+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

خصائص اللغة العربية وأهميتها في التراث اللغوي
حفظ الرحمان السنابلي

مما لامراء فيه أن اللغة لها دور ملموس في حياة الإنسان،أيا كان نوعها وموطنها على وجه الأرض لأنها هي بمثابة مرآة الشعب وضميره، بها يعبر كل إنسان عما يخطر بباله وما يختلج في قلبه من الهواجس، فهي تقوم بعملية التوسط والتواسل بين إنسان وآخر.

وقد توجد شبكة كبيرة للغات في هذه المعمورة ، تمتاز كل منها عما سواها بخصائص وميزات ، ولكن اللغة العربية فاقت على جميع أخواتها من السامية والعبرية والأوروبية، و ذلك من حيث الكلمات والألفاظ، ومن حيث التراكيب والتعبيرات، ومن حيث المقومات والمكونات، ومن حيث المبادئ والأسس ومن حيث الإيجاز والإعجاز. كما أشار إليه الشيخ محمد خضر الحسين في الأبيات الآتية:

لغة أودع في أصـــدافــــها    من قوانين الهدى أبهى درر

أفلـــم ينسج على منوالــــهاكلــم التنزيل في أسمى سور

هي بحر غص على حليتها   فلآلي البحـر ليست تنحصـر

 

ويقول الشيخ محمد بهجة الأثري:

سـلام على أم اللغــات على المــدى سلام أخــــيذ بالجـــمال هيــــــوم

مشوق إلى الجرس الرقيق ومفصحمن اللفظ منسوق البيان رخيــــــم

تراقــص مفتـــر الباســــم حــرفــهكما هز عطف الزهر روح نسـيم

إذا قلت در قلت بعــــض حـــرفــهصفاء مضيء الصفحـــتين يتيـــم

إذا قلت سحـر قلت فاق استـــراقـهمنافث سحــــر في الملاح صمــيم

دع السحــرمن سود العـيون ترودهورم سحـــر لفظ بالحياة زعيـــــم

أ أم لغــــــــات العــالـــــمين بلاغةوطيــب مذاق واختـــلاف طــعوم

بيانــــك؟ أم ماء من الخــلد كوثـــرترقـــرق عذبا؟ أم رحــيق كروم؟

تجاوز أعـــناق الدهــــر وحســـنهيزيد على الأيام حســن رســــــوم

سقى كل لمـــاح البــــيان زلالـــــهمصفى وروى طبـــع كل حكــــيم

فهذه الأبيات الشعرية إن تدل على شيء، تدل على فضل اللغة العربية على سائر أخواتها،ويرجع الفضل في هذا الصدد إلى عدة خصائصهاوميزاتها، حيث قال ابن فارس ” قال جل ثناؤه (خلق الإنسان، علمه البيان) فقدم ذكر البيان على جميع خلقه … فلما خص اللسان العربي بالبيان،علم أن سائراللغات قاصرة عنه وواقفة دونه… وإن أردت أن سائر اللغات تبين إبانة واضحة فهذا خطأ، لأنا لواحتجنا أن نعبرعن السيف وأوصافه باللغة الفارسية لما أمكننا ذلك إلا باسم واحد، ونحن نذكر للسيف بالعربية صفات كثيرة”.

وكذلك أشار إليه الجاحظ ” لا بد من ذكر… الدليل على أن العرب أنطق وأن لغتها أوسع وأن لفظها أدل وأن أقسام تأليف كلامها أكثر والأمثال التي ضربت فيها أجود وأيسر” فقد ذكر الأديب البارع خصائص عديدة منها سعة الألفاظ ودقة الدلالة وجودة الأمثال ويسرها. فبهذه الخصائص قد نالت اللغة العربية ما لم تنل أخواتها الأخرى من حظها الوافر من الازدهار والرقى والتنمية.

ومن ثم أسعى التقديم إليكم خطوطا عريضة لأربع منها ومدى أهميتها في التراث اللغوي. وهو الاشتقاق والإعراب والتعريب والنحت. لأنه لهذه الخصائص دور ملحوظ في ملء الفراغ اللغوي وتكثير المفردات وتلبية التطلبات وحل المشاكلاللغوية ومواجهتهاعبرالعصور.

فأولا أتناول البحث عن الاشتقاق الذي عده اللغويون من القدامى والمحدثين من أهم ميزات اللغة العربية، وهو أخذ شيء من شيء، وعملية خلق وإبداع بالإضافة إلى عملية استخراج لفظ من لفظ أو صيغة من صيغة أخرى مع التناسب بينهما في اللفظ والمعنى. فهو أفضل الطرق لتكوين الكلمات الجديدة لأداء المعاني الجديدة الخاصة ووسيلة من وسائل النمو في اللغة وتكثير مفرداتها، فهو يساعد اللغويين في إنتاج عدد كبير من الكلمات من جذر واحد، فمثلا نستخرج من مادة ” س ل م ” [ سلم – يسلم – سالم – سلمان – سلمى – أسلم – مسلم – سليم – سلامة – سلام – سليمة – إسلام … وما إلى ذلك ] ومن مادة ” س ع د” [ سعد – يسعد – سعْد – سعيدة – مسعودة – سعود – سعاد – سعدى – سعدان – سعيد – أسعد …. وغيرها من الكلمات ]

ففي الحقيقة وهو ميزة للغة العربية تتمكن بها من الوفاء بمتطلبات الدهرمن الكلمات والمفردات، ولا سيما من صياغة المصطلحات الجديدة وتوليد المفردات العربية، كما يتمكن به العرب من التمييز بين الأصيل والدخيل،فلوالتفت العرب انتباهم إلى هذا الجانب لكانت لغتهم أرقى اللغات في العالم،لأنهم كانوا قد يستطيعون في وضع الألفاظ العربية للمصطلحات العلمية والتجارية والاقتصادية والحربية والطبية والهندسية،ولكنهم لم يهتموا بذلككما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته الشهيرة”على لسان حال اللغة العربية”والتي تشكو فيها اللغة العربية بثها وحزنها إلى الأمة العربية وتدعوهم إلى التفكر والتدبرفي أمورها:

رجعت لنفسي فاتهمت حصــــاتي وناديت قومي فاحتسـبت حــياتي

رموني بعقم في الشــــباب وليتني عقمــت فلم أجـــزع لقول عداتي

وسعت كتــــــاب اللـه لفظا وغاية وما ضقت عن آي به وعظــــات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنســـيق أســـماء لمخــــترعات

أنا البحـر في أحشـــائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

ولهذا سماه الدكتور النبيل هذه الظاهرة بالفائض اللغوي، ويشبهها بالشجرة ذات الجذور القليلة والأوراق الكثيرة.

ثم نعثر بعد ذلك على “الإعراب” وهو خصصية مهمة للغة العربية، وهو الإبانة عن المعاني بالألفاظ والكلمات التي يطرأ التغيير في أواخرها بحسب العوامل الداخلة عليها وما يقتضيه كل عامل.

قال ابن جني : هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ ، ألا ترى أنك إذا سمعت ” أكرم سعيد أباه، وشكر سعيد أبوه ” علمت برفع أحدهما ونصب الأخر الفاعل من المفعول ، ولو كان شرجا واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه.

وتتضح أهميته بكل الوضوح بقول ابن فارس: من العلوم الجليلة التي خصت بها العرب الإعراب،والذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ ، وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، لولاه لما تميز فاعل من مفعول ولا مضاف من منعوت ولا تعجب من استفهام.

فالإعراب معلم من معالم اللغة العربية ومفخرة من مفاخرها،مست الحاجة إلى وضعه بعد أن توسع نطاق الفتوحات الإسلامية،ففتحت الفتوحات، ومصرت الأمصار العربية والعجمية، حيث توجد فيها الإشارات إلى المعاني المختلفة،تسهل قراءتها وفهمها،كما هو زخرف لغوي يجلبها إلى الغناء والموسيقى.

ويجيئ بعد ذلك ” التعريب” والذي يقال في حده هونقل الكلمة من العجمية إلى العربية أوهوأن تتكلم العرب بالكلمة الأعجمية على نهجها وأسلوبها لأداء المعنى الخاص.

وذهب سيبويه والجمهور إلى أن التعريب هو تكلم العرب بالكلمة الأجنبية بالإطلاق، أي دون اشتراط تغييرها  أو الحاقها بأحد الأوزان.

فالمعرب هو الكلمات والألفاظ الأجنبية التي دخلت في اللغة العربية عن طريق الاحتكاك وبدأت العرب تستخدمها على منوالها ومنهاجها سواء طرأ عليها التغيير أو لم يطرأ.

فقد ورد كثير من الكلمات الأجنبية في القرآن الكريم أيضا، كما أشار إليها القاضي تاج الدين السبكي:

الســلسبيل وطــــه كورت بيــع    روم وطـوبى وسجيل وكافور

والزنجبيل ومشكاة وسرادق مع    استبرق صلوات سندس طور

كذا قراطيـس ربانيــهم وغساق    ودينار والقســطاس مشـــهور

كذاك قســـورة واليــــم ناشئـــة    ويوت كفلين مذكور ومسطور

له مقاليــد فــردوس يعــد كـــذا    فيـما حكى ابن دريد منه تنور

وأضاف فيه ابن حجر قائلا:

وزدت حـــرم ومهل والســــــجل كـــذا السري والأب ثم الجبت مذكــور

وقطــــــــنا وإنـــاه ثــــــم متــكـــــــــئا    دارست يصهر منه فهو مصـهور

وهيــت والسكــــر والأواه مع حصــب وأوبي معـه والطاغوت مسطــور

صرهن إصري وغيض الماء مع وزر ثم الــرقيم مناص والســنا النــور

ومن هنا يتبين لنا أن التعريب من أبرز خصائص اللغة العربية تتمكن به من صوغ الكلمات العربية للمصطلحات والكلمات الأجنبية، وتصهرها في قالب اللغة العربية لفظا ونطقا وغاية. فلم تعد أياديها مغلولة في وضع الكلمات حسب تطلبات الدهر والمستجدات العلمية والتقنية الحديثة.

ويأتي بعد ذلك ” النحت” وهو النشر والبري والقطع، يقال ” نحت النجار الخشب” إذا براه وهذب سطوحه، فهو أن تعمد إلى كلمتين أو جملة فتنزع من مجموع حروف كلماتها كلمة فذة تدل على المعنى الذي كانت قد تدل عليه الجملة نفسها ، ولما كان هذا النزع يشبه النحت من الخشب والحجارة سمي نحتا.

قال عبد الله أمين: هو أخذ كلمة من كلمتين أو أكثر مع المناسبة بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى معا.

فعلى هذا يمكن لي القول أنه هو بناء كلمة جديدة من كلمتين أو أكثر أو من جملة بحيث تكون الكلمتان أو الكلمات متباينتين في المعنى والصورة وبحيث تكون الكلمة الجديدة آخذة منهما جميعا بحظ في اللفظ دالة عليهما جميعا في المعنى. وأمثلته متبعثرة في اللغة العربية منها:

بسمل : من “بسم الله الرحمان الرحيم” وحيعل : من “حي على الصلاة” وعبشمي : من “عبد الشمس” وعبدري : من “عبد الدار” وبلحارث : من “بنو الحارث” وسبحل : من “سبحان الله” وجعفد : من “جعلت فداك” وهلم جرا.

فبهذه الطريقة يمكن لنا أن نحول الجمل الطويلة إلى كلمة واحدة أو الكلمات المعقدة في النطق والكتابة إلى التسهيل والتخفيف، فهو طبعا تيسير التعبير بالاختصار والإيجاز ، كما يؤدي إلى تنمية اللغة وتكثير مفرداتها عن طريق إضفاء الطابع العربي على الكلمات الأجنبية والأعجمية.

ولست بمغال في القول إن اللغة العربية لغة في طبيعتها النمو والازدهار، والتي مازالت ولا تزال تزدهر وتخطو إلى الأمام، وتفي بتطلبات لغوية وتلبي نداءها، فلو تدبرت العرب يوما ما، واهتموا بشأنها شيئا ما، لوجدوها في أحسن حال مما هي فيه الآن، ولا تمس الحاجة إلى الدعوة إلى تسهيل قواعدها والتغيير في نحوها وصرفها، والاتكال على اللغات الأجنبية.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of