+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

ليس أبي
الباحث والكاتب: محمد الدرقاوي

تضع  يدها في يده  ويسيران  معا كما تعودا أن يسيرا الى مدرستهما كل يوم، وكما يلتقيان وقت  الذهاب ،كذلك يلتقيان عند الإياب ،الى ان يصلا الى الحي حيث يدخل كل منهما الى منزله  ..

طفلة وطفل، تِربان من حي واحد ، ،منذ أن تسجلا  في المدرسة  وهما

لايفترقان .. كان يستلذ يدها  قلب يده  ، معجب بظفيرتها ، يتابعها وهي تتحرك يمينا ويسارا.. وكانت تشعر بأنسه، وبقوة حرصه عليها ،وحمايته لها وهما يخترقان الزقاق الطويل  الى المدرسة..  ..

من يومين يلاحظ سعد أن كوثر  تتعمد الخروج  قبله ،وتأخذ طريقا  غير الطريق التي تعودا أن يسلكاها معا ،يستغرب من سلوكها ،فيسألها عن السبب  يفاجئه ردها  :

ـ احب ان أتعود الذهاب وحدي الى المدرسة..     .

يغتم قلب الفتى  الصغير ،وقد تعود ان يرافق  صديقته ، كما  كانت  هي دوما حريصة  على أن  تنتظره ، لم يقتنع بكلامها  ، فليست كوثر  وهي  من كانت تلتصق به كلما رأت غريبا في الزقاق من تستطيع قطع الطريق لوحدها بحجة التعود على الانفراد بنفسها ..

كانت أم كوثر  تطل من نافذة البيت تترقب  عودة  الطفلين  ،رات سعد وقد عاد وحيدا ، سألته : أين كوثر  ياسعد ؟ قال : لا ادري  من يومين  وهي  تتعمد ألا تنتظرني  وتعود لوحدها من طريق غير طريقنا.. ..

لم يغب عن الام حزن الصغير ، تترجمه  ذبذبات صوته ،وبقدر الأثر الذي تبدى في عينيه  يهتز قلبها ، ويساورها شعور غريب، يرمي على عقلها جبلا من ركام التخيلات وسوء الظن ،  الدنيا تضيق بها قلقا على البنت التي ما تعودت ان تعود بغير صحبة سعد .. بسرعة تدخل  في جلبابها وتخرج كالمجنونة وعقلها كشلال هواجس ، كان سعد لازال بباب البيت  يترقب ظهور كوثر ، ما أن أرى ام كوثر حتى بادرها  :

ـ هل  اصاحبك خالتي !! ..؟ ..

وكأن الام لم تسمعه، فلا  يستحوذ على سمعها غير قوله :”انها تسير من طريق غير طريقنا ” تهرول   وهي تتلفت يمنة ويسرة،  تتوسط الطريق فتتبدى   كوثر  آتية وخداها مبللتان دمعا، تجثو الام على ركبتيها وسط الطريق  هلعا ، تمسك بيدي طفلتها وثم تسألها :

مابك قولي ؟

من بين دموعها ترد كوثر : لا شيء ،فقط رأيت ابي هناك، لكن بعد ان كلمته : قال :هو ليس أبي !! ..

تقف  الام والفزع لازال يأكل قلبها، من يكون هذا الذي سالته كوثر ؟وأين ؟..

تمسك بذراع البنت  وتعود  بها الى حيث رات من توهمته  أباها  :

كان بباب الدائرة شرطي  يجلس على كرسي ، ما ان رأى الام حتى بادرها بالنداء  : هل انت  أم هذه الصبية ؟

ترد  ووسواس الشرر يتطاير من عيونها : نعم أنا ،ماذا وقع لابنتي أخبرني  ..

رسم الشرطي  على وجهه بسمة وهو يترك  الكرسي مشيرا للام بالجلوس..

ـ  اهدئي  ــ سيدتي ــلم يقع أي شيء،ارتاحي أولا، وانا سأحكي لك كل شيء ..

تستعجل الشرطي على الكلام  : لاعليك احك..

يرد  الشرطي وقد أدرك بخبرته أن أكثر من وسواس خناس ينبش في عقل  الام:

ـ منذ يومين  وهذه الصبية تمر كل مساء وحدها ،فتظل واقفة تحدق في وجهي، ثم تنصرف ..منذ قليل مرت بي  ، تقدمت مني وقالت : انت بابا !!.. ربت على كتفها ومسحت على شعرها ثم أخبرتها أني لست بابا، وطلبت منها أن تسالك عن بابا ..

تحس  الام ببعض الراحة ونوع من السكينة تعود الى صدرها  ، تحدق  في الشرطي ، فتجد ان كوثر  دقيقة الملاحظة ،  فالشرطي فعلا شبيه بالصورة  المعلقة في بهو المنزل   ؛تعتذر الام عن قلقها ،تشكر  الرجل بكلمات ، ثم تعود  مع كوثر  الى البيت دون ان تقدم أي شرح للشرطي الذي ظل يتابعها بعينيه وقد رفع كتفيه حيرة  هي مزيج من شك وسوء ظن ..

لم تصل الام الى البيت الا وكوثر  تكاد تنهار من غصات بكائها ،  لم يكن على لسانها غير هذه العبارة  : أريد بابا ، اشتقت لبابا ،  احب أن أرى بابا  ..

تحس  الام أنها تائهة ، لا تدري ماذا تقول لكوثر، هل تخبرها الحقيقة ،  لن تجرؤ  على ذلك ،  فالحقيقة بعيدة عن فهم الصبية وادراكها    .. ..

ترفع بصرها الى الصورة في البهو ..ليتها لم تطاوع أباها يوم أتاها بها  وقال لها : ـ علقي هذه  الصورة في البهو حتى تتعودها كوثر  وكلما سألت : قولي لها “ذا بابا  وقد مات في حادثة “

كيف تعالج الامر الآن ؟هاهي تبكي جرحها العميق  كما تبكي الطفلة جهلها

لأبيها ، يلزمها سبب واضح ومقنع يريح  نفسية طفلتها ..

لم يؤثرفي الام  موت والدها ولا أمها من قبل كما تؤثر فيها حالة بنتها  اليوم ، كم مرة نزلت عليها الذكرى بأثقال من أحزان فأكلت كل أثر لنسيان فرضته على نفسها لتعيش لابنتها ..غيرت  المدينة التي ولدت ونشأت فيها حتى تقي ابنتها ألسنة القوالين ومن يقتاتون من أسرار الناس ..

كانت تتصور ان نهر حياتها قد أخذ طريقه وأنها تعودت صغائر الامل  تستأنس بها وهي تنبث  يوما بعد يوم في أعماقها كلما رأت كوثر  تكبر أمامها  ..

ـ غيري يعيش ذكريات الشوق والحنين ونفحات الهوى ،وانا أعيش غصة  غلطة  ارتكبها حقير في حقي ..

سيل من الصور تتدفق على خاطرها  ، ارتجاف يهز ساقيها وكأن الأرض في زلزال تحت قدميها ، الحدث يتبدى وكأنه وقع اللحظة، لم تعد تستطيع الوقوف،   تبرك على ركبتيها كما يبرك البعير  على الأرض، هيمنة الحزن تخرب  كل اثر للقوة  فيها  ..لا تدري كم مر من الوقت وهي تدفن وجهها بين راحتيها حتى تطرد صورا تعيدها الى لحظة كبوتها ..

تتحامل على نفسها فتقف،  ثم تجر  قدميها الى المطبخ لتعد أكلا للطفلة  ،فقد انستها الواقعة الوجبة الخفيفة التي تعودت أن تقدمها للصغيرة  كلما عادت من مدرستها  ؛تسمع نسيج كوثر   يتعالى ، من غرفة مجاورة  ، تسرع اليها  ، تضمها الى صدرها  :

ـ ياصغيرتي العزيزة  ،كفاك بكاء  ، ابوك مات كما مات جدك وكما سيموت جميع خلق الله  ..

أحات من رغد متتاليات تخنق  عبراتها  وهي تقول  :

لكن لم تقولي لي ابدا كيف مات ، وحين رأيت الشرطي ظننته ابي  ..صديقتي ندى أخبرتها أمها ان أباها قد  مات في حادثة لكنها وجدته يوم زواج أختها، فقد كان هو أب الرجل الذي كانت ستتزوجه أختها ،ولم تكن أمها  الا  طليقته ..

تضم  البنت الى صدرها ، تتنفس  بقوة ثم بعد تنهيدة عميقة تقول  :

حقا ان الشرطي بأبيك شبيه ،لكن أباك  كان اصغر وأجمل  وأقوى  منه بكثير ، ولم أكن أبدا طليقة لأي رجل وانا اعتز بدقة ملاحظة كوثرابنتي حبيبتي، اسمعيني سأخبرك الحقيقة ، اهدئي واستكيني :

من عمق  اعماقها تستمطر  عونا وقدرة  على تلفيق ما ستقول  ، ومن عيونها تغسل بدموعها الحقيقة التي لن تجرؤ على الاعتراف بها امام الصغيرة  ، التي لاتراقب الا شفاه الام وعماذا ستنفرج ..

ــ كنا من أبناء القرية نعيش على ما تهبنا الأرض وتدره الابقار ، كنت وابوك نحلم بأننا سنعيش بما وفره الله لنا من كد تعبنا  ، ذات ليلة ممطرة  اتانا خبر وفاة جدتك  ــ أم أبيك ـ  كانت نزيلة احدى مستشفيات المدينة  ، أصر والدك أن نسافر الى المدينة في تلك اللحظة ،  وحيث اني كنت حاملا بك  فقد حاولت إقناعه  ان نؤخر السفر الى الصباح ،لان الوقت كان شتاء عاصفا ، لكنه امتنع.فهو كان يخشى تقولات الناس وألسنتهم الطويلة ،كيف يتأخر ابن عن حضور جنازة أمه؟ كانت الطريق ظلاما تغيب  عنه الرؤية ، خرجت لنا كلابا  ضالة نابحة حاول السائق ان يتجنبها  فانقلبت السيارة ، مات السائق ومات ابوك بعده  ونجوت انا  وانت في بطني .. منذ أن خرجتِ الى الحياة وأنا قريرة العين بك  ،وبعد أن مات جدك لم أجد غيرك عزاء ومؤنسا  …

تسائل الام نفسها :هل توفقت  في اقناع الصغيرة ؟فالحقيقة هي ماغاب عن لسانها ، وهل تجرؤ أن تقول: أنا ضحية خالك وانك بنتي وأبوك هو أخي؟ تشيح  بوجهها عن كوثر  ..الذكرى تفتتها ذرات ،تستعيدها  وكأنها طازجة  فتحس سكاكين الظلم  واللؤم وضعف الايمان  تذبحها من الوريد الى الوريد  .. تذكر كيف دخل اخوها ذات ليلة  ووجدها تشكو صداعا حادا ،وكيف بادرها بحبة ادعى أنها خاصة بالصداع النصفي ، تناولتها وقد انساها ارقها وصداع راسها أن اخاها ليس الا سكيرا عربيدا قد أعطاها ما افقدها سيطرتها على نفسها لم تفتح عينيها صباحا الا وهي  امرأة بلا بكارة  دمها بين فخديها  والم في حوضها  ؛كيف تشرح للصبية  أنها عانت من أهانته وجبروته وهو من كان السبب  في موت جدتها  .. وما استكان بيتهم تحت رداء  الراحة الا بعد ان مات  مقتولا في عراك  ذات ليلة خمرية مع الصعاليك من رفاقه ..

تستكين  الصغيرة ، ثم تمد يدها تمسح دمعات تدحرجت على خد أمها …

كل منهما تعيش اسى متباينا ، ام عازبة مغتصبة  حرمها أخوها أبسط أحلامها وتجاهد على أن تنسى ، وطفلة محرومة من حنان الابوة قد يغيب عن حياتها الكثير مما يدعم شخصيتها ويحقق لها توازنها الذاتي والنفسي..

من بين دموعها تقول  الصغيرة :

هل يخاصمني سعد لأَنِّي تركته وكذبت عليه ؟

تضمها الام الى صدرها ،تمسح عبراتها ثم تطمئنها :

لا عليك من سعد، طفل مؤدب يحبك ويتفانى في الذود عنك ،سأشرح له مالا يعرف وسيسامحك ..

تتربع بسمة عريضة على  وجه الصغيرة وتقول  :

انا كذلك احبه ، وندمت على  ما بدر مني نحوه

متى ستكلمينه ؟

الكاتب والباحث: أغادير، المغرب

 

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of