+91 98 999 407 04
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

التعليل في نظر مهدي المخزومي
د. سليم قزعوط

ملخص البحث:

     تسعى هذه الدراسة المتواضعة إلى تقديم صورة توصيفية للتعليل والعامل في النحو العربي عند أبرز الدارسين العرب المحدثين –مهدي المخزومي –حيث كان هذا الأخير ممن خالجهم الطموح إلى تيسير النحو العربي وتجديده وفق ما يخدم الناشئة متأثرا في ذلك بمنهج الدرس الكوفي الذي يتجرد نوعا ما من التعقيد والتعسف الذي أفرط فيه نحاة البصرة، ولعل استهداف المخزومي لهاتين القضيتين – التعليل والعامل- بالتجديد كان بسبب جنيهما على الأساليب العربية وتعقيدها لاعتمادهما التأويل والتقدير عاملين في تفسير ظواهر العربية.

الكلمات المفتاحية: العلة، العامل، النحو، الإعراب، التيسير.

 مقدمة:

إنّ ممّا لا ريب فيه أن العربية قد حظيت بقيمة لم تحظ بها أية لغة ، ومما زادها شرفا أنها لغة الذكر الحكيم الذي خلّد نصه إلى يوم الدين، وإذا كان ذلك كذلك، فمن الطبيعي أن يسخّر الله لها من يحميها ويرفع لها أركانها ويؤسس لها أصولا تعزز مكانتها، لقد كان هؤلاء المسخرون نحاة بذلوا خالص جهدهم وجادوا بما تجسّد في قرائحهم ليكون نحو العربية شاهدا على قداستها وعلوّ شأنها، ومما يشهد على براعة النحاة أنهم لم يكتفوا بوضع القواعد وترسيخ الأصول بل دفعهم فضولهم الفكري إلى تعليل تلك القواعد والوقوف عند مسببات الإعراب تحت ما اصطلح عليه في الدرس اللغوي القديم التعليل والعامل النحوي.

لقد كان التعليل في بداياته الأولى طبيعيا يفسر العربية وقواعدها تفسيرا يتلاءم وطبيعتها، بعيدا عن الجدل والمنطق الذين أساءا إلى العربية وآلا بها نحو التعقيد الذي مردّه التأويل ليكون هذا النوع من التعليل -أعني الجدلي والغائي- محل نفور من الدارسين العرب المحدثين الذين سعوا نحو تيسير العربية وتقريبها من المتعلمين بتقديم رؤى إصلاحية وآراء نقدية تجابه مغالاة النحاة القدامى في تعليل العربية وتفسير ظواهر إعرابها بما يخرج عن غايتها والهدف من دراستها.

1- التعليل في نظر مهدي المخزومي:

لقد كان لمهدي المخزومي محاولات جادّة في إصلاح النحو العربي وإخراجه من مظان التأويل والتعليل والتقدير، وقد شغلت أفكاره حيزا كبيرا من ساحة التجديد النحوي واعتلت آراءه ومحاولاته سماء التيسير النحوي، ولا شكّ أن المخزومي اتبع المنهج الوصفي الذي يقف عند حدود الظاهرة اللغوية بالوصف والاستقراء، واعتمد على المادة النحوية لدى القدماء وخاصة المدرسة الكوفية. ([1])

فقد تيّسر له الاطلاع على المسائل النحوية والتعليلات التي كانت أقرب إلى واقع اللغة بعيدة عن الفلسفة وسلطانها، أضاف إلى ذلك الآراء التي سبق إليها واستفادها من أستاذه إبراهيم مصطفى، فأفكار مهدي المخزومي تكوّنت بفضل غوصه في التراث وسبره لأفكار النحاة القدامى وانفتاحه على الدرس اللغوي العربي الحديث، فكان حلقة وصل بين ماضي العربية وحاضرها المتجدّد، لذلك يعتبر أبرز الأعلام الذين سلكوا نهج التجديد في العصر الحديث، فقد انصبت محاولاته على مراجعة بعض الأصول النحوية وما ترتّب عليها من مسائل في تعقيد النحو وتعسيره على المتعلمين كالعامل مثلا والإعراب وتخليص النحو من هذه النظرية التي بُنـِيَ عليها التعليل الذي اصطنعه النحاة وتكلفوا في فرض سلطانه على العربية.

2– التعليل النحوي بين النقد والرؤية الإصلاحية:

إن مهدي المخزومي انطلق في نقده للتعليل النحوي من رؤية جديدة للنحو العربي يرى أنها ضرورية وأصبحت الحاجة إليها ملحة لا لشيء إلا لعرض النحو عرضا جديدا يتلاءم مع طبيعة اللغة، ولقد كان للتعليل مكان بارز ضمن تجديده يقول: “أصبحت الحاجة ملحّة إلى نحو خلو مما علق به في تاريخه الطويل من شوائب ليست منه مدروسا وفق منهج يلائمه مبرأ من هذه التعليلات الفلسفية التي اصطنعها القوم والتي أتت على حيوية هذا الدرس اللغوي فعصفت بها وانتهى الأمر بها الدرس إلى أن يكون مصدر برم وضيق لا حدّ لها”([2])، ويمكن أن نلخص ما دعا إليه المخزومي فيما يلي:

  • يجب أن يعرض العرض العربي عرضا جديدا يراعى فيه المنهج التيسيري، وأقرب المناهج لدراسة النحو وأنجعها المنهج الوصفي الذي تبناه النحاة الأوائل ثم ما أن لبثوا وأن عزفوا عنه، فهذا المنهج لا يتعدّى وصف الظاهرة اللغوية.
  • الحرص على أن يكون النحو خاليا ومبرأ من تعليلات مصطنعة، ولعله يقصد بذلك العلل الجدلية، شأنه في ذلك شأن الذين سبقوه والذين نادوا بطرحها وإهمالها لأنها ذهبت بروح اللغة وسببت نفورا وضجرا من علم النحو بعد أن كان مستساغا سهل المنال للناشئة، كما أن التماس النحاة للنحو بهذا السبيل وباتباعهم هذا المنهج أتعبوا أنفسهم وجنوا على المتعلمين لأن تأويلاتهم وتعسّفهم في التخريج تطلق أحكاما لو تأملوها لتراجعوا عنها وأراحوا أنفسهم وأراحوا غيرهم من عناء الجدل وتشعب الآراء. ([3])

3– موقفه من العامل:

لم يكن رأي مهدي المخزومي في العامل خارجا عمّا تكاد تجمع عليه الدراسات اللسانية العربية الحديثة من رفضها ورفض العمل بمبدئها، ولقد سار على نهج أستاذه إبراهيم مصطفى لأن العامل شغل حيزا كبيرا من منظومته النحوية التجديدية حيث يقول: “قد حاولت في هذه الفصول أن أخلّص الدرس النحوي من سيطرة المنهج الفلسفي عليه وأن أسلب العامل النحوي قدرته على العمل، وقد كان النحاة رحمهم الله قد جعلوا من هذا المنهج منطلقا لأعمالهم”([4]).

4- منطلق رفض العامل عند المخزومي:

ويؤكد المخزومي أن إلغاء العامل يكون رغبة في إلغاء المسائل التي تترتب عليه وتخضع لأحكامه وقوانينه من ذلك مسألة التنازع والاشتغال والتقدير والتأويل …إلخ، ويرى المخزومي أن البصرة هي المسؤولة عن نشأة هذه الفكرة وتغلغلها في جسد النحو لتشغل الحجر الأساس في بناء المسائل على منواله، وسبب ذلك أن النحاة البصريين كانوا شديدي الارتباط بعلم الكلام، وهذا هو العامل الذي اقتبسه النحاة من كلام المتكلمين في العلة  والعامل الذي اقتبسه النحاة من كلام المتكلمين في العلة؛ ذلك أن منهج المتكلمين طغى على الدراسات المختلفة إذ ذاك فاقتبس منه الدارسون منهجهم، أضف إلى ذلك أن كثيرا من النحاة كانوا متكلّمين. ([5])

كما يرى المخزومي أن فهم النحاة الأوائل للعامل وبناء مسائل النحو على عاتقه لا يكاد يخرج عن طبيعة اللغة، وأن نشأته عند الخليل والفراء كانت من خلال دراستها للأصوات وتآلفها وتأثير بعض الحروف على بعض وملاحظة أثر الاستعمال في كثير من الأبنية والجمل([6])، يظهر ذلك في التفاعل بين الحركات والحرف، أما النحاة الذين جاءوا بعد الطبقة الأولى نسب إليهم تحوير منهج الدراسة اللغوية القائمة على العامل لتنحوا نحوا فلسفيا وتصبغ بثوب منطقي آل بالنحو إلى جدل وافتراض وجمود، فهذا يشير إلى أن العامل وليد العلوم التي كانت حصيلة العصر وخاصة علم الكلام الذي أنشأ بين يديه نحاة المعتزلة، وقد ظهر الاعتزال في البصرة على يد واصل بن عطاء، فقد تمكن هذا العلم من أن يستولي على عقول النحاة وبشكل معالم تفكيرهم في نحو العربية ليعصف بالعلة التي هي أساس التفكير في العامل.

فشغلت العلة مكانا كبيرا من نشاط النحاة؛ ذلك أن العامل في النحو وليد فكرة الأثر والمؤثر في عقيدة النحاة، وقد استطاعت البصرة أن ترمي جانبا من هذه الفكرة وتعود إلى رشدها بالرغم من سيطرة الاعتزال وعلم الكلام على نحاة البصرة، فالكوفيون بالرغم من تأثرهم بالمنهج الجديد لم يستطيعوا التخلّص من آثار ما نشأوا عليه من منهج دراسي ألفوه في حياتهم العملية في البيئة الكوفية ([7])، لذلك نرى أن العامل عند الكوفيين أضعف من العامل عند البصريين.

فرفض المخزومي لنظرية العامل وإلغائها من النحو وبناء تجديده وتأسيس تيسيره وفق ذلك كان لسببين:

  • الأول أن هذه اللغة تسرّب إليها ما ليس منها، فكان موضوع دراستها ومنهج التأليف فيها خاضعا لعلوم العصر كعلم الكلام.
  • الثاني أن هذه النظرية ترتّب عليها ما يذهب بروح اللغة ويجعل منها أوهاما وظنونا لا تتصل بطبيعة اللغة ولا تصيب منها هدفا.

5– تأثر المخزومي بآراء الكوفيين:

إن ما نقلته لنا المدونات التي أرّخت للنحو العربي وتتبعت مسيرة نشأته أن هناك مدرستين نحويتين كانتا هرمي تأسيس هذا العلم، وساهمتا بشكل كبير في إنتاج ما وصل إلينا من أصول وفروع، مع أن تلك المدرستين اختلفتا منهجا وتطبيقا في تناول مسائل النحو.

فالبصرة أشد تجريدا للقياس والكوفة أكثر منها ولعا بالسماع، ولقد ألقى ذلك بظلاله على تكوين الثقافة النحوية لدى الدارسين العرب المحدثين، فقد تسنى لكل باحث في النحو ومتبصرا بمسائله ومنفتحا على توجيهاته والاختلافات القائمة بين المدرستين والحرب الناشبة بين القطرين أن يجد له مكانا بين هذه الآراء ويرتئي لنفسه مذهبا يتقمّصه ومنهجا ينتهجه بين المدرستين، وكذلك كان المخزومي، فشأنه شأن باقي النحاة الذي يظهر تأثّرهم بمدرسة معينة، فقد تأثرّ المخزومي بالآراء الكوفية تأثرّا لا تعمى على رؤيته عين بصيرة، تجلى ذلك من خلال طرقه لمسائل النحو طرقا يتلاءم والدرس الكوفي ويعالج ذلك معالجة الكوفيين لها مؤيدا لحججهم في كثير من الآراء والتي منها:

1.5.التنازع:

سبق وأن أشرنا إلى أن التنازع من الأساليب النحوية التي خاض فيها نحاة القطرين (البصرة، الكوفة)، ولا بأس أن نذكر بأنه توجّه عاملين إلى معمول واحد، والعامل الأولى بالعمل قضية محلّ خلاف بين البصريين والكوفيين حيث أنّ الكوفة توجب إعمال الأول والبصرة توجب إعمال الثاني لقربه من المعمول.

كما أن الخلاف القائم يمنع إعمال العاملين في المعمول لأنهم متأثرون بالفلسفة الكلامية، ولأن الفلسفة التي اعتنقها هؤلاء تجعل من نظرية العامل قاعدة تقول: لكل معلول علة ولكل معمول عامل، وترفض أن تقول لكل معلول عاملان ولكل معلول علتان، فلا يحدث مؤثران أثرا واحدا لذا خلصوا إلى إعمال أحد العاملين وإضمار الثاني، لكن المحدثين يرون أنه لا مانع أن يجتمع عاملان على معمول واحد ويحظى كل منهما بالعمل في ذلك المعمول، فالجملة: جاء ودخل زيدٌ فاعل للفعلين ولا مجال لتوجيهه إلى أحد العاملين وإضمار الثاني لأنه ذات واحدة صدر منها الحدثان.

ولا شكّ أن المخزومي يرى ذلك الرأي ويعيب على النحاة النهج الفلسفي الذي نهجوه في معالجة هذه الأحكام، فقد جعلوا من التنازع أسئلة مفتعلة، فاللغة لا ترى في اجتماع فعلين أو أكثر مشكلة إذا دعت الحاجة إلى هذا الاجتماع لكن سيطرة فكرة العامل وتحكمها في قوانين النحو وإيمانهم بأن الفعل أقوى العوامل النحوية نظروا إلى مثل هذا الأسلوب في اللغة على أنه تنازع في العمل. ([8])

ولا مشكلة في جعل المعمول معمولا لعاملين، وفي جذور الآراء الكوفية التي توصف بأنها أقرب إلى واقع اللغة نلتمس هذا التوجّه والتسامح في تجويز ذلك والتحرّر من قيود هذه النظرية، ذلك أن الكوفيين يجيزون عمل عاملين في معمول واحد كعمل الفعل والفاعل النصب في المفعول به([9])، والفراء يرى أنه لا مانع من جعل المعمول معمولا للعاملين إذا كان لهما نفس الاقتضاء نحو قام وقعد زيد، فزيد فاعل أو معمول لقعد وقام كليهما([10])، وإذا عدنا إلى المخزومي فإنه يذهب إلى أبعد من تأييده للفراء حيث يرى أن باب التنازع إذا كان الاقتضاء واحدا ليست من باب التنازع أصلا.

2.5.الاشتغال:

إنّ هذا الباب أيضا من الأبواب التي استنفذت جهد النحاة، وضابطها اشتغال العامل بالعمل في ضمير الاسم الذي شُغِلَ عنه كقولنا: زيدا ضربته، فضرب عمل في الضمير العائد على زيد بدلا منه على حد قول النحاة، وفي هذا الباب يظهر لنا أنه لا بدّ للاشتغال من ضمير يعود على الاسم الذي قبل العامل، وهذا الضمير قد يكون منصوبا بالفعل أو مجرورا بالحرف.

ومع العلم أن الخلاف قائم والجدال محتدم في ناصب المشغول عنه الذي تقدم بين البصريين والكوفيين حيث أن البصريين لا يجيزون أن يكون الفعل الظاهر هو العامل في الاسم المتقدم بل يحصرون عمله في الضمير فقط ويقدرون فعلا للاسم المتقدم، والكوفيون لا يمنعون أن يكون الفعل عاملا في الاسم المقدم وما عاد عليه من ضمير لأن الضمير هو الاسم الظاهر في المعنى، مع أن الكسائي يرى أن الاسم منصوب بالفعل المتأخر والضمير ملغى والفراء يجعل الاسم منصوبا بالفعل، وعليه فليس هناك اشتغال عند الكوفيين، ويرى المخزومي ما يراه الفراء أنه لا يجب أن يعقد باب للاشتغال، فالاسم المتقدم مفعول به مقدم للاهتمام والضمير كناية عنه، فذهاب المخزومي ذهاب الفراء في باب الاشتغال تجنّب للتقدير والتأويل الذين يستحضران عناصر لا حاجة لنا بها في تقوّم المعنى وفهمه؛ إذ لا فائدة من القول في زيد رأيته: رأيت زيدا رأيته.

3.5.تقدم الفاعل على فعله:

من المسائل التي أعاد المخزومي إحياءها والاستضاءة بآراء الكوفيين فيها مسألة تقدّم الفاعل على فعله ([11]) بخلاف البصريين الذين يعتبرونه مبتدأ يقول المخزومي: “فالجملة الفعلية ما كان المسند فيها فعلا سواء أتقدم المسند إليه أم تأخّر”. ([12])

  فهذا التعريف الذي أدلى به المخزومي يعيد الاعتبار إلى تقسيم الجملة العربية، فإعادة النظر في تقسيمها لدى المحدثين الذين منهم المخزومي سببه أن القدامى من أسلافنا بنوا ذلك على معطيات شكلية لا اعتبار للدلالة فيها حيث أن ما صُدِّرَ منها باسم مرفوع فهي اسمية حتى وإن كان فاعلا في المعنى، لذلك نجد الكثير من المحدثين من يؤيّد هذا الرأي القائل بجواز تقدّم الفاعل على فعله، وإن منع تقدّم الفعل على فاعله “اعتبار لا تؤيده المعطيات المطلوبة ولا يبرّره الواقع اللغوي، وليست له أي مزية منهجية سوى أنه يدعو إلى التشبّث بالشكلية من ناحية أولى وإلى الالتباس من ناحية ثانية ويجرّ إلى التعقيد من ناحية ثالثة، فتقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية يجب أن يكون مبنيا على تحديد طبيعة العناصر المكوّنة لكل واحدة منها”. ([13])

 ولعلّ النهج الذي سار عليه النحاة الأوائل يؤدي إلى التعقيد والإضمار، فإذا تقدّم الفاعل على الفعل في جملة زيد جاء يجب أن يقدرّ فاعل للفعل جاء باعتبار أن زيداً مبتدأ وهذا التقدير نحن في غنى عنه ما دامت دلالة الجملة واضحة. أضف إلى ذلك أن هذا التقدير يقتضيه مبدأ الانسجام مع القاعدة النحوية العامة التي فرضها النحاة. ([14])

6.الإعراب عند المخزومي:

لقد انتهى نقد مهدي المخزومي لظاهرة الإعراب في العربية إلى تعريف يخلو من الصبغة الفلسفية التي تخلّلت التعاريف والرؤى القديمة لدى النحاة حيث يرى أنه: “بيان ما للكلمة أو للجملة من وظيفة لغوية أو قيمة نحوية ككونها مسندا إليه أو مضافا إليه أو فاعلا أو مفعولا أو حالا أو غير ذلك من الوظائف التي تؤديها في ثنايا الجمل وتؤديها الجمل في ثنايا الكلام”([15]).

 ولا يختلف هذا التعريف للإعراب عن رأي إبراهيم مصطفى فيه حيث أن الإعراب وسيلة لرصد الدلالة النحوية للكلمة في الجملة والجملة في الكلام، ففهم مهدي المخزومي وإبراهيم مصطفى للإعراب على حدّ قولـيهما كان أوسع من فهم القدماء له الذين ربطوا دلالته بحركة إعرابية تظهر على آخر الكلمة، كما أن الفتحة أفرغت من وظيفتها الدلالية وضاعت الوظائف النحوية معها لأنها سمة لها، فالضمة علم الإسناد والكسرة علم الإضافة، أما الفتحة فليست علما لشيء فهي حركة خفيفة يستريح إليها العرب حين يريدون تحريك آخر الكلمة، لا تدخل في نطاق إسناد ولا إضافة ولا تحمل أي معنى إعرابي([16]).

7.رأي الباحث آراء في المخزومي:

إنّه من زاوية الإنصاف العلمي أن نقول: إن المحدثين لا يختلفون عن القدامى في تعليلهم لمعاني حركات الإعراب، ولا نراهم أضافوا جديدا لظاهرة الإعراب إلا غلوّا في طعنهم للقدامى وتوجيه سهام النقد إليهم لأنهم بنوا معظم أبواب النحو على نظرية العامل وما يتخلّلها من إعراب، فدراسة المحدثين لحركة الإعراب ودلالاتها لا يخلو الفكر النحوي القديم منها لأن تخصيص وظيفة لغوية وقيمة نحوية ودلالية لكل حركة إعرابية ضارب بجذوره في قديم الفكر النحوي كما أشرنا سابقا خلال حديثنا عن إبراهيم مصطفى حيث كان الزمخشري سبّاقا له في تحديد وظائف الحركات، فالضمة للمسند إليه والفتحة علم المفعول والفضلات والكسرة للإضافة.

فتوسيع دائرة الإعراب وإخراجه من مدار التضييق المفهومي والحصر الشكلي لدى إبراهيم مصطفى ومهدي المخزومي لا يخلو من نقد لأن تجديدهم للإعراب انطلق من تعريف المتأخرين له من النحاة، فالمتقدمون لهم مفهوم أَرْفَعُ من أن يُوسَمَ بأنه اختلاف أواخر الكلم باختلاف العوامل لفظا أو تقديرا أو أثر ظاهر أو مقدّر يجلبه العامل في آخر المعرب، فهذه تعاريف أوردها ابن هشام الأنصاري وأبو البركات الأنباري، تعاريف تعصف بالقيمة الدلالية له، وإن تعريفي ابن جني وابن يعيش يردّان له الاعتبار ويجعلان منه حلقة تدور حول الشكل والمعنى؛ ذلك أن المعنى هو المرآة الحقيقية لاختلاف هذه الحركات التي يسببها العامل فابن جني يرى: “أنه الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه وشكر سعيدا أبوه علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول ولو كان الكلام شرجا واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه”([17])، ويرى ابن يعيش: “أنه الإبانة عن المعاني باختلاف أواخر الكلم لتعاقب المعاني”([18]).

ألا يلتمس الناظر في هذين التعريفين أن المعنى هو سبب اختلاف الحركات المتسببة بالعوامل وأن المعاني في النفس أَسْبَقُ من لفظ الحركات أواخر الكلم وأن العوامل وما يترتّب عنها من آثار إعرابية وسائل لإيراد المعاني وصور شكلية تعبر عنها؟ فالأجدر بنا إذا أردنا أن نعيد النظر في تراث أسلافنا الإحاطة بتعاريفهم وتأمّل مؤلفاتهم تدبّرا وقراءة حتى لا نصدر أحكاما تكون ضحية العجلة، ومن الإنصاف العلمي أن نقول إن الإعراب موصول بالمعنى في دراسات المتقدمين بعرى منطقية ووشائج محكمة لا يمكن لها أن تكون عرضة لفصل أحدهما عن الآخر (الإعراب والمعنى).

الهوامش:

[1] لقد تكللت جهود مهدي المخزومي وبحوثه بتأليف كتابه الموسوم بمدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو الذي تقدم به إلى كلية العلوم لنيل شهادة الدكتوراه، ولا شك أن عنوان الكتاب ينبئ عن إعجاب مهدي المخزومي بآراء الكوفيين وتأييدها أكثر من مرة؛ ذلك أنه كان يرى منها أحكم وأمثل وسيلة في وصف اللغة وصفا يطابق واقعها ويتماشى مع طبيعتها.

[2] مهدي المخزومي، في النحو العربي نقد وتوجيه، دار الرائد العربي، بيروت لبنان، ط2، 1986، ص27.

[3] الدكتور هادي نهر، آراء حول إعادة وصف اللغة ألسنيا في إشغال ندوة اللسانيات واللغة العربية، تونس، 1983، ص127.

[4] مهدي المخزومي، في النحو العربي نقد وتوجيه، ص16.

[5] ينظر: مهدي المخزومي، مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط2، 1958، ص260.

[6]مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، ص274.

[7] مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، ص261.

[8] ينظر: مهدي المخزومي، في النحو العربي نقد وتوجيه، ص161.

[9] ينظر: كمال الدين أبو البركات الأنباري، الإنصاف في مسائل الخلاف، دار الطلائع، نصر القاهرة، دط، 2005 ج1، ص82، ومحمد خير الحلواني، أصول النحو العربي، دار إفريقيا للشرق، المغرب، 2011، ص202.

[10]مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، ص263.

[11] الشاهد الذي استدل به الكوفيون على ذلك قول الزباء نائلة بن عمرو من الرجز: مَا لِلْجِمَالِ مَشْيُهَا وَئِيدًا ** أَجْنَدَلًا يَحمِلْنَ أَمْ حَدِيدًا.

[12] مهدي المخزومي، في النحو العربي نقد وتوجيه، ص47.

[13] عبد القادر المهيري، نظرات في النحو العربي، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1993، ص48.

[14] ينظر: عبد العزيز العماري، أدوات الوصف والتفسير اللسانية، مطبعة أنفو برانت فاس، ط1، 2004، ص44.

[15]مهدي المخزومي، من النحو العربي نقد وتوجيه، ص67.

[16] ينظر: مهدي المخزومي في النحو العربي قواعد وتطبيق، دار الرائد العربي، بيروت، ط2، 1986، ص70-71.

[17] ابن جني، الخصائص، تحقيق، محمد علي النجار، المكتبة التوفيقية، ط1، 2015، مصر، ج1، ص104.

[18] موفق الدين ابن يعيش، شرح المفصل تح: إميل يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2001، ج1، ص196.

*يعمل أستاذا مؤقتا بجامعة العربي بن مهيدي أم البواقي، الجزائر

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of