+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

توجيهات وبصائر في تدريس السيرة النبوية العطرة
د. عبد الفتاح محفوظ

المقدمة:

    يحتل درس السيرة النبوية مكانة متميزة في دروس مادة التربية الإسلامية في وطننا الإسلامي؛ لأن هذه الدروس التعليمية تهتم بسيرة النبي محمد-صلى الله عليه وسلم-الذي يعد سيد الخلق والمربي والمعلم الأول للأمة الإسلامية، كما تعد هذه الدروس طريقة لتعليم وترسيخ القيم الإسلامية النبيلة، ومن هذا المنطلق اعتنى واضعوا المناهج التربوية في أمتنا الإسلامية بالدرس السيري، فلا يخلو منهاج تعليمي في مادة التربية الإسلامية من دروس السيرة النبوية مع وجود تفاوت في ذلك بين مقل ومكثر.

     وهذا الاهتمام والعناية بدروس السيرة النبوية في المنهاج التعليمي الإسلامي ينطلق زيادة على ما سبق من غايات ومقاصد جليلة تتوخى تدريس السيرة النبوية العطرة، والتي من أهمها جعل المتعلم عارفا ومدركا لأحداث ووقائع ومراحل حياة النبي-صلى الله عليه وسلم-منذ ولادته إلى وفاته-صلى الله عليه وسلم-، ومتشبعا بالقيم والعبر والدروس المبثوثة في أثنائها، ومهيئا لتطبيق تلك القيم والعبر والدروس في سلوكاته وتصرفاته في حياته الشخصية وتعامله مع الناس.

    ولما كان للسيرة النبوية هذه المزية العظيمة في منهاج التربية الإسلامية وتدريسها للمتعلمين على اختلاف مستوياتهم وجب اتباع منهج بيداغوجي وتربوي في تعليمها وتلقينها للمتعلمين تخطيطا وتنفيذا وتقويما وتأليفا، وألا يبقى تدريس الدرس السيري خاضعا للتجربة والتلقائية والاجتهاد الفردي، الشيء الذي لا يحقق الأهداف المرجوة من تعليم أبنائنا دروس السيرة النبوية، وسأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض التوجيهات التربوية التي استخلصتها من خلال تدريسي لسنوات عديدة لمادة التربية الإسلامية ومكون السيرة النبوية على وجه الخصوص، وقد قسمت بحثي هذا على مبحثين مهمين:

المبحث الأول: أهمية تدريس السيرة النبوية في تربية النشء.

     تعد السيرة النبوية من أعظم المعارف الشرعية التي يتعلمها المسلمون؛ لشرف قدرها، وكمال مزيتها ومنزلتها؛ ولأنها تبحث في حياة وسيرة سيد الخلق ونبي الإسلام الذي وصفه الله تعالى بقوله:(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم 4]، وقد كان سلف هذه الأمة يعرفون هذه المكانة للسيرة النبوية في تربية النشء، فقد روي عن زين العابدين علي بن الحسين- رضي الله تعالى عنهما- قال:«كنا نُعَلَّمُ مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما نُعَلَّمُ السورة من القران»[1]، وروي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه- قال:«كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول: يَا بَنِيَّ هَذِهِ مَآثِرُ آبَائِكُمْ فَلَا تُضَيِّعُوا ذِكْرَهَا»[2]، ومن هنا اهتم بالتأليف في السيرة النبوية العديد من العلماء الأجلاء الأفذاذ قديما وحديثا؛ لما لها من أهمية وفائدة في فهم الدين الإسلامي وإدراك حقائقه ومزاياه العظيمة، وكلامنا هنا عن بعض فوائد تدريس السيرة النبوية للمتعلمين:

أولا: إن السيرة النبوية وصف دقيق لحياة النبي-صلى الله عليه وسلم-بكل تفاصيلها وجزئياتها، ولا شك أن لذلك مزايا عظيمة خاصة إذا استحضرنا أن النبي-صلى الله عليه وسلم-هو المعلم والمربي الأول لأمة الإسلام الذي بعث ليتتم مكارم الأخلاق[3]، لقوله-صلى الله عليه وسلم-:”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وفي لفظ: “لأتمم صالح الأخلاق”[4]،  فهو صلى الله عليه وسلم:”أعظم مخلوق وطئ الثرى هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الله عز وجل في حياته من العبر والعظات ما يجعل كل ناظر فيها يتعجب منها، ويأخذ من حياته عليه الصلاة والسلام نبراساً يستضيء به، فهو شخصية عظيمة جداً، كيف لا وهو خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، وكل حركة من حركاته مؤيدة بالوحي”[5].

ثانيا: إن دراسة السيرة بمنهجية واضحة المعالم لا شك أنها ترسخ محبة الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي مطلب شرعي للحديث النبوي الشريف: أن النبي صلى الله عليه وسلم  أخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِن نَفْسِي، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لَا، والَّذي نَفْسِي بيَدِهِ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ، فَقالَ له عُمَرُ: فإنَّه الآنَ، واللَّهِ، لَأَنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الآنَ يا عُمَرُ”[6]، ولا شك أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم تزداد وتتقوى بمعرفته صلى الله عليه وسلم والإطلاع على أحواله وتفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم من خلال سيرته.

ثالثا:تعد السيرة النبوية مصدرا للقيم والأخلاقية النبيلة التي تحصن عقول المتعلمين من طغيان القيم المادية الهدامة التي إزدادت وانتشرت في عصرنا الحالي بسبب التطور الإعلامي وانتشار الوسائل التكنولجية الحديثة، فما أحوجنا اليوم للدراسة السيرة النبوية دراسة منهجية حقيقة، تكون سندا ومعينا للمربين والمربيات لمجابهة التحولات التي عرفها مجتمعنا الإسلامي بسبب مد العولمة التي يستهدف التخلي على كل الخصوصيات بما فيها الخصوصية الدينية[7]، وفي هذا يقول محمد بن أبو شُهبة مؤكدا ذلك:” فإن خير ما يتدارسه المسلمون، ولا سيما الناشئون والمتعلمون، ويعنى به الباحثون والكاتبون دراسة السيرة المحمدية؛ إذ هي خير معلّم ومثقّف، ومهذب ومؤدب، وأصل مدرسة تخرّج فيها الرعيل الأول من المسلمين والمسلمات، الذين قلّما تجود الدنيا بأمثالهم.

ففيها ما ينشده المسلم، وطالب الكمال من دين، ودنيا، وإيمان واعتقاد، وعلم، وعمل، وآداب وأخلاق، وسياسة وكياسة، وإمامة وقيادة، وعدل ورحمة، وبطولة وكفاح، وجهاد واستشهاد، في سبيل العقيدة والشريعة، والمثل الإنسانية الرفيعة، والقيم الخلقية الفاضلة”[8].

رابعا:إن دراسة السيرة النبوية تسهم بشكل كبير في فهم شخصية الرسول-صلى الله عليه وسلم-فهما صحيحا باعتباره صلى الله عليه وسلم رسولا مكلفا من الله تعالى بالتبليغ، وكل ذلك من أجل أن نتخذه قدوة وإسوة لنا في حياتنا كما أمرنا الله تعالى:(لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]، وكما طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يقتدوا به في قوله صلى الله عليه وسلم:«صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»[9]، ولحديث جابر رضي الله عنه الذي يقول فيه: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ»[10].

 ولا يشك أحد في أن القدوة الحسنة تعد من أهم الطرق والوسائل التربوية في تعليم وغرس القيم وتحسين السلوك، ولذلك وجب أن نعرف أبنائنا بالنبي صلى الله عليه وسلم ونحببهم فيه حتى يتأسوا به صلى الله عليه وسلم. ثم إن فهم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والإطلاع عليها يعين كذلك على فهم تعاليم الإسلام ومباديئه وقيمه التي جاء من أجلها، فالسيرة النبوية تعد تطبيقا وتجسيدا عمليا لذلك.

   وعلى كل حال ففوائد السيرة النبوية كثيرة ومختلفة لا يتسع المقام لسردها وحصرها والتفصيل فيها؛ وإنما اكتفينا بعرض بعض منها مخافة الإطالة. ولا شك أن هذه المزايا التي تميزت بها السيرة النبوية هي التي جعلت واضعوا مناهج التعليم في الدول الإسلامية يدركون أهمية تدريسها للنشء إلى جانب طبعا دروس مادة التربية الإسلامية، ويعطونها حيزا في كل الأسلاك التعلمية على اختلاف مستوياتها، لكنهم اختلفوا في منهجية تدريسها وتلقينها للمتعلمين، وقبل أن الحديث عن التوجيهات المنهجية في تدريس دروس السيرة النبوية وتعليمها نلقي الضوء على المجالات التي يأخذها الدرس السيري.

المبحث الثاني: مجالات دروس السيرة النبوية.

يمكن تقسيم درس السيرة النبوية إلى ثلاثة أضرب رئيسة، نجملها فيما يلي:

الضرب الأول: هو تلك الدروس التي لها ارتباط وصلة بالصفات والشمائل المحمدية كدرس رحمته صلى الله عليه وسلم ودرس رفقه-صلى الله عليه وسلم …، ولهذه الدروس أصل في العلوم الشرعية، فقد أفرد كثير من العلماء الأجلاء كتبا ومصنفات في الشمائل المحمدية، نذكر هنا  على سبيل المثال ما صنفه محمد بن عيسى الترمذي(المتوفى: 279هـ)في كتابه:”الشمائل المحمدية”، وقد تطرق فيه إلى صفات الرسول الخَلقية والخُلُقية، وفي هذا يقول فضيلة الشيخ محمد الكشناوى في تقديمه لهذا الكتاب:” ثم كما قال بعض الصالحين رضوان الله تعالى علينا وعليهم: إن معرفة عبادة الله تعالى والعمل بدينه الذي أنزله لصلاح شؤون العباد في الدنيا والآخرة متوقفة على معرفة هدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطريقته العملية التي بين فيما شرع الله تعالى أول ما نزل عليه الوحي إلى أن أكمل الله تعالى هذا الدين، وقد وعت كتب السنة والمغازي والتاريخ والشمائل أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأفعاله، وصفاته من أول نشأته إلى أن اختاره الله تعالى إلى جواره، لا سيما الفترة التي أدّى فيها الرسالة ولم تدع أمرا من أموره ولا شيئا من شؤونه دقّ أو جل إلا أحصته، حتى إنك لتجد فيها صفة ثيابه وجلوسه ونهوضه من نومه وهيئته في ضحكه وابتسامه ومشيته وعبادته في ليله ونهاره، وكيف كان يفعل إذا اغتسل وإذا أكل وكيف كان يشرب وماذا كان يلبس وكيف كان يتحدث للناس إذا لقيهم. وما كان يحب من الألوان وما هي حليته وشمائله”[11].

 فمعلم دروس السيرة النبوية يستحسن أن يرجع إلى بعض هذه الكتب التي تكلمت عن صفاته صلى الله عليه وسلم وعرفت بها، لينهل من معينها، ويستقي منها ما يفيد  ويغني درسه السيري حسب ما يناسب كل فئة عمرية من المتعلمين على حدة.

    ومن التوجيهات والإرشادات المنهجية في هذا النوع من الدروس التي تركيز على صفة من صفات المصطفى-صلى الله عليه وسلم-تقديم هذه الصفة وشرحها للمتعلمين، وإغناؤها بأدلة شرعية تتضمن هذه الصفة أو أفعالا تدل عليها، لبيان واستنتاج تمظهرات وتجليات هذه الصفة، وفي الأخير نربط بين هذه الصفة وواقع المتعلمين من خلال وضعيات تعليمية وظيفية مستقاة من الواقع المعيش.

الضرب الثاني: من دروس السيرة النبوية ما يرتبط بالأحداث والوقائع السيرية، كهجرته صلى الله عليه وسلم وغزواته وسراياه، ومن التوجيهات التربوية المرتبطة بهذا النوع من الدروس أن لا تكون بطريقة سردية مملة للمتعلمين، وأنه يجب على المدرس أن يجتهد في بناء درس السيري المتعلق بحدث ما من السيرة، فيركز على القيم والعبر والدروس المستخلصة، وأن يكون المتعلم هو الركيزة والأساس في استخراج هذه الأشياء من الحدث المدروس، ويجب كذلك على المدرس أن ينوع في طرائق  وأساليب التدريس واستراتيجيات التعلم بما يخدم الهدف ومن عرض الحدث.

الضرب الثالث: هو المتعلق بالتأسي بالصحابة، إذ تحتل هذا النوع من الدروس في منهاج التربية الإسلامية مكانة مهمة، وقد كان لإدراج هذه الدورس غاية ومقصد وهو أن يتعرف المتعلم على الصحابة رضي الله عنهم ويتعرف على أخلاقهم  ومناقبهم العظيمة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:”خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”[12]، ثم إجلالهم وتقديرهم واحترام مكانتهم في الإسلام، والتأسي والاقتداء بأخلاقهم وآدابهم الحميدة.

المبحث الثالث: توجيهات في منهجية تدريس درس السيرة النبوية.

  ولقد أشرنا إلى بعض من هذه التوجيهات في معرض حديثنا عن أنواع دروس السيرة النبوية، ونفرد هنا ونفصل أكثر في أهم معالم التوجيهات المنهجية في تدريس السيرة النبوية على النحو الآتي:

 أولا: التدرج والتماسك في عرض دروس السيرة النبوية وألا يكون تدريس هذه الدروس بشكل عشوائي واعتباطي غير خاضع لتسلسل منهجي ومنطقي، فينبغي لواضع المناهج التدريسية أن يراعوا التدرج في البرامج التعليمية حتى يخرج المتعلم في نهاية مشوراه التعليمي مدركا لكل تفاصيل السيرة المهمة على الأقل، والتي تصورا عاما للسيرة النبوية.

ثانيا: اجتناب الاعتماد الكلي على طريقة السرد والحكي والإلقاء التقليدي للأحداث التاريخية عند تقديم دروس السيرة النبوية؛ فذلك يؤدي لا محالة إلى ملل المتعلمين وعدم تحقيق المغزى والغرض من الدرس السيري، ومن مظاهر ذلك أن العديد من مدرسي السيرة يركزون على الحدث التاريخي ويطيلون في تفاصيله وجزئياته؛ مما قد يصيب المتعلم المتلقي بالملل والسآمة، خاصة إذا كانت الطريقة الطاغية الطريقة التلقينية المعتمدة في التدريس، وقد تنبه لهذا الإشكال في تناول أحداث السيرة العديد من الباحثين فألفوا كتبا ركزوا فيها على العبر والدروس والقيم المستنبطة من أحداث السيرة النبوية، نذكر هنا بعضا منها على سبيبل المثال لا الحصر؛ كتاب:”السيرة النبوية: دروس وعبر” للشيخ مصطفى السباعي، وكتاب:”السيرة النبوية:عرض وقائع وتحليل أحداث”للدكتور علي محمد الصَّلَابي، وكتاب:”فقه السيرة” للشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، وقد قال هذا الأخير في مستهل بداية كتابه هذا:”ليس الغرض من دراسة السيرة النبوية وفقهها، مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية، ولا سرد ما طرف أو جمل من القصص والأحداث، ولذا فلا ينبغي أن نعتبر دراسة فقه السيرة النبوية من جملة الدراسة التاريخية، شأنها كشأن الاطلاع على سيرة خليفة من الخلفاء أو عهد من العهود التاريخية الغابرة.

وإنما الغرض منها؛ أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته-صلى الله عليه وسلم-، بعد أن فهمها مباديء وقواعد وأحكاما مجردة في الذهن”[13].

    ومن الحلول المقترحة للتغلب على طغيان السرد التاريخي تنويع الأساليب والمناهج التعليمية في تقديم دروس السيرة النبوية وعدم الاعتماد على طريقة معينة، كما يمكن اعتماد الطريقة الحوارية والاستكشافية وطرح المسائل وحل المشكلات، وطريقة الاستنباطية والاستقرائية والتركيبية وغيرها في إنجاز الدرس.

ثالثا: استحضار مبدأ الاقتداء في إعطاء دروس السيرة النبوية، واجتناب ربط السيرة النبوية بجانب دون جانب آخر، فالسيرة ينبغي تناولها من خلال رؤية شمولية وليست رؤية تجزيئية انشطارية، فهناك من يتناول السيرة من خلال أحداثها العسكرية ومن خلال الغزوات فقط، فيبدأ على سبيل المثال بغزوة ثم يتبعها بغزوة أخرى، وكأن السيرة النبوية فقط غزوات ومعارك حربية، وبذلك يتناسى الجوانب الأخرى من حياته صلى الله عليه وسلم كالجانب الإنساني والمعاملاتي في حياته صلى الله عليه وسلم، واعتقد أن هذا التوجه في تدريس دروس السيرة النبوية كان نتيجة لبعض مصنفات السيرة التي ركزت على الجانب العسكري والحربي فقط.

رابعا: توظيف مهارات التحليل والتركيب والاستنتاج وغيرها في تدريس أحداث السيرة النبوية الشريفة، والتقليل من طرق التقليدية التي تعتمد على شحن العقل بالمعلومات والأفكار دون الاعتماد على التحليل والاستنتاج والمناقشة وإبداء الرأي، ويمكننا أن نقترح في تدريس درس السيرة ثلاث خطوات أساسية، تتمثل في:القراءة التحليلية للنص السيري، والقراءة التركيبية، ثم القراءة التقويمية.

خامسا: استخراج واستنباط القيم من أحداث ووقائع السيرة النبوية: وهذه نتيجة للخطوة السالفة فالغرض من تدريس السيرة استخلاص القيم والأخلاق الحميدة ثم العمل على ترسيخها في نفوس المتعلمين، وبهذا الصدد تقول الباحثة حصة بنت عبد الكريم الزيد عند حديثها عن أهمية السيرة في تقويم سلوك المتعلمين، وأن هذا هو الغرض من تدريس السيرة النبوية:” إن من الأمور المهمة في هذا العصر السعي إلى ربط الناشئة منذ البداية بالسيرة النبوية العطرة؛ ليتم تلقي المعرفة من خلالها موضوعا وأسلوبا، وذلك لما يجده الدارس لهذه السيرة من علم ومعرفة تنسجم مع حاجاته ومتطلباته في الدنيا والآخرة، بل إنه ليجد التطبيق الحي لهذا العلم.

وإن مما يعانيه المجتمع اليوم الانفصام البين بين العلم والتطبيق، فكثير من الناس لا ينقصهم المعرفة، ولكن ينقصهم جانب كبير من تطبيق لتلك المعرفة، وتحويلها إلى سلوك عملي مؤثر، ولذلك فإن من المهم اليوم أن يتجه الأساتذة والمربون، وهم قادة المجتمع ومربُّو أجياله، وقدوة ناشئته، إلى السيرة النبوية للارتباط بها، والسعي على تلقي تلك الدروس النبوية، ومعايشتها موضوعا وأسلوبا ومنهجا، والتي كان النبي يعلمها أصحابه، ثم يتلقاها أصحابه رضي الله عنهم، سلوكاً عملياً في حياتهم.

وهذا هو المطلوب بالدرجة الأولى من المعلّم، أن يكون متمكنا من دفع الطالب للعمل بما علم، وأن تترجم تلك المعرفة التي يتلقاها الطلاب إلى سلوك في حياتهم في المنزل وفي المدرسة وفي الطريق ومع الجميع.”[14].

سادسا:توظيف الخطاطات الذهنية والمفاهمية لما لها من دور في تلخيص أحداث السيرة وتجميع المعلومات التعلمات الهامة، ويصبح هذا التوظيف مطلوبا إذا علمنا التحدي الذي يواجه مدرسي التربية الإسلامية المتعلق بضيق الوقت المقرر لدروس السيرة النبوية في مقابل طول المادة المقررة.

سابعا: ربط أحداث السيرة النبوية بالواقع المعاصر والواقع المعيش للمتعلمين، فالمدرس الناجح هو الذي يعرف كيف يربط بين دروس السيرة والعظات والعبر المستفادة منها وبين الواقع الاجتماعي الذي يعيش فيه المتعلمون وحياتهم وبيئتهم، حتى يحس ويشعر الطلاب بجدوى وفائدة ما يدرسونه ويتعلمونه من معلومات ومعارف ودروس من جهة، ومن جهة أخرى يحفز ويشجع هذا الربط المتعلمين لتجاوب مع هذه الدروس والتفاعل الإيجابي معها.

 وهذا يتطلب من المدرس فقها وفهما واطلاعا على واقعه الاجتماعي والعلمي والاقتصادي والسياسي…، وألا يكون بعيدا عن مجتمعه وما يدور حوله في واقعه.

ثامنا: استخدام وتوظيف الوسائل التكنولوجية في درس السيرة النبوية بما يتلاءم ويتناسب مع دروس السيرة النبوية وطبيعتها.

تاسعا: تزخر السيرة النبوية بقيم إسلامية عظيمة لا مثيل لها، فهي ترشد إلى معاني الاقتداء والتأسي التي تؤثر في السلوك، ولذلك وجب على مدرسي دروس التربية الإسلامية عامة ودروس السيرة خاصة التركيز عليها في بناء الدرس تخطيطا وتنفيذا وتقويما؛ لأنها تمثل النموذج التمثيلي والتطبيقي للقيم الإسلامية، ومن تم ترسيخ تلك القيم في شخصية المتعلمين من خلال أحداث السيرة.

الخاتمـــــة:

   في ختام هذا المقال الموسوم بـ توجيهات وبصائر في تدريس درس السيرة النبوية العطرة.” الذي عالج موضوع بعض معالم التوجيهات المنهجية والتربوية في تدريس السيرة النبوية سجلت مجموعة من النتائج والاستنتاجات، نجملها في النقاط الآتية:

1)إن الحاجة إلى السيرة النبوية اليوم تعد أكثر إلحاحا من أي وقت مضى؛ وذلك لطغيان القيم المادية على حساب القيم الروحية، ومن هنا وجب على القائمين على المناهج التربوية والتعلمية بكل أسلاكها ومستوياتها بدءا بالتعليم الأولي وانتهاء بالتعليم الجامعي أن يعتنوا بدروس السيرة النبوية تقديما وعرضا وتدريسا وتقويما.

2)للسيرة النبوية فوائد جمة ومزايا جليلة بسطت بعضها أثناء هذا البحث، وقد ركزت في ذلك على أهمية السيرة النبوية في تربية النشء ودورها في ترسيخ القيم الإسلامية النبيلة، وقد كان سلفنا الصالح مدركين لهذه المزية العظيمة، فكانوا يعلمون أبنائهم السيرة النبوية كما يعلمونهم القرآن الكريم.

3)إن دراسة السيرة النبوية كما تفيد المتعلم في النهل من معينها الذي لا ينضب تفيد المدرس كذلك الذي يطلع من خلالها على جملة من الطرائق التعليمية والوسائل التربوية التي كان ينهجها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته.

4)إن من آكد الأمور لمعلم دورس السيرة النبوية أن يمتلك منهجية تربوية واضحة المعالم في تعامله مع دروس السيرة النبوية وأن لا يكون تعامله مع السيرة النبوية خاضعا للعشوائية وانعدام المنهجية فإن ذلك سوف لن يؤدي إلى نتائج ملموسة، وهذا الأمر يجب أن يلتزم به المنهاج الدراسي من باب الأولى ثم ينتقل بعد ذلك  إلى المدرس والمادة المدروسة على حد سواء.

5)من معالم منهجية تدريس السيرة النبوية ما يلي:

  • اتباع مبدأ التدرج في تعليم دروس السيرة النبوية بدءا ببداية حياته صلى الله عليه وسلم وظروفها وانتهاء بانتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى.
  • عدم الاعتماد الكلي على طريقة الإلقاء في تدريس السيرة النبوية بل ينبغي التنويع في طرائق تدريس السيرة النبوية.
  • عدم التركيز على جانب من السيرة النبوية على حساب جانب آخر، فلابد من تناول دروس السيرة برؤية شمولية تشمل كا جوانب حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • ينبغي العناية أكثر بالجوانب الإنساينة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لما لذلك من أهمية في تربية أبنائنا على القيم الإنسانية والأخلاق الفاضلة.

 

 

 

 

 

 

 

لائحة المصادر والمراجع.

  • القرآن الكريم.
  • أبو بكر الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ، تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف – الرياض.
  • أبو عبد الله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 ه/ 1990م.
  • أبو عيسى محمد بن الترمذي، الشمائل المحمدية، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
  • أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، 1421 هـ/ 2001م.
  • حصة بنت عبد الكريم الزيد، أهمية دراسة السيرة النبوية للمعلمين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.
  • محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة: الأولى، 1422هـ.
  • محمد بن محمد العواجي، أهمية دراسة السيرة النبوية والعناية بها في حياة المسلمين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
  • محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، دار القلم – دمشق، الطبعة: الثامنة – 1427 هـ.
  • محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة، دار الفكر المعاصر بيروت لبنان، الطبعة العاشرة، 1411هـ/1991م.
  • مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.
  • مهدي رزق الله أحمد، القيم التربوية في السيرة النبوية، الطبعة:الأولى، 1433هـ/2012م.

[1] – الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع،  تحقيق: د. محمود الطحان، مكتبة المعارف – الرياض، ج2، ص195.

[2]– المرجع السابق، ج2، ص 195.

[3]-انظر تفصيل اعتبار النبي صلى الله عليه وسلم معلما ومربيا وأساليبه وطرقه في التربية وفائدة ذلك في توجيه المعلمين كتاب: أهمية دراسة السيرة النبوية للمعلمين، الدكتورة حصة بنت عبد الكريم الزيد، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، وقد بينت مؤلفته في مقدمته(ص1)سبب تأليفها لهذا الكتاب:”ولما خبا ضوء السيرة النبوية في حياة الناس، وبخاصة من لهم رأي وتوجيه، وتعليم وتربية، تبع ذلك خلل في سلوك الناشئة التي تتلقى عنهم، فتلفت المربون، وبادر الموجهون إلى البحث عن مواطن الخلل في هذه السلوكيات، أهذا الخلل في المادة العلمية، أم في طريقتها؟ أهو في المعلم، أم في المتلقِّي؟ وفي ميدان البحث يتذكر الراشدون أنه لن يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وخير زاد، وأعظم هدي، يستضاء به ويسترشد بخطواته عملياً، هو الهدي المحمدي، في سيرة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أعظم معلم، وأهدى مُرَبًّ. وفي هذا البحث الذي اخترته بعد تفكير وتأمل حرصت فيه على إبراز أهمية دراسة السيرة النبوية للمعلمين”.

[4]– أخرجه الإمام أحمد في مسنده، تحقيق: شعيب الأرنؤوط-عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط: 1، 1421 هـ /2001م، من طريق سعيد بن منصور، رقمه: 8952، ج14، ص512-513، وأخرجه الحاكم في المستدرك، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط: 1، 1411/ 1990، ومن كتاب آيات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي دلائل النبوة، ج2، ص670، رقم الحديث:  4221، وعلق عليه بقوله:”هذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ”.

[5]– راغب الحنفي راغب السرجاني، السيرة النبوية:دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية، http://www.islamweb.net ،ص1.

[6]-أخرجه البخاري في صحيحه، ، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط: 1، 1422هـ، كتاب الأيمان والنُّذُور،باب:كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث: 6632، ج8، ص 129.

[7] -ينظر: القيم التربوية في السيرة النبوية، مهدي رزق الله أحمد، الطبعة:الأولى، 1433هـ/2012م، ص6.

[8]– السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة، دار القلم – دمشق، الطبعة: الثامنة،  1427هـ، ج1، ص7.

[9]– هذا جزء من حديث مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- مرفوعًا، أخرجه عنه البخاري في صحيحه، مرجع سابق،  كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقمه: 6008، ج8، ص9.

[10]– أخرجه مسلم في صحيحه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا، وبيان قوله صلى الله عليه وسلم:«لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ»، ج2، ص 943، رقمه: 1297.

[11] – محمد بن عيسى الترمذي،  الشمائل المحمدية، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ص7-8.

[12] -أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، كتاب الشهادات، باب:لا يشهد على شهادة جَوْر إذا أشهد، رقم الحديث: 2652، ج3، ص 171.

[13] – فقه السيرة، محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر المعاصر بيروت لبنان، الطبعة: العاشرة، 1411هـ/1991م، ص21.

[14] – حصة بنت عبد الكريم الزيد، أهمية دراسة السيرة النبوية للمعلمين، ص49.

*دكتوراه في تخصص الفقه وأصوله، المملكة المغربية

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of