخرة كبيرة في عقر البحر، ويزورها السياحون ببواخر تتصل الأرض بتلك الصخرة، ونزلنا أيضا على تلك الصخرة وشاهدنا ضخامة التمثال من قريب، وعلى تلك الصخرة مكتبة صغيرة تحتوي على كتب الديانة الهندوكية، وكانت الرياح الباردة تهب سريعا، كأنها تأتي مقبلة بالماء، وسمعنا ضجة الأمواج التي تحدث حين تصتدم بالصخرة، فجرى بريق من الغبطة والسرور في أعصابنا حينما شاهدنا جمال الطبيعة، ومررنا هاهنا أيضا بتجربة جديدة لم نعهدها، لأننا كنا قائمين على صخرة يحيطها البحر من كل جانب، ويرى أن الصخرة سفينة كبيرة ونحن راكبون عليها.

في هذه المنطقة قلعة قديمة شهيرة “واتاكوتي” (Vattakottai Fort) تقع على شاطئ البحر، وزرنا القلعة، ووجدنا ساحل البحر نظيفا جدا ورماله تتلألأ مثل الفضة، ويأتي إليه الناس من كل فج عميق للسياحة والتجوال، وما كانت الأمواج عالية فمشينا في ماء البحر إلى بعيد، وتمتعنا بأمواجها تصتدم بأقدامنا وكان هذا منظرا جميلا ولحظة ممتعة، واغتنم بعض أصدقائنا هذه الفرصة التي لا تتوفر إلا قليلا فسبحوا فيه واغتسلوا بماء البحر، وقضينا على شاطئ البحر وقتا طويلا، وشكرنا الله على ما أنعم علينا بإتاحة هذه الفرصة الجميلة لمشاهدة عجائب قدرته والتمتع بجمال الطبيعة.

كنيا كماري أيضا شهيرة لنقطة أفول الشمس،(Sun Set Point)كل من يزور المنطقة يشتاق إلى الوصول إلى هذا الموضع لينظر لحظة غروب الشمس وطلوعها من قريب، تظهر الشمس بحجمها الكبير، وتبدو كأنها تغرق في البحر، فسعينا أيضا في المساء للوصول إليها لنرى كيف تغرب الشمس في البحر، ولكن هيهات، قد خاب أملنا لكثرة الغمام في الأفق، وقد حال السحاب دون تحقيق أمنيتنا، ولكن لم نعد صفر اليدين بل شاهدنا هاهنا ساحلا آخر من البحر، وهناك أحجار كبيرة ملتقية على شاطئ البحر ويصعد الناس عليها، وحينما تصطدم الأمواج بالحجارة تقع شآبيب الماء عليهم، ومن الحقيقة كانت هذه لحظة ممتعة جميلة، ويتلذذون أيضا برياح باردة ومنظر جميل رائع، ونحن أيضا جرينا هنا وهناك والتقطنا الصور، وهذا أضفى علينا سعادة بالغة، ثم عدنا سالمين فرحين إلى غرفنا.

وتناولنا في هذه الرحلة أطعمة متنوعة لذيذة تطبخ خاصة في كيرلا، كما نعلم أن لكل منطقة طعام خاص، وطعام جنوب الهند شهير جدا لتفرد شكله ولذته، فمنها “إدلي” و”دوسا”، اللتان تطبخان من الأرز، ويأكل الناس هناك بشكل يومي، وهكذا وجدنا أسماك البحر وجوزة الهند بكمية كبيرة، وتذوقنا كلها، وأكلناها بكل لذة ورغبة، تتميز ذائقتها من ذائقة أطعمة أخرى توجد في شمال الهند.

الآن قد آن الأوان لمغادرة هذه المناطق السياحية الخلابة إلى منازلنا، فركبنا القطار صباحا من كنيا كمارى إلى تري ويندرم (Trivandrum): عاصمة ولاية كيرلا، ووصلنا منها  إلى منزلنا، وهكذا عدنا راشدين سالمين غانمين إلى جامعتنا بذكريات جميلة خالدة، ونحن على يقين كامل أنها ستبقى عالقة بأذهاننا حتى أنفاسنا الأخيرة، ونشكر الله تعالى شكرا جزيلا على إتاحة الفرصة القيمة، ولولا عونه وتوفيقه لما نجحنا في تكميل هذه الخطة.

*أستاذ ضيف، جامعة خواجة معين الدين تششتي للغات، لكناؤ، أترابراديش

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of