+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

دراسة في “تاريخ حضارة الهند”
د.غياث الإسلام الصديقي الندوي

التمهيد:

بلاد الهند ملتقى الحضارات والفلسفات، واستوطنها مختلف الشعوب والأمم عبر العصور، وحكمتها الإمبراطوريات المتنوعة، ونشأت فيها عدة ديانات وثقافات. وقد ألف العلماء والأدباء مؤلفات قيمة في تعريف الهند وحضارتها منها كتاب باللغة الأورية للمؤرخ الهندي البروفيسور محمد مجيب بعنوان “تاريخ تمدن هند”. اعتنى به أستاذنا البروفيسور محمد نعمان خان رئيس قسم اللغة العربية بجامعة دلهي سابقاً، فقام بتعريبه بعنوان: “تاريخ حضارة الهند”. صدر الكتاب عن مؤسسة الفكر العربي، بيروت عام2016م مع مراجعة البروفيسور زبير أحمد الفاروقي رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بالجامعة الملية الإسلامية سابقاً. وذلك في إطار سلسة مؤلفات “حضارة واحد” المترجمة من اللغات الأجنبية، ولا سيما الهندية والصينية والفرنسية. هدف هذا الكتاب تزويد القارئ بالحضارة الهندية بجوانبها المتنوعة إضافة إلى تعزيز التبادل الثقافي.

مؤلف الكتاب البروفيسور محمد مجيب (1902-1985م) كان كاتباً كبيراً في اللغتين الإنكليزية والأوردية وله عدد ملحوظ من المؤلفات فيهما، بالإضافة إلى نشاطات ثقافية وإدارية حيث كان مديراً للجامعة الملية الإسلامية نيودلهي لمدة 25 عاما من 1948 إلى 1973م، وأدى دورا كبيرا في تطويرها([1]).

أما المترجم فهو البروفيسورمحمد نعمان خان رئيس قسم اللغة العربية بجامعة دلهي سابقاً، ومن كبار أساتذة اللغة العربية في الهند، ونائب رئيس رابطة الأدب الإسلامي العالمية في دلهي، وعضو دائم في مؤتمر الدراسات الشرقية لعموم الهند، وله جهود مكثفة في تحقيق المخطوطات للعلماء الهنود، ومؤلفات وبحوث وترجمات باللغتين العربية والأوردية في موضوعات الأدب والتاريخ وما إلى ذلك، كما له نظر ثاقب في تراجم أساتذة اللغة العربية وباحثيها والمهتمين بها قديماً وحديثاً.

دراسة في “تاريخ حضارة الهند”:

في بداية الكتاب مقدمة بقلم الأستاذ المترجم وهو يعرف بالمؤلف وكتابه هذا، ثم ينطوي الكتاب على مدخل وثمانية أبواب.

المدخل يناقش المؤلف فيه ما هي الحضارة وقيمها، وما هي الفنون الجميلة، وما هي الحضارة الإنسانية والقومية، كما يتعرض للتعريف بحضارة الهند.

الباب الأول يلقي ضوءا مستفيضا على بداية الحضارة، والنوع الإنساني، وعلم الآثار في عصور مختلفة، والأعراق الهندية، وآثار العهد الحجري في الهند، وحضارة “موهنجودارو” و”هاربا”، وعهد الحضارة السندية وميزاتها القديمة. ويلقي نظرة إجمالية على المدن والبيوت، والوضع واللباس والغذاء، والتجارة والصناعة وما إلى ذلك.

الباب الثاني يحكي حضارة الآريّين، ومصادر تاريخهم بما فيها “الفيدات” و”السوترات(الأقوال المأثورة والحِكم)” والملاحم بما فيها “الرامائنا” و”المهابهارتا”، والنظام الاجتماعي، والحياة العامة، والحياة المنزلية، ونظام الطبقية، والتصورات والمعتقدات الدينية.

الباب الثالث يتحدث عن الحضارة البوذية فيتعرض أولاً لخلفية عقلية الهند البوذية، ثم يلقي نظرة على الوضع الفكري في الهند الشرقية، كما يتحدث عن الرياضة الروحية وكبح جماح النفس، وتعاليم “مهافيرا”، وحياة “بوذا” وتعاليمه، وجماعة أتباعه وهلمّ جرّا.

الباب الرابع يركز على عهد الإمبراطورية الماورية والحضارة الهندية آنذاك، والديانة والقانون، والعلوم الدنيوية المعروفة لدى العلماء الهندوس بـ”أرثاشاسترا”، والإمبراطورية الإيرانية، والمراجع اليونانية لتاريخ عهد الإمبراطورية الماورية، والبلاط الملكي، ونظام الحكم، والنظام الاجتماعي، والميزات الاجتماعية، والمدن، والمقامر والحانات، والبغايا، والحياة العائلية، والعبيد والخدم، والصناعة والتجارة، ويتحدث بالخصوص عن “أشوكا” الإمبراطور الثالث من العائلة الماورية.

الباب الخامس في بيان الحضارة الهنديّة والإيرانية واليونانية، ويلقي ضوءا على تطور الفنون الجميلة في الهند وتأثير البوذية فيها، وأبنية “أشوكا”، وأثر البلدان الأجنبية في الفنون الجميلة الهندية، والإمارات اليونانية. كما يتحدث هذا الباب عن حضارة آسيا الوسطى الدولية، وحضارة الإمبراطورية الكوشانية، والحياة المدنية وغير ذلك مما يتعلق بالحضارة الهندية القديمة.

الباب السادس يعرض الحضارة في إمبراطورية غوبتا التي أسسها “تشاندر غوبتا” في عام 320م تقريباً، ويستعرض مآثر ملوكها، ويبين أن هذه الإمبراطورية كانت قائمة على أساس النظام الإقطاعي الفيدرالي، وكانت الحكومة قلما تتدخل في شؤون الحياة الاجتماعية، ولم يكن المواطنون مطالبين بتسجيل أسمائهم وعناوينهم في السجلات الحكومية ويسكنون حيثما يريدون. وكان التواضع ميزة مشتركة بين الحكومة والرعية([2]).

الباب السابع يلقي ضوءاً مستفيضاً على تطوّر الحضارة الهندية من رحلة الراهب البوذي الصيني “هيون سانغ” (تشيونتسانغ) الذي زار الهند في عام629م، إلى عهد الرحالة أبي ريحان محمد (973-1048م) المعروف بـ”البيروني”([3]). يناقش هذا الباب مختلف الموضوعات بما فيها الديانة، والأدب، والمسرحية، وفن البناء، والنحت، ويسهب في بيان الفلسفات المتنوعة التي نشأت في الديار الهندية بما فيها الفلسفة الهندية، والفلسفة البوذية، والفلسفة الجاينية. وكذلك يتعرض لعديد من العلوم بما فيها علم الفلك، وعلم التنجيم، وعلم الرياضيات، والطب. وفي نهاية الباب جاء بيان كتاب الهند للبيروني ومشاهداته وتجرباته فيما يتعلق بالشعب الهندي.

الباب الثامن يناقش تطوّر الحضارة في جنوب الهند ويحكي الأوضاع والمؤسسات السياسية في جنوب الهند بقدر من التفصيل، ويقدم تفاصيل الأبنية والكهوف البوذية وفن التصوير فيها، ويطنب في ذكر معابد كثيرة متواجدة في الدكن، والتزيين بالنقش ونحت التماثيل. كما يقدم استعراضاً للعهد القديم من تاريخ الهند.

خلال دراسة هذا الكتاب نجد أن الحضارة تتكون من عقلية الأفراد وكفاءتهم ونظامهم السياسي والصناعة والتجارة. يبين المؤلف ذلك بإسهاب وهو يكتب: “إذا كنا نريد أن ندرس حضارة جماعة ما، علينا أن نتفحص ثروتها، وهي على نوعين: داخلية وخارجية. فالثروة الداخلية تتمثل في عقلية الأفراد ومعرفتهم وكفاءتهم وأحاسيسهم وعزيتهم والأصول التي يقوم على أساسها التواصل بين الأفراد. أما الثروة الخارجية فتتمثل  في البلاد التي يقطنونها، وفي نمط حكمها أو نظامها السياسي فضلا عن مؤسساتها الأساسية، والأموال التي تحصل عليها  من الصناعات الاستثمار في الأعمال التجارية، وأعمال الفنون الجميلة، والاهتمام باكتساب المهارات، وعزيمة الكد والجد”([4]).

للمؤلف آراء حصيفة تنتج من دراسات طويلة عميقة لتاريخ الديانات والأمم فيلقي ضوءاً على إمكانية الازدهار والانتشار لدى الشعوب وهو يقدم عصارة دراسته في هذا المجال: “مسار التقدم لم يكن متساويا ومستمرا لدى جميع الشعوب، فيما اختلفت ميادين رقي هذه الشعوب أيضا؛ ففي حين استمر بعضها في الازدهار، توقف بعضها الآخر عند حد معين. فقد أنتج اليونانيون القدامى في مدة قصيرة، مآثر ومعجزات في الفكر والعمل والفن والأدب لا يوجد لها مثيل. أما الرومان القدامى فقد استفادوا من غيرهم في مجال العلم والفن لكنهم أصبحوا قدوة للعالم، وظلوا كذلك لقرون عدة في السياسة والنظام والاستقلال. أما النظام السياسي للمسلمين فسرعان ما تعرض للانحلال والتفكك، وذلك على الرغم من قضاء المسلمين على حدود الجغرافيا والقوميات، جاعلين من علوم الأمم المختلفة تراثا مشتركا للإنسانية جمعاء فضلا عن إفادتهم الآخرين بعلومهم بقدر أكبر مما أفادوا فيه أنفسهم، وتميزهم عن غيرهم من الشعوب والجماعات السياسية في هذا المجال”([5]).

أثناء دراسة الحضارة ينشأ سؤال في ذهن القارئ “ما هو دور شعب في تكوين حضارته؟” يجيبه المؤلف: “وفي الغالب يكون إسهام قوم في حضارتهم أقل بكثير مما أخذه من الحضارات السابقة والمعاصرة. ولكن كل شعب يعطي لحضارته الموروثة صيغة جديدة إلى حد ما، وبالتالي لايمكن رفض دعواه بأن حضارته ذات طابع مستقل ومتميز عن الحضارات  الأخرى”([6]).

يوضح المؤلف أهمية الحضارة ويعتبرها مقياساً للاستعداد الذهني والعملي للإنسان بحيث يمكن الاطلاع على رقي أي زمان وتطوره وازدهاره بالأشياء التي صنعها الإنسان فيه. وعلى هذا الأساس، في علم الاثار تم تقسيم زمان ما قبل التاريخ إلى عهود مختلفه، أولها وأطولها العهد الحجري الذي كان الإنسان يصنع فيه أدوات الحفر والقشر والنحت والقطع ومعالجه الجلود من الحجر ([7]).

مما لا شك فيه أن الكتابة وسيلة قوية للتعبير عن الأحاسيس والمشاعر، ولها علاقة وطيدة بالحضارة، فاستقطب المؤلف انتباه قارئ الكتاب إلى هذا الموضوع المهم حيث يلقي ضوءاً على بداية الكتابة في الهند وهو يكتب: “راجت الكتابة بعد ٧٠٠ ق. م. تدريجيا، ونماذج الكتابة التي نجدها بعد نماذج خط “موهنجودارو” و”هاربا” هي من عهد الإمبراطور “أشوك”. أما لوحات “أشوك” فهي إما بالخط الخروشتي أو البراهمي. وقد راج الخط الخروشتي في أفغانستان والبنجاب في عام٥٠٠م، وهو مستعار من الخط الآرامي القديم، ويكتب من اليمين إلى الشمال”([8]).

من الحقائق التاريخية أن الهند استوطنها مختلف الشعوب عبر العصور، ومنهم “الآريون” الذين ورودهم في شبه القارة الهندية يعتبر نقطة تحول في مجال الحضارة الهندية. يناقش المؤلف تسميتهم ويقول: “كلمة “آريا” تعني في اللغة الصالح والنبيل وهذا العشيرة. وفي الحقيقة هذا لا ينطبق بالضرورة على أي من الأجناس البشرية. وربما كان من الأفضل لو أننا أهملنا هذه الكلمة واخترنا تسمية أخرى للذين أطلقوا على أنفسهم تسمية “آريا” بعد مجيئهم إلى الهند. إلا أن هذا المصطلح قد شاع إلى درجة أنه لم يعد ممكنا أن نتوقف عن استخدامه. وتجنبا لسوء الفهم، علينا أن نتذكر أن الآريين لم يكونوا كلهم فاتحي اللون، وطويلي القامة، وذوي أنوف عالية، وشعور ذهبية، وعيون زرقاء. ويقال لهم “الآريون” لمجرد أنهم اختاروا لأنفسهم هذه التسمية”([9]).

من ديانات الهند التي ظهرت ونشأت فيها وأثرت في الشعب الهندي، الديانة البوذية التي أسسها ونشرها رجل رهباني يعرف بـ”غوتام بودھ”(بوذا). خصص المؤلف بابا كاملا لبيان إسهام البوذيين في الحضارة الهندية ويقدم ملاحظاته على مؤسس هذه الديانة “بوذا” واتجاهاته فيقول: “وكانت آراؤه الحصيفة في العبادة والمناسبات والطقوس الدينية أكثر عقلانية من آراء الديانات الأخرى، ولكنه لم يرشد أتباعه في أمور الزواج والولادة ودفن الموتى وطريقة تهدئة أرواحهم. وكذلك لم يهدهم إلى ما ينبغي عمله في المرض والمصيبة وإلى التدابير الكفيلة بتحريرهم من الهواجس الدنيوية، فضلا عن طرق التسلية في وقت المصائب والهموم العامة وطريقة الحصول على النعم الدنيوية”([10]).

وضع المؤلف عنوانا “مزايا بوذا: شعور المسؤولية الأخلاقية” فأورد تحته شيئاً من آرائه الحكيمة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ذكر المؤلف رأي بوذا في الشخص الذي يتمنى أشياء بدون بذل أي جهد من أجل تحقيقها، أنه في الحقيقة يريد أن يعبر النهر فيقف على أحد جانبيه داعيا الجانب الآخر من النهر ليأتي إليه([11]).

للمؤلف نظرة ثاقبة واطلاع واسع على الحكومات والدول التي صارت اليوم جزءا من التاريخ. يدل على ذلك ما كتبه عن المستوى المطلوب للتقدم: “الصورة المثالية للتقدم والرقي هي أن تتيح الجماعة الحاكمة فرصا لكسب الثروة يستفيد بها الأفراد، وليس من علامات الرقي والازدهار الحقيقي أن يكسب الأفراد الأموال بجهودهم الشخصية أو أن يحصلوا عليها مصادفة أو عن طريق الوراثة، ولايهم الحكومة كيف كسبوا المال وكيف أنفقوه”. وبالتالي يصرح المؤلف بازدهار التجارة في عهد إمبراطورية غوبتا فيقول: “واكتسب كثير من الناس الثروة في عهد إمبراطورية غوبتا عن طريق التجارة. ولكن لا يوجد ما يدل على أن الصناعة أيضا ازدهرت كما ازدهرت التجارة”([12]).

وكذلك يتعرض هذا الكتاب للأدب السنكريتي وأدبائه بمن فيهم “بهارتريهاري” الذي كان شاعراً كبيراً في القرن السابع، فيتناول مجموعة لشعره بالعرض، وعنوانها “نيتي شاتاكا” (الحكمة وفن الحياة) مجموعة الشعر “بهارتريهاري” الذي كان شاعرا كبيرا في القرن السابع، فيقدم الكتاب عدة أشعاره منها ما معناه: “صاحب الثروة يصبح متصفا بعلو النسب والكرامة والعلم وسداد الرأي والمهارة في الخطابة، فما من وصف إلا تجلبه الثروة لصاحبها”([13]).

ومنها مامعناه: “الاشتغال بوظيفة أمر لا يستطيع أن يقوم به أحد إلا بشق النفس مهما بلغ من الحكمة؛ فإذا صمت ولزم السكوت فهو أبكم، وإذا كان سريع الخاطر وحاضر البديهة فهو ثرثار، وإذا وقف قريباً من سيده فهو قليل الحياء، وإذا ابتعد منه فهو خجول، وإذا كان كادحا وصابر فهو جبان، وإذا لم يتحمل الكلام المهين فهو قليل الأدب”([14]).

ومنها “لا تفتر همة الطموح بمصائب الدنيا ومحنها مثل شعلة النار التي تصعد إلى السماء دائماً، ولا يمكن إمالتها نحوى الثرى”([15]).

ومنها “حفرت الأرض آملا في العثور على الخزينة، وأتيت من الجبال بالمعادن وقمت بإذابتها، وتملقت إلى الملوك سنوات عديدة، ومارست الأعمال الروحانية في الليالي بمحارق الموتى (أماكن حرق الموتى)، ورددت الرقيات والترانيم، ولكنني لم أحصل ولو على شيء بسيط. فياحرصي، أتركني وشأني”([16]).

أما المصادر التي استفاد منها المؤلف في إنجاز هذا الكتاب فمنها شهادات الرحالة، ولاسيما كتاب الهند للعلامة أبي ريحان البروني، ورحلة الراهب البوذي الصيني هيون سانغ (تشيونتسانغ) إلى الهند سنة ٦٢٩م، والتي سجل فيها مشاهداته في مختلف المجالات السياسية والدينية والأدبية والفلسفية، فضلا عن “اليوغا”، وعلم الهيئة أو الفلك، والتنجيم، والرياضة، والطب، وفن العمارة، والنحت كما صرح به الأستاذ المترجم في المقدمة.

قد ألقى المؤلف ضوءا على نجاح الرحالة أبي ريحان محمد في دراسة المجتمع الهندي وجمع المعلومات عن حضارته وثقافته، وتميزه عن الرحالة الصيني “تشيونتسانغ” فيقول: “جاء “البيروني” إلى الهند على أثر غزوات “محمود الغزنوي” التي أثارت كراهية شديدة لدى الهنود (الهندوس) تجاه المسلمين. فلم يكن ممكنا أن تتاح له فرص زيارة الهند على الشكل الذي  أتيح لـ”تشيونتسانغ”؛ ولعله لم يزر إلا القليل من المناطق الهندية، ولكنه يفضل على جميع من سبقوه من السياح بسبب الأهداف العلمية لرحلاته. إذ كان يريد أن يعرف كل شىء على حقيقته، وأن ينقله تماما كما هو، وقد واجه “البيروني” صعوبات كثيرة في سبيل معرفة الأحوال بالتفاصيل، ومع ذلك يعد كتابه “كتاب الهند” شاملا وموثوقا به للغاية”([17]).

لقد تحدث البروفيسور محمد مجيب في هذا الكتاب عن الهند وحضاراتها القديمة التي كانت تتميز بها قبل أن استوطنها المسلمون. ولذلك لم يتعرض لشيء مما أثرى به الملوك المسلمون هذه البلاد. ولما جاءها المسلمون وحكموها، ساهموا مساهمة فعالة في رقي الربوع الهندية وتقدمها وازدهارها، فبلغت الهند أوجها الحضاري خلال حكمهم. إنهم بنوا حضارتها راقية باهرة أكثر من ذي قبل، وتشهد على ذلك آثارها التاريخية بما فيها منارة قطب، والقلعة الحمراء والمسجد الجامع في العاصمة الهندية دلهي، وقلعة آغره والتاج محل في مدينة آغرة، وما إلى ذلك من القلاع والمساجد والمقابر والحدائق التي خلّفها ملوك الهند المسلمون في معظم أرجاء الهند. وكل ذلك جزء لا يتجزء عن الحضارة الهندية المعاصرة. وجاء تفصيل كل ذلك في كتاب “الهند في العهد الإسلامي” لمؤرخ الهند الكبير الشيخ عبد الحي الحسني وله مؤلفات أخرى باللغتين العربية والأوردية، ركز فيها على أعلام الهند وملوكها وأمرائها وصلحائها وشعرائها وأدبائها وتاريخها ومؤلفات كاتبيها في موضوعات متنوعة، ومن مؤلفاته الشهيرة “نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر” في ثمانية مجلدات، وتم نشره فيما بعد بعنوان”الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام”.

عمل الأستاذ المترجم في الكتاب:

أما عمل أستاذنا البروفيسور محمد نعمان خان كمترجم في الكتاب فهو لم يقتصر على الترجمة فحسب بل بذل جهودا جبارة فيه ليكون أكثر مفيدا لقارئه فأوضح وشرح ما كان مبهماً فيه، ونجد ذلك في كثير من صفحاته. وعلى سبيل المثال لا الحصر نقدم شيئا منه فيما يلي:

1- يوضح الأستاذ كلمة “الباروكي” في الحاشية فيكتب: “راجت في إسبانيا وفرنسا في القرن الثامن عشر طريقة تزيين سميت الباروكي (Baroque) وكانت فيها جميع ميزات دور الانحطاط الفني”([18]).

2- يشرح المترجم كلمة الأرضة في الحاشية فيكتب :”الأرضة أو النمل الأبيض (بالإنكليزية-Termite) ليس نملا بالمعنى الحقيقي. وقد ورد ذكر هذا النمل في القرآن الكريم في سورة سبأ حيث يرى بعض العلماء أنه دابة الأرض التي أكلت عصا نبي الله سليمان المشار إليها في قوله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته…). ويعتبر النمل الأبيض (الأرضة) من أخطر الحشرات التي تقضي سنويا على العديد من الأبنية والأثاث والمكتبات، وكذلك على الأشجار المعمرة([19]).

3- جاء في الكتاب أن “بوذا” عرض ديانته أول مرة في “هيران باغ” في باناراس”. فعلق عليه المترجم في الحاشية: “لم أجد “هيران باغ” كاسم مكان في المراجع ولعل المقصود منها هنا “حديقة الغزلان” التي تقع في سارنات (Sarnath) بالقرب من باناراس، وهي المكان الذي بدأ فيه “بوذا” عرض ديانته على الناس”([20]).

4- يعلق أستاذنا المترجم على منطقة جيراسبور في الحاشية: “لم أجد مكانا بهذا الاسم، لعله غياراسبور(Gyaraspur)  في مادهيابراديش، وهو من الأماكن المهمة في عصور الهند الوسطى، ومعروف بمعابده الهندوسية والبوذية والجاينية الأثرية”([21]).

فزاد الكتاب في قيمته العلمية بمثل هذه الإيضاحات، وأصبح الاستفادة منه سهلاً للقارئ. لقد استخدم أستاذنا المترجم لغة علمية، وأضاف إلى المكتبة العربية كتابا قيما مترجما من الأوردية. ويتجلى تمكنه من ناصية اللغة العربية في الترجمة الأنيقة الفصيحة إلى جانب سعة علمه في تعليقاته في الهوامش.

الخاتمة:

عقب دراسة هذا الكتاب نتوصل إلى أنه سجل تاريخي مهم ليس للهند فقط بل لشبه القارة الهندية أيضا. يتجلى فيه أن المؤلف له اطلاع واسع على حضارة الهند وتاريخها ودياناتها، وله نظر ثاقب في الكتب المذهبية وآراء حصيفة في الاتجاهات الفكرية المتعلقة بالحضارة والديانة. لقد أحاط الكتاب بكثير من الديانات والحضارات، بما فيها الجينية، والبوذية، والهندوسية. وألقى ضوءا على حضارة موهن جوداراو وهاروبا، والعصر الحجري. يناقش الكتاب حضارة الهند لمدة أكثر من ألفين سنة من العصر الحجري إلى زمن الرحالة أبي ريحان محمد البيروني.

يستحق هذا الكتاب أن يُعتبر مصدراً مهماً لتاريخ الهند وحضارتها البائدة، وينال قبولاً حسناً لدى المهتمين بالحضارة والتاريخ. فما أن صدرت ترجمته العربية عن مؤسسة الفكر العربي، بيروت حتى بدأت سلسلة الاستعراضات على مواقع التواصل الاجتماعي منها :  “تاريخ حضارة الهند”.. جماليّات تصف حياة الشعوب” بقلم الكاتبة السورية روز سليمان عام2017، واستعراض آخر على موقع ليبيا المستقبل بعنوان “كتاب يبحث في ثنايا الحضارة الهندية القديمة وخباياها”، وكذلك نجد له استعراضات على “شبكة الميادين الإعلامية”، و”موقع بيروت نيوز عربية”.

 هوامش المقال:

[1]– أنظر للتفصيل: https://www.jmi.ac.in/aboutjamia/profile/history/Past_Vice_Chancellors_Profile-16/Prof_Mohammad_Mujeeb-2156

[2]– محمد مجيب، البروفيسور: تاريخ حضارة الهند، تعريب: محمد نعمان خان، البروفيسور، مؤسسة الفكر العربي، بيروت عام2016م، ص236-237.

[3]– “البيرون” كلمة فارسية الأصل تعني “ظاهرا” أو “خارجا”. ويفسر السمعاني في كتابه “الأنساب” سبب تسمية أبي الريحان بهذه النسبة بقوله: “ومن المحتمل أن تكون عائلة أبي الريحان من المشتغلين بالتجارة خارج المدينة، حيث بعض التجار كانوا يعيشون خارج أسوار المدينة للتخلص من مكوس دخول البضائع إلى داخل المدينة”.

[4]–  محمد مجيب، البروفيسور: تاريخ حضارة الهند، تعريب: محمد نعمان خان، البروفيسور، ص١٠-١١.

[5]– المرجع نفسه، ص١٩-٢٠.

[6]– المرجع نفسه، ص٢٢.

[7]– المرجع نفسه، ص٢٨.

[8]– المرجع نفسه، ص٦٥.

[9]– المرجع نفسه، ص٦3.

[10]– المرجع نفسه، ص١٣٠.

[11]– المرجع نفسه، ص١٣٢.

[12]– المرجع نفسه، ص٢٣٨.

[13]– المرجع نفسه، ص٢٦١.

[14]– المرجع نفسه، ص٢٦١.

[15]– المرجع نفسه، ص٢٦٢.

[16]– المرجع نفسه، ص٢٦٢.

[17]– المرجع نفسه، ص٣٤١، ٣٤٢.

[18]– المرجع نفسه، ص١٨.

[19]– المرجع نفسه، ص٥٠.

[20]– المرجع نفسه، ص١٣٤.

[21]– المرجع نفسه، ص٣١٧.

*محاضر ضيف للغة العربية بالكلية الطبية الآيورفيدية اليونانية التابعة لجامعة دلهي.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of