+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

“جهود السكاكي البلاغية من خلال كتابه “مفتاح العلوم
د. حاج هني محمد

ملخص:

إنّ الدارس لتاريخ البلاغة العربية يكتشف إسهامات طائفة كبيرة من العلماء الأفذاذ الذين كانت لهم بصمات واضحة في تشكيل هذا العلم الجليل، فقد امتدت مسيرة تكوين البلاغة في التراث اللغوي العربي عبر سلسلة طويلة تبدأ حلقاتها من اكتمال اللغة العربية، ثم تعددت هذه الحلقات وتوالت في أطوار مختلفة، وعصور متباينة ومرت بعوامل قوة وضعف إلى أن وقفت عند حدود واضحة ومعالم بارزة كما بينها السكاكي في “مفتاح العلوم”؛ وهذا البحث هو محاولة لتسليط الضوء على جهود السكاكي البلاغية من خلال هذا المصنف؛ ومحاولة لكشف دوره البارز في ضبط علوم البلاغة العربية ومصطلحاتها.

الكلمات المفتاحية: جهود، السكاكي، البلاغة العربية، مفتاح العلوم.

مقدمة:

لقد مرّ علم البلاغة بمراحل مختلفة إلى أن تحددت معالمه، واستقرئت قواعده ولقد مثّل كلّ مرحلة من هذه المراحل عدد من الدارسين الأفذاذ الذين أسهموا في تأسيس هذا العلم وتطويره، واجتهدوا في وضع النظريات والتصورات والمصطلحات التي تخصّه، ويُجمع الدارسون على أنّ علم البلاغة شهد أربع مراحل أثناء مسيرة تشكيله، إذ كانت مرحلة النشأة التي احتضنت بذور البلاغة في منابتها الأصيلة، فمرحلة النّمو التي شهدت الدّراسات البلاغية المنهجية، ثمّ مرحلة النّضج الّتي تبلورت فيها علوم البلاغة الثلاثة، وأخيرا مرحلة الاكتمال الّتي اعتنت بتحديد المصطلحات، وصياغة القواعد النهائية لهذا العلم الجليل.

  • البلاغة العربية بين الفن والعلم:

              ما تحدّث تاريخ أمّة بما تحدّث به تاريخ العرب من حبّ هؤلاء القوم للغتهم وعنايتهم بشأنها، واحتفائهم بها، فبلغوا بذلك مرتبة عالية من البلاغة والبيان، إذ كان من يبلغ بلغته نظما أو نثرا منزلة رفيعة من الشّعر والخطابة تبلغ به لغته تلك منزلة أرفع بين قومه وأفراد عشيرته، وهـو حينئذ يرتقي بقبيلته وعشيرته إلى أسمى المراتب وأعلى المنازل، ولهذا السـبب كانوا إذا نبـغ منهم شاعر أو خطـيب أولـموا له، واحتفوا به[1]؛ باعتبار أنّ طبيعة الحياة آنذاك كانت قائمة على التّفاخر بالأنساب والأجداد، والتّباهي بالأيّام والمآثر، وكان الشّعر هو الدّيوان الّذي يلجأون إليه لتسجيل مآثرهم وتخليد أيّامهم[2]، ولذا يُفترض في الشّاعر أو الخطيب أن يمتلك لغة تفصح وتبين، لترفع أو تحطّ، فاللّغة إذا سلاح القوم وآلتهم في ميدان الفخر والشّرف، فهم “يدركون تماما أن فنّ القول يحتاج إلى تجربة دقيقة ومراس طويل”[3]؛ ولهذا “فبلغاؤهم من الخطباء والشعراء لم يكونوا يقبلون كل ما يرد على خواطرهم، بل ما يزالون ينقّحون ويجوّدون حتّى يظفروا بأعمال جيّدة”[4]، فقد تظلّ القصيدة حولا كاملا من أجل التّـنقيح والتّهذيب، كي تخرج غاية في القوة والبلاغة، ويرى الجاحظ (ت255 هـ) أنّ الشّاعر منهم كان “يدع القصيدة تمكث عنده حولا كريتا (كاملا) وزمنا طويلا يردّد فيها نظره، ويجيل فيها عقله، ويقلّب فيها رأيه…وكانوا يسمّون تلك القصائد الحوليات”[5].

              فالعرب في الجاهلية لم يكونوا بحاجة إلى علم البلاغة، لأنّهم جُبلوا على حبّ الفصاحة والبيان، فهم ” ُيخضعون صناعة الكلام لنقد أوليّ، ولكنّه في أغلب الأحوال سديد لأنّهم كانوا يعوّلون فيه على سلامة الذّوق”[6]، وينبغي الإشارة إلى أنّ هذه الملاحظات البلاغية مهما يكن أمرها لا تنتهي أن تكون علما، ولا هي في واقع الأمر مقدمات لنشأة البلاغة العربية، وإنّما هي ملاحظات تعتمد على إحساس العربيّ بلغته وبطاقتها في التّعبير والبيان.

       وعلى هذا الأساس ينبغي التّفريق بين البلاغة كفنّ مارسه العرب الفصحاء على سجيتهم، فأفرز لنا تراثا لغويّا بلغ قمّة الجودة والجمال، وبين البلاغة كعلم له أصوله وقواعده ومصطلحاته، ظهر في أعقاب فساد الذّوق  وانتشار اللّحن؛ نتيجة اختلاط العرب بغيرهم من الأجناس، ولهذا نجد تمّام حسّان يرى أنّ البلاغة العربية مرّت بمرحلتين، إذ “كانت أولهما أقرب إلى النّقد العمليّ، وكانت الأخرى ألصق وأوغل في الأسلوبيات”[7] .

              ولابدّ في البداية من تحديد مفهوم البلاغة عند أهل الاختصاص إذ يُعرِّف البلاغيون هذا العلم بأنّه ” مطابقة الكلام مقتضى الحال مع فصاحته”[8]؛ والحال هو الاعتبار المناسب لنظم الكلام وصوغه وفق مقامات الخطاب المتباينة، فلكل مقام مقال، ولتحقيق هذه الغاية النبيلة تم تحديد الوسائل الإجرائية اللازمة، والتي تنحصر في ثلاثة علوم أساسية،هي:علم المعاني،علم البيان وعلم البديع.

  • مفتاح العلوم واكتمال البلاغة العربية:

لقد بدأ التفكير البلاغي العربي طفلا في الجاهلية، وشب عن الطفولة مع الجاحظ، واستقلّ عن التفكير الديني مع ابن المعتز، ونما ونضج مع عبد القاهر الجرجاني، وضبط في صيغة نهائية على يد السكاكي، فقد شكلت جهود هؤلاء الرواد لبنات أساسية في بناء هذه العلم واكتماله، واعتبرهم الدارسون رواد هذا العلم ومُنظِّروه الأوائل، نظير ما قدموه من خدمات جليلة كان لها الأثر البالغ في توجيه البحث البلاغي عبر مختلف مراحله وأطواره.

ولقد شكل القرن السابع الهجري مرحلة حاسمة في تاريخ البلاغة العربية، إذ اكتملت فيه علوم البلاغة الثلاثة، واتضحت ملامح الدرس البلاغي العربي، وتجلت مسائله وتحددت مصطلحاته، ويعود الفضل في ذلك كله إلى السكاكي (ت626هـ)، الذي شكل كتابه “مفتاح العلوم” الصياغة النهائية لهذا العلم، وإن كان الكتاب في حقيقته يشمل ثلاثة أقسام رئيسية:

1- القسم الأول :تناول فيه علم الصرف، وما يتصل به من الاشتقاق بأنواعه.

2- القسم الثاني :تعرض فيه لعلم النحو، وموضوعاته.

3-القسم الثالث: فقد خصصه لعلمي المعاني والبيان، وألحق بهما نظرات في الفصاحة والبلاغة، ودراسة المحسنات البديعية بنوعيها.

ولقد “اشتهر السكاكي في تاريخ الثقافة العربية بقراءته الخاصة للبلاغة العربية تلك القراءة التي صنفت مباحثها إلى معان وبيان وبديع”[9]، ومصدر هذه الشهرة أنه “أعطى لأصول العلوم التي أفرد لها القسم الثالث من كتابه الصيغة النهائية التي عكف عليها العلماء من بعده يتدارسونها ويشرحونها”[10]، وحسب شوقي ضيف فإن السكاكي “استطاع أن ينفذ من خلال الكتابات البلاغية قبله إلى عمل ملخص دقيق لما نثره أصحابها من آراء وما استطاع أن يضيفه إليها من أفكار، وصاغ ذلك كله صيغة مضبوطة محكمة استعان فيها بقدرته المنطقية في التعليل والتسبيب، وفي التجريد والتحديد والتعريف والتقسيم والتفريع والتشعيب”[11].

ولقد استفاد السكاكي في عمله هذا من كتابي عبد القاهر الجرجاني “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة”، وكتاب “الكشاف” للزمخشري[12]، وكتاب “نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز” لفخر الدين الرازي(ت606هـ)، فلقد جاء السكاكي من بعد عبد القاهر وقد تمهدت قواعد البلاغة تمهيدا، وتمت بناءً وتحديدا، وانحصرت أصولها وفروعها، إلا أنّها كانت مجموعة في سمط واحد وتحت موضوع واحد، “فاخترع السكاكي ترتيبا جديدا بين هذه المباحث، فجمع منها ما كان متعلقا بمطابقة الكلام لمقتضى الحال وسماه علم المعاني، وما كان متعلقا بإيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة وسماه علم البيان”[13]، فهو يفرد ما يتعلق منها بتنظيم الألفاظ في علم المعاني، ويجعل ما يتعلق منها بوضوح الدلالة وخفائها في علم البيان، ويجعل الوجوه التي تقصد لتحسين الكلام ذيلا لهذين العلمين[14].

  • علوم البلاغة في مصنّف السكاكي:

ما يمكن قوله حول عمل السكاكي أنه حصر البلاغة في علمين اثنين هما: المعاني والبيان، وجعل البديع متمما لهما، ويرى تمّام حسّان أن هذا التقسيم شبيه بالبناء المتكامل، وفي ذلك يقول: “فإذا عنى علم المعاني بإقامة الصرح، وعنى البيان بتقديم اللبنات ومواد البناء، فإن علم البديع يعنى بطلاء المبنى وزخرفه “[15].

وفي القسم الثالث من كتاب “مفتاح العلوم” نجد السكاكي يتحدث عن علمي المعاني والبيان، وعلم الاستدلال، وعلم الشعر، غير أنّ أصول الدرس البلاغي العربي مدرجة في علمي المعاني والبيان، ولذا يستهل السكاكي الحديث عنهما بمقدمة ضمنها حدي العلمين، فعلم المعاني قال عنه:”هو تتبع خواص تركيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره”[16].

أمّا علم البيان فعرفه بقوله: “هو معرفة بإيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة بالزيادة فيل وضوح الدلالة عليها، وبالنقصان ليحترز بالوقوف على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد منه”[17].

ثم ينتقل إلى ترتيب مسائل علم المعاني، فيتطرق إلى الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وحالات المسند، ويبين اعتبارات الفعل، وما يتعلق به، ويحدد الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب والقصر[18].

فإذا فرغ السكاكي من عرض مباحث علم المعاني انتقل إلى مباحث علم البيان[19] التي قسمها إلى ثلاثة أصول، تطرق في الأصل الأول إلى التشبيه، وطرفيه، ووجوهه وأغراضه، وفي الأصل الثاني تحدث عن المجاز، الذي حدد أنواعه، وتعرض كذلك للاستعارة، وبخصوص الأصل الثالث فنجده يتضمن الكناية ويحدد أنواعها كالتالي:

كناية عن موصوف، كناية عن صفة وكناية عن نسبة صفة إلى موصوف[20].

أمّا علم البديع فلم ينظر إليه السكاكي كعلم مستقل قائم بذاته، بل أورده مكملا للعلمين السابقين، ونقف في كتابه على تقسيم المحسنات البديعية إلى قسمين أساسيين هما: المحسنات البديعية المعنوية، والمحسنات البديعية اللفظية؛ ولقد أحصى عبد العزيز عتيق عشرين محسنا معنويا في كتاب “مفتاح العلوم” هي: المطابقة، المقابلة، مراعاة النظير، المزاوجة، المشاكلة، الإيهام، اللف والنشر، الجمع، التفريق، التقسيم، الجمع مع التقسيم، الجمع مع التفريق والتقسيم، تأكيد المدح بما يشبه الذم، التوجيه، الاعتراض، الالتفات، الاستتباع، سوق المعلوم مساق غيره، وتقليل اللفظ[21]، أمّا المحسنات اللفظية فتمثلت في: الجناس، ردّ العجز على الصدر، والسجع ،القلب، الاشتقاق والترصيع[22].

  • جهود السكاكي البلاغية في الميزان:

يرى الدارسون أن جهود السكاكي البلاغية اصطبغت بصبغة منطقية فلسفية، فهو لم يقف عند مسألة وضع التعريفات والحدود وتقسيم الأقسام، بل تجاوزها إلى إقحام مسائل منطقية في صميم البحث البلاغي، فهو يعتبر علـم الاستدلال من لوازم علمي البلاغة، ولهذا يرى أنّ “تتبع تراكيب الكلام الاستدلالي، ومعرفة خواصها، مما يلزم صاحب علم المعاني والبيان”[23]؛ ولهذا السبب اعتبر البلاغيون صنيع السكاكي إفسادا للبلاغة، لأن “وضع المبادئ، والمعايير، وصناعة الأحكام، وتهيئة النماذج، وتحديد أطر الأشكال النسـيجية، أدى إلى حالة من الانفصـام الحاد بين ثنائيات (القاعدة / الاستعمال) و(المثالية / العادية)، مما أدى إلى حدوث تصدع في العملية الإبداعية على مستوى التعبير العام”[24]، ولهذا نجد البلاغة قد “فقدت على يد السكاكي هذا الجانب الجمالي الذوقي وتحولت إلى علم تقني صارم”[25]، وكنتيجة لذلك وُصفت البلاغة في مرحلتها الأخيرة بالجفاف والجمود والتعقيد[26].

ولكن لابد للدارس من النظر بعين الإنصاف إلى التراث البلاغي القديم، والبحث عن الأسباب التي كانت وراء هذا الجمود والتعقيد، وعند البحث في جملة الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، فإننا نجد تأثير الفلسفة وعلم الكلام في البلاغة هو السبب الأبرز في ذلك، لذا أثارت هذه المسألة نقاشا حادا عند المحدثين، إضافة إلى نشأة البلاغة في بيئة المتكلمين، مع كون أكثرية علماء البلاغة من العجم، زيادة على ارتباط البلاغة بالإعجاز القرآني، دون أن ننسى تراجع اللغة والأدب بعد القرن الخامس الهجري، فهذه الأسباب مجتمعة تجعلنا ننظر بعين الإنصاف إلى جهود السكاكي البلاغية؛ فلقد شكل منهجه المنطقي في تقسيم البلاغة عاملا مهما في لمّ شتاتها وصياغتها الصياغة النهائية، وبذلك اتضحت حدودها، وأقسامها، وتعاريفها، حتى أصبحت تضارع العلوم الأخرى كالنحو والصرف.

وإذا كان مؤرخو البلاغة العربية يعدون السكاكي المسؤول الأول عن تحجّر البلاغة، وتعقيدها بالنظر إلى ما أشاع فيها من كثرة التقسيمات والتعريفات، بالإضافة إلى ما أدخل عليها من علوم المنطق والفلسفة، فإنّ اللسانيين والمناطقة المحدثين يعيرون السكاكي اهتماما خاصا ويرون أنّ كتابه “مفتاح العلوم” يشكل قفزة نوعية في التأليف اللساني العربي، إذ أورد فيه علم الصرف قبل علم النحو مخالفا بذلك ما كان سائدا من قبل[27]؛ وبذلك يكون التشكيل اللغوي متدرجا من مستوى المفردة (مجال الصرف)، إلى مستوى الجملة (علم النحو) إلى مستوى تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره (علم المعاني) .

وهكذا يمثل علم المعاني عند السكاكي “دراسة تطبيقية تتجلى في تتبع كيفية ارتباط الإسناد بالإفادة عن طريق دراسة الجملة في السياقات المختلفة”[28]، ولكن القزويني (ت739هـ) عرّف علم المعاني بقوله: “علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال”[29]، وأسقط بذلك الجانب التطبيقي الذي أكده السكاكي، وساد تعريف القزويني لعلم المعاني إلى يومنا، وبذلك تمّ فصل النحو عن البلاغة، مع العلم أنهما متداخلان كما يرى السكاكي وعبد القاهر الجرجاني.

وفي نفس الاتجاه نجد محمد العمري يبرز الجوانب الخفية لجهود السكاكي في مجال البلاغة، إذ يؤكد في هذا الصدد “أنّ السكاكي جعل النحو والاستدلال-على حد سواء- في خدمة طرف ثالث موجود بينهما هو علم المعاني مكملا بعلم البيان”[30]، وعلى هذا الأساس يحتل علما المعاني والبيان في منجز السكاكي منطقة حميمة يتسرب منها المنطق إلى النحو والنحو إلى المنطق، وبالتالي تحتل علوم البلاغة محل الصدارة وتصير باقي العلوم الواردة في “مفتاح العلوم” مساعدة لها، بما في ذلك الصرف، والنحو والمنطق، والشعر، والبديع[31]، وهكذا يكون المنطق والنحو والشعر بمثابة الأدوات الإجرائية للوصول إلى علم الأدب كما يراه السكاكي في “مفتاح العلوم”.

أمّا محمد عابد الجابري فيرى أنّ محاولة السكاكي كانت من أجل توفير آلة فيها مزيد من الضبط لعلوم الخطاب العربي وإبراز الطابع الاستدلالي للأساليب البيانية العربية وما تنطوي عليه من معنى ومبنى، وبجهود السكاكي تكون إشكالية الثنائية (اللفظ /المعنى) قد تحولت إلى إشكالية تطرح من خلال ثنائية جديدة هي (نظام الخطاب/ نظام العقل)، وبالتالي تصبح البلاغة عند السكاكي كامنة في تحقيق التوافق بين نظام الخطاب ونظام العقل، ولذلك نجد الجابري يدافع عن السكاكي قائلا:”فليس السكاكي هو الذي خنق الحياة في البلاغة العربية بتعقيداته وتقنيناته، كما يزعم البعض، بل إن الأسس التي قامت عليها العلوم البيانية كلها، والبلاغة العربية مجرد فرع منها، هي التي كان مخزونها قد نفد تماما، فلم يعد بإمكانها أن تمد الباحث بشيء آخر غير نفسها…إنّ هذا يعني أن التجديد في البلاغة العربية كان يتطلب إعادة تأسيس البيان العربي ككل”[32].

ومما سبق يتضح أنّ موقف اللسانيين والمناطقة المحدثين كان دفاعا عن السكاكي وكتابه، واعترافا بجهوده وإسهاماته الفعالة في بلورة الفكر البلاغي العربي، ودحضا لكل المقولات المتباينة التي رأت في عمله إفسادا للبلاغة العربية؛ وبالتالي يمكننا القول أنّ السكاكي اشتهر في تاريخ البلاغة العربية بقراءته الخاصة للبلاغة العربية، فجهوده لا تقل أهمية عن جهود عبد القاهر الجرجاني، والجاحظ، وابن المعتز.

4- أثر مفتاح العلوم في تطوير الدرس البلاغي العربي:

لقد أعجب العلماء بطريقة السكاكي التقريرية في كتابه “مفتاح العلوم”، وما وضعه للبلاغة من أقسام وحدود، إذ جاء الخطيب القزويني ولخص “مفتاح العلوم”، ثم ألف شرحا لهذا التلخيص سماه “الإيضاح في علوم البلاغة”، وقبل ذلك كان بدر الدين بن مالك (ت686هـ) قد لخص المفتاح في “المصباح في علوم المعاني والبديع”، ولكن القزويني ذاع صيته بسبب مناقشاته وإضافاته الجديدة لـ”مفتاح العلوم”، ولذلك أقبل العلماء على تلخيصه درسا وحفظا وتلخيصا ونظما[33]، وممن قام باختصاره بهاء الدين السبكي (ت773هـ) في “عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح” وسعد الدين التفتازاني (ت792هـ) الذي وضع له شرحين، “الشرح الكبير”، و”الشرح الصغير”، ومن الشراح نجد أبا يعقوب المغربي (ت1110هـ) صاحب “مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح”[34]، وممن نظمه شعرا جلال الدين السيوطي (ت911هـ) في “عقود الجمان في المعاني والبيان”، وعبد الرحمن الأخضري (ت983هـ) في “الجوهر المكنون في صدف الثلاثة فنون”.

ومن خلال هذا العرض التاريخي تمّ التعرف على الكثير من علماء البلاغة في مرحلتها الرابعة، والتي وُسمت بالجمود، والتي شكلت آخر حلقة من حلقات تكوين علم البلاغة العربي،

خاتمة:

       يتبين مما سلف أنّ جهود السكاكي تعد أهم إنجاز في مسيرة تشكيل علم البلاغة؛ فقد شكّل مصنفه أهم إنجاز في تاريخ هذا العلم؛ فكتاب “مفتاح العلوم” للسكاكي يعد محطة حاسمة في تاريخ البلاغة العربية؛ حدّد من خلاله الصيغة النهائية لهذا العلم الجليل بإحكام، واستطاع بكل براعة ضبط مباحثه، وتحديد مصطلحاته، وهذا ما كان له الأثر البالغ في من تبعه من البلاغيين المتأخرين.

وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة لعمل السكاكي، ينبغي علينا إعادة قراءة كتابه في ضوء المعطيات المعرفية، والسياقات التاريخية، من أجل إعادة الاعتبار لصنيع هذا الرجل في سبيل خدمة لغة القرآن الكريم.

الهوامش:

[1]– ينظر: العمدة في صناعة الشعر ونقده، أبو الحسن بن رشيق القيرواني، تحقيق وتعليق: النبوي عبد الواحد شعلان، مكتبة الخانجي، القاهرة ، ط:1، 1420 هـ- 2000 م، ج1، ص: 89.

[2]– ينظر: المزهر في علوم اللّغة وأنواعها، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ضبط وتصحيح: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط:1 ،1418هـ-1998م، ج:1، ص:399.

[3]– المدخل إلى دراسة البلاغة العربية، السيد أحمد خليل، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، د ط، 1968م، ص:78.

[4]– البلاغة تطور وتاريخ، شوقي ضيف، دار المعارف، القاهرة، ط:6 ،1983م، ص :10.

[5]– أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق و شرح :عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط:7، 1418هـ-1998م، ج:2، ص: 05.

[6]– البلاغة في أمم الحضارة، مصطفى الصاوي الجويني، دار المعرفة الجامعية، الأزاريطة، د ط، 1999م، ص: 29.

[7]– الأصول- دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، د ط، 1420هـ- 2000م، ص:279.

[8]– الإيضاح في علوم البلاغة، المعاني والبيان والبديع، الخطيب القزويني، مراجعة: عماد بسيوني زغلول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط:3، د ت، ص: 13 .

[9]– البلاغة العربية- أصولها وامتداداتها، محمد العمري، إفريقيا الشرق، المغرب، لبنان، د ط، 1999م، ص: 479.

[10]– عبد العزيز عتـيق، علم البيان، دار الآفاق العربية، القاهرة، د ط، 1424 هـ- 2004م، ص: 32.

[11]– البلاغة تطور وتاريخ، شوقي ضيف، ص: 288.

[12]– ينظر: علم البيان، عبد العزيز عـتيق، ص: 23.

[13]– علم البيان وتاريخه، علي عبد الرزاق، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط:1، 1425هـ ـ 2004م، ص: 27.

[14]– ينظر: البلاغة العالية- علم المعاني، عبد المتعال الصعيدي، تقديم ومراجعة: عبد القادر حسين، مكتبة الآداب، القاهرة، ط:3، 1423هـ-2002م، ص: 36.

[15]– الأصول- دراسة ابستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، تمام حسان، ص: 349.

[16]– مفتاح العلوم، أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي، ضبط وتعليق، نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط: 2، 1407هـ-1987م، ص: 161.

[17]– المصدر نفـسه، ص: 162.

[18]– ينظر: المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز القرآني، أحمد جمال العمري، مكتبة الخانجي، القاهرة، د ط، 1410 هـ- 1990م، صفحات: 332، 333، 334، 335، 336.

[19]– ينظر: مفتاح العلوم، السكاكي، ص: 329.

[20]– ينظر: البلاغة تطور وتاريخ، شوقي ضيف، ص: 301 و ما بعدها.

[21]– ينظر: علم البديع، عبد العزيز عـتيق، دار الآفاق العربية، القاهرة، د ط، 1424 هـ- 2004م، ص: 33.

[22] – ينظر: البلاغة تطور وتاريخ، شوقي ضيف، ص: 313.

[23]– مفتاح العلوم، السكاكي، ص: 432.

[24]– الأسلوبية وثلاثية الدوائر البلاغية، عبد القادر عبد الجليل، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، ط:1، 1422هـ-2002م، ص:13.

[25]– المباحث البلاغية في ضوء قضية الإعجاز القرآني ، أحمد جمال العمري، ص: 324.

[26]– ينظر: البلاغة تطور وتاريخ، شوقي ضيف، ص: 271.

[27]– ينظر: اللسان العربي وقضايا العصر، عمار ساسي، دار المعارف، البليدة، د ط ، د ت، ص: 35.

[28]– النظرية اللغوية العربية الحديثة، جعفر دك الباب، منشورات اتحاد الكتاب العرب، د ط،  1996، ص: 153.

[29]– الإيضاح في علوم البلاغة، الخطيب القزويني، ص: 15.

[30]– البلاغة العربية- أصولها وامتداداتها، محمد العمري، ص: 483.

[31]– ينظر: المرجع نفـسه، ص: 484.

[32]– بنية العقل العربي، محمد عابد الجابري، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط:3، 1993م، ص: 89.

[33]– ينظر: علم البيان، عبد العزيز عتيق، ص: 42.

[34]– ينظر: منهج البحث البلاغي، عائشة حسين فريد، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، دط، دت، ص:119.

*الدكتور: حاج هني محمد، جامعة حسيبة بن بوعلي- الشلف

1
Leave a Reply

avatar
1 Comment threads
0 Thread replies
0 Followers
 
Most reacted comment
Hottest comment thread
0 Comment authors
Recent comment authors
  Subscribe  
newest oldest most voted
Notify of
trackback

[…] “جهود السكاكي البلاغية من خلال كتابه “مفتاح العلوم – … […]