+91 98 999 407 04
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

سبل استثمار اللّسانيات الحاسوبية في ترقية اللّغة العربية
د. عبد القادر حمراني

الملخّص:

 لقد صار للوسائل التكنولوجية اليوم حضور مكثف في البحث العلمي بمختلف تطبيقاته. وأصبح بالإمكان اختيار النظريات اللغوية ووضعها على محك الصياغة الرياضية المنطقية التي تقتضيها المعالجة الآلية للنصوص اللغوية.وتعدّ اللّسانيات الحاسوبية  من أحدث فروع اللسانيات التي أسهمت بشكل فعّال في خدمة اللّغة وتطويرها  لأهداف علمية مختلفة وسط عصر أصبحت فيه التكنولوجيا السمة الأبرز في حياتنا العلمية والعملية الأمر الذي يدفعنا إلى النظر في كيفية استثمار هذا العلم الناشئ وجعله وسيلة فعالة في خدمة اللغة العربية كي تتأتّى لها مسايرة التقدّم الحضاري الذي يشهده العالم من حولنا.

الكلمات المفتاحية: اللسانيات الحاسوبية ـ البرمجة الآلية ـ ترقية اللغة العربية.

المقال:

شهدت الحضارة العربية الإسلامية أيّام عزّها تطورا عجيبا في نقل العلم والمعرفة حتى أنّه قيل:  عجبت لمن يدّعي العلم، ويجهل العربية. وتؤكّد الدّراسات  اللّغوية الحديثة أنّ هذه اللّغة تتمتّع بجملة من الخصائص التي تؤهّلها لأن تكون فاعلة منفعلة مع التّقانة الحديثة نتيجة  ” التزامها بالقاعدة الذهنية، التوسّط والتوازن اللغوي، فالعربية تجمع بين كثير من خصائص اللّغات الأخرى على مستوى جميع فروعها اللغوية، كتابة وأصواتا وحروفا ونحوا وصرفا ومعجما، وتتسم منظومتها بتوازن دقيق وتآخ محسوب بين فروع اللغة المختلفة.”[1]

وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ اللغة العربية حاسوبيا ليست عصية على استخدامات التّقانة الحديثة والذي تجب الإشارة إليه في هذا السياق أنّ العيب ليس في اللغة العربية إنّما العيب كامن في أبنائها الذين توانوا كثيرا عن خدمتها ولم يسلكوا مسلك أسلافهم الذين ” ابتكروا أسلوب التفكير الجبري الذي أدّى دورا مهمّا في نقل المعارف بين الأمم بصفة عامّة، وبين مدارس التفكير بصفة خاصّة.”[2] ولو تدبّرنا حقيقة هذه اللّغة ألفيناها ذات قدرة ومرونة في التّعامل مع التقنيات الحديثة حيث ” تمثّل تركيبات السّوابق واللّواحق في اللغة العربية ثراء لاحدّ له، ويمكن من خلالها التعبير بالكلمة نفسها عن الإفراد والتثنية وضمائر الفاعل والمفعول والأزمنة والاستفهام….ويمثّل البناء النّحوي للّغة العربية عمقا دلاليا لا نظير له، حيث تقود حركات الإعراب المختلفة إلى حسم العديد من أوجه اللّبس حسما لا يدع مجالا لسوء الفهم.”[3]

تسعى اللسانيات الحاسوبية إلى معالجة اللغة بالحاسوب بغية جعلها أداة طيّعة في الاستجابة لأنظمة الحاسوب وهي عبارة عن علم متعدّد التخصّصات: يستدعي تضافر جملة من التخصصات يضطلع بها  فريق متكامل في عمله من اللسانيين والمهندسين وهو ما بات يعرف عند الغربيين باسم inter dixiplinarity research. وتتألّف مبادئ هذه الأخيرة من مجموعة من العلوم التي ترفد بعضها بعضا مثل اللسانيات العامّة وعلم الذّكاء الاصطناعي ، وعلم المنطق، والرياضيات، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ اللسانيات الحاسوبية هي ” الاستعمال الدقيق للحاسب الالكتروني لإجراء بعض العمليات المنطقية الرياضية التي يقوم بها الذّهن الإنساني.”[4]

لقد بات لزاما علينا التفكير بجدية في تطويع النظام الحاسوبي لخدمة العربية في ضوء التّفكير الرّياضي الجبري ولعل هذه الغاية تستدعي حتمية تضافر الجهود بين علماء الحاسوب وعلماء اللغة إذ ليس في مقدور  أيّ طرف أن يستغني عن الآخر لتحقيق هذا الهدف بالنّظر إلى طبيعة المجال الذي يحتاج إلى دراية تقنية وفنية ذات علاقة بالحاسوب الذي يعتمد على نموذج جبري خالص. وإلى فقه خاص بطبيعة اللغة وما تنتظم عليه في جانبيها الإفرادي والتّركيبي.

وقد أثبت الباحثون في هذا الحقل بما لا يدع مجالا للشكّ على ” أنّ أسلوب التفكير الجبري، ومن ثمّة المدرسة الرياضية العربية لا تزال قائمة وفعّالة، بل مواكبة للتطوّر التكنولوجي المعاصر إذا لم نقل مبدعة في أبرز ميادينه، ألا وهو ميدان الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات. وبما أنّ اللغة العربية تعتبر التركيبة الحاملة الأساس (بالمفهوم الجبري) لهذه المدرسة، فإنّ الخلاصة واضحة فيما يخصّ الجدل القائم حول قدرة اللغة العربية لاستيعاب علوم وتكنولوجيا العصر.”[5]ولبلوغ الهدف المنشود من كلّ هذا لابدّ على الدول العربية مجتمعة من أن تسعى جاهدة إلى الالتفاف حول مشروع يضع سياسة لغوية موحّدة وفق استراتيجية علمية هادفة يدعمها غطاء مالي يحفّز الباحثين ويضمن استمرار الجهود المكثّفة لتوطين هذه التقانة و تجسيدها ميدانيا.

لقد عرفت الدّراسات اللسانية الحديثة نشاطا مكثّفا شمل مختلف مناحي الحياة العلمية ضمن أطر منهجية ومذاهب فكرية عديدة بدءا بالمنهج التاريخي المقارن، فالمنهج البنوي، فالتوليدي التحويلي وما يتبع ذلك من نظرية الرّبط العاملي والنظرية الدّلالية وصولا إلى المنهج النصّي. وقد جعلت هذه المناهج على اختلاف توجّهاتها من الجملة أساسا ومنطلقا لتحليل الخطاب بيد أنّ اللسانيات الحديثة تسعى إلى تخطّي هذه العتبة لتتّخذ من النصّ بمجموع تركيباته ومستوياتهمجالا للدّراسة وهو ما يعرف باللسانيات النّصّية ( text linguistics)حيث ” تتعدّد الرؤى في تناول النصّ، فهناك من يراه من داخله في هيئة شبكة كثيفة من العلاقات التركيبية، والمعجمية، والمنطقية، والمقايسة ومن يراه من منظور مستخدمه، لا بصفة النصّ كيانا قائما بذاته بل بصفته حدثا اتّصاليا يتوقّف فهمه على خلفية قارئه. وعلى صلة النصّ بسياقه الثقافي والاجتماعي. وهو الوضع الذي تعدّ فيه بنية النص بمنزلة انعكاس لبنية العالم. ومرحبا بالعالم مرّة أخرى في رحاب اللغة، لتتميّع الحدود الفاصلة بين اللغة وعالمها.”[6]

فمن أهداف اللسانيات الحاسوبية تحقيق كفاية لغوية للحاسوب تشبه إلى حدّ ما ، ما هو موجود لدى العقل البشري حين يستقبل الخطاب فيفهمه، ويعيد إنتاجه. والمقصود بالكفاية اللغوية:”

1– إدخال قواعد اللغة في نظامها الصّوتي وأنساقها الصرفية ، وأنماط نظمها الجملية، وأنحاء أعاريبها ، ودلالات ألفاظها ووجوه استعمالها وأساليبها في البيان وأحكام رسمها الإملائي.

2- إنتاج ما لا يتناهى من الأداءات اللغوية الصحيحة.

3- وضع مرجع في تمييز الخطإ من الصواب.

4- ومن تمام الكفاية كفاية تواصلية، تتعلّق بالعناصر الخارجية التي تتدخّل في المواقف الكلامية.”[7]

ولعلّ من أجلّ الأهداف التي تحققها اللسانيات الحاسوبية الاقتصاد في الوقت والجهد، وتحقيق الدقة في الضبط والموضوعية في الطرح ومحاكاة العقل الإنساني فيما يمكن محاكاته في التعامل مع اللغة تحليلا وتركيبا.

– تحليل النصوص تحليلا آليا (corpus analysais) وهذا من شأنه أن يوفّر للباحث جهدا معتبرا في الوقت والجهد أمام الكمّ الهائل من النصوص اللغوية وبخاصّة لمّا يتعلّق الأمر بالإحصاء أو البحث عن كلمة واستعمالاتها في مختلف السياقات.

– ترجمة النصوص :” وهي الترجمة بواسطة برنامج معلوماتي معدّ لتحليل النص المصدر، ولإنتاج النص الهدف من غير أيّ تدخّل بشري في الترجمة الآلية. ويكون المترجم في خدمة الآلة ، فيما تكون الآلة في خدمة المترجم في حال اللجوء إلى الترجمة بمساعدة الحاسوب.”[8]

لقد ساعد التقدّم التكنولوجي الحديث في إذكاء جذوة البحث اللّساني حيث تعدّدت النظريات اللسانية في مقارباتها الفكرية. وتوصيف المنظومة اللغوية. والوقوف على قوانين بناها التركيبية بغية استثمارها وفق آليات حاسوبية أثبت البحث الميداني نجاعتها. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذا المجال هو ما حظّ اللسانيات العربية من غنائم الفكر وسط هذا الزخم الفكري وما حققته اللسانيات الغربية؟

إنّ الإجابة عن مثل هذا السّؤال تكشف عن واقع تغمره الحيرة، ويحدوه الاضطراب، حيث يقف ” تنظيرنا اللغوي في حيرة شديدة أمام ظاهرة الانفجار التنظيري متشبثا بتراث لم يحدثه، ومقاطعا لفكر لغوي مغاير لا يستوعبه. حتى بدا هذا التراث اللغوي وكأنّه الطرف النقيض للنظريات اللغوية الحديثة، على الرغم من كونه غير ذلك، فما أكثر ما نجد فيه من حكمة التنظير اللغوي ما يتفق مع التوجهات اللسانية الحديثة،فالتقدير والحذف والاستتار، والعامل والعاملية، وإعراب المحلّ، وما شابه ذلك تتفق مع كثير من الأسس التي أقام عليها تشومسكي نظرياته النحوية، ونظرية الربط العاملي بصفة خاصّة.”[9]

ويذهب الدكتور سعد مصلوح إلى أنّ :” اللسانيات العربية في خلال نصف القرن المنصرم لم تستطع أن تستوعب المنجز اللساني.ولم يترك جيل الرّواد الذين تنتمي أفكارهم في معظمها إلى مدرسة لندنأثرا يذكر. أمّا تلاميذهم فقد عابهم الاكتفاء بالطّلاء الخارجي اللساني للترويج للقديم في غلاف الجديد وتشويش المفاهيم اللسانية الحديثة وتحريفها، ومن ثم الخطأ في إقحامها على بيئة العربية بشكل آلي يغفل خصوصيتها.”[10] ولكن ليس من الإنصاف تعميم هذه النظرة السوداوية فهناك جهود لسانية معتبرة لدى بعض الباحثين الذين استنطقوا التراث العربي القديم. وكانت لهم القدرة على بعثه في قالب جديد يتماشى والمبتكرات العلمية والتكنولوجية الحديثة على غرار ما قام به اللّساني الفذّ عبد الرحمن الحاج صالح صاحب المدرسة الخليلية الحديثة التي أحيت علم الخليل وسيبويه وأضرابهما. لقد قاده النظر في ذلك الفكر النحوي إلى أن يصوغ البنى التركيبية صياغة علمية رياضية بالاعتماد على نظرية العامل وقد تمثلت هذه الصيغة في: البنية التركيبية =عامل + معمول أوّل ±معمول ± مخصّص.وتكون هذه الأخيرة ” ناتجة عن حمل الأجناس المختلفة بعضها على بعض وكلّها تجيء على هذه البنية العاملة، وهي أعمّ وأكثر تجريدا من فعل+فاعل أو مبتدأ+خبر.”[11] وكان قد نبّه إلى القيمة العلمية لهذه الفكرة وما لها من دور في معالجة النصوص بالحاسوب حيث قال:” إنّ نظرية العامل هي من أروع ما أبدعه الخليل بن أحمد وأصحابه رحمهم الله ومن أخطر النظريات التي سيكون لها دور عظيم في تطوير معلوماتنا حول الظواهر اللغوية.وذلك لأنّ مفهوم العمل هو المفهوم الدّينامي الذي ينبني عليه المستوى التركيبي للّغة. فبفضله يستطيع اللغوي أن يرتقي إلى مستوى أكثر تجريدا من المستويات السفلى التي تحتوي على الوحدات الخطابية ومقوّماتها القريبة. وهذا هو في الواقع أعمق بكثير من القول بأنّ مستوى التركيب syntaxeهو ناتج عن تركيب الوحدات الدّالة التي هي المورفيمات في اصطلاح الغربيين.وأوّل دليل على ذلك هو إمكانية استغلال مفهوم العمل( وما يترتب عليه من عامل ومعمول أوّل ومعمول ثان كما فهمه سيبويه) في معالجة النصوص بالحاسوب.فنظرية العامل يستطيع بها اللغوي أن يمثّل بها أبسط الكيفيات وأنجعها في التراكيب المعقّدة التي تتداخل فيها العناصر اللغوية لأنّها تصوغ التركيب في قالب رياضي دقيق ويرتقي بها من مستوى مادّي معقّد إلى مستوى صوري مجرّد قابل للصّياغة وبالتالي قابل للاستخدام في الحاسبات الالكترونية.”[12]

والجدير بالذّكر أنّ العلاقة بين النّحو العربي القديم واللسانيات الغربية الحديثة هي علاقة تشابه في كثير من المجالات وعليه يمكن توظيف مناهجها لخدمة نحونا العربي وتجديد ما هو بحاجة إلى ذلك ضمن خصائص العربية لأنّ :” وضع النحو العربي في إطار جديد يتقابل فيه القديم العربي والحديث الغربي يسعف في تجديدإحساسنا بالنحو العربي في مفهوماته ومنطلقاته، وأبعاده بعد طول إلفه في لغته الخاصّة ومصطلحه الخاصّ ومنهجه الدّاخلي.”[13] خاصّة وأنّ الكثير من الأفكار الرائدة والرؤى الصائبة في منظومتنا النحوية التي وقف عليها علماء العربية من أمثال الخليل وسيبويه وابن جنّي والجرجاني تتّفق إلى حدّ كبير مع كثير من التوجهات اللسانية الحديثة في آخر تصوّراتها العلمية، وأرقى المبتكرات التكنولوجية.

كما تعرّض الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح في أبحاثه ذات الصلة بحوسبة اللغة العربية إلى المفاهيم الأساسية للنظرية الخليلية الحديثة وكيفية استغلالها حاسوبيا، حيث ذكر جملة من المفاهيم والمبادئ لتحليل اللغة والتي من شأنها أن تساعد على حوسبة النظام اللغوي. ومن أبرز هذه المفاهيم: “

-1- مفهوم الاستقامة وما يترتب عليها، حيث بيّن بأنّ السلامة نوعان: نوع راجع إلى اللفظ، ونوع خاصّ بالمعنى. وعلى هذا يكون التمييز بهذه الكيفية:

” – مستقيم حسن= سليم في القياس والاستعمال.

– مستقيم قبيح =غير لحن ولكنه خارج عن القياس وقليل.

– محال = قد يكون سليما في القياس والاستعمال ولكنه غير سليم من حيث المعنى. “[14]

من هذا المنظور كان التمييز بين اللفظ والمعنى. وعلى إثر ذلك بنى النحاة فكرتهم القائلة ” إنّ اللفظ هو الأوّل لأنّه هو المتبادر إلى الذّهن أوّلا ثمّ يفهم منه المعنى. ويترتب على ذلك أنّ الانطلاق في التحليل يجب أن يكون من اللفظ في أبسط أحواله وهو الأصل (الذي ليس فيه زيادة ولا علامة له بالنسبة إلى ما يبنى عليه).”[15]

-2- مفهوم الانفراد وحدّ اللفظة (lexie): كان الخليل قد تفطّن إلى هذا المفهوم الدقيق كما يفهم من قول  صاحب الكتاب ” إنّه لا يكون اسم مظهر على حرف أبدا لأنّ المظهر يسكت عنده، وليس قبله شيء ، ولا يلحق به شيء.”[16] هذا الاسم الذي هو بهذه المنزلة يمثّل الأصل الذي تتفرّع عليه أشياء أخرى.” فالانفصال والابتداء يمكّن الباحث من استكشاف الحدود الحقيقية التي تحصل في الكلام وبهذا ينطلق الباحث من اللفظ أوّلا ولا يحتاج إلى أن يفترض أي افتراض كما يفعله التوليديون وغيرهم عندما ينطلقون من الجملة قبل تحديدها.”[17] علما بأنّ التحويل في النظرية الخليلية الحديثة هو الذي يحدّد الوحدات من غير حاجة إلى التشجير الذي ينجم عن التحليل إلى المكونات القريبة. ” ثم إنّ هذه النظرية لا تفصل بين المحور التركيبي ( Axe syntagmatique) ومحور الاستبدالات ولا تنظر إلى كلّ واحد منهما على حدة بل تجعل كلّ واحد منهما تابعا للآخر، بحيث تنظر إليهما معا أي في الأعمدة الاستبدالية في مجموعها مراعيا الترتيب التركيبي في الحركة التفريعية التي تنقلنا من الأصل إلى الفروع والعكس.فكلّ هذا يكوّن مجموعة ذات بنية تسمّى بالاصطلاح الرياضي بالزّمرة (  structure de groupe). وهو أمر خطير جدّا إذ يمكن أن يصاغ الصياغة الرياضية التي تستلزمها في المستقبل الحاسبات الإلكترونية في علاج النصوص.”[18]

-3- مفهوما الموضع والعلامة العدمية: إنّ هذه المصطلحات هي عبارة عن مفاهيم رياضية بحتة يقوم عليها التحويل الخليلي.[19] ولمّا كانت كذلك فإنّه يمكن استغلالها في اللسانيات الحاسوبية بما هو مفيد في تعليمية النّحو ومنطق اللغة.

-4- مفهوم العامل: وهو مفهوم رياضي لغوي يعكس طبيعة بناء التراكيب  العربية القائمة على علاقة التأثير والتأثر. ويمكن أن نجسّد ذلك في هذا المثال التحويلي الذي يمثّل مصفوفة لفظية حيث تتغيّر الجمل بتغيّر العوامل الداخلة على التركيب:

Ø زيدٌ قائمٌ
إنّ زيداً قائمٌ
كان زيدٌ قائماً
حسبت زيدًا قائماً
أعلمت عَمْرًا زيدًا قائمًا
1 2 3

يتضح من خلال هذا الجدول أنّ العامل قد يكون ” كلمة أو لفظة بل تركيبا وله تأثير على بقية التركيب ولذلك سمي عاملا. ثمّ لاحظوا أنّ العنصر الموجود في العمود الثاني لا يمكن بحال أن يقدّم على عامله فهو عند سيبويه( المعمول الأوّل : م1) . ويكوّن إذن مع عامله ( زوجا مرتبا: couple cordonné ). أمّا المعمول الثاني(م2)  فقد يتقدّم على كلّ العناصر  اللهمّ إلاّ في حالة جمود العامل (مثل إنّ). وقد يخلو موضع العامل من العنصر الملفوظ ( أشرنا إليه بـ Ø) وهو الذي يسمّونه بالابتداء ( وهو عدم التبعية التركيبية وليس معناه بداية الجملة كما يعتقد بعضهم).”[20]

أمّا التراكيب التي تتكوّن من لفظة فعلية غير ناسخة فتكون بمنزلة العوامل كونها تؤثّر في التركيب مثال ذلك:

Ø     أن تصوموا    خير لكم
         رأيْــ      ــتُ      زيداً
        رأيْــ      ــتـُـ      ــك

والنتيجة المستخلصة من هذا ” أنّ العناصر التركيبية هي عناصر خاصّة مجرّدة. كما أنّ هناك عناصر أخرى تدخل وتخرج ( علاقتها بغيرها علاقة وصل)  على هذه النواة التركيبية وهي زوائد مخصّصة كالمفاعيل الأخرى والحال وغيرها ( رمزها : خ) ويمكن أن نمثّل للعلاقات القائمة بين هذه الوحدات التركيبية بهذه الصيغة:[(ع← م1)± م2 ] ± خ. “[21]

ومن المشاريع التي سعى العاملون في هذا الميدان إلى تحقيقها إعداد مناهج لبناء أنماط لغوية للتحليل النحوي والصرفي والمعجمي:

المحلّل النّحوي:

 وهو برنامج يقوم على تحليل بنية الجملة من حيث ترتيب عناصرها والعلاقات التي تربط بينها. للإشارة فإنّ تشومسكي قد هداه البحث في تراكيب اللغة إلى أن يحصرها في أربعة أنظمة تختلف باختلاف طبيعة اللغة وقدرتها على التوليد حيث صنّف ذلك في أربعة أنظمة وهي:

  • نظام قواعد التركيب غير المقيّد، وهو غير صالح للتعبير عن قواعد اللغة الطبيعية، لكونه لا يستطيع تحديد انتماء جملة معيّنة إلى اللغة، كما أنّه غير قادر على وصف الكيفية التي تشتق بوساطتها الجملة المقبولة قواعديا بصورة تدريجية.
  • نظام قواعد التركيب الحساس للسّياق، ونعتمد فيه بعض العناصر في القاعدة على ما يسبقها أو يلحقها من عناصر، وسمي بذلك لأنّ استبدال الرمز اللاطرفي بآخر طرفي يعتمد على ما يحيط به من رموز، ويعاب عليه صعوبة برمجته.
  • نظام قواعد التركيب المتحرر من السياق، ويمتاز ببساطته وقابليته للبرمجة، وقد نجح في تصميم لغات البرمجة، ويرى بعض الباحثين أنّه غير مناسب لتصميم قواعد للغات الطبيعية لكثرة تراكيبها وتغيّرها داخل السياق النحوي، ولذا مالوا إلى النحو الحساس للسياق.
  • نظام قواعد التركيب المنتظمة، ويمكن استخدامه في وصف الأرقام والمعرفات في لغة البرمجة، وهو غير ضروري في اللغة الطبيعية لأن المفردات مدخلة في المعجم.”[22]

وقد توصّل الباحثون في هذا المجال إلى وضع نماذج عدّة تتفاوت في القدرة على تفسير الظواهر اللغوية وتحليلها والمتمثلة في:

” – النحو التحليلي ، وهو قسمان: نحو اعتماديات، ونحو تطبيقي.

– النحو التوليدي وهو عشرة أنواع: النحو التوليدي التحويلي، ونحو الحالات الإعرابية، ونحو نظرية الربط العاملي، والنحو الوظيفي، والنحو الوظيفي المعجمي، والنحو العلائقي، والنحو التصنيفي، ونحو شبكات الانتقال المعززة، ونحو البنية العاملة للجملة، والنحو الترابطي. واختلفت الآراء في أي منها يكون هو الأنسب للتحليل النحوي للغة العربية، وتوجّه الرأي إلى أن ّ النحو التوليدي التحويلي والنحوالوظيفي المعجمي أنسبها للغة العربية.”[23]

– ولما كانت اللغة العربية تتضمن بعض الظواهر النحوية التي تستدعي تحلي أعمق يتناسب وحيثيات المعنى الذي تقتضيه طبيعة هذه الظواهر كالإضمار والتقدير وحصول اللبس عند غياب الشكل فإنّ التحليل النحوي يكون على مستويين اثنين:

” – التحليل النحوي على مستوى الكلمة المفردة، وفيه يتداخل المحلل النحوي بالمحلل الصرفي، أي تكون مخرجات المحلل الصرفي هي مدخلات مباشرة للمحلّل النحوي، وذلك بمعزل عن السياق.

– التحليل النحوي على مستوى الجملة، يعتمد فيه المحلل النحوي على المحلّل الصّرفي لتحديد السوابق واللواحق والأوزان. ويحدّد المحلل النحوي موقع كلّ مفردة من الإعراب بالاعتماد على القرائن المعنوية واللفظية من مثل العلاقة الإعرابية، والرتبة والصيغة والمطابقة والربط والتضام، والأداة والنغمة.”[24]

بناء على هذا يمكن القول إنّ مستويات التحليل في معالجة اللغة العربية تجمعها علاقة تكامل فيما بينها، حيث يحدث التّداخل بين المستويين النّحويين الإفرادي والتّركيبي حيث يتقاطع المحلّل الصّرفيمع المحلّل النّحوي لتحقيق معالجة متكاملة.

المحلّل الصّرفي:

يتكفّل هذا البرنامج بتحليل البنية الصّرفية للكلمة العربية من حيث طبيعة جذرها اللغوي وما يلحقه من سوابق ولواحق. وما يعتري الكلمة من إعلال وإبدال. وعلى هذا الأساس فإنّ هذا المحلّل كفيل بتصحيح الأخطاء عند الكتابة، والتنبيه إلى إعادة النظر في الصياغة مع تقديم البدائل بالاعتماد على الدلالة السياقية. وهنا تكمن أهمية برنامج المصحّح الإملائي الذي يتعرّف على حروف الكلمة من خلال المسح الضوئي، وحصرها في زمرتها ومجالها الاستعمالي. وقد عرف هذا المسار جهودا عدّة لوضع محلّل صرفي للّغة العربية مثل المحلّل الصرفي الذي أنجزته دار حوسبة النص العربي في الأردن. والمعالج الصرفي المتعدّد الأطوار أو (multi-mode morphologicalprocesser) من إنتاج شركة للمعالجة العميقة للكلمة العربية المفردة، ويستوعب هذا المحلّل مجموع الكلمات العربية.

” يعتمد المحلّل الصّرفي اللغوي في عمله على فحص الخواص الصرفية والنحوية لقاعدة ضخمة من المفردات العربية المستقاة من تحليل ذخيرة لغوية ضخمة… ويتميّز المحلّل الصرفي المبني على الذخيرة اللغوية بتغطية أكبر، وقدرة سريعة على التوسّع، وإمكانية تناقله بين مختلف نظم التشغيل. وهذا المحلّل يعتمد على خوارزميات التحليل الصرفي القاموسي، وخوارزميات التحليل الصرفي اللغوي، وخوارزميات التحليل الصرفي التبادلي، وخوارزميات التحليل الصّرفي المصدري.”[25]

المحلل المعجمي:

يمثّل المحلّل المعجمي الرّكيزة الأساس في المعالجة الحاسوبية كونه يعتمد من قبل سائر المحلّلات اللّغوية الأخرى ( النحوية، والصّرفية، والدّلالية، والصّوتية). وهو يهدف إلى تحويل المادّة المعجمية إلى قاعدة معارف يسخّرها النظام الآلي للحاسوب بغية الوصول إلى البنية المفهومية للألفاظ ودلالتها. ويؤكّد الباحثون في هذا المجال على شدّة ” حاجتنا إلى وسائل تكشف عن العلاقات الدّلالية بصورة سافرة، وتحديد الأسس النظرية التي تمهّد لتطوير أدوات برمجية لاستظهار هذه العلاقات الضمنية، وهي الأدوات التي لا غنى عنها في تصميم النظم الآلية لتحليل مضمون النصوص، وفهمها آليا.”[26]

ونظرا لما تحتلّه الدلالة المعجمية من أهمية بالغة في المنظومة اللغوية، فقد بُذلت جهود كبيرة لوضع معجم محوسب للغة العربية يقوم على قاعدة بيانات معجمية تشمل البيانات الصرفية والنحوية والدّلالية. والاستفادة من ذخائر النّصوص لتوليد المصطلحات الجديدة.

المشكّل الآلي:

تقوم الكتابة العربية على أساس اختزالي كونها لا تعتمد كثيرا على الحركات (الصوائت) بناء على أنّ القارئ هو من يسدّ هذا الجانب بالاعتماد على المعنى وما يقتضيه السياق. وقد ألقت هذه الظاهرة ( عدم ضبط الحروف بالشكل) بظلالها على البرمجيات الحاسوبية المعاصرة ،وبخاصة الناطق الآلي الذي لايقوم بعمله إلاّ إذا ضبطت الكلمات بالشكل. ولا تقتصر أهمية التشكيل الآلي على النطق الآلي بل أنّها تمتدّ إلى مجال النقل الكتابي للأسماء من العربية وإليها. ولكن “على الرغم من الوصول إلى الترميز المتعدّد (Multicode) فإنّ مسألة التشكيل في اللغة العربيةلم تعالج بشكل مرض لحد الآن، حيث تعامل حركات التشكيل كحروف مستقلّة ممّا يؤدّي إلى صعوبات عديدة.”[27] وقد يكون للبحوث المستقبلية في هذا المجال الوصول إلى حلّ نهائي لهذه المشكلة. – ” إنّ العلاج الآلي للعربية يتطلب معارف أساسية ومتخصّصة تنتمي إلى عدّة مجالات وبصفة خاصة النظريات اللغوية التي لها علاقة بهذا الميدان والتي يمكن زيادة على ذلك أن تجرى عليها صياغة رياضية دقيقة.”[28]

لقد بات الحاسوب ضرورة ملحّة في البحث اللّغوي عبر مختلف مستوياته الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية وفي الإحصاء والتخزين والاسترجاع والترجمة الآلية، وفي العملية التعليمية كونه يفتح آفاقا واسعة ضمن برامج تعليمية تواكب التطوّر الحضاري وتسمح للمتعلّم أن يجعل الحاسوب أداة طيّعة في يده.ولن يتأتى لنا ذلك إلاّ إذا أخلصنا العمل وعدنا إلى نظريتنا النحوية التي أصّل لها عباقرة اللغة قديما. وقد أثبتت جدارتها حديثا. ” إنّ النظريات اللغوية التي كانت جديرة بأن تلفت نظر الباحثين في ميداننا هذا هي النظريات التي استطاع اللّسانيون الملمون بالمنطق الرياضي أن يصوغوها صياغة رياضية . وهو أمر طبيعي إذ كلّ ما لم يحدّد بدقّة لا يمكن صوغه صياغة رياضية، وكلّ ما لا يمكن أن يصاغ هذه الصياغة فلا سبيل إلى استغلاله بالنسبة إلى الآلة.”[29] وقد وُضعت لذلك صيغة رياضية منطقية تمثّل جميع البنى التركيبية التي يحتملها القياس وهي: [(ع← م1)± م2 ] ± خ. إنّ هذه الصياغة الرياضية الدّقيقة تنسجم في طرحها مع النظام التركيبي للغة العربية، وتتجاوب مع طبيعة الحاسوب الذي يخزّن مثل هذه الصيغ الرياضية. ويقيس عليها أنماط التراكيب اللغوية التي يعالجها آليا. ” ونحن مقتنعون بأنّ الدراسة المتعمّقة لهذه النظرية العربية الأصيلة مع النظر في مكتسبات اللسانيات الغربية الخاصّة بالعلاج الآلي للّغات سيؤدّينا إلى تغيير الوسائل الحاسوبية التي هي مستعملة الآن في هذا الميدان. وهذا يقتضي أن ننهض بمستوى الصياغة الرياضية. ولن يتمّ ذلك إلاّ بالمساهمة الكبيرة الفعّالة لعلماء الرياضيات من هؤلاء الذين سبق أن نظروا في مشاكل العلاج الآلي للّغات.”[30] هذا العمل من شأنه أن يوفّر على طالب العلم جهدا معتبرا ، ويطوي للباحث المسافة نحو الهدف المنشود.  ” فبفضل هذه الوسائل الآلية نستطيع أن نختصر الطريق في بحوثنا اللغوية وذلك مثل التحليل الإحصائي للمفردات التي ترد في النصوص المراد فحصها فربّما لا يتمّ إلاّ على أيدي المئات من الباحثين والسنين الطوال. وكذلك هو الأمر بالنسبة لاختيار النظريات . فإنّ أقرب النظريات إلى الصحة هي التي تنطبق على العدد الكبير من الظواهر أي التي لها قدرة تفسيرية واسعة النطاق، وهذا لا يمكن أن يتمّ إلاّ باستعمال الحواسب، ثم إنّ هذه الحواسب لن تستجيب لما نطلبه منها إلاّ إذا كانت النظرية قابلة للصياغة الرياضية التي يتطلبها العلاج الآلي للنصوص.”[31]

والواجب القومي يملي علينا السعي في البحث الجادّ والمتواصل لتطوير الدراسات اللسانية الحاسوبية، وتعريب أدوات التقانة وبرمجياتها لجعل نظام التشغيل يعتمد الحروف العربية كمدخلات ومخرجات في مجال المعالجة الآلية . والاستفادة من منجزات الحضارة الغربية التي قطعت أشواطا بعيدة في هذا المجال لنتمكّن من الوصول إلى برامج حاسوبية ذات كفاءة عالية في خدمة اللغة العربية على كافة الأصعدة.

الهوامش:

[1] – نبيل علي، اللغة العربية وتحديات العصر، المؤسسة الحيثة،ص:92.

[2] – محمد بطاز، بناء الأجهزة الحديثة وفق خصائص العربية، الموسم الثقافي السادس والعشرين لمجمع اللغة العربية، 2008.

[3] – علاء الدين العجماوي، المعالجة الآلية للغة العربية بين الواقع والتحديات، الموسم الثقافي التاسع عشر لمجمع اللغة العربية الأردني،    عمان،2001،ص:71-72.

[4] – جوزيف طانيوس ، المعلوماتية  واللغة والحضارة، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس، لبنان، ط:01، 2012، ص:17.

[5] – محمد بطاز ، بناء الأجهزة الحديثة وفق خصائص العربية.

[6] –  نادية حجازي، ونبيل علي ،الفجوة الرقمية ، ص: 330.

[7] – وليد العناني ، العربية في اللسانيات التطبيقية، دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2011،ص:278.

[8] – جوزيف طانيوس، المعلوماتية واللغة والحضارة،المؤسسة الحديثة ، 2012 ص:33.

[9] – نادية حجازي، ونبيل علي ،الفجوة الرقمية ، ص: 330.

[10] –  سعد مصلوح، اللسانيات العبية المعاصرة والتراث، حصاد الخمسين، كلية الآداب، جامعة الكويت ص:76.

[11] –  عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث  ودراسات في اللسانيات العربية، منشورات المجمع الجزائري للغة العربية،ج: 01 ص:207.

[12] – م ن ص: 170-171.

[13] – نهاد الموسى ، نظرية النحو العربي  في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث، دار البشير، ط:02، عمان،1987، ص:25.

[14] – عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث  ودراسات في اللسانيات العربية ص:218.

[15] – م ن ص:219.

[16] –  سيبويه، الكتاب: 02/304.

[17] – عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث  ودراسات في اللسانيات العربية ص:219.

[18] – م ن ص:221.

[19] – ينظر م ن، ص: 222.

[20] – م ن، ص: 223.

[21] – م ن، ص:224.

[22]motasem/master –thesis /four Chomesky.htm/http:/www.n7cte.com

[23] – نبيل علي ، الحاسوب والنحو العربي الموسم الثقافي الرابع عشر،  مجمع اللغة العربية الأردني، ص:156-157.

[24]http:/www.n7cte.com/motasem/master-thesis/seven-interface-htm

[25] – did ?asp.print/com.alwasat ahrq.www/ :http,203980=issueno& = 6123

[26] –  الفجوة الرقمية، ص:349.

[27] محمد عطية ، التشريح البنائي لمشكل آلي عربي.M.Ateya@RDI-eq.com

[28] – عبد الرحمن الحاج صالح، بحوث  ودراسات في اللسانيات العربية ج: 01، ص: 262.

[29] – م ن ج:01، ص:234.

[30] – م ن، ص:264.

[31] – م ن ، ص: 173.

*تخصّص دراسات لغوية، جامعة حسيبة بن بوعلي ـ الشلف ـ الجزائر

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of