+91 98 999 407 04
aqlamalhind@gmail.com

القائمة‎

رؤية في التعليم بين الراهن والنموذج المنشود
د. شعيــــب زيـــــاد

الملخص:

   تحتل مسألة التعليم في وقتنا الحاضر مكانة بارزة في معظم دول العالم، وأصبح الحديث عن التعليم اليوم حديثا عن الاقتصاد والاستثمار للعنصر البشري في عملية التنمية الشاملة للمجتمع في حاضره ومستقبله. إن نظرية التعليم وفقا للنموذج المدرسي تتضمن أسسا وتصورات ومبادئ ضمنية عن قضايا التعليم والتعلم، والأدوار التي يلعبها كل من المعلم والمتعلم في البيئة التعليمية. وأول هذه التصورات التي سنعالجها تتجسد في التعاطي مع التعلم باعتباره عملية تراكمية متسلسلة، أما التصور الثاني فيتمثل في أن التعلم عملية لاكتناز المعارف والمعلومات التي تفرض على المتعلمين الاجتهاد في تحصيلها لينالوا بها النجاح في حياتهم الشخصية والعملية، ويتضمن التصور الثالث مبدأ التعلم الفردي التنافسي الذي يعزز الفكرة السابقة، وأما التصور الرابع فيلتقي مع الفكرة التي تقول إن التعلم عملية تجميعية لمهارات جزئية يجب ان يتقنها كل الطلبة، وإذا أردنا أن نتكلم عن النموذج المدرسي المنشود لضربنا على سبيل المثال من باب التحفيز لا من باب اعتبارها مثلنا الأعلى اليابان كنموذج إحصائي.

الكلمات المفتاحية:

التعليم- النموذج – الكفاءة…

المدخل:

     إن نظرية التعليم وفقا للنموذج المدرسي تتضمن أسسا وتصورات ومبادئ ضمنية عن قضايا التعليم والتعلم، والأدوار التي يلعبها كل من المعلم والمتعلم في البيئة التعليمية.

 و أول هذه التصورات تتجسد في التعاطي مع التعلم باعتباره عملية تراكمية متسلسلة في اتجاه أفقي تمتد عبر مراحل التعليم المختلفة، وتبعا لذلك فإنه لابد أن تزداد كمية المعلومات حجما وكثافة كلما تقدم الطالب في سنواته الدراسية. فالكتب المدرسية تتضخم والمقررات الدراسية تزداد والوقت الدراسي يتمدد والأعباء المدرسية تتضاعف على كاهل الطلاب وأولياء الأمور.

   أما التصور الثاني فيتمثل في أن التعلم عملية لاكتناز المعارف والمعلومات التي تفرض على المتعلمين الاجتهاد في تحصيلها لينالوا بها النجاح في حياتهم الشخصية والعملية، وبالتالي فإن عملية التعليم لابد أن تتخللها مواقف يختبر فيها الفرد لتتبين أهليته أو عدمها لهذا النجاح. ولست مبالغا إذا قلت إن ما يجري من تعليم في مدارسنا يصب في هذا الاتجاه، فكثرة الامتحانات، والواجبات المدرسية، والمشروعات كلها تؤكد أن عمل المعلم أصبح يتمحور حول تعليم طلبته من أجل النجاح!

    ويتضمن التصور الثالث مبدأ التعلم الفردي التنافسي الذي يعزز الفكرة السابقة، فالفوز في حلبة السباق حق يكتسب مادام الفرد يمتلك المؤهلات اللازمة. أما الخاسر فعليه أن يعالج تقصيره بشتى العلاجات المتوافرة من دروس تقوية، وتعليم خاص، وتدريبات خاصة للامتحان، وفي ظل هذا المبدأ يتعلم طلابنا أن قيمة الفرد في مدرسته تتحدد بما يحرز من درجات!

   و أما التصور الرابع فيلتقي مع الفكرة التي تقول إن التعلم عملية تجميعية لمهارات جزئية يجب أن يتقنها كل الطلبة، ويتعلموها بالطريقة نفسها، ويتم تقويمهم بالأسلوب نفسه. وإذ أن المنهاج الدراسي في مدارسنا هو مجموعة من المعارف والمهارات المتكدسة الخاصة بالمواد الدراسية فإن التعلم يحدث وفقا لسلم الإتقان المتدرج في كفايات المادة الدراسية. وفي ظل هذه التجزئة المصطنعة يصبح التعليم جافا ومملا يركز على المكننة والإجراءات الخاصة بالمادة الدراسية، ويشجع على النمطية في التفكير، ويبتر العلاقة الحقيقية بين التعليم والحياة.

   ونتيجة لتقديس هذه المعارف بات التعلم عملية تقتصر على التعامل النظري مع المعلومات من دون الحاجة إلى تطبيقات عملية لمضامينها، وبالتالي يمكن أن يفسر هذا التوجه سر استمرار نجاح النموذج التلقيني وسيطرة الكتاب المدرسي في عملية التعليم بمدارسنا وذلك لأننا مازلنا نقدم المعرفة على حساب العمل بالمعرفة.
وأخيرا نستطيع أن نضيف القول إن عملية التعلم وفقا لهذه النظرية لا تتعلق بنمو الأفراد وتفجير مواهبهم بل هي المعرفة باعتبارها قيمة مطلقة يحب أن يسعى الجميع إلى اكتسابها في جميع الأحوال وشتى الظروف، أما الأدوار التي يلعبها كل من المعلم والمتعلم فهي تمثل النموذج الثنائي للتعليم، إذ يقف في أحد أطرافه الشخص الذي يعطي مما يملك من معرفة وخبرة وحكمة “المعلم” بينما يقف في الطرف المقابل الشخص المتلقي والمحتاج إلى هذه الأمور “الطالب”.
في ضوء ما سبق ذكره يمكن القول إن نظرية التعليم الرسمية تساعد على ترسيخ المبادئ الآتية:

التعلم عملية طولية تراكمية، وبالتالي فإن المنهج يجب أن يتسع كميا مع تقدم الطالب في عمره.

عملية التعليم هي إعداد للطالب حتى يستطيع النجاح في المدرسة.

   عملية التعليم هي عملية تجميعية لمجموعة من الكفاءات الخاصة بالمواد الدراسية إذ يتدرج تدريسها من الأسهل إلى الأصعب.

  • عملية التعلم هي عملية تنافسية والفرد ينجح إذا امتلك الكفاءات اللازمة.
  • عملية التعلم هي عملية نظرية محضة تتصل بتفكير الإنسان لا بعمله.
  • عملية التعلم هي المعرفة في حد ذاتها ولا تتصل بعواطف وحاجات ورغبات الإنسان.
  • المعلم والكتاب المدرسي هما المصدر الوحيد للمعرفة والطالب هو المتلقي لها.
    أما نتائج الممارسات التربوية وفقا لهذه النظرية الرسمية فنوجزها في الجوانب المهمة الآتية:
  1. فصل التعليم عن الحياة، وتحويل المدارس إلى مراكز للتحفيظ اللفظي واختبار الذاكرة.
  2. تراجع المستوى العلمي للخريجين في مدارسنا، إذ يساعد النظام التعليمي الحالي على تخريج أفراد ناجحين وليس طلاب علم ومعرفة.
  3. افتقاد المدرسة إلى دورها الثقافي في المجتمع، إذ تعيش في سباق مع الزمن لانجاز ما أنيط بها من مهمات ومسئوليات إدارية وتعليمية متضخمة تتعلق بالبرامج التعليمية، وشئون الطلبة، وأولياء الأمور، والمناهج، والمعلمين.
  4. بروز النموذج الإداري المتسلط بصورة واسعة، إذ يتم التركيز على شكليات التعليم وتطبيق القوانين والإجراءات على حساب النمو العلمي والمهني للمعلمين في المؤسسة المدرسية.
  5. فصل البعد التربوي في عملية التدريس، وتحويل المعلم الى ناقل للمعلومات وموظف رسمي ينفذ الإجراءات التعليمية والإدارية.

النموذج المدرسي المنشود:
النموذج الإنساني الثقافي هو البديل للنموذج التقليدي للمدرسة ويتفق مع ما ينادي به علماء التربية اليوم، ففي ظل النموذج الإنساني الثقافي تسعى المدرسة إلى تعليم يحقق إشباعا لحاجات الطالب المعرفية، والنفسية، والاجتماعية. فالطالب يتعلم المعرفة ليصبح قادرا على العمل والإنتاج، وتتضمن عملية التعليم التنمية الشاملة لروحه وجسده وعقله بحيث توفر المدرسة له الفرص التي تساعده على تكوين شخصيته المستقلة، واتخاذ القرار، وتنمية قدرته على التخيل والإبداع، وتشجيعه على أخذ زمام المبادرة، وإشباع فضوله في الاكتشاف والتجريب. وفي ظل هذا النموذج يكتسب الطالب المهارات الاجتماعية الضرورية التي تساعده على التعايش مع الآخرين وإقامة مشروعات ناجحة معهم مثل تحمل المسئولية، وضبط النفس، وفهم الذات، واكتشاف الآخرين، والتعاون، ومهارات الحوار. وليتحقق هذا النوع من التعليم في مدارسنا لابد أن نؤسس فيها ثقافة تربوية جديدة تمكن العاملين بها من الانتقال من ثقافة المصانع والمؤسسات إلى النموذج الإنساني الثقافي للمدرسة، ولعل أهم الملامح التي تطالعنا بها هذه المدرسة هي كالآتي:

  • توجيه دعوة مفتوحة إلى تعلم الجميع وإلى الالتحاق بالمدرسة بغض النظر عن خصائصهم العقلية والاجتماعية والاقتصادية.
  • وجود القيادة التربوية التي تمتلك المهارات العلمية والنفسية والاجتماعية التي تمكنها من تحمل أعباء المسئوليات الإدارية وقيادة المعلمين لإشباع حاجاتهم المهنية وتحقيق أهداف المؤسسة المدرسية.
  • توفير المعلم المربي الذي يسعى إلى تطوير نفسه في المهنة، وتكوين علاقات اجتماعية سليمة مع زملائه، والعمل مع الآخرين في تنفيذ مشروعات مشتركة، والتواصل الفعال مع المجتمع الخارجي لدفع عجلة العملية التعليمية إلى الأمام.
  • إعداد المناهج التي تتضمن أنشطة وخبرات ترتبط بحياة التلاميذ وواقعهم، وتشبع حاجاتهم النفسية والاجتماعية، وتنمي لديهم مهارات التفكير والتواصل الاجتماعي .
  • توفير بيئة صفية آمنة ومريحة للتلاميذ تشجعهم على التعبير بحرية عن آرائهم، وتوفر لهم الأدوات والمصادر اللازمة للتعلم الذاتي والاجتماعي، وتحفز لديهم حب المعرفة والاكتشاف والتجريب.

وإذا أردنا أن نتكلم عن النموذج المدرسي المنشود لابد أن نضرب على سبيل المثال من باب التحفيز لا من باب اعتبارها مثلنا الأعلى اليابان التي خرجت من الحرب العالمية لا تمتلك أدنى المعطيات لتصير بهذا المستوى الحضاري والرقي في شتى المجالات ولا ننسى المعطيات الجغرافية التي وقفت كتيار معاكس للرجل الياباني من زلازل وبراكين وغيرها ونحن لسنا بصدد التعريف بها لكننا سنقتصر على تسليط الضوء ضمن مجال التعليم فقط لعل وعسى أن نجد فيه ظالتنا.

نجاحات النظام التعليمي في اليابان:
وقد شُرح في أحد المعارض الدولية التي أُقيمت مؤخرا في طوكيو كثيراً عن تطبيقات تكنولوجيا التعليم في المستقبل حيث تخطو اليابان في ذلك خطوات واسعة، وتدير وزارة التربية ذات الصلاحيات الكبيرة على كل البناء التعليمي الياباني الذي يشمل 3.1 مليون معلم يدرسون نحو 27 مليون طالب في نحو66.000 مدرسة، والأمية لا تتجاوز نسبة (0.7%)، كما يحصل الطفل الياباني على نتائج عالية في الاختبارات الدولية التي تقيس القدرات في الرياضيات والعلوم أكثر من الطفل الأمريكي والبريطاني والفرنسي وغيرهم من الجنسيات الأخرى. أما طالب المرحلة الثانوية البالغ من العمر 14 عاماً فيكون قد تعرض لتعليم لم يتعرض له طالب أمريكي إلا إذا بلغ من العمر 17 أو 18 عاماً، كما تتقدم اليابان على الصعيد العالمي في نسبة العلماء والمهندسين (60.000 لكل مليون نسمة)، وينخرط نحو (800.000) ياباني في مراكز الأبحاث والتطوير، وهذا العدد تجاوز ما لدى بريطانيا وألمانيا وفرنسا مجتمعة معاً.
ويعتبر المعلمون في اليابان كنزاً قيماً، فالشعور بالانتماء إليهم قوي، وفي كل عام يتقدم المزيد من طالبي وظائف التدريس الأكثر أهلية لوظائف شاغرة.

وحتى يكون لحديثنا وقع في آذان السامع كان لابد أن نختصر موضوعنا في كون العملية التعليمية التعلمية ليست فقط مفاهيم نظرية أو تغيير للمصطلحات أو هي قواعد تكتب على الأوراق، بل إنها تحتاج إلى دراسة ميدانية تطبيقية حتى نتمكن من صقلها وتقويمها تقويما صحيحا.

خلاصة وتوصيات:

وتؤكد توصياتنا الأخيرة على فكرة الإصلاح المدرسي الشامل، تقترح الورقة التوصيات التالية:

_     النظر إلى الإصلاح المدرسي باعتباره منظومة متكاملة تأخذ في الحسبان جميع مستويات التخطيط والتنفيذ والمكونات التي تتضمنها هذه المستويات، والتنسيق  الدقيق بين الجهات المسئولة عن الإصلاح المدرسي في مراحله المختلفة.

_     توفير الدعم الفني والتعليمي، والمصادر المطلوبة للإصلاح ( بشرية، وتقنية، وتسهيلات، ومالية).

  • إعادة النظر في الأهداف التعليمية لتشمل عبارات محددة واضحة تؤكد علي تمكين الطلاب من اكتساب مهارات التفكير .
  • مراجعة المقررات الدراسية وتضمينها بفقرات وأسئلة تحفز الطلاب علىالتفكير بدلاً من الحفظ والاسترجاع.
  • تأسيس نظام للتقويم ومتابعة تقدم الطلاب بصفة دورية ومستمرة، وقياس مدى تحقيق الأهداف، و تفعيل نظام للتغذية الراجعة لإبقاء الإصلاح في المسار الصحيح لتحقيق أهدافه.

المراجع:

  • https://www.arageek.com/edu/2016/04/10/facts-about-education-system-in-japan.html.
  • الصالح، بدر عبد الله (2005). الإصلاح التربوي: نحو قيادة ميسرة للتغيير. مجلة أراء حول الخليج، العدد الثامن، ص48-50.
  • فوستر، ديفيد ( 1990).” مشكلة التكنولوجيا والتربية “. ترجمة : عبد العزيز جبريل. مجلة التربية، العدد (4)  ص 125-135.
  • الصالح، بدر عبد الله (2003ب). مستقبل تقنية التعليم ودورها في إحداث التغيير النوعي في طرق التعليم والتعلم. مركز البحوث التربوية، كلية التربية، جامعة الملك سعود، الرياض.
  • الصالح، بدر عبد الله، المنظور الشامل للإصلاح المدرسي: إطار مقترح للإصلاح المدرسي في القرن الحادي والعشرين، مؤتمر: الإصلاح المدرسي: تحديات وطموحات، كلية التربة: جامعة الإمارات العربية المتحدة ،دولة الإمارات العربية المتحدة/ دبي: 17-19/2007م.

*جامعة لونيسي علي –البليـــــدة 2- الجزائر

 

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of