+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

محمد واضح رشيد الحسني – مربّياً جليلاً
*البروفيسور شفيق أحمد خان الندوي

علم من أعلام الصحافة العربية الحديثة، ورائد من روّادها في شبه القارة الهندية فضيلة الشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي الذي ارتحل إلى رحمة ربّه المستعان، فجر يوم الأربعاء، 9 جمادى الأولى 1440ه المصادف 16 يناير 2019م، في دارالضيافة، بجامعة ندوة العلماء، لكنؤ، الهند حينما كان متضرعاً إلى الله، فور صلاة التهجد، وملبّياً لأذان الفجر؛ مثلما لبّى خاله العظيم المغفور له الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي نداء ربّه في يوم الجمعة في 22 رمضان المبارك 1420ه المصادف 31/12/1999م في مسقط رأسه (تكية شاه علم الله وسيد أحمد الشهيد رحمهما الله) في راي بريلي، في العشر الأواخر من الشهر الفضيل أثناء استعداده لصلاة الجمعة وتلاوة القرآن، وابتهاله إلى الله جلّ وعلا. اللّهم اغفرلهم مغفرة واسعة.

       فضيلة أستاذنا العظيم ومربّينا الجليل محمد واضح (من مواليد 3 شعبان 1352ه المصادف 20/11/1933م في تكية، راي بريلي) كان مديراً لشؤون التربية والتعليم في جامعة ندوة العلماء، وعميداً لكلية اللغة العربية وآدابها، ومديراً للمعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي، وأمين عام رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالهند، ونائب رئيس المجمع الإسلامي العلمي، ورئيس تحرير صحيفة الرائد، ورئيس التحرير المشارك لمجلة البعث الإسلامي، ومؤلف كتب كثيرة:

وما كان قيس هلكه هلك واحد

ولكنه  بنيان  قوم تهدما

       تخرّج شيخنا محمد واضح في جامعة ندوة العلماء عام 1951م حاصلاً على درجة الفضيلة في الأدب، ثم التحق بجامعة علي كره الإسلامية كطالب منتسب، فحاز على بكالوريوس الإنكليزية. وبناءً على ذلك فإنّه تعين مترجما ومذيعا لدى إذاعة عموم الهند، نيودلهي حيث اشتغل لمدة 20 سنة كاملة.

       أمّا علاقتي بالشيخ محمد واضح فإنها قديمة، تعود إلى عام1966م عندما التحقت بالجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي، طالباً منتظماً في صفها العاشر، بالمدرسة الثانوية العامة بعد تخرجي في ندوة العلماء، وحصولي على درجة الفضيلة في علوم الشريعة الإسلامية، وكانت في دلهي مجموعة طيبة من الندويين، ذلك الوقت، بمن فيهم الشيخ محمد واضح رشيد الحسني، والشيخ أبوبكر الحسني، والأخ محمد خالد الحسني، والأستاذ الدكتور سيد محمد اجتباء الندوي ونحوهم. وكانت بيننا مودة وأخوة، كان الشيخ محمد واضح يتردد على أستاذنا سيد محمد اجتباء، وكنّا نتردد عليه حيناً لآخر، رأينا فيه أخاً شفيقاً وكريماً، ومنزله مأوى للعاملين على جمع التبرعات والصدقات للمدارس الدينية.

       وذات مرة، في عام1968م قام الأستاذان عبد الحليم الندوي، وسيد محمد اجتباء الندوي بعقد مسابقة خطابية عربية برئاسة الشاعر السوري السفير عمر أبي ريشة، عنوانها “دور الطالب في بناء الوطن”؛ في مبنى كلية الآداب، الجامعة الملية الإسلامية، بتعيين لجنة التحكيم المكونة من العضوين أولهما الشيخ أبوبكر الحسني أستاذ قسم دراسات غرب آسيا في جامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي، والآخر الشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي، مترجم ومذيع وحدة اللغة العربية، إذاعة عموم الهند، نيودلهي. تمّ توزيع الجوائز والكؤوس والشهادات على يد السفير السوري، ففاز كاتب هذه الأسطر بالجائزة الأولى، ولله الحمد. عبّر الأستاذ محمد واضح عن إعجابه وتقديره لمثل هذه المسابقات الأدبية التربوية، مركّزاً على ضرورة الاهتمام بتصحيح النطق والالتزام بالمخارج العربية السليمة.

       كان الشيخ محمد واضح متّقيا بكل ما في الكلمة من معنى، يخاف الله في السرّ والعلن ولا يقربالفواحش ما ظهر منها وما بطن، ويستهدف رضى الله ورسوله في كل حين وآن. إنني أتذكر تلك اللحظات التي كنت جالساً فيها مع شيخنا الجليل أبي الحسن الندوي رحمه الله، إذ رنّ جرس التليفون. فتنبّهنا- إلى ذلك وعرفنا أنّ الشيخ محمد واضح رشيد الندوي يستأذنه في الاستقالة عن وظيفة إذاعات عموم الهند، بناءً على ما اتخذ موقفه من الحيطة والحذر في نشر أنباء صادقة وزائفة.

       رجعتُ من تكيه (راي بريلي) إلى بيتي في قرية رسته مئو (راي بريلي) ومن ثمّ إلى علي كره حيث كنت طالباً في الماجستير في جامعة علي كره الإسلامية، فسمعت، بعد أسبوع، أنّ الأستاذ سيد محمد واضح رشيد استقال عن إذاعة عموم الهند، وانضم إلى دارالعلوم لندوة العلماء لكنؤ مدرّساً للغة العربية. فتذكّرت أنه اختار طريقاً للحيطة والحذر، إيماناً واحتساباً وإخلاصاً لخدمة لغة القرآن والسنة.

       وبالتالي بدأ الشيخ محمد واضح كتابة مقالاته في صحيفة “الرائد”، ومجلة “البعث الإسلامي” بانتظام والتي اختارت عناوين ثابتة معروفة بـ: صور و أوضاع، وأنباء وتعليقات، وافتتاحية العدد. إنّها أصبحت محطة أنظار للدارسين والمدرسين في سائر أوساط تعليم وتعلّم اللغة العربية والمثقفين في العالم، ووسيلة لتنمية المهارات اللغوية. أمّا أسلوبه فإنه أسلوب ساذج بسيط وجميل يسرّ القراء والسامعين، بوفرة جدّة الفكر، وجودة المضمون، وقوة العاطفة، والاتزان بين اللفظ والمعنى، والامتزاج من الكلاسيكية والحداثة في التعابير العربية والأصيلة، على حدّ تعبير المتنبّي:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفي البداوة حسن غير مجلوب

       إنّه أدّى دوراً مهمّا في تأديب الدارسين، وتربية الشباب وتهذيب الجوّ العام في حرم الجامعة الندوية، وإنهاض الصحافة العربية في الهند، وتقديم الجهود التي بذلها الشيخ أبو الحسن، والشيخ محمد الرابع، والشيخ محمد الحسني، والشيخ سعيد الأعظمي إلى الأمام في سبيل النهضة العربية الإسلامية الحديثة.

       أصدر أستاذنا محمد الرابع، وأستاذنا سعيد الأعظمي حفظهما الله صحيفة عربية نصف شهرية اسمها “الرائد” عام1959م عندما كنت طالباً في الصف الثاني العربي، وأرافقهما في معظم الأحيان وأساعدهما في الشؤون المكتبية والإدارية. كنت أكتب عناوين المشتركين/ الزبائن على ظروف “الرائد”، وأوصلها إلى مكتب بريد لكنؤ لتسليمها إلى أصحابها؛ لمدة غير يسيرة. ساعد الدارسون الآخرون أيضاً، بعدي في هذه المهمة لمدة طويلة حتى انضمّ إليها الشيخ محمد واضح رشيد الحسني عام1973م، وتفانى في ترقية “الرائد” وترويجها في الشرق والغرب؛ جعلها ملوّنة وجميلة في الشكل والمحتوى كمجلة مزيّنة بافتتاحية الشيخ محمد الرابع، وكلمة العدد بقلم الشيخ سعيد الأعظمي، وأنباء وتعليقات من الشيخ محمد واضح نفسه إلى جانب مقالاته المتنوعة؛ حتى رفعها من أرض الهند إلى سماء العالم العربي، فتكلّلت جهود هؤلاء الأساتذة بالنجاح، ولله الحمد.

       لم يكتف الشيخ محمد واضح أن يكون مدرساً في الفصل أو معلما كاملا في المدرسة، بل وإنه أبلى بلاءً حسناً في تربية الشباب وإصلاح الأمة، عن طريق جهوده الفردية خارج الفصل وجهاده بالقلم حتى برزت مقالات ومؤلفات في حيّز الوجود. وأهمّ مؤلفاته كالآتي:

  • المؤلفات العربية:
  • إلى نظام عالمي جديد
  • من قضايا الفكر الإسلامي: الغزو الفكري
  • تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي
  • أعلام الأدب العربي في العصر الحديث
  • مصادر الأدب العربي
  • أدب أهل القلوب
  • تاريخ الثقافة الإسلامية
  • الرحلات الحجازية ومناهج كتابها في العصر الحديث
  • أدب الصحوة الإسلامية
  • محمد رسول الله وصحابته رضي الله عنهم
  • الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي قائداً حكيما
  • أبو الحسن علي الندوي: منابع فكره ومنهجه
  • من صناعة الموت إلى صناعة القرارات
  • حركة رسالة الإنسانية
  • حركة التعليم الديني وتطور المنهج

(ب‌)   المؤلفات الأوردية:

  • محسن انسانيت
  • سلطان تيبو شهيد – ايك تاريخ ساز قائد شخصيت
  • مسئله فلسطين
  • ندوة العلماء – ايك رهنما تعليمي مركز اور تحريك اصلاح ودعوت
  • نظام تعليم وتربيت
  • اسلام – تكميل نظام زندكى (حديث نبوى كى روشنى مين)
  • انسانى حقوق ( قرآن وحديث اور سيرت كى روشنى مين)

(ج‌)   المؤلفات المترجمة من الأوردية إلى العربية:

  • فضائل القرآن الكريم (الشيخ محمد زكريا)
  • فضائل الصلاة على النبي (الشيخ محمد زكريا)
  • الدين والعلوم العقلية (الشيخ عبد الباري الندوي)

       هذا تراث أدبي وعلمي وتربوي لأستاذنا الفاضل المربّي واضح رشيد الندوي الذي خلفه لنا كصدقة جارية له في هذه الدنيا وفي الآخرة بموجب ما قال الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والتسليم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له. بناء على ذلك فإنّنا نأمل من الله العليّ القدير أن يجعل تراثة العلمي التربوي النافع ذخراً وصدقة، ويعتبر برحمته تلاميذه البررة في عالم الأرواح بمثابة أولاد صالحين له. إننا نعتبره منارة إشعاع تربوي خالد للتعليم والتربية على حدّ تعبير سيدنا الإمام الشافعي رحمه الله:

قدمات قوم وما ماتت فضائلهم

وعاش قوم وهم في الناس أموات

       إنه كان مدرّساً في الفصل، ومعلماً في المدرسة، ومربّياً في العالم يربّي تربية فكرية، وأدبية، وذوقية، وجمالية، وخلقية، وجسمية، وروحية تستهدفها كليات التربية Faculties of Educationمنذ القدم؛ وكان متّسماً بالعدل والاعتدال، والتفكير والتدبر في غاية من الصمت، وحسن الخلق، والطهارة، والنظافة، والتطبيق بين العلم والعمل؛ وراغباً في الأعمال الخيرية؛ آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؛ ومشجّعاً على إجادة الأعمال الصالحة النافعة.هذه صفاته: صفات المؤمن المتّقي المربّي الجليل التي وجدناها في شخصية أستاذنا المربّي الجليل محمد واضح رحمه الله.أتذكّر بهذه المناسبة، نموذجاً من تشجيع شيخنا محمد واضح على العمل؛ وهو أنّنا اجتمعنا، مرة، في دلهي في منزل أخينا المغفور له محمد حسين الحسني، مع شيخنا المربّي الجليل سيد محمد الرابع الحسني. إذ خاطبني الشيخ محمد واضح بلطف وشفقة: “كيف حالك، يا شفيق؟ قرأنا كتابك اللغة العربية الوظيفية (4 مجلدات). أعجبني ذلك، فدعوت الله لك مزيداً من التوفيق. أمّا الآن فإنني أفكّر في كيفية نفعه وطريقة استخدامه لطلاّب دارالعلوم لندوة العلماء”. سررت جدّا بهذا التعليق والتشجيع.ندعو الله جلّ وعلا أن يغفر له ويرفع درجاته ويدخله في فسيح جناته. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلّى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه وسلّم.

*البروفيسور شفيق أحمد خان الندوي، رئيس قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملّية الإسلامية، نيودلهي، سابقا

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of