+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

الفائز الثاني: على ضفاف وطن
د.ياسين جمول-سوريا

كانت الأشجار في وادي كيركخان التركية تتراقص على ألحان نسائم المغيب، فتخرج بلوحةِ سهرةٍ فنيةٍ بديعةٍ وسطَ أحضان الطبيعة، وسامرٌ غارقٌ في نشوته من تلك الأجواء وخيولُ الهموم تطارد الأحلام؛ حتى صدمَه سؤال طفله:

  • أبي! هل كان في بلدنا سورية مناظرُ جميلةٌ كهذه؟

فكأنّ عينَه كانت من هذه الطعنة على مِيعاد، فانفجرتْ بصمتٍ وجرتْ دموعُه؛ حتى ارتجفَ الطفل وخافَ الجناية على أبيه، فمضى إلى أمّه فأخبرَها بما قال وببكاء أبيه وانصرافه عنه إلى حافة النهر!

سكّنتْه أمُّه وأخذتْ معه بحديثٍ عن الوطن وجماله، والطفلُ في ذهول كأنما تحكي أمّه عن بلد ترامَى خلف قرون بعيدة؛ فهو لا يذكر من بلدته إلا صورَ الدماء والدمار حين هربَ به أهلُه صغيراً من الموت، وخرجوا هائمين على وجوههم حتى استقرت به عصا التهجير في تركيا، وصارت سورية له ذكرى من موت وخراب!

فلما عادت إلى سامر نفسُه التفتَ إلى طفله وامرأته ودعاهما نحوها، فرفعَ ولدَه وأجلسَه على سياج حديدي مع النهر، وقال:

  • يا بُنيّ!

في سورية كلُّ الجمال؛ فلو أنّ الزمنَ الجميلَ تراخَى بك قليلاً لَخرجْنَا بك إلى “أوغاريت” على الساحل من ريف اللاذقية، فهناك وُضعت الأبجدية الأولى في التاريخ قبل الميلاد بقرونٍ.

وقد كنتَ رضيعاً حين زرت مع أمّك مسجد بني أمية الكبير، وتجولنا في أزقّة دمشق عاصمة الخلافة الأموية، وهي واحدة من أقدم المدن التي ما زالت معمورة منذ آلاف السنين؛ فهناك تلتقي الحضارات بآثارها المعمارية وفنونها، فتجد البيزنطي والإسلامي والسلجوقي والعثماني في فسيفساء دمشقية عظيمة تتوزّع في المساجد والتكايا والمكتبات والقناطر.

وليتك تذكر أيام كنا نزور أهل والدتك في “تدمر”، ونجلس في فناء بيت جدّك ننظر قلعة تدمر كأنّ ملكتها “زنوبيا” تطلّ علينا من شرفتها، تنثر الجنود والكهنة في المعبد عند سفح جبل القلعة، في آثار رومانية تحكي حقبة ملكة لا تُنسى، قد خُلدت أخبارها في بطون المصادر العربية والأوربية مع زعماء القبائل العربية القديمة والرومان وحروبها، وما أنجزته في بلدتها التي جعلتها واحةً خضراء هزمت قسوة الصحراء وجفاف البادية.

وحين كنا نزور خالتك في حمص، فلا نخرج منها حتى نمرّ بجامع سيّدها “خالد بن الوليد”، فيقف التاريخ الإسلامي باحترام أمام عظمة ذاك القائد الهُمام، حتى باتت لا تُعرف حمص إلا به، وتخرج من ساحاته شرقاً لتزور قبور الصحابة في مقبرة “الكَتيب”، فتخضع النفس وتنكسر عند أولئك الأعلام رضوان الله عليهم؛ إذ خرجوا جنودَ علمٍ ودعوةٍ مع الفاتحين، فخالدٌ يفتح البلاد وهم يبنون النفوس برسالة الإسلام.

ولو أنّي أردتُ استقصاء حكايات التاريخ في بلدنا لَطالَ بنا المقام.

  • نعم يا بُنيّ!

في سورية الجمال كلُّه؛ فهذا المنظر البديع الذي يرتسم أمامك لا يعدل ما كان عندنا على ضفاف “العاصي” في ريف حمص من جمال وروعة، فهناك يندفع نهر العاصي جبلاً من عذوبةٍ ونقاءٍ،فيرسم لوحة خضراء فيها أطايب الثمر من تفاح ومشمش وعنب ورمّان، وحيث تراخت عطاياه انتثرت حقول القمح تمدّ المنطقةبالطحين، ولا ينقطع خيره عند سقيا الماء فالطاحونة الرومانية المائية على النهر مضت قرون ودول وتواريخ ولا تزال تطحن للأهالي بالماء ما يُلقونه فيها؛ فهناك تشرب أعذب الماء من النهر حتى وأنت على أميال منه، وتأكل أطيب الفاكهة وأنت تمشي في ظلال الأشجار لكيلومترات طويلة على ضفافه، وترتاح نفسك بهواء عليل ينساب نحوك من فتحة حمص في جبال لبنان، فتهبّ عليك نسائم لا تُنسى تختم في نفسك أنها أجمل مكان!

  • أتدري – يا بُنيّ –لماذا سُمي نهرنا ذاك “العاصي”؟

لأنه يجري بأمر الله بخلاف كل الأنهار، فيعصي غيره وينبع من الجنوب ويتجه نحو الشمال، فيخترق أراضي لبنان وسورية ويمضي حتى ينتهي ويصبّ في تركيا، وله في كل مكانٍ يقطعه حكايةٌ من جمال وروعة؛ فالمنتزهاتُ على ضفافه من منبعه حتى مصبّه، والنواعيرُ في حماة تنسج بمائه لوحة بديعة عزّ نظيرها، ويفرش في سهول الغاب بساطاً أخضر على جانبَيه، فهي من أطيب أراضي سورية وأكثرها خصوبة.

ومن الطرائف أننا عايَشْنا هذا النهر من منبعه في بقاع لبنان حيث يتفجّر، وأقمْنَا على مائه وخيراته من عهد أجدادنا قروناً في ريف حمص، وما كنا ندري يوماً أن رحلتنا معه ستمضي حتى نرى مجراه في تركيا، ونتابعه فنراقب نهاية قصته في أراضي السويدية من إقليم هاتاي.

فانتهت قصة نهرنا “العاصي” في مصبّه، ونحن لا ندري اليوم عن أراضينا عند مَنبعه ومجراه شيئاً؛ ولعل الله آنسَنا به في غُربتنا ليبقى لنا شيء من الوطن نقف على ضفافه!

1
Leave a Reply

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
1 Comment authors
Mohammed alkhanji Recent comment authors
  Subscribe  
newest oldest most voted
Notify of
Mohammed alkhanji
Guest
Mohammed alkhanji

يا سلام يا حبيبونااااااا ، والله طفت بنا مكاناً وزمانا يا دكتوري، في خمس دقائق من الزمن الجميل الحزين، جزاك الله خير وقواك الله وسدد قريحتك لتكتب لنا هنيهات هنا وهناك نروي بها عطش ذكرياتنا يا حبيبونااااااا……