+91 98 999 407 04
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

صور المثقفين القاهريين فى أدب نجيب محفوظ
د. سميه رياض الفلاحى عليغ

 

         لا ترتسم حياة المثقفين القاهريين إلا بقصص الواقعية ولا تتضح صورتها إلا بمحاولة نجيب محفوظ القصصية أو الروائية دون منازع ، ذلك أنه من الكتاب القلائل الذين يقفون على تمام الوعى باتجاهات العصر ويمتلك المشاعر والتجارب والمواقف وما سواها كما يذكر الدكتور نبيل فرج :” للكاتب المصرى نجيب محفوظ رؤية متكاملة للحياة يشف عنها إنتاج أدبى لا يزال يمثل أفضل ما بلغته الرواية العربية المعاصرة من تميم فكرية وفنية نابعة من وعى تام بالعصر” (1) أو كما يضيف إلى :” ينبع أدب نجيب محفوظ ، فى مراحله المختلفة ، من حياته وتجاربه وثقافته ، ويرتبط ارتباطًا حميمًا ، يصل إلى حد التفاعل ، ببيئته وعصره ، على الصعيد الإجتماعى والسياسى والحضارى “. (2)

           فإنه رسم الصور الفوتوغرافية للطبقة المتوسطة القاهرية التى تعد إحدى أبرز المثقفين المصريين كما يعتقد نجيب محفوظ  فيقول فى مد حها :” والطبقة الوسطى ، وحدها ، هى التى تخرج منها أعظم الأفكار وأكثرها انسانية ، وهى فى اعتقادى ، أقدر الطبقات على تحقيق السلام والتقدم الاجتماعى ، دون إجهاض ، أو دون تضحية بالطبقات الأخرى “(3)

فنجيب محفوظ هو أحد الروائيين المصريين العبقريين ، ولد فى حىّ الجمالية بمدينة القاهرة سنة 1911 وأكمل دراسته الأولى من مدرسة الجمالية ثم التحق بجامعة القاهرة للدراسة العليا ، وفى حين شرع فى التأليف المقالى الاجتماعى الفلسفى ثم تحوّل إلى كتابة القصصى حينما تأثر بأحداث ، وقعت فى مصر وامتدت جناحها إلى أرجائها بعد ثورة يوليو سنة 1919م. وبتأثيرها استغرق فى البحث عن أسبابها فاستخدم حياة الشعوب القاهرية موضوعًا لروايته بحيث بيّن رؤيته الواقعية فى إطار مصرى واقعي . وعلى الرغم من أنه قد كان بدأ مرحلته الأدبية من الروايات التاريخية وكتب ” عبث الأقدار” و” كفاح طيبة ” و” رادوبيس ” وغيرها كما يقول نجيب محفوظ فى تلك المحاولة :” كان اهتمامى بهذا النوع من القراءات راجعًا إلى سيادة ” المصرولوجى ” فى تلك الآونة” (4)ولكنه نجح فى بيان رؤيته الواقعية حينما نصب أعماله على تصوير الطبقة الوسطى بما قد تأثر بها تأثرًا بالغًا كما يصفها بقوله فى مقابلة شفوية مع نبيل فرج :” أنها أوعى طبقات المجتمع بالمجتمع يعنى الارستقراطى لا يعرف مجتمعه ، كذلك الفرد العادى من الشعب لا يعرف المجتمع ، كما يعرفه واحد من الطبقة الوسطى “.(5)

          وعندما استعرض حياة الشعوب المثقفة العريقة فنال قبولًا بالغًا من القراء وحتى حاز على عدة من الجوائزالتقديرية وفاز بجائزة نوبل العالمية للآداب سنة 1988م حينما نشر كتابه ” أولاد حارتنا” ، وهذا دليل واضح على نجاحه وعظمته فى المجال.

          وبتغييرات فى المجتمع المصرى فى تلك الآونة اهتم بتحليل الواقع لأنه كان محتفيًا دائمًا بالمكان وكانت الحارة المصرية وملحقاتها فى حى الجمالية بمدينة القاهرة هى المكان الأثير لديه فأخذ منه موضوعات رواياته لتفاعله الذاتى ولمعايشته هذا المكان فى أيام عمره المختلفة كما يؤكده بقوله :” كنت فى الماضى اهتم بالناس والأشياء ، ولكن الأشياء فقدت أهميتها بالنسبة لى ، وحلّت محلها الأفكار والمعانى ، اصبحت اليوم اهتم بما وراء الواقع “.(6) وذلك لأنه شاهد المأساة والأزمات فى الحياة المصرية ويوضّح أن عنايته بالفكر الواقعى الاجتماعى ” مبعثه الشعور بالاضطهاد الاقتصادى والسياسى كما ترى فى القاهرة وخان الخليلى زقاق المدق وبداية ونهاية ” ويضيف قائلًا : ” لم يلق شعب ما لقيه الشعب المصرى من الاضطهاد ” (7)

          وبهذه الأزمات الدينية والاضطهادات السياسية فى المجتمع المصرى تأثر نجيب محفوظ تأثرًا حميمًا حتى اختار عناوين لبعض أعماله الروائية باسم أحياء القاهرة الشهيرة وأحاط بكل جوانبها تصويرًا دقيقًا كما القاهرة الجديدة ، خان الخليلى ، زقاق المدق ، مقهى الكرنك ، مقهى قشتمر ، ميرامار والثلاثية وغيرها.

          ففى المرحلة الثانية فى كتابته اتجه إلى الطابع الواقعى مستجيبًا لعوامل التغير فى المجتمع من حوله ، ومتطلبًا لصيحات التجديد الفنى الروائى وأخرج إنتاجه الأول الاجتماعى باسم ” القاهرة الجديدة ” ، فيها اهتم بتصوير جميل متكامل لأحوال الطبقة الوسطى وظروفها الإجتماعية كما يبدو من قول د. يوسف نوفل :” ويتخذ بيئاته من القاهرة القديمة والحسين والجمالية والعباسية ، ومن خلال نظرته التاريخية وعنايته بالبيئة ، وتقلب أبناء الطبقة المتوسطة وأجيالها يعطي عناية بالزمن “. (8)

          ثم تابعتها “خان الخليلى ” و “زقاق المدق” و “السراب” و”بداية ونهاية” و”الثلاثية” وغيرها ، فيها اتخذ اللوحات الفنية القصصية من حيث الاكتمال الفنى وعرض كوائف أفراد الطبقة المتوسطة المثقفة فى صورة بديعية حيث يشعر القارئ بأنه قد ولد فى مصر وطال عمره فيها وشاهد طبيعاتها وأحوالها حتى يقال :” تعتبر مؤلفات محفوظ بمثابة مرآة للحياة الإجتماعية والسياسية فى مصر، كما أنها تعكس رؤية المثقفين على اختلاف ميولهم إلى السلطة وإلى النزاع الإسرائيلى “.(9) وأما من حيث اكتمالها الفنية فأشاد النقاد والأدباء بما فيها من تجديد وتكنيك كما يقول لويس عوض :” اليوم يقدم لنا نجيب محفوظ فى قصته الكبيرة : الطريق ، مرحلة جديدة ووجهاً جديدًا فى الأدب العظيم ، أدب بحث الإنسان عن المجهول العظيم “.(10)  وإذا أمعنا النظر فى أعماله الاجتماعية فلمحنا الأزمات والنكبات فى إطار ميله إلى الواقعية المصرية حينما نرى دخول الفتاة الجامعية ومقدمات الحرب العالمية الثانية وازدياد فقر الفقراء وغنى الأغنياء فى أولى رواياته ” القاهرة الجديدة ” بسبب التحولات السياسية فبدأ المؤلف الرواية بحلقة من الطلاب الجامعي يختلفون فيما بينهم عن المبادئ العامة فمنهم من تمسك بالدين والقيم الحديثة ومنهم من اتفق على الإشتراكية مع التطور الإجتماعي ومنهم من اختار الصمت بدلًا أن يظهر مشاعره فانتخب نجيب محفوظ هذه المشكله بداية لروايتها بما واجهها مصرفى ذلك الوقت وعكس هذه التجارب فى أروع الصورة فيقدم مأمون رضوان وعلى طه نموذجين يلخصان أزمة اليمين واليسار حين يلتقى على طه ومأمون رضوان فى قوله :” نحن متفقان على ضرورة المبادئ للإنسان ، هى البوصلة التى تهتدى بها السفينة وسط المحيط ” ثم يفترق الاثنان بعدئذ فيقول مأمون رضوان ” حسبنا المبادئ التى أنشأها الله عزّ وجلّ ” أما على طه فيؤمن ” بالعلم بدل الغيب ، والمجتمع بدل الجنة ، والإشتراكية بدل المنافسة “.(11)

          وعرض فيها إعجاب الأسرة الفقيرة بالتطورات الإجتماعية حيث بيّن شخصية محجوب عبد الدائم : قروى فقير ، ينتهي من دراسته الجامعية ، يعجب بديكارت فى قوله :” أنا أفكر فأنا موجود ، متفقًا معه أن النفس أساس الوجود ، ثم يرى أن نفسه أهم ما فى الوجود وسعادته هى أهم ما يعنيه فلا مكان لمبدأ فى سبيل سعادته وغايته : اللذة والقوة “.(12)

          وأشار فيها إلى استغراق الأذهان فى حب الثروة و طلب الشفاعة و المصاهرة فى الحصول على  الوظيفة و الميل إلى الشذوذ الجنسية التى قد أصبحت جزءًا هامًا للحياة العامة كما أصيب بهامحجوب عبدالدائم فى محاولة العمل بعد ما نال الليسانس حيث عرض عليه سالم الأخشيدى العمل بمجلة النجمة فقال له رجل صريح : انس مؤهلاتك ، هل لديك شفيع ؟ أو قريب ؟ أو مصاهرة أحد رجال الدولة ؟ (13) إذ كان زملاؤه فى عيشة راضية كما على طه عيّن بمكتبة الجامعة ، ومأمون رضوان بدأ يستعد للسفر فى بعثة دراسية إلى السربون بفرنسا ، وأحمد بدير يشتغل بالصحافة.

          وهكذا صوّر فيها الأهواء الجنسية واضطرارالشعب العمالي إلى التضحية  بسب الجوع والفقرالتى انتشرت فى الطبقة الوسطى فعرضها فى شخصية إحسان شحاتة ، كانت تتعلق بعلي طه وقاسم بك من الأثرياء فاضطر محجوب عبد الدائم فى إطار العمل إلى أن يتزوجها التى تستمر اللعبة القذرة.

          وكذلك تنطبق رواية ” خان الخليلى ” على صور أسرة من الطبقة الوسطى. ولعل خان الخليلى هو من أحياء القاهرية المعزية المثقفة ، ولذا استخدمه كوعاء لإحدى رواياته وأطلق اسمه على ” خان الخليلى ” و هى من الأعمال الاجتماعية التى قدّم فيها نجيب محفوظ شخصيات بوجودها كان أولها شخصية أحمد عاكف الذى بيّن عنه عواطفه محمد مندور حين حلّل لهذا النص :” البرجوازي الصغير أحمد افندى عاكف ، الذى لقيه نجيب محفوظ فى “خان الخليلى ” فالتقط لنا صورته الجسمية والنفسية بل والإجتماعية أيضًا ، وذلك لأنه بطل من أبطال تلك الطبقة الوسطى التى يسمونها فى أوروبا بالبرجوازية الصغيرة “.(14)

          ونجد رواية ” زقاق المدق ” ، تعرض ارتباطها بالحرب العالمية الثانية ارتباطًا كبيرًا، وتشمل كل النواحى حيث تنظر نظرة إنسانية إلى تطور أجيال الطبقة المتوسطة المصرية فى تتبع تسلسل الأجيال والطبقات ، وتبدأ التحامًا بالوصف المحدد للمكان الذى وقع فيه الأحداث وتستهل بتقديم تاريخ الزقاق وأصوله ، فتنطلق من هذه العبارة :” تنطق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة “(15)

             وتبدو معالم ارتقائها فى نسيج متونها حين نرى رؤية المعلم كرشة خلاف الشاعر العجوز الذى أراد أن يقص على رواد القهوة فصاح المعلم كرشة قائلًا :” عرفنا القصص جميعًا وحفظناها ولا حاجة بنا إلى سردها من جديد، والناس فى أيامنا هذه لا يريدون الشعر وطالما طالبونى بالراديو ، وها هو ذاالراديو يركب فدعنا ورزقك على الله. فقال الشاعر فى قنوط: ألم تسمع الأجيال بلا ملل إلى هذه القصص من عهد النبى صلى الله عليه وسلم ؟

فضرب المعلم كرشة على صندوق الماركات بقوة وصاح به :

قلت لك تغيّر كلّ شيئ ؟(16)

          ومع التغيرات تقدم لنا الرواية التضاد فى أحوال الطبقتين اللتين تحركان فوق أرض واحدة فى آونة واحدة حينما نشعر بازدياد أمر الطبقة الشعبية التى تغرق فى المغامر والأهواء من الطبقات الأثرياء فى شخصيات السيد سليم ، حسين كرشة ، وزيطة ؛ وعلى العكس نجد الفقر والاستسلام والتصوف والمغامر والشذ الجنسى فى صور عباس الحلو ، المعلم كرشة والدرويش.

          وتستعرض الرواية التناقض فى الآراء حين يغمر السيد علوان فى حب عربته الأنيقة ويحاول فى سبيلها فلم يوافق ابنه المحامى عارف قائلًا : ” السياسة حقيقة أن تخرب بيتنا وتلتهم تجارتنا ، ستجد نفسك ملتزمًا بالانفاق على الحزب أضعاف ما تنفق على نفسك وأهلك وتجارتك ، وعسى أن ترشح للبرلمان فتغرق الانتخابات آلافًا من أموالك دون جدوى ثمنًا لكرسى غير مضمون وهل البرلمان فى بلادنا إلا كمريض بالقلب تهدّده السكتة فى أية لحظة ثم أى حزب تختار؟ (17)

          وفى المقابل تتحمل فى طياتها فشل عباس الحلو فى الزواج مع حميدة التى نشأت شرسة تريد الثرى المتسرع حتى اغتيلت بيد فرح إبراهيم وهبطت فى أحضان جنود الإنجليز وتعرض أسف عباس بالفقر حينما يتساءل لماذا لم أولد غنيًا ؟

          وفى جانب آخر تمثّل شخصية حسين كرشة الذى كان من الطبقة الشعبية فنجح فى العمل وفى الزواج مع حميدة فيرى أن الجيش الإنجليزى كنز لا يفنى ، هو كنز الحسن البصرى ، ليست هذه الحرب بنقمة كما يقول الجهلاء ، ولكنها نعمة النعم لقد بعثها ربنا لينتشلنا من وهدة العوز ، على الرحب والسعة——(18)

          ومع هذه الفكرة لم ينفع بثمار الإنجليز بل أصبح مريض الفقروالجوع فعكس نجيب محفوظ عيشته المضطرة إلى عالة على أبيه أى فقد مؤهلاته وإن كان ذا فكر متطوّر.

وصوّر شخصيات الرواية وأحداثها وبيئاتها تصويرًا دقيقًا بحيث يستشعر بها القارئ المجتمع المصرى.

          وكذلك تمثّل فى ” بداية ونهاية ” الأحداث التى دارت منذ 1936م إلى ما قبيل قيام الحرب العالمية الثانية حينما شاعت الأزمة الإقتصادية العالمية وقد حفل المجتمع المصرى بقضايا الطبقات وكل منهما كانت لا تزال فى المسابقة إلى الإزدهار والارتقاء.

          فقد رسم فيها أسرة حسنين رسمًا بالغًا حيث يرى الإبن الأكبر حسين الذى كان يتحمل عبء الأسرة أن بذل الدماء هو طريق للتحرر وعلى العكس أخوه الأصغر يريد أن يعيش فى ظل الاستقلال ويحاول للتخلّص من طبقته إلى طبقة أعلى.

وكذلك استعرض فيها تمثيل حسنين فى دور الفتى الغني وزيه العسكرى وسلوكه السيئ والخدع فى الحب مع بهية وبنت أحمد يسرى وانتحاره فى محاولة الصعود ، وصوّر عمل نفيسة كالخياطة ثم وقوعها فى الرذيلة والبغاء.

فتضيئ هذه الأحداث والشخصيات فى إطارها زمناً متطوراً ومتحاولًا للسمو والرقي.

          وهكذا تتضمن ” الثلاثية ” تسجيل دقيق لواقع الحياة المصرية بما فيها من أحداث تاريخية وسياسية و وطنية وأغنيات شعبية ، وتصوير لمعالم الجنس واللهو ، وتذليل المرأة المصرية ، وتغيير القيم الاجتماعية والأوضاع السياسية و تألق روح الكفاح الوطنى كما ذكر نجيب محفوظ :” بأنها لا تعتمد على ” الحدوتة ” الطويلة بل تعتمد على تسجيل دقيق لواقع حياتنا يومًا بعد يومٍ وساعة بعد ساعةٍ ويعتبر كل فصل فيها صورة مستقلة قائمة بذاتها “(19)

          فيرى النقاد أن الثلاثية ( بين القصرين ، وقصر الشوق ، والسكرية ) ليست متفرقة بل متصلة إحداها بالأخرى فالأخرى كما يكتب يوسف نوفل :” تصوّر ” بين القصرين ” حياة الأب المستبد الماجن “السيد عبد الجواد ” ، ونرى فى الثانية تصوير الحبّ الخائن ، ونلتقي فى الثالثة بصورة كفاح الجيل الجديد ، لأن هذا العمل الفنى تبدو أهميته فى أثره الكلى ونظرته الشاملة “. (20)

          وتبدأ هذه الرواية ببيان عن الحياة اليومية لأسرة عبد الجواد المنتمية إلى الطبقة الوسطى المحافظة على الدين بحيث تحيط بجوانبها النفسية والاجتماعية ، وتنطلق من تمام الاحتفال عقب تولية أحمد فؤاد العرش فيبدو فيها أحمد عبد الجواد مشغولًا بالسياسة ومستعجبًا بموقف الأمير كمال الدين حسين الذى رفض أن يجلس على عرش أبيه فى زمن الاحتلال الإنجليزى ، وفى حين تبدو زوجتها أمينة التى كانت تغفل عن كل ما حولها كأنها جارية مظلومة محكومة لا تستحق اظهاررأيها وحريتها ، وتأتى دور ابنتيها خديجة وعائشة بتغيير القيم الاجتماعية و تقييم الأحوال السياسية.

          فهذه الرواية تعكس جانبي التمرد : التمرد على الأب وعلى المستعمر الإنجليزى و تعرض طرز الحياة لأسرته التى تتطلع على جانب واحد من حياة أحمد عبد الجواد أى الصرامة والحزم والجود والمحافظة على الدين وتغفل عن جانبه الآخر هو اللهو والمجون والمرح والجري وراء اللذة الحسية .

          وأما ثانيها ( قصر الشوق ) فتحيط بالزمن منذ سنة 1924م حتى سنة 1927م ، فيها وقعت أقدام التطور حيث بدأ المجتمع المصرى يتسرع إلى الحضارة الغربية كما يذكر يوسف نوفل :” يطرأ على المجتمع فى الثلاثينات من هذا القرن ، حيث تسود السيطرة الرأسمالية كمنافس للسيطرة الاجتماعية ، كما نرى مظاهر التقاء الحضارة الغربية بالتقليد والعقائد كما يبدو فى شخصية كمال ، وفى الصفحات الأخيرة من الرواية تسجيل لوفاة سعد زغلول “. (21)

          وأما ثالثها ( السكرية ) يمتدّ زمنها منذ سنة 1924م إلى سنة 1944م، والسكرية إسم الحارة التى كان فيها بيت  زوج كمال خديجة امام بوابة المتولى ( باب زويلة ) ، وتدور أحداث الرواية حول الصراع بين اليمين واليسار فى الحركة الوطنية وتوقيع معاهدة مع انجلترا  و أحوال الحرب العالمية الثانية وغيرها كما يشير يوسف نوفل إليها قائلًا :” وفى الرواية نرى الصراع بين اليمين واليسار فى ركب الحركة الوطنية والرغبة فى النمو الاجتماعى ، وفيها ترى الأحداث الكبرى من توقيع معاهدة 1936م مع انجلترا ، ثم الحرب العالمية الثانية ، ثم انذار 4 من فبراير سنة 1942م” . (22)

          ونسوق فى ضوء هذه الدراسات إلى أن هذه القصص الواقعية الاجتماعية لنجيب محفوظ ترتبط بالبيئات الواقعية القاهرية ارتباطًا وثيقًا حتى ينجذب انتباه القارئ إلى الحضارة المصرية كأنه يراها من عينيه الحقيقيتين. فيمكن القول إن الحياة المصرية القاهرية لا تتضح بصورة جادة إلا بقصصه الواقعية الاجتماعية التى ظهرت فى زمن متباينة وشاعت فى كافة أرجاء العالم فأثّرت فى قلوب الناس حيث تزاحم النفوس عليها بتشويق وجاذبية.

الهوامش

  1. نجيب محفوظ : حياته وأدبه ، د. نبيل فرج ، ص 63 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب
  2. نفس المرجع ، الصفحة الأخيرة
  3. نفس المرجع ، ص 77
  4. الفن القصصى بين جيلى طه حسين ونجيب محفوظ ، د. يوسف نوفل ، ص 99 ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1988
  5. المرجع السابق ، د. نبيل فرج ، ص 76
  6. مجلة الآداب ، يناير ، 1965
  7. المنتمى دراسة فى أدب نجيب محفوظ ، د. غالى شكرى ، ص 206
  8. المرجع السابق ، د. يوسف نوفل ، ص ص 104-105
  9. راجع إلى R.snir,” The Arab-Israeli Conflict as Reflected in the Writing Of Najib Mahfuz,” Abr-Nahrain27 (1989), pp.120-153
  10. مجلة الأهرام ، لويس عوض ، ص 111 ، 25-10-1963
  11. المرجع السابق ، د. غالى شكرى ، ص 209
  12. المرجع السابق ، د. يوسف نوفل ، ص 114
  13. نفس المرجع
  14. راجع إلى :البرجوازى الصغير ، محمد مندور ، عبقرية المجهود ، مندور ناقدًا للقصة والرواية ، يوسف القعيد ، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة ، 2005
  15. زقاق المدق
  16. نفس المرجع ، ص 7-8
  17. نفس المرجع ، ص 65
  18. نفس المرجع ، ص 35
  19. المرجع السابق ، د. يوسف نوفل ، ص 120
  20. نفس المرجع ، ص ص 120-121
  21. نفس المرجع ، ص 122
  22. نفس المرجع

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of