+91 98 999 407 04
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

التعليم المحظري وسبل التطوير
د. أحمد سيدي

المقدمة:

لقد أنجبت المحاظر في ربى شنقيط وعلى أرض المنارة والرباط ـ ومنذ ثمانية قرون من الزمن ـ أجيالا متلاحقة من فطاحلة العلماء وفحول الشعراء وصفوة المرابطين وخيرة الأمراء وكبار المربين ممن تغنى بذكرهم الزمان الغابر وفاخر بشمائلهم المكان والظرف الحاضر وروت تلائدهم وطرائفهم الأصاغر عن الأكابر حتى كانوا مضرب الأمثال وقبلة المريدين ومنارات الهدى فكانوا بحق أبر خلف لأعز سلف.

يمكن القول إننا قل منا من لم يدرك هذه الربوع وهي لا تزال حياة البادية هي السمة الأبرز في ملامحها، ثم ها نحن اليوم نعيش على ظهرها وقد تحولت في عقود معدودة إلى دولة مركزية ذات عمران حضاري، من يدخل عاصمته لا يصدق أن عمرها بالكامل لا يتجاوز نيفا وخمسين سنة, ومن ينظر إلى مدنها الكبيرة قد لا يصدق أنه بالأمس القريب كان التمصر والتمدن على أرضها أسطورة يتحدث عنها جل أهل البادية وكأنها ضرب من الخيال أو الكبريت الأحمر يذكر ولا يرى ـ

نعيش هذه الحالة غير المعتادة, ثم لا نتساءل عن سر هذه الاستجابة السريعة العفوية التلقائية لداعي الحضارة والتمدن في هذا الظرف القياسي دون تدرج يذكر ودون تراكم التجربة، كما لا نتساءل عن تلك القوافل من الشناقطة الذين سافروا من عمق صحراء جرداء قاحلة ثم دخلوا مباشرة إلى حضارات عمرها آلاف السنين فتبوأوا فيها مقام السنام، وكانوا بها موضع التقدير والاحترام، وأيضا لا نتساءل لماذا تحصل هذه المفارقة التي لم تحصل قط في التاريخ في غير صحراء الملثمين، مهد المرابطين ونقطة انتهاء فتح كبير الفاتحين، حيث يعانق العلم الربى، ويغني الشعر على إيقاع هبوب الصبا، ويسترشد الأمراء في تدبير الإمارة بكتابات البدو الرحل، ما السر وراء هذا وذاك وذلك ؟ لا شك أن هناك سرا عميقا ولغزا محيرا ومعجزة خارقة، إنه لغز المحظرة وسرها المكنون ومعجزتها الباهرة. ﴿ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾[1].

المحظرة مؤسسة أهلية عتيقة وأصيلة بسيطة وعميقة بخصائصها المميزة إلا أنها صنعت منا قلب المتحضر في قالب البدوي، وهي التي جعلت منا أئمة الهدى ومنارات الدجى، وهي التي اختزلت أبعاد الحياة المترامية المتباينة فأصبحت تريك كل شيء في لا شيء، ورغم تلك المزايا والخلال ورغم أنها لما تصب بالعقم رغم القضم والظلم والهضم ـ بل إن البدائل التعليمية في بلادنا تكاد تعلن الإفلاس وتدخل مصحة علاج العقم لولا قبس من نورها وحنو من عاطفتها وجرعة من علاجهاـ

ومما لا شك فيه أن هذا الموضوع من أجل الموضوعات في ساحات البحث المعاصرة لما له من أهمية، وقد اتبعت فيه أسلوب البحث العلمي باستقصاء المسألة من مظانها وفي هذه الوريقات قد لا يمكن عرض كافة السبل الكفيلة بتطوير التعليم المحظري، ولكن حسبنا بعض الإشارات والخطوط التي يمكن أن تكون أساسا يُبنى عليه وقاعدة يُنطلق منها.

أهمية الموضوع: من خلال البحث حول ما كتب عن سبل تطوير التعليم المحظري يلاحظ الشح، على الرغم من وجود دراسات عن المحظرة عموما. وعليه فإن القيمة المضافة التي تسعى هذه الدراسة إلى إضافتها تكمن في التركيز على سبل تطوير التعليم المحظري، مع إبراز التحديات التي تواجهه، ومن هذا المنطلق نسعى إلى إنجاز الأهداف التالية:

1 ـ التعريف بالتعليم المحظري وأهدافه والسمات المميزة له.

2 ـ التحديات التي تواجه التعليم المحظري.

  1. السبل الكفيلة بتطويره.

الدراسات السابقة: إن الدراسات التي أجريت حول سبل تطوير التعليم المحظري قليلة جدا، فلم نستطع حسب ما اطلعنا عليه من الدراسات العثور على دراسة تتحدث عن السبل الكفيلة بتطوير التعليم المحظري، مما يتطلب مزيدا من التأصيل والبحث حول هذا الموضوع الهام.

الإشكالية: تكمن إشكالية البحث في التركيز على السبل الكفيلة بتطوير التعليم المحظري، لأن معظم الدراسات لا تشير إلى الوسائل التي تساهم في هذا التطوير، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة الجوهرية التالية: ما المقصود بالعليم المحظري؟ وما هي أهدافه والسمات المميزة له؟ وما هي السبل الكفيلة بتطويره؟ وتأتي هذه الدراسة التي أعدت للمساهمة في النهوض بهذا الجزء المهم من المنظومة التربوية، وسيكون تناولنا لهذا البحث من خلال المحاور التالية: المحور الأول: التعليم المحظري، المحور الثاني: التحديات التي تواجه التعليم المحظري، المحور الثالث: سبل تطوير التعليم المحظري.

المحور الأول: التعليم المحظري: ساهم التعليم المحظري طوال القرون الماضية مساهمة كبيرة في نشر المعارف العربية والإسلامية بمختلف فنونها في ربوع الصحراء ومنها إلى المناطق الإفريقية المجاورة، كما ساهم في نقل هذه المعارف عبر الأجيال. وانطلاقا من الوظائف المعرفية للمحاظر فقد سماها بعض الباحثين: “الجامعات البدوية المتنقلة على ظهور العيس”، بينما اعتبرها آخرون بمثابة “أكاديميات حقيقية تقام تحت الخيام”. وسنحاول من خلال المحور التعريف بالمحظرة، وأهدافها، والسمات التي تختص بها، وذلك فيما ما يلي: أولا: تعريف المحظرة: من الصعب تقديم تعريف جامع مانع للمحظرة لأنها ظاهرة متميزة اخترعها الشنقيطيون لنشر الإسلام في أفريقيا السوداء وللمحافظة على إقامة الدين والقيم والتراث الإسلامي الحضاري في بلادهم، فهي تختلف عن الكتاتيب التي عرفتها البلاد العربية الأخرى. وهناك عدة تعريفات لهذا الجهاز التعليمي نختار منها ما يلي: يتفق الباحثون على أن لفظ المحظرة مشتق: إما من الاحتظار، أو من الحضور والمحاضرة؛ فهي اسم لمجموعة من الحظائر يحيط بها الحي مساكنهم وأنعامهم، أو هي من الحضور والمحاضرة،  وبالعودة إلى القواميس نجد أن لفظ احتظر بكذا تعني احتمى به[2].

المحظرة: جهاز للتعليم المتكامل والمتناسق يتمتع بوسائل بشرية ومادية هامة كالأساتذة والطلبة والكتب[3] . فالمحظرة إذن: مؤسسة تعليمية تقوم بأدوار جميع المؤسسات التعليمية من رياض الأطفال حتى الجامعة وترتكز على شيخ واحد يتولى التدريس متبرعاً بدروسه حسبة منه لوجه الله تعالى إلى جانب أنه يقوم بالسهر على طلابه أخلاقياً[4]

ثانيا: أهداف التعليم المحظري:

  • تعليم الدين الإسلامي عقيدة وشريعة وسلوكاً ومنهجاً مع اختلاف مشاربها الفكرية في المفهوم الصحيح للدين الإسلام تعليم اللغة العربية مفردات ونحواً وصرفاً وبلاغة وأشعاراً
  • تكوين دعاة قادرين على تحمل مسئولية الدعوة إلى الله تعالى.
  • ترسيخ القيم الإسلامية وإرساء أسس الدين وتعهده بالرعاية[5].
  • المحافظة على التراث الإسلامي الموجود بهذه البلاد وصيانته بكل وسيلة، وأهم ما حققته المحاظر من أهداف هو ترسيخ العقيدة الإسلامية والتمكين لها في غرب أفريقيا تمكيناً لا رجعة فيه إن شاء الله[6].

ثالثا: سمات المحظرة ونلخصها فيما يلي: [7].

       1 ـ أنها جامعة: لأنها تقدم للطالب معارف موسوعية في مختلف فنون المعرفة فالمواد التي تدرس فيها هي: ـ القرآن الكريم : حفظاً ورسماً وتجويداً بالروايات المختلفة وبقية علومه، ـ الحديث النبوي الشريف متونه ومصطلحه ورجاله، ـ العقيدة وعلم الكلام والتصوف، ـ الفقه وأصوله وقواعده وفروعه، ـ السيرة والتاريخ والأنساب، ـ الأخلاق وآداب السلوك، ـ اللغة نحواً وصرفاً وبلاغة ودواوين والنصوص النثرية كالمقامات، ـ العروض والقوافى، ـ المنطق، ـ الطب، ـ الجغرافيا.

2ـ أنها بدوية: ومن سمات المحظرة البارزة المتميزة أنها بدوية متنقلة فبالرغم من احتضان الحواضر الشقيطية للمدارس الإسلامية إلا أن ظهورها في البوادي كان أبين، ولهذا يقول الدكتور/ محيى الدين صابر منوهاً بنظام المحاظر: (نظام يكاد يكون دون نظير استنبط من واقع الحياة البدوية)[8] ويقول الدكتور محمد المختار ابن اباه العلوي “من الصعب على من لم ير المحاظر أن يتصورها، ذلك أن البداوة تقترن في الذهن بالغباوة والجهل فالثقافة جزء من الحضارة، ومراكز العلم والتدريس تقترن غالباً بالمعاهد والجامعات المشيدة التي اتصلت شهرتها بشهرة المدن التي تحتضنها، غير أن المحاظر فريدة في نوعها، ففي بعض أحياء البدو الذين ينتجعون المراعي متنقلين من ضفاف النهر السينغالي إلى السياقة الحمراء، تصادف شيخاً كسائر البداة، متقشفاً في ملبسه، ومظهره، لا يمتاز بشيء عن سكان الحي سوى مجموعة من الشباب تلتف حوله، ويقل عددها ويكثر حسب الأزمنة، تقيم تحت الشجر وفى أعرشة من خشب، وثمام، وحشائش، تقوضها وتعيد بناءها كلما ارتحل الشيخ.

 حقاً لقد استطاع هؤلاء أن يحققوا نهضة ثقافية نموذجية تحت الخيام وعلى ظهور العيس وفى مجاهل الصحراء وقد افتخر العلامة المختار ابن بون الجكني ت1220هـ بهذه المزية فقال :

ونحن ركب من الأشراف منتظم *** أجل ذا العصر قدراً دون أدناها
قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة *** بها نبين دين الله تبيانا[9]

3 ـ  أنها تلقينية: أما كونها تلقينية فتشترك المحظرة مع مؤسسات التعليم الأهلية القديمة في الصبغة التلقينية، فقد قامت الحياة العلمية العربية منذ فجر الإسلام على التلقي من أفواه الرجال واستمرت على ذلك حتى بعد أن انتشرت المخطوطات وكثرت دور الوراقة.

4 ـ أنها تعتمد النظام التعليمي الفردي: فالقاعدة العامة أن يكون لكل طالب درس خاص به يختاره لنفسه حسب ظروفه الخاصة به. وبما أن الحلقة العلمية مفتوحة فالجميع يستفيد من دروس الشيخ كما توجد حالات من الدراسة جماعية معروفة عندهم.

5 ـ أنها تقوم على أساس من الطوع والمبادرة الحرة في الدراسة والتدريس معاً: ومن النتائج الإيجابية لقيام المحظرة على روح التطوع وحرية المبادرة أن نشأت في رحابها علاقة حميمة بين الشيخ وطلبته وفى بعض الأحيان يعبرون عن تلك العلاقة شعراً، يقول محمد ابن أحظانه-وقد شغله شاغل عن اثنين من طلبته منهما الشيخ محمد ابن حنبل ت1302 المشهور-معتذراً :

خليلي كيف الحال والحال تنبئ *** عن السر مهما السر في الصدر يخبأ
لئن نسئت عنكم ظواهر ودنـا *** لفي الصدر ود باطن ليس ينســأ

فرد عليه الطالبان :

أيسأل عن أحوال قوم تبوأ *** جداول عد[10]جاره ليس يظمأ؟
يرويهم من بحر علم وحكمة *** تلاشى لمبهاها نضار ولؤلؤ

              وكذلك كان شأن الطلبة مع أساتذتهم في المحظرة يجلونهم أيما إجلال وينظرون إليهم بعين المحبة والتقدير.

6ـ  أنها شعبية تستقبل كل من يرد عليها من جميع المستويات الثقافية والفئات العمرية والجنسية والاجتماعية: المحظرة تكاد تكون الفضاء الوحيد الذي تذوب فيه مختلف أشكال التمايز الطبقي والعرقي، إذ يتحدّد الانتساب إليها بالرغبة والاستعداد دون اعتبار المكانة الاجتماعية أو فوارق السن، فالرجل الطاعن في السن قد يدرس مع الشباب، كما أنّ الشاب اليافع قد يتولى تدريس من هم أسنّ منه، هذا فضلا عن عدم اعتبار المستوى المادي، إذ لا فرق بين غني وفقير، فهي تستقبل المبتدئ كما تستقبل العالم فتجدد له معارفه وتوسعها وتعمقها، ويرتادها الطفل والشيخ والمرأة والفقير والموسر، فهي تبذل لكل طالب ما يريد من ضروب المعرفة حسب مستواه الثقافي وهوايته وطاقاته واستيعابه[11].

المحور الثاني: التحديات التي تواجه التعليم المحظري: لقد واجهت المحاظر على مدى تاريخها الطويل نسبيا تحديات متنوعة لعل أبلغها تأثيرا على بنيتها وأدوارها عوامل من أهمها:

أولا: منافسة المدرسة الحديثة: ظلت المحاظر لقرون عدة المسؤول الوحيد عن تنشئة الأجيال وبالتالي عن صياغة المجتمع طبقا لرؤية دينية أطرها الفقه المالكي والمعتقد الأشعري، وفجأة ظهر التعليم النظامي وافدا جديدا تعززه آليات منهجيّة ومضمون معرفي لا عهد للتعليم المحظري بهما. وإذا كانت المحظرة – بفضل قدرتها التعبوية ومصداقيتها لدى العامة بوصفها الناطق الرسمي باسم الشرع – قد استطاعت أن تثني غالبية السكان عن ارتياد المدرسة النظامية في العهد الاستعماري باعتبارها مدرسة النصارى لغة ومحتوى، فإن التعليم الرسمي قد عرف قفزة مهمة في ظل دولة الاستقلال، وبدأ يفرض نفسه على شرائح واسعة من الوسط الاجتماعي الخاص عادة بالمحظرة مبعدا أعدادا متزايدة من الشباب عن ارتياد هذه المؤسسة تحت تأثيرات إغراء المدينة والبحث عن بدائل لتوفير العيش الكريم بعد أن تخلخلت قاعدة الاقتصاد الريفي بفعل الجفاف[12].

ثانيا: الجفاف: تسبب الجفاف الذي أتى على الأخضر واليابس في نزوح مكتسح من الأرياف إلى المدن الكبرى التي عرفت -جراء ذلك- اكتظاظا ديمغرافيا حادا. وكان لهذا النزوح السكاني الكبير تأثيره البالغ على المحظرة التي فقدت أعدادا كبيرة من منتسبيها الفعليين والمحتملين. كما أنّ الفاقة الكبيرة التي خلفها هلاك الزرع والضرع زادت من تفاقم وضعية المحظرة التي لم تستقر قاعدتها في المدينة بعد، فلم تعد تحصل على التبرعات “والأوقاف” لصالح الطلاب “المنتظمين” كما كان في السابق، مما أفقد شيخ المحظرة في الغالب الأعم قدرته المعهودة على الاحتفاظ بهؤلاء “”المنتظمين”. ولم تعد الأسر قادرة على تجهيز أبنائها لإرسالهم إلى المحظرة بالزاد الضروري. فكانت النتيجة من كل ذلك أن عرفت أعداد طلاب المحظرة تناقصا حادا هدد وجودها في الصميم[13].

ثالثا: انتشار وسائل الاتصال: لقد تأثرت المدارس التقليدية بالتطورات الحاصلة على الصعيد الدولي، فالثورة التقنيّة والقفزة المذهلة في مجال الاتصالات والمواصلات؛ كل ذلك أدى إلى تعقد وتداخل نمط الحياة العصرية وإلى تزايد وتعدد الاهتمامات والانشغالات بشكل ربط المدن بالأرياف وحد من عزلة هذه المناطق عن العالم الخارجي كما حد من هدوئها، هذه العزلة وذلك الهدوء اللذان كانا من عوامل التحصيل المحظري المعتمد على الحفظ والاستظهار.[14]

رابعا: المستقبل الوظيفي لخريجي التعليم المحظري: من الأمور المعروفة أن الغايات مرادة من المقدمات، وأن النتائج المترتبة على المقدمات تلعب دورا  كبيرا  في الإقدام أو الإحجام، ومؤسسة المحظرة لا يجد خريجوها فرصة عمل إلا في دواوين الأوقاف أو المحاكم أو تدريس العلوم الشرعية في بعض مؤسسات الدولة، في حين تتاح فرص العمل لخريجي التعليم المدني في جميع وظائف الدولة، وهو ما يشكل تحديا لها في الواقع المعاصر[15]. المحور الثالث: سبل تطوير التعليم المحظري: ظهرت في العقود الأخيرة صحوة جديدة تدعوا إلى العودة إلى التعليم المحظري مواكبة للسعي إلى استعادة الهوية والقيم الدينية، بعدما اختفى سراب زائف كان يروج له البعض بين الحداثة وبين الدين.

ومعلوم أن جهود رعاية المحظرة كانت في الغالب ولا تزال جهودا مجتمعية تضطلع بها الأسر والمجموعات والمنظمات الخيرية والأفراد المحسنون، بيد أن تدخل الدولة في سبيل “عصرنة” أو “تطوير” هذه المنظومة الأصيلة لم تفلح في أحيان كثيرة نتيجة لما شابها من ارتجال وعدم تمحيص، من جهة واعتمادها من جهة أخرى على الانطباع والآراء المسبقة بدل الدراسات والتشخيص الدقيق والتحليل الموضوعي.

ولم تكن تلك التدخلات غير الموفقة لتسهل أمر الهيئات المهتمة بتطوير هذه المنظومة التربوية الأصيلة، فقد عززت توجس المتشبثين بالطابع التقليدي بهذه المؤسسات الرافضين أن يمسها أي تغيير أو تحديث، ممن يدعون أن ليس بالإمكان أبدع مما كان. لكن التطور سنة الحياة والمؤسسات التربوية الأصيلة يتعين أن تبقى خدمة للدين والدنيا، وهذا ما يستدعي إعادة النظر إليها وفق رؤية بنائية منسجمة تنطلق من تشخيص لمختلف أبعادها ومكوناتها، وتحليل لمسات قوتها وضعفها، والفرص المتاحة لها والمعوقات التي اعترض سبيلها، وذلك بغية وضع آليات متكاملة للتطوير والإصلاح تتغلب فرص نجاحها على فرص إخفاقاتها.

وسوف  نسعى في هذا المحور إلى الكشف عن السبل الكفيلة بتطوير التعليم المحظري وذلك من خلال الخطوات التالية[16]:

أولا: الاجتهاد في ابتكار أساليب للدعم والتقويم والتسيير: بحيث يتضافر فيها المستنبت في تربة التعليم الإسلامي الأصيل باعتباره تعليما مرتبطا بالمجتمع خادما له مع المنافع من الطرائق والآليات التي حملتها الثقافة الإنسانية المعاصرة.

ثانيا: تمكين الطلاب المتميزين من حملة شهادات التعليم المحظري من مواصلة دراساتهم العليا: وذلك من خلال التحاقهم بالجامعات والمعاهد، بالإضافة إلى معادلة شهادات التعليم المحظري.

ثالثا: السعي إلى دفع التعليم المحظري إلى واقع الحياة وربطها بعجلة التنمية: وذلك من خلال توظيفها ـ من بين أمور أخرى ـ في مجال التمدرس الشامل ومحاربة الأمية، وبث الوعي المدني والصحي والبيئي، إلخ(المساهمة في أهداف الألفية للتنمية).

رابعا: العمل على تهيئة خريجي التعليم المحظري للاضطلاع بأنشطة مدرة للدخل ووظائف يحتاجها المجتمع، مثل: الاصلاح الاجتماعي، والارشاد، ومعالجة المخطوطات، وتسيير المكتبات… وهكذا ستتمكّن المحاظر من أن توائم بين رسالتها التاريخية ومهماتها المستجدة، وتكون في المستقبل أداة من أدوات نشر ونقل المعرفة والتنمية ووسيلة من وسائل توازن المجتمع والمحافظة على القيّم الإسلامية السمحة بما تجسده من تآزر واعتدال ووسطية.

خامسا: إرساء تجارب نموذجية يكون فيها، حضور الوسائل العصرية المحفزة: كأجهزة الكومبيوتر والأنترنت والآليات المتعددة الوسائط والدعامات العصرية مكثفا، ومتابعة وتأطير هذه التجارب النموذجية سعيا إلى تقويمها، وتعميمها إذا أثبتت نجاعتها.

سادسا: إقامة أندية ثقافية وعلمية بمؤسسة المحظرة: وهو ما من شأنه تعزيز وربط علومها بواقع الحياة، ويطور لدى طلبتها بعض الكفايات اللازمة على المستوى الاجتماعي والتربوي (الحوار، المناقشة، تقبل الرأي الآخر، الإبداع الأدبي، تقبل النقد الأدبي البناء، ممارسة الأنشطة الرياضية والترفيهية).

سابعا: إنجاز الدراسات التشخيصية والتقويمية المستقلة حول مؤسسة المحظرة وطواقمها وأدائها التربوي والعلمي.

ثامنا: ضبط وتوثيق التجارب الرائدة(المزاوجة بين الأصالة والمعاصرة) في مجال التعليم المحظري، والسعي إلى نشرها في مختلف البيئات الإسلامية، وهو ما سيمكن من التعاون والشراكة وتبادل التجارب بينها.

تاسعا: وضع الضوابط والآليات الكفيلة بالمحافظة على النهج الوسطي الذي يتميز به التعليم المحظري، وعلى طابعه المرن المنفتح، وعلى إشعاعه المزدوج الانفتاح (استقطاب طلبة البلدان الأخرى وإيفاد المرشدين والمدرسين إلى البيئات الخارجية).

عاشرا: إقامة قاعدة معلومات وطنية: تمكن من تسيير مؤسسات التعليم المحظري، بشكل حديث وموثوق، مع تحديث بياناتها باستمرار على أساس مسوح وإحصائيات يتم إنجازها بشكل دوري.

الخاتمة: تناولت هذه الدراسة التعليم المحظري وسبل التطوير وعـلـى الرغم من الأهمية البالغة لهذه الدراسة، فإنها لم تحظ بدراسات معمَّقة تبرز أهمية تطوير التعليم المحظري، ولذلك كان وضعها من طرف تجمع الدكاترة ضمن محاور البحث في النسخة الأولى من سلسلة الندوات التي يعتزمون تنظيمها لهذه السنة، بالغ الأهمية، وقد خرج البحث بعدة نتائج وتوصيلا نوجزها فيما يلي:

1 ـ تمكين الطلاب المتميزين من حملة شهادات التعليم المحظري من مواصلة دراساتهم العليا: وذلك من خلال التحاقهم بالجامعات والمعاهد، بالإضافة إلى معادلة شهادات التعليم المحظري.

2 ـ السعي إلى دفع التعليم المحظري إلى واقع الحياة وربطها بعجلة التنمية: وذلك من خلال توظيفها ـ من بين أمور أخرى ـ في مجال التمدرس الشامل ومحاربة الأمية، وبث الوعي المدني والصحي والبيئي، إلخ(المساهمة في أهداف الألفية للتنمية).

3 ـ يجب العناية بالتكوين العملي والبحث عن الطرق الملائمة التي تعطي لخريجي المحاظر فرصا أكثر للحصول على العمل والمساهمة في عملية التنمية، ذلك أنّ التوازن التقليدي الذي كان يسمح باستيعاب غالبية هؤلاء الخريجين قد اختل جراء التحولات الجديدة وغدت المنافسة في سوق التشغيل أكثر حدّة. ففرص العمل المتاحة باتت تتطلّب كفاءات وتخصّصات ذات مواصفات معينة.

وتجسيدا لهذا المطلب وتمشيا مع مراعاة الظروف الجديدة أصبح من الملح المواءمة بين مقررات المحاظر وحاجات الدولة، وذلك من أجل توفير المزيد من فرص العمل للخريجين والحد من أعباء البطالة.

وهكذا ستتمكّن المحاظر من أن توائم بين رسالتها التاريخية ومهماتها المستجدة، وتكون في المستقبل أداة من أدوات نشر ونقل المعرفة والتنمية ووسيلة من وسائل توازن المجتمع والمحافظة على القيّم الإسلامية السمحة بما تجسده من تآزر واعتدال ووسطية.

التوصيات: على ضوء ما أسفر عنه هذا الجهد المتواضع، الذي لا أدعي من خلاله الإحاطة بكل السبل الكفيلة بتطوير التعليم المحظري وإنما حسبي أنني وضعت لبنة يمكن لغيري البناء عليها، وعليه فإن الدراسة تقترح ما يلي:

ـ إنشاء أوقاف لتسيير مؤسسة المحظرة.

. إدخال الوسائل الحديثة كأجهزة الكومبيوتر والأنترنت والآليات المتعددة الوسائط والدعامات العصرية بشكل مكثف، ومتابعة وتأطير هذه التجارب النموذجية سعيا إلى تقويمها، وتعميمها إذا أثبتت نجاعتها. وبذلك يتم تطوير المحظرة ويحصل التكافل، وتنشر العلوم الدينية والهدي القويم.

ـ التكامل بين التعليمين المحظري والمدرسي:

التكامل بين التعليم المحظري والتعليم المدرسي [17]
ما يمكن للمحظرة أن تأخذ من المدرسة: ما يمكن للمدرسة أن تأخذ من المحظرة:
ـ توسيع محتوى البرنامج حتى يشمل مواد أخرى ـ تنويع طرق التدريس(استخدام الطرق الحديثة)
ـ استخدام وسائل الإيضاح التربوية ـ أفضل وسيلة للدخول في الحياة النشطة
ـ الاستقلالية، روح المبادرة ـ طريقة التعليم(المتعلم تحت تصرف المعلم)
ـ خاصية التكوين الذهني ـ المشاركة السكانية

هوامش البحث:

[1] ـ  الآية 38 من سورة يوسف.

[2] ـ  بلاد شنقيط المنارة والرباط عرض للحياة العلمية والإشعاع الثقافي والجهاد الديني من خلال الجامعات البدوية المتنقلة للخليل النحوي تونس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1978 ، ص:61

[3] ـ  منشورات المدرسة الوطنية للإدارة-مجموعة من الأساتذة، السنة1981، ص6 (مرقونة).

[4]ـ  المحاظر الإسلامية في موريتانيا الأستاذ/ المختار بن محمد موسى مجلة الجماهيرية العربية للتربية والعلوم والثقافة، العدد32 ديسمبر1987 ص400.

[5]ـ السلفية وأعلامها في موريتانيا للدكتور الطيب بن عمر بن الحسين دار ابن حزم – بيروت¨ ط الأولى1416ه ص93 وانظر المحاضر الموريتانية وآثارها التربوية  في المجتمع الموريتاني ص37 مرقونة.

[6] ـ التفسير والمفسرون أطروحة لنيل شهادة لدكتوراه  الدكتور محمد ولد مولاي الناشر دار ابن تاشفين موريتاني الطبعة الأولى , 1429 هـ / 2008 م ص 28

[7] ـ المرجع السابق ص 24.

[8]ـ جريدة الشعب الموريتانية عدد1702-1401ه

[9]ـ  البيتان من قصيدة طويلة حققت في جامعة انواكشوط مكتوبة على الآلة(مرقونة).

[10]ـ  العد بالكسر الماء الجاري الذي له مادة لا تنقطع القاموس المحيط ، لمجد الدين  أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت817ه) ط:مؤسسة الرسالة، الثامنة:1426هـ-2005م بيروت.1/312.

[11]ـ بلاد شنقيط المنارة والرباط للنحوي: ص55 .

[12] المحاظر الموريتانية: مؤسسات لنقل المعارف لمحمدن أمين محمدو ص 10.

[13]  ـ المرجع السابق ص 11.

[14]  ـ المحاظر الموريتانية: مؤسسات لنقل المعارف لمحمدن أمين محمدو ص 10.

[15] ـ التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم الديني في مراحله المختلفة د/ بكر زكي عوض ص 60

[16]  ـ آليات النهوض بمنظومة التربية الأصلية وتحديث أدائها في البلاد الإسلامية الدكتور. عبد الله ولد الكريم منشورات المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافةـ إيسيسكو ـ 2013م ص 64.

[17]  ـ  سر نجاح المدارس المحظرية الشنقيطية  الدكتور الامير ولد آكاه مجلة الوعي الاسلامي التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولى الإصدار الحادي والستون 2013م ص 32.

المصادر والمراجع:

  1. القرآن الكريم

  2. آليات النهوض بمنظومة التربية الأصلية وتحديث أدائها في البلاد الإسلامية الدكتور. عبد الله ولد الكريم منشورات المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافةـ إيسيسكو ـ 2013م
  3. بلاد شنقيط المنارة والرباط عرض للحياة العلمية والإشعاع الثقافي والجهاد الديني من خلال الجامعات البدوية المتنقلة للخليل النحوي تونس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1978
  4. التحديات التي تواجه مؤسسات التعليم الدينيفي مراحله المختلفةد/ بكر زكي عوض
  5. التفسير والمفسرون أطروحة لنيل شهادة لدكتوراه الدكتور محمد ولد مولاي الناشردار ابن تاشفين موريتاني الطبعة الأولى , 1429 هـ / 2008 م
  6. جريدة الشعب الموريتانية عدد1702-1401هـ0
  7. سر نجاح المدارس المحظرية الشنقيطية الدكتور الامير ولد آكاه مجلة الوعي الاسلامي التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بدولة الكويت الطبعة الأولى الإصدار الحادي والستون 2013م.
  8. السلفية وأعلامها في موريتانيا للدكتور الطيب بن عمر بن الحسين دار ابن حزم – بيروت¨ الطبعة الأولى1416ه
  9. القاموس المحيط ، لمجد الدين أبي طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (ت817ه) ط: مؤسسة الرسالة :1426هـ-2005م بيروت.
  10. المحاضر الموريتانية وآثارها التربوية في المجتمع الموريتاني لمحمد الصوفي محمد الامين رسالة ماجستير من جامعة الملك سعود كلية التربية .
  11. المحاظر الإسلامية في موريتانيا الأستاذ/ المختار بن محمد موسى مجلة الجماهيرية العربية للتربية والعلوم والثقافة، العدد32 ديسمبر1987.
  12. المحاظر الموريتانية: مؤسسات لنقل المعارف لمحمدن أمين محمدو
  13. منشورات المدرسة الوطنية للإدارة-مجموعة من الأساتذة، السنة1981

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of