+91 9999 324 197
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

القرآن الكريم: أسلوبه وتعبيره في النثر الفني
*الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

إن العرب في العصر الجاهلي كانوا يعيشون حياة مشحونة بالعصبية وبالتفاخر وبالأنساب وما شاكلها حتى ظهر الإسلام. فغير مجرى التاريخ وتيار المجتمع  وأساليب الحياة. وكان ظهور الإسلام في الواقع حدثا خطيرا وفتحا جديدا في حياة العرب. قلب الإسلام كل شيئ رأسا على عقب، وتبلورت آثار هذا التغيير والتبديل في كل مظهر من مظاهر الحياة. وذلك لأن الإسلام قد جاء لتهذيب الإنسان وتثقيفه، وتوحيده تحت ألوية الوحدة والوئام، وجاء لقيام مجتمع إنساني ترفرف عليه رأية الأمن والسلام، إذ هب فيه ريح المودة والإخاء والحب والحنان. فكان ظهور الإسلام في الحقيقة انقلابا دينيا، وتغييرا سياسيا واجتماعيا وأدبيا ولغويا، ولا بد لكل انقلاب وثورة أن تترك أثره في نفوس أولائك الذين واجهوا هذا التغيير في عقولهم وأفكارهم، فتطورت آدابهم وعلوهم ولغاتهم بما اقتضته طبيعة هذا الانتقال الذي غير مناهج تفكيرهم ومعتقداتهم وقيمهم وأخلاقهم.  تطور الأدب العربي منذ ظهور الإسلام تطورا عميقا محسوسا باهرا. فإن العرب قد وجدوا بين أيديهم منهلا عذبا صافيا يفيض عليهم من سحره وإعجازه وبلاغته وفصاحته وطلاوته وحلاوته فنهلوا منه وانتزعوا معانيه وأغراضه وأسلوبه وألفاظه. اتضحت في كلامهم آثار هذه المعجزة الكبرى وتجلت فيه مظاهر هذه النقلة المفاجئة التي أتى بها القرآن الكريم. وقد وقع هذا التأثر في ألفاظ اللغة وأسلوبها، وفي فنون الأداب المختلفة من شعر ونثر. ولم يكن هذا التغير من أجل ما اكتسبه الناس من ثقافة وعلم وأدب من البلاد التي فتحها المسلمون، بل برجوعهم إلى المنبع والمصدر الأول لثقافتهم الدينية والعقلية والأدبية، فالقرآن الكريم هو الذي قلب خشونة الطباع عذوبة ولينة وسلاسة وقوة، والقرآن الكريم هو الذي غير حوشية اللسن سهولة ووضوحا، وبلاغة ورونقا واورث العرب وضوحا في التفكير ودقة في التعبير والتصوير وروعة في الحجة ورقة في الأسلوب. ومن أهم خصائص أسلوب القرآن أنه يوافق موفقة تامة كاملة بارعة نفسية المخاطب في تأدية الأغراض المنشودة الفاضلة، تأتي آياته في أداء معانيه وأغراضه حسب مقتضى الأحوال ومطابقا للأجواء الذهنية والوجدانية للمخاطبين التي يسبحون فيها. وكذلك يقوم أسلوبه في العبارات والربط بينها بما يوافق الانفعال النفسي من عنف ورقة، فهو يأخذ النفس دائما بموافقه. ومن المحقق أن أصدق الأدب وأعذبه وأروعه هو ما يثير الانفعال ويحرك العواطف والنفس بحركته دائما، ولذلك تنوعت أساليب القرآن الكريم بتنوع الحالة والموضوع وبإختلاف مستوى الوعي الوجداني والنفسي للمخاطبين في تناسق دقيق وانسجام لطيف.

النثر في العصر الجاهلي:

كان للعرب في الجاهلية نثر فني. وعندما نزل القرآن الكريم، وجاءت الدعوة النبوية الكريمة بجميع خصائصها الأدبية والفنية. وكانت هذه الدعوة النبوية غذاء صالحا للروح والفكر. فاستعبت هذه الدعوة الإسلامية الجديدة قيام نظام جديد وإدارة جديدة. وكان لا بد لنشر الدعوة الجديدة من التعاليم والإرشاد والوعظ. وكانت الأداة الصالحة لذلك الكلام المنثور ، لا المنظوم.  فاقت أهمية النثر  واحتل مكانة الشعر، وجعل القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف للنثر دولة ووضعاه في منزلة أسمى. فهذه الاسباب كلها ساعدت على نهضة النثر الفني.

النثر: النثر هو الكلام المرسل الذي لم يتقيد بقيود الوزن والقافية. وينقسم النثر إلى قسمين:

القسم الأول: النثر العلمي

القسم الثاني : النثر الفني

النثر العلمي: هو كلام مرسل يتناوله الأديب للاكتشاف عن الحقائق العلمية وإبرازها.

النثر الفني: أما النثر الفني فهو الكلام المرسل المرتفع عن اللغة الجافة، وعن لغة التخاطب والمحادثة. يشتمل على الأفكار المنظمة ويتسم بالروعة والتفكير ويتصف بتركيب الجمل وصياغة العبارة يثير المشاعر ويحرك العواطف وهذا النوع من النثر أجدر في الكتابة لأن الكاتب يرتب فيه أفكاره ويحدد معانيه وأغراضه ثم يأتي بالكلمات التي تناسب لها. يحتاج النثر الفني إلى الرقى الفكري والتهذيب العقلي وإلى وجود جماعة إنسانية منظمة راقية تسودها أوضاع حينما تنضج أفكاره وتتوسع ثقافته العلمية والأدبية يتوسع نثره وأدبه. والنثر البسيط يتحول إلى النثر الفني حينما يترقى صاحبه بثقافاته ومعارفه وعلومه وعقليته الفنية، فيزود ويزين نثره بكل ذلك.[1]   

مفهوم النثر الفني:

يستمد النثر الفني في العصرالإسلامي معانيه من منهلين عذبين، من أدب القرآن الكريم والأدب النبوة، لأنهما وجها النثر نحو التخلق بالأخلاق الفاضلة الكريمة، التحلى بالأخوة الإنسانية النبيلة. أصبحت معاني النثر في هذا العصر منظمة منسقة، والأفكار مرتبة، وذلك لأن الإسلام يتطلب من معتقديه التنسيق والترتيب والتنظيم في كل أمر من الأمور، سواء يتعلق بالحياة وشؤونها أم بالأفكار وإنتاجها. إن هذا النثر الذي جاء إلينا كان موثوقا الرواية ثبتا أكثر من النثر الذي وصل إلينا من الجاهلية. ثم إن هذا النثر كان شديد التأثر في أغراضه وأساليبه بالقرآن الكريم من وجهين: كان في الدرجة الأولى أفصح ألفاظا، وأسهل تركيبا، وأعذب تعبيرا، أما من جهة الثانية، فقد كان أمتن سبكا، أبرع دلالة، أنق ديباجة، لأن الناثرين كانوا قد تأثروا ببلاغة القرآن الكريم التي كانت تجري في أساليب متعددة بتعدد الأغراض من ترغيب وترهيب، ومن وعد ووعيد، ومن سرد وقصص، ومن وصف وتشريع، ثم أن العرب كانوا قد جعلوا النثر ميدان براعتهم في التعبير عن المقاصد والمعاني، بعد أن كانوا قد انصرفوا عن الشعر كثيرا أو قليلا.[2]

القرآن الكريم ودوره في تطوير النثر الفني:

ومن أهم العوامل والأسباب التي لعبت دورا هاما في تطوير النثر الفني في العصر الإسلامي واتساع مداه وفسح آفاقه هي القرآن الكريم وبلاغته وإعجازه وأسلوبه وتعبيره الذي غير مناهج التفكير وطبيعة الحياة الأدبية. وقد ارتفع لمستواته الفكرية والعاطفية والبلاغية. وقد طعم النثر الفني بطعومات جديدة تتضح فيها معالم هذا التطور الشامل الذي ترتب على ظهور الإسلام. فقد أحدث فيه فنونا جديدة وموضوعات حديثة، لم يعهد بها العرب من قبل. فكساه خلع الحيوية والحركة والقوة، وعرفه ببيئة يحيطها الاستقرار، والحراة الإيمانية والعاطفة الدينية القوية الجياشة، فازداد توسعا وتفوقا عن الشعر.

أثر القرآن الكريم في اللغة العربية:

لقد تأثرت اللغة العربية في هذا العصر بالدعوة الإسلامية، فازدادت أغراضها وتوجهت نحو وجهات جديدة تختلف عما كانت عليه قبل الإسلام وأخذت تعبير عن عقول استضائت بهدى القرآن وتأدبت بأدب الإسلام. أثر القرآن الكريم في اللغة وأغراضها كما أثر في معانيها وأساليبها فبرز في معانيها الدقة والتفكير والفهم والعمق بما أفاده المسلمون من ثقافة القرآن الكريم. أما أسلوب اللغة فقد شاعت فيه العذوبة والسلاسة في جزالة، وأخذت أطرافه القوة والجمال والوضوح وروعة الـتأثير وقوة الحجة وتأجج العاطفة والتهاب الشعور ودقة الإحساس الأدبي. وذلك لتأثرهم بالقرآن وبلاغته مما رقق من نفوسهم القاسية ، فسلست طباعهم والسنتهم وملكاتهم، فلم تقبل إلا السمع المهذب من الأساليب.[3]  قد اختار الله سبحانه وتعالى من ألفاظ اللغة العربية أفصحها وأيسرها على اللسان ، وأسهلها على الإفهام ، وأمتعها للآذان، وأقواها تأثيرا على القلوب وأوفاها تأدية للمعاني، ثم يركبها تركيبا محكم البنيان، لا يدانيه في نسجه كلام البشر من قريب ولا بعيد، وذلك لما يكمن في ألفاظه من الإيحاءات التي تعبر إلى خلجات النفس. أما ألفاظ القرآن فهي سهلة متينة قوية سلسة متخيرة عذبة، برئية من الضعف والإلتواء منطقية على مدلولها ومؤدية على معانيها المنشودة متسمة بالانسجام والأنغمام، بعيدة عن الحوشية والخفة، فهي كأنها در لامع منثور مصبوغ “تشع نورا كما يشع الفجر، وتهدر حركة وحياة ونموا وتجددا كما يهدر البحر، وتهدأ وتعذب وتسلس كما تهدأ صفحة النهر.[4] هي ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة.[5] إن القرآن الكريم أثر خالد من آثار النثر العربي، ومعجزة فنية رائعة. ومن المؤكد أن القرآن الكريم نثر فني خالص بلغ في نظمه وأسلوبه وتفوقه وإحكامه إلى مرتبة لا يسامى فيها. ولا يدرك مداها، وهي مرتبة الإعجاز. وقد نزل بلغة العرب، وعلى لسان رجل من رجالهم، نزل بتلك اللهجة الأدبية العامة الموحدة التي كان بها التصاول والتجاول في ميادين البلاغة والبيان، وبها وردت معظم الآثار الأدبية من شعر ونثر. وإن العرب كانوا أهل لسان وبلاغة وفصاحة. لهم في ميدان الفصاحة قدم ثابتة، فلما تحداهم القرآن الكريم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة واحدة على الأقل، عجزوا عن الإتيان بمثله، لأنه معجز.

يتفرد القرآن الكريم من ناحية النظم والتأليف والنسق البياني ويتميز كل التمييز عن أساليب النثرية يصعد إلى سمو بيانه أسلوب لا يدانيه. لا يبلغ مرتبته كلام العرب من الفصحاء والبلغاء والأدباء في النظم والترتيب في المعاني والألفاظ وفي جودة البناء ومحكم السبك وفصاحة الأسلوب ، وفي تأدية الألفاظ لمعانيها وانطباقها على مدلولاتها. فللقرآن الكريم أسلوب لا يشاركه ولا يضاهيه أسلوب كلام البشر قبله ولا بعده، فلا يشوبه سجع ولا مزاوجة، ولا يمسه الشعر الموزون المقفى ولا الخطابة. يقول دكتور شوقي ضيف: “أنه حقا اختط أسلوبا جزلا، له رونق وطلاوة مع وضوح القصد والوصول إلى الغرض من أقرب مسالكه. وهو أسلوب ليس فيه زوائد ولا فضول، فاللفظ على أقدر المعانى كأنما رسم له رسما، وهو لفظ لا يرتفع عن الإفهام ولا عن القلوب، بل يقرب منها حتى يلمس الشغاف. ومما لا شك في أن القرآن هو الذي ابتدع هذا الأسلوب المحكم، بل هذا اأسلوب السهل الممتع يلذ الآذان حين تستمع له، والأفواه حين تنطق به، والقلوب حين تصفى إليه. هذا الأسلوب الذي يميز عربيتنا، والذي استطاع أن يفتح القلوب حين فتح العرب الأمصار، فإذا أهلها مشدوهون، وإذا هم يهجرون لغاتهم المختلفة إلى لغته الصافية الشفافة. واقرأ في قوارعه حين يتحدث عن البعث والحساب والعذاب، وفي ملاطفاه حين يتحدث عن الرحمة والمغفرة، أو حين يتحدث إلى رسوله، فإنك ستجد الأسلوب دائما مطردا في جودة اللإفهام وروعته مع سهولة اللفظ ومتانته وسلامته من التكلف.[6]

الأسلوب:

لقد اختلفت التعريفات الغوية لكلمة “أسلوب” وذلك تتعدد معناها واختلاف استعمالاتها. يقول ابن فارس: “السين واللام والباء أصل واحد- وهو أخذ الشيئ بخفة واختطاف.[7] ويقال للسطر من النخل” أسلوب” وكل طريقة ممتد فهو أسلوب. ويقال إن كل شيئ الممتد من غير اتساع فهو أسلوب.[8] الأسلوب معناه: الوجه والطريق والمذهب. يقال:أنتم أسلوب شر، جمعه أساليب[9] والأسلوب معناه الطريق[10]وقد سلك أسلوبه: طريقه وكلامه على أساليب حسنة.[11]والأسلوب بالضم: الفن، يقال أخذ فلان في أساليب من القول أي أفانين منه.[12]

فمن خلال هذه التعريفات اللغوية لكلمة “الأسلوب”  نستشف مدى الارتباط الوثيق بينها وبين الأسلوب في الكلام. ونلاحظ ذلك ابتداء من كلام ابن فارس حيث أن أصل المادة (س،ل، ب) تعني أخذ الشيئ بحطفة واختطاف. وهو ما يحدث عند المتكلم حين يريد الكلام ليعبر عن أفكاره وأغراضه، فإنه يختطف الألفاظ بكل حفة وسرعة من قاموسه اللغوي ليركب بها بنية متكامكلة منتظمة متراطة العلاقات بين وحداتها.  تحمل دلالات مختلفة سطحية وعميقة تتناسب وما يقتضيه السياق والحال. ثم أصبح نوعا من أنواع الحسنات المعنوية في علم البديع.

أسلوب الحكيم:

يعد أسلوب الحكيم عند البلاغيين من ضروب البلاغة العربية. وقد تعرض له. ونحن نتحدث عن أسلوب من أساليب القرآن الكريم. فإنه من اللازم علينا أن نتحدث عن الخطاب القرآني من حيث لغته وما يتميز به أسلوبه. وهذا يعطينا الصورة العامة له ويكون بمثابة التمهيد للحديث عن الأسلوب الحكيم في القرآن الكريم.  ولا مرية أن لهذا القرآن أسلوبه الذي يميز بها فيه من خصائص فنية وسمات بلاغية ولطائف لغوية وسلامة منطقية وبراعة تعبيرية ودقة تصويرية وروعة بيانية. يقول الزرقاني في هذا الصدد: “أسلوب القرآن الكريم هو طريقة التي انفرد بها في تأليف كلامه واختيار ألفاظه[13]ثم يقول: “ولا غرابة أين يكون للقرآن الكريم أسلوب خاص به، فإن لكل كلام إلهي أو بشري أسلوبه الخاص به، وأساليب المتكلمين وطرائقهم في عرض كلامهم من شعر أو نثر تتعدد بتعدد أشخاصهم بل تتعدد في الشخص الواحد بتعدد الموضوعات التي يتناولها والفنون التي يعالجها”.[14]يعبر الأسلوب الحكيم من الأساليب المعتبرة في التعبير القرآني ووجوده مخاطباته، وله قيمته الأسلوبية والبلاغية وجمالية الفنية. فهو من الأساليب الموجهة إإلى النضب، ليلهب مشاعرها ويهز كوامنها ويشحذ تفكسرها ليصل إلى أعماقها فيثيرها ويؤثرها فيها. لم يخرج القرآن عن معهود العرب في لغتهم العربية من حيث المفردات والجمل وقوانينها العامة. قد أعجز هم القرآن بأسلوبه الفذ، ومذهبه الكلامي المعجز عن أن يأتوا بمثله سورة واحدة أو آية واحدة.[15]  

للأسلوب القرآني:

إن الأسلوب القرآني يجسد المعنى الذي يريد إيضاحه للملتقى في قالب من الصور البيانية تجعلها كأنها محسبة منظورة بين ناظريه، فينظر القاري في تفصيلات الصورة، وكأن المشهد يجري بين عينيه حيا متحركا، فتكون أقرب إلى لغتهم وأوضح في الذهن مما لو نقل المعنى مجردا من تلك الصورة الحية. يقول محمد بن بكر اسماعيل: ” فالقرآن الكريم يبرز المعاني المعقولة في صورة محسنة متنزعة من الواقع المشاهد مؤتلفة إئتلافا عجيبا في قوالب كلية متحركة تشعر منها الأصوات والألوان والحركات مما يجعلك تعيش مع الواقع الذي لثورة لك هذه والاستعارات والكنايات المسبوكة سبكا فريدا يأخذ بمجامع القلوب، ويمسك على الإنسان حسه ومشاعره. فلا يحتاج إلى مزيد تصوير للحقائق التي يذكرها القرآن في هذه اللوحات البراعة البديعة في عناصرها وإئتلافها وانسجامها مع معانيها ومراميها. والخصائص الأسلوبية لللغة القرآن التي جعلت لغته لغة جديدة:  ومنها جمال التعبير، دقة التصوير، قوة التأثير، والتصوير القرآني.

جمال التعبير:

نزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين. وقد احتوى على أعذب الألفاظ العربية وأفصحها وأبلغها مما تعرفه العرب وتداولته بينهم. ولم يخرج من كل ذلك عن سننهم في الكلام لا لفظا ولا معنى، لا لإفرادا ولا تركيبا، ومع ذلك وإن كانت تلك الألفاظ معهودة عندهم وجارت على ألسنة شعرائهم إلا أن القرآن الكريم قد فاق على جميع كلامهم وتحداهم بأقصر صورة منه رغم كونه من أرباب الفصاحة والبيان. فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل الطريقة وتفوق الوزن الذي هو أحسن الكلام.[16]ويقول مصطفى صادق الرافعي في هذه الصدد: “إن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه، لأنه ليس وضعا إنسانيا البتة، ولو كان من وضع إنسان لجأ على طريقة تشبه أسلوبا من أساليب العرب أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد. ولا من الاختلاف فيه عند ذلك في طريقته ونسقيه ومعانيه.”ولو كان من عند غير الله لوجودا فيه اختلافا كثيرا”.[17]

دقة التصوير:

دقة التصوير هي نوع آخر من أنواع الجمال الفني المعجز الذي تتيه فيه عقول البلغاء في كل زمان ومكان. وهي من سمات الأساسية البارزة للأسلوب القرآني في طريقته التعبير عن المعاني، والأفكار والتصورات التي يريد إيصالها وإيضاحها للمخاطبين سواء كانت معاني ذهنية مجردة أو قصصا غابرة أو مشاهد ليوم القيامة وغيرها من المجالات. فالقرآن الكريم يبرز المعاني المعقولة في صور محسة منتزعة من الواقع المشاهد. ومن سمات الصور القرآنية أنها تصور الغائب حتى يصبح حاضرا، وتقرب البعيد النائي حتى يصير قيربا دانيا. ومن سماتها التلوين في التشبيهات.  فكثيرا ما يكون المشبه واحدا والمشبه به شيئين فأكثر تثبيتا للمعاني المرادة وتعميقا لآثارها في النفس. لهذا كانت تشبيهات القرآن وأمثاله صورا حية تعبر عن الواقع، لا تعدوه إلى غيره، لا تخلو من الإمتاع العاطفي والتأثير الوجداني بما اشتملت عليه من ألوان المعاني والبيان والبديع.

قوة التأثير:

والأسلوب القرآني يميل إلى قوة التأثير يجمع الوسائل الفنية[18]وذلك مدعاة بالضرورة إلى التأثير في الإنسان لأنه المستهدف الأول في الخطاب القرآني. وهكذا رأيناه مع جماليات التعبير من حيث جودة المعاني وحسن التراكيب وبراعة التوظيف مع قوة الإيقاع إلى أن وصلنا لدقة التصوير مما يجعل من لوحات فنية تخاطب كيان الإنسان في صورة حية مشرقة. فالصورة اليبانية للأسلوب القرآني تبعث في النظم قوة التأثير بنفوذها إلى الذهن، وتسربها منه عبر أغوار العقل إلى أعماق القلب لتلامس مشاعر الإنسان بمؤثراتها القوية الفاعلة حتى تصل إلى محاصرة الإنسان من كل مشاعره الجسدية والنفسية والفكرية والوجدانية. يجمع القرآن في أسلوبه التأثيري بين وسائل التعبير ووسائل التصوير، وهذا يعنى أن أسلوب القرآن يخاطب العقل والقلب معا ويجمع الحق والجمال معا فيهز القلوب هزا ويتمتع العاطفة امتاعا.

للأسلوب القرآني قوة في التأثير، تنشأ هذه القوة من جمال التعبير ودقة التصوير، فالقرآن الكريم يخاطب بأسلوبه العقل والعاطفة في آن واحد ولا يخاطب العقل وحده لأنه ليس كتاب فلسفة يقف عند حدود سرد المقدمات. ولا يخاطب القرآن الكريم القلب وحده لأنه ليس كتاب أدب يعذب فيه الكذب ويروق فيه الخيال المفرط، وإنما هو كتاب هداية ومنهج حياة يهدي الناس إلى ما فيه صلاح أمرهم في الدنيا والآخرة ويقودهم إلى ساحات الخير فيدعوهم إلى الإيمان بالله في سلاسة الأسلوب وعذبة منطق وقوة حجة لا تدع لهم مجالا للشك والارتياب.

التصوير القرآني:

التصوير في القرآن الكريم يوجه أولا وقبل كل شيئ إلى النفوس البشرية يحدث فيها تأثيره الفعال. فإن هذه الصورة تعتمد على عنصر الصوت، وذلك لأن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، فلذلك يرعى القرآن الكريم الأثر الصوتي الذي تتركه الكلمة على نفس المخاطب، وفي ذلك أنه يرعى أيضًا الجو النفسي والوجداني للمخاطب في كثير من الأحيان، فتؤثر الكلمة على ذهن المخاطب بشكلها ومبناها نفس الـتأثير الذي يؤثر به معنى الكلمة.[19]    

نشعر  من خلال التصوير القرآني بأن الكلام ورائه قوة أعلى من أن تنفعل بهذا الغرض أو ذلك، قوة تؤثر حين تصدر ولا تتأثر، قوة العالم بخفايا النفوس وطبائع الأشياء، فهو يسوق لها من ألوان المؤثرات ما يتناسب مع طبيعتها وينفذ منها إلى الأعماق. أما تأثير القرآني فإنه يسري في النفوس سريان الروح في الأجساد، فلا يزال يحركها، يتسلط على مشاعرها، فلا تملك النفس إلا أن تتابع بخيالها ووجدانها تلك الصورة ذاهبة وراءها كل مذهب. وحبنما ننظرإلى الأحداث والمشاهد، والقصص والمناظر، وأخبار الأمم الماضية والقرون الخيالية وإلى الحياة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها، المسوقة في القرآن الكريم لأداء الغرض الديني، وإلى آياته المحكمات التي تعبرها وتصورها، إذ أن هذا التصوير والتعبير يأتي بالصورة الحسبة المتخلية عن المعنى الذهني والحالة النفسية، ورأيناها شاخصة حاضرة فيها الحياة والحركة. فإذا أضيف إليها الحوار فقد استوت لها عندئذ كل عناصر التاثير. ومن أجل ذلك تخاطب العقل والقلب معا. وهذه الصورة الحية النابضة التي يتملاها الخيال وتؤثر في الحس، تقنع الخيال وتمتع الوجدان. فالتصوير القرآني يتميز بالتناسق الفني البديع الذي يجمع في إطار الصورة مع رشاقة اللفظ ودقة المعنى، وجمال الاتساق بين اللفظ والمعنى. ومن خلال هذا التناسق نجد أن القرآن الكريم يستخدم كل ما يمكن من الوسائل المثيرة للخيال من تشبيه وتمثيل واستعارة وكناية وغيرها لكى تفعل فعلها في النفوس ولكى تتعمق الصورة وتثبت في الإدراك والوجدان.

يختص أسلوب التصوير القرآني بسرعة الانتقال وروعته من معنى إلى معنى أو من حالة إلى حالة انتقالا يحرك النفس ويزيد من متابعة الخيال لهذه الصورة المتتابعة، وهي تنقل من الدنيا إلى الآخرة وترتفع من الأرض إلى السماء وتتحول من خطاب الإنسان العاقل إلى الخطاب الجامد. إن التصوير القرآني مع كونه في أروع الكلمات افتنانا وتنويعا في الموضوعات هو أروع افتنانا وتنويعا في الموضوع الواحد مع أن هذه التحولات السريعة المستمرة والتنقلات العديدة المتنوعة مظنة الاضطراب ولكنه التصوير القرآني الذي يحتفظ دائما بتلك الطبقة العليا من متانة النظم وروعة التأليف وجودة السبك حتى صاغ من هذه الأفانين الكثيرة منظرا مؤتلفا متناسقا يشهد لهذه القدرة الباهرة بالعظمة والإبداع والإعجاز.[20]

والتصوير في القرآن الكريم يقصد به شرح النفوس الإنسانية المقفلة، وفتح العقول المغلقة لفهم الحقائق الدينية الناصعة وتليقها، لذلك تأتي فيه المعاني والمشاهد مصورة صادقة مخيلة محسوسة فصوره تموج كما تموج البحار الزاخرة وتهتز كما تهتز العواصف، وتتحرك كما تتحرك الأشباح لراكب مسرع في السير.[21]، وكذلك نجد أن كلا من السور القرآنية تتميز بالحركة والقوة ودقة التصوير وإبراز المعنى جزءا جزءا وحركة بعد حركة. فإذا تأملنا في هذه الأية الكريمة على سبيل المثال: “وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا”[22]لرأينا فيها هذه الحركة العنيفة المتدافعة ممثلة في أروع بيان وأبسط تعبير. لرأينا فيها هذا الإيجاز الرفيع البليغ من أداء المعنى كاملا غبر منقوص، ولرأينا فيها هذه الصورة البديعة لأروع تصوير للغرض المقصود. أما الآيات فنجدها تسير مع الفكرة المقصودة، والغرض المنشود في وحدة واتساق وفي نظام عجيب، ترتيب غريب. وتتحرك في معرض الاستدلال كأنها موكب من النور، ومهرجان مصور لأدق خفايا النفوس والشعور وحنايا الصدور وتتوالى في السورة كأنها اللؤلؤ المنظوم في العقد.

ومن أبرز مميزات الأسلوب القرآني أن يرعى رعاية دقيقة في نظمه وتأليفه الظروف والأوضاع والمناسبات ومقتضيات الأحوال، فأحيانا يطيل الكلام وأخرى يؤجزه إذا دعت إليه الحاجة والمقام، وطورا يقدمه وآخر يؤخره، ويعرفه وينكره، تارة يأتي الكلام حسب المكان من حيث الذكر والحذف، والتلميح والتصريح، والاستعارة والتشبيه، ودقة الإشارة وسرعة اللمح، وكل ذلك في أداء محكم معجز وإنشاء عال رصين مع موسيقى وروعة وبلاغة وتعبير.

نتيجة البحث:

هذه نظرات عابرة عن أسلوب القرآن الكريم وتعبيره في النثر الفني. يعجز الإنسان أن يحيط بما احتوى عليه القرآن الكريم وأسلوبه وتعبيره من أسرار البيان ودقائق الفرقان وروائع التصوير وجمال التعبير. قد استخدم القرآن الكريم العديد من الأساليب بغية التأثير في السامعين للوصول إلى أهدافه وتحقيق غاياته، من ذلك أسلوب التكرار، وأسلوب التقديم والتأخير، والذكر والحذف والإستفهام والالتفات. لم يلتزم القرآن الكريم في أسلوبه طريقة واحدة، وإنما يختلف باختلاف الظروف ويتباين مقتضيات الأحوال ويستخدم لكل حالة ما يناسبها من الإيجاز والإطناب، الذكر والحذف، التقديم والتاخير، الهدوء أو الانفعال والحرارة. وكل ذلك في بناء محكم وسبك جيد تناسق دقيق وانسجام لطيف وإنشاء بديع بيان رفيع.  يجري أسلوبه على نمط فريد من بلاغة المتدفقة والفصاحة الباهرة والروعة التصويرية وجمال الديباجة وإشراق البيان وقوة المنطق ودقة التعبير وقوة التصوير وشدة التأثير. وله أسلوب يتدفق بالبلاغة وحرارة الإيمان والعاطفة الجياشة والفكر الرائع والخيال الصادق والنظم الرائع الذي يتملك على القارئ والسامعه لبه ووجدانه، وعقله وبيانه. وكذلك يتصف بجمال اللتعبير ودقة التشبيه حسن التأليف وفي أحكام الصنعة وجودة السبك وكمال البيان ومتانة النسج وروعة التصوير.

الهوامش:

[1]   محمد رابع الحسني الندوي: الأدب العربي بين عرض ونقد، ص: 25-26

[2]   عمر فروخ: تاريخ الأدب العربي، ص: 254-255 ، ج، 1

[3]   محمد عبد المنعم خفاجي: الحياة الأدبية بعد ظهور الإسلام، ص: 17-18، مكتبة التجارية مصر، 1984

[4]   محمد عبد المنعم خفاجي: الحياة الأدبية في عصر صدر الإسلام: ص، 265

[5]   مصطفى صادق الرافعي:إعجاز القرآن والبلاغة النبوية،ص،3:، دار الكتاب العرب، بيروت، 1990م

[6]   شوقي ضيف: العصر الإسلامي: ص، 33

[7]   أحمد فارس بن ذكريا الرازي: مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر عام 1979م ص 920

[8]   نشوان بن سعيد الحميري اليمين، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، تحقيق حسن بن عبد الله العمري، دار الفكر المعاصر ، بيروت 1999م 5/ 3158

[9]   محمد بن أحمد الأزهري: تهذيب اللغة 12/ 302) ( محمد بن منظور: لسان العرب، 1/ 473

[10]   محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق مجموعة من المحققيين، دار الهداية 3/71، ومحمد بن منظور: لسان العرب/ 1/ 471

[11]   الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس 3/71

[12]   محمد بن منظور: لسان العرب 1/ 473 و الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس 3/71

[13]   محمد عبد العظيم الزرقاني: مناهل العرفان في علوم القرآن: ص، 303

[14]   نفس المصدر ص، 304

[15]   الدكتور محمد عبد اله دراز: نظرات جديد في القرآن، ص161،دار القلم، الكويت 1977م

[16]   عبد الرحمن بن أبو بكر: جلال الدين السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم المكتبة العربية العامة لكتاب، 1971م3/ 18

[17]   القرآن الكريم: سورة النساء: رقم الآية 82

[18]   أحمد ياسوف: جماليات المفرة القرآنية، ص 249، دار المكي، دمشق، 1991م

[19]   محمد رابع الحسني الندوي: الأدب العربي بين عرص ونق، ص 79

[20]   محمد عبد المنعم خفاجي: الحياة الأدبية في عصرصدر الإسلام، ص: 251 دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1984م

[21]   سيد قطب: التصوير الفني في القرآن، ص، 149، دار الشروق القاهرة

[22]   القرآن الكريم : سورة الكهف: رقم الآية 99

* الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة عالية،كولكاتا- الهند

اللهجة العامية وتأثيرها على التعليم
*طيب عمارة فوزية

قد فضل الله اللغة العربية على سائر اللغات باعتبارها لغة القرآن الكريم، فمن الواجب الحفاظ عليها وتعلمها وتعليمها، لأنها ترفع الإنسان إلى أعلى الدرجات، إلا أننا نجد أمام هذه اللغة، لغة ثانية تزاحمها في الشارع والبيت، وحتى داخل المؤسسات التعليمية، وهذه اللغة هي ما يطلق عليها اللهجة العامية .

تعريف اللغة العامية (اللهجة): 

تعتبر العامية الجانب المتطور للغة، الذي يشمل البعد عن اللغة الأم ويستخدمه أفراد المجتمع وطبقاته المختلفة في الاستعمال اليومي1 ، فهذه العامية سيطرت على العربية الفصحى وأخذت مكانتها، وهذا من أجل تسهيل عملية الاتصال والتواصل اليومي بين أفراد المجتمع، بالإضافة إلى أنها دخلت إلى المؤسسات التعليمية، حيث نجد التلاميذ يتحدثون بها داخل الصف.

  • لغة: يعرفها ابن فارس في المقاييس “عمًنا هذا الأمر يعُمنا عموما، إذا أصاب القوم أجمعين، والعامة ضد الخاصة، يقال فلان ذو عُمية : أي أنه يعمٌ بنصره أصحابه لا يُخصَ، ويقال: عمًم اللبنُ :أرغى “2 . جاءت كلمة العامية في معجم العين للخليل ” العُميةُ : الضًلالة، وفي لغة عمية، والاعتماءُ : الاختيار، والمعامي : الأرض المجهولة “3. ويشير إلى ذلك الفيومي بقوله ” عمًى: فقد بصره فهو أعمى، وعمي الخبر: خفي، والمرأة عمياءُ  والجمع ( عُمي)، والعمى للقلب، أي عدم الاهتداء، فهو (عم) وأعمى القلب “4
  • اصطلاحا: لقد وردت تعريفات متعددة ومختلفة للهجة العامية إلا أنها تصب في معنى واحد، وهي” مجموعة من الخصائص اللغوية التي تنتمي إلى بيئة معينة، ويشترك فيها جميع أفراد هذه البيئة التي تعد جزء من بيئة أكبر تضم لهجات عدة وتتميز عن بعضها بظواهرها اللغوية، غير أنها تتفق فيما بينها بظواهر أخرى تسهل اتصال أفراد تلك البيئات بعضهم ببعض وفهم ما يدور بينهم من حديث5. وهناك من يقول “أنها أداة لنقل المعارف السابقة: كنقل الأجداد لحكايات الماضي التي تعتبر مدرسة بالنسبة لنا”6 .

فلا ينفرد مجتمع بلغة واحدة كما قالMarcel Cohen: وحدة اللغة مطلقا لا وجود لها بهذا المفهوم، حتى أفراد المجتمع الذين لا يملكون إلا لغة واحدة، لا يستعملونها بنفس الطريقة في كل المقامات، فالمجتمع اللغوي يتصف بالثنائية اللغوية وهي وجود لغة فصيحة ولغة عامية، وهذه ظاهرة طبيعية منتشرة في كل لغات العالم7  .

وانصب تعريف العامية عند الطناحي “هي التي يمارسها الحرفيون والصناع والباعة، ونلجأ إليها (نحن المثقفين) أحيانا حين نتعامل مع هذه الفئات، وهذه اللغة ينبغي أن تظل في دائرتها المحدودة لغة تعامل مع هذه الفئات وقضاء مصالح فقط، لا يحتفل بها ولا يلتفت إليها”8.

ونجد العامية عند عبد الرحمن الحاج صالح أنها ” هي اللغة المستعملة اليوم ومنذ زمان بعيد، في الحاجات اليومية، وفي داخل المنازل، وفي وقت الإسترخاء والعفوية “9 .

كما ورد تعريفها في قاموس” رد العامي إلى الفصيح” لأحمد رضا أنها “تلك اللغة التي نتخاطب بها في كل يوم عمًا يعرض لنا من شؤون حياتنا مهما اختلفت أقدارنا ومنازلنا، فهي لسان المتعلمين وغير المتعلمين، على اختلاف فئاتهم وحرفهم”10 .

من خلال ماسبق يتضح أنه يوجد إتفاق بين التعريفات السابقة  للعامية، فهي اللغة الثانية بعد العربية الفصحى، و التي ألف الناس على الحديث بها في حياتهم اليومية، سواء المثقف أو الأمي .

العامية بأسماء مختلفة:

المستوى العامي يتميز بالسرعة في الآداء، والخفة في تبليغ الفكرة، دون مراعاة الإعراب، فهو يستعمل في المنزل والشارع، فهو مستوى بلا قيود ويستعمله السواد الأعظم من العامة11، و هذه العامية لها عدًة أسماء مختلفة حسب الباحثين اللغويين والتي نجد منها العامية، الدارجة، اللهجة العامية، العربية الدارجة …إلخ .

خصائص المستوى العامي:

لقد ورد في التعريفات السابقة ما يفيد أن العامية هي لغة عامة الناس، وبسيطة وسهلة، فالمتكلمون بها يميلون إلى كل ما هو سهل على النطق والاستعمال، ومن خصائصه نجد 12:

الألفاظ في العامية:

لا شك في أن معظم الألفاظ في العامية إما عربية فصيحة، وإما محرفة تحريفا قليلا، أو ألفاظ من بقايا اللهجات، أو اللغات الأخرى التي تغلبت عليها اللغة العربية، وبذلك من اليسير تصحيحها وردها إلى أصلها الفصيح. وما تتميز به الألفاظ في العامية:

  • تخفيف الهمز: هي ظاهرة لغوية قديمة في اللغة العربية، بحيث هناك قبائل تنطق بالهمزة وأخرى تسهلها أو تحذفها، فهذه نجدها أيضا  في العامية فتنطق الهمزة مخففة كقولهم: (مُومَنْ) بدلا من (مُؤْمنْ)، و(جيت) بدلا من (جئت) و(ريت) بدلا من (رأيت) وغالبا ما تقلب الهمزة وتصبح حرفا آخر، مثل قلب الهمزة هاء كما في قولهم:(هن أفعل) بدلا من أن (أفعل) و( لهنًك) بدلا من (لأنًك)، وتحذف الهمزة في آخر الكلمة في مثل: ( السما) بدلا من (السًماء) و( الما) بدلا من(الماء).
  • النحت: توجد كلمات مركبة وصارت كلمة واحدة مثل: (أَشْحَالَكْ؟) أي (كيف حالُك؟)، و من النحت عند العامة أيضا قولهم ( أشحالك ؟) أي (كيف حالك ؟) وتستعمل خاصة للدعوى إلى الطعام، و كذلك قولهم ( سا الخير ) بدلا من (مساء الخير)، وقولهم عند السؤال عمًن يطرق الباب : (مَنْهُو) بدلا من (مَنْ هُوَ)، وكذلك قولهم: (راني) بدلا من ( أرى أنَني).
  • الحذف: تحذف العامة من حروف الجر حرف النون، وذلك تخفيفا للكلام مثل قولهم: (التلميذ يْخَافْ ما المُعَلِم) بدلا من (التلميذ يخاف من المعلم)، وقولهم: (طاح مسما) بدلا من ( سقط من السًماء) كما تحذف حرفي: اللام والألف المقصورة من حرف الجر (على) في مثل قولهم: (علما) بدلا من (على الماء)، وكذلك في حديثهم عن الوقت (خرج عتسعه) بدلا من(خرج على التاسعة)، والحذف أيضا في قولهم (والو) بدلا من قولهم (ولو هذا).
  • الإدغام: نجد أن المتكلمين بالعامية لا يفكون الإدغام، بل يبقون عليه مشبعينه بياء ساكنة مثل قولهم: (شَدِّيتْ) بدلا من (شَدَدْتُ)، و(رديت) بدلا من( رددت) و(مديت) بدلا من( مددتُ)، فيبدو الميل الى الادغام طريق العامي إلى اليسر في التعبير، والإختصار، إذ يمكن مستعمل اللغة بهذا الشكل من تجنب التكرار والتطويل في الكلام.
  • القلب: وهي ظاهرة قديمة في اللغة العربية تخص القلب المكاني للحروف، مثل قولهم: (خسيف) بدلا من (سخيف)، و(جوزه) بدلا من (زوجه) و(معلقة) بدلا من (ملعقة)، وكذلك قولهم: (سمش) بدلا من ( شمس).

قواعد العامية:

تسير العامية التي في حقيقتها ليست لغة مشتركة، وبالتالي فالحديث عن قواعد لغوية للعامية قد يكون سابقا لأوانه، إلا أن تكون إحدى العاميات العربية قد حظيت بالدراسة من هذا الجانب، لكن وعلى الرغم من ذلك، فلا نستبعد كون العاميات تسير وفق قواعد معينة، لأن الملاحظ أنها تسير وفق نظام ما، إذ تظهر من خلالها جملة من الظواهر تكاد تكون مطردة، ونذكر من خصائصها في ذلك:

  • الإعراب: وهو تغير حركات أواخر الأسماء والأفعال المعربة. وهو سمة من السمات الأساسية في العربية الفصحى، وأن العرب لا تبدأ بساكن، ولا تقف على متحرك. أما في العامية خلافا للقاعدة النحوية فإننا نجد كلمات تبتدئ بساكن مثل قولهم: ثْقِيلْ بدلا من ثَقِيلْ، والحركات الإعرابية لا توظف في العامية مثل قولهم: يَسْتُرْهَا رَبِي، جابك ربي، طار الطير اللي ربيت، فالإعراب هو الفرق الأساسي بين الفصحى والعامية، بحيث أن “الفصحى نظام لغوي معرب، أمّا العامية فقد سقط منها الإعراب بصورة شبه كلية”13.
  • الأفعال في العامية : سبق وأن تحدثنا عن تحريف العامة للحركات الإعرابية في الأسماء فهي تفعل الشيء نفسه مع الأفعال، بالإضافة إلى ما يحدث لها( هذه الأفعال) من زيادة أو نقصان في بنيتها مثلا:نجد العامة تستعمل كلمة( ماشي) في محل السين الداخلة على الفعل المضارع مثلا: (ماشي نسافر غُدوا) بدلا من( سأسافر غدا). وتستعمل كلمة(ناش) للأفعال المنفية، ويختمون بها الفعل مثل قولهم(ماشركناش) بدلا من( لم نُشارك)، وكذلك تلتزم العامة حرف(الكاف) في الفعل المضارع أي يدل على الحاضر مثل قولهم:( فلان كي ياكل يخرج) بدلا من( فلان يأكل ثم يخرج). وفي صيغة المبني للمجهول، تستعمل حرفين(الألف والتاء) بتاء مشددة مثل قولهم: (فُلان أتضرب) بدلا من(فُلان ضُربَ) و(الثوب أَتقطع) بدلا من(الثًوبُ قُطع) . و لا توجد الهمزة للمتكلم وأن حرف النون وحده الذي يستعمل للجمع والمتكلم المفرد مثل: ( أنا غدوا نسافر) (وحنا غدوا نسافروا) بدلا من: ( أنا غدا أُسافر ونحن غدا نسافر) .

ومن خلال ما سبق يمكننا القول أنه بتعدد خصائص و مميزات اللهجة العامية وخفتها على الألسن، لجأ إليها أفراد المجتمع وانحرفوا بذلك عن الفصحى. وهذا ليس لعدم المعرفة بالفصحى، بل هروبا من العسر إلى اليسر.

مبادئ العملية التعليمية :

  • التعليم : عمل يقوم به المعلم حين يريد القيام بعملية التعليم، بتذليل العقبات والصعوبات التي     تعيق المتعلم أثناء التعلم، فهو ليس نشاطا عشوائيا، وإنما مقصود لأهداف بعينها، أهمها تحقيق    العملية التعليمية التعلمية 14.  أن يمتلك معلم اللغة الممارسة الفعلية والكفاية اللغوية التي تسمح له باستعمال اللغة التي يعلمها ويتقن استعمالها في العملية التعليمية، وأن يكون على دراية بالتطور الحاصل في مجال البحث اللساني والإطلاع على النتائج، هذا يؤدي حتما إلى إنجاح العملية التعليمية البيداغوجية وهي الأساس، والعمود الفقري الذي ترتكز عليه ثلاثة عناصر : المتعلم- المعلم- الطريقة15.
  • المتعلم : يجب أن يكون مهيأ من قبل  “فلا يتصور وضع نظام تعليم لغوي دون معرفة خصائص المتعلمين أنفسهم”16، “فالمتعلم هو ذلك الفرد الذي يتتبع تعليمه” (على حسب  لاروس الصغير 1997م) 17 .
  • المعلم :  هو الركن الأساسي والمهم في عملية التعليم والتعلم، ولهذه المكانة في عملية التعليم والتعلم، وجب عليه أن يكون مهيأ للقيام بهذه المهمة الشاقة والنبيلة، حتى يكون في مستوى الأمانة الملقاة على عاتقه، فالمفروض أن يكون مهيأ علميا و بيداغوجيا، قادرا على التحكم في آلية الخطاب التعليمي، ويمتلك القدرة الذاتية في اختيار المضامين وطرائق تعليمها، كما يجب أن يحسن استغلال الوسائل التعليمية المساعدة على التبليغ الجيد والتام استغلالا جيدا18، فالمعلم الكفء هو الذي يستطيع أن يؤدي واجبه التعليمي على أكمل وجه اتجاه المتعلم . 
  • الطريقة : جمع طريقة وهي الوسيلة التواصلية و التبليغية؛ وهي تحمل معنى المسلك أو المنهج، وهي الكيفية التبليغية التعليمية التي يستخدمها المعلم لإيصال المحتوى التعليمي للمتعلم لغرض تحقيق الأهداف البيداغوجية؛ أي إجراء عملي يهدف إلى تحقيق الأهداف البيداغوجية لعملية التعلم19، فالطريقة هي الكيفية التي يعتمدها المعلم عند تقديمه الدرس للمتعلم داخل الصف.  

وتؤكد جل الدراسات أن استعمال العامية في التدريس من أهم أسباب الضعف اللغوي، ويرجع هذا إلى أن العامية ضعيفة في مادتها، فقيرة في ألفاظها، وأن من دأبها التهاون في التعبير، وهذا يؤدي إلى تهاون في التفكير، وهذا التهاون تنشأ عنه عادات لغوية رديئة، وينبني عليه الكسل العقلي، ولا يرى الكثير من المعلمين خطورة في استعمال العامية والتدريس بها، ولذا يعتمدون عليها سواء أكان ذلك في المرحلة الجامعية أو ما قبلها، فنراهم في كثير من البيئات العربية لا يستخدمون الفصحى في قاعات الدرس جهلا أو ازدراء، ويرجع المعلم أسباب لجوئه للعامية بهدف تقريب المعنى للتلميذ باعتبارها (العامية) سهلة الفهم على الفصحى20    

إن هذا الاستخدام العامي في التدريس جريمة تربوية، تؤدي إلى آثار سلبية على عملية التعليم خاصة إذا كان المعلم لا يعرف العلاقة بين الفصحى والعامية”21؛ ومادام المعلم يتحدث بالعامية داخل القسم، فهذا الأمر يجعل المتعلم يلجأ إليها هو أيضا، وبهذه الطريقة التي يستعملها المعلم تجعل المتعلم يدور في دوامة العامية و بعيدا عن الفصحى، وعندئذ لا يكتسب أي رصيد لغوي .

و تنتشر العامية انتشارا صارخا بين أبناء اللغة العربية، وتتنوع هذه العاميات، لتهدد اللغة الفصيحة الأم، والتي تجعل اللغة الفصيحة في مستوى ثان من التجسيد اللغوي، وتمنحها مكانة أقل في التعبير الحياتي بين أبناء اللغة22.

ونجد مدرسي اللغة العربية يعلمون التلاميذ بالعامية، بل نجد ما هو أدهى من ذلك، وهو استخدام المدرسين والأساتذة في أقسام اللغة العربية في كليات الآداب بالجامعات العربية للعامية، ونجد نتيجة لذلك كله في بعض الكليات مناقشة الرسائل الجامعية في موضوعات اللغة العربية وآدابها23 .

ويمكن أن نلخص أسباب ضعف التلاميذ في اللغة العربية إلى ما يلي :

  • غلبة اللهجة العامية على الفصحى .
  • استخدام اللهجة العامية داخل قاعة التدريس من طرف المعلم، هذا ما يجعل التلاميذ يحذون حذوه .
  • عدم تحدث الوالدين بالفصحى داخل البيت ينعكس سلبا على الأبناء .
  • تفشي العامية داخل المدارس يسبب ضعف التلاميذ في اللغة .
  • ضعف إعداد معلمي اللغة العربية أكاديميا وتربويا، وعدم قدرتهم على التواصل بالعربية الفصحى، وهذا حتما يؤدي إلى ضعف التلاميذ .

إذا اللهجة العامية تشكل عائقا أمام التلميذ، فلغة التواصل عنده هي العامية بدل الفصحى، وهو لا          يمارس الفصحى إلا عندما يكتب أو يقرأ، وأغلبية التلاميذ يصعب عليهم صياغة التراكيب والجمل،    وللحد من انتشار هذه الظاهرة داخل المؤسسات التعليمية هناك بعض الاقتراحات من بينها :

  • المطالعة الكثيرة للتلاميذ تثري رصيدهم المعرفي .
  • التصدي للعامية داخل المؤسسات التعليمية، و نشر العربية الفصحى من طرف المؤطرين
  • احترام المعلم للعربية الفصحى داخل القسم، والابتعاد كل البعد عن العامية.
  • يجب اتخاذ قرارات صارمة من قبل الوزارة الوصية، على المعلمين الذين يتواصلون باللغة العامية داخل القسم .
  • تحفيز الأبناء على القراءة والمطالعة، من أجل الارتقاء بالعربية الفصحى

  خاتمة :

  • العامية هي اللهجة المحلية التي يتحدث بها التلميذ في التعبير عن متطلباته داخل القسم باعتبارها اللغة الثانية بعد الفصحى .
  • نقص كفاءة المعلم وحصيلته اللغوية يدفعه إلى استعمال العامية.
  • تعتبر العامية من الأسباب المعرقلة في استيعاب التلاميذ للدروس .
  • مكافحة اللهجة العامية داخل المدارس من أجل النهوض بالعربية الفصحى .
  • إنتقال العامية من المشافهة إلى الكتابة داخل المؤسسات التعليمية أمر يضيق على االتلميذ فهم المادة العلمية .

الهوامش:

  1. ابراهيم كايد، العربية الفصحى الازدواجية اللغوية والثنائية اللغوية، المجلة العلمية لجامعة الملك فيصل، المجلد 3، العدد1، 2002م، ص54.
  2. ابن فارس : المقاييس اللغة، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ( ت390ه)، دار الفكر العربي للطباعة والنشر والتوزيع، الجزء 4، دط، دت، ص18.
  3. الخليل بن أحمد الفراهيدي : كتاب العين، تحقيق : عبد الحميد الهنداوي، الجزء 3، المحتوى ض،ق ، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، ط1، (1424ه، 2002م )، ص233.
  4. أحمد بن محمد بن علي الفيومي المقرئ: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، مكتبة لبنان ، دط، دت، ص431.
  5. علي ناصر غالب، اللهجات العربية، لهجة قبيلة أسد، دار حامد للنشر والتوزيع، عمان، ط1، ( 1431ه-2010م )، ص33.
  6. العياشي العربي، لغة الطفل العربي والمنظومة اللغوية في مجتمع المعرفة – الجزائر أنموذجا- منشورات مخبر الممارسات اللغوية في الجزائر، دط، دت، ص122.
  7. سهام مادن، الفصحى والعامية وعلاقتهما في استعمالات الناطقين الجزائريين، كنوز الحكمة، الأبيار، الجزائر، 2011م، ص32.
  8. محمود محمد الطناحي، في سبيل العربية، تحرير وتعليق: أحمد عبد الرحيم، تقديم: حسن الشافعي، أروقة للدراسات والنشر ( 1355-1419ه) ( 1935- 1999 م )، ص318-319.
  9. عبد الرحمن الحاج صالح ” اللغة العربية بين المشافهة والتقرير “، مجلة مجمع اللغة العربية، العدد 66، ص117 .
  10. أحمد رضا، رد العامي إلى الفصيح، دار الرائد العربي، بيروت، ط2، 1981م، ص5.
  11. ويزة أعراب، ما بين اللغة العربية الفصيحة والعامية ” الفصحى المعاصرة”، “، مجلة اللغة العربية بين التهجين والتهذيب” الأسباب والعلاج”، المجلس الأعلى للغة العربية، دار الخلدونية للطباعة و النشر والتوزيع، الجزائر، ص 320 .
  12. حكيم رحمون، مستويات استعمال اللغة العربية بين الواقع والبديل، مخطوط ماجستير، تخصص: اللغة والأدب العربي، تاريخ المناقشة: 4/7/2011، ص95-96.
  13. نهاد الموسى، ثنائيات في قضايا اللغة العربية من عصر النهضة إلى عصر العولمة، دار الشروق، ط1، عمان، 2003م، ص125.
  14. نصيرة زيد المال، إصلاح مناهج اللغة العربية في التعليم في ظل المستجدات المقاربة بالكفاءات” أنموذجا”، مجلة اللغة العربية بين التهجين والتهذيب” الأسباب والعلاج”، المجلس الأعلى للغة العربية، دار الخلدونية للطباعة و النشر والتوزيع، الجزائر، ص281.
  15. المرجع نفسه .
  16. عبده الراجحي، علم اللغة التطبيقي وتعليم العربية، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، 1995م، ص28 .
  17. Jean Pierre  Cuq et autre,  dictionnaire  de didactique de  francais langue  étrangère  et  seconde  Asdifele  clé  international ,  paris,2003, p.p 19-20.
  18. سامية جباري، اللسانيات وتعليمية اللغات، جامعة الجزائر1، ص105، الموقع الالكتروني ummto.dz
  19. نصيرة زيد المال، إصلاح مناهج اللغة العربية في التعليم في ظل المستجدات المقاربة بالكفاءات” أنموذجا”، ص 282.
  20. وليد علي الطنطاوي، بحث في فقه اللغة، قسم اللغة العربية، كلية اللغات جامعة المدينة العالمية شان – علم ماليزيا eltontouly@mediu/edu.my
  21. المرجع نفسه .
  22. فراس حج محمد، الأخطار التي تهدد اللغة العربية وسبل مواجهتها،مجلة عود الند، مجلة ثقافية فصلية، العدد 64 ، ISSN 1756-4212
  23. عبد العزيز بن عثمان التويجري، حاضر اللغة العربية، التصفيف والتوضيب والسحب في مطبعة الإيسيسكو، الرباط، المملكة المغربية، ص47

* الباحثة في الدكتوراه، جامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، الجزائر

التوقيعات الأندلسية: نشأتها وتطورها في العصر الأندلسي
*رفيع أحمد

يتمتع الأدب العربي أصنافا من النثر والشعر من حيث الموضوعات المتنوعة والأساليب البيانية، وألوان الكتابة الأدبية الرفيعة، وإن التوقيعات في الحقيقة قطع أدبية منثورة في أذيال وحواشي الرسائل والرقاع ولكنها أصبحت مجهولة ومخمولة وتغافل عنها الأدباء والكتاب ولم يهتمون بها اهتماماً بالغا يتناسب مكانتها، وبعد دراسة تاريخ الأدب العربي في عصوره المختلفة وصلت إلى نتيجة بأن الأدباء إلا القليل منهم لم يعدوها صنفا أدبيا ولم يجعلو لها مكانة في ساحة الأدب العربي ولكن بعد الغوص العميق في بحر الأدب وجدت نفسي مقنعة خلال دراستي لها بكونها فنا أدبيا مهما. وهذا الصنف الأدبي يتصف بالأوصاف الأدبية ويتسم بالسمات اللازمة للأدب والفن، وفي هذه المحاولة المتواضعة سأوضح مكانة التوقيعات وأهميتها مع الحديث عن نشأتها وتطورها في الأندلس وإتيان بعض الأمثلة في هذا الإطار حتى يتبين الأمر ربوع النهار أنها فن أدبي يمكن لنا أن نضعه في ضمن الفنون الأدبية النثرية، كالخطابة، والكتابة، والرسائل، والوصايا، والمقامات، والتوقيعات تعد من أرفع الفنون الأدبية عند العرب، وقد عرفت هذا الفن البليغ أمم مختلفة كالفروس واليونان والهنود والصين، غيرأن أمة من هذه الأمم لم تحافظ على موروثها من التوقيعات كما حافظت أهل العرب قدر صالح من توقيعات السلف في مختلف العصور بينما عفى الزمان على أكثرها سواء كانت من ملوكها أوعظمائها.

لم يكن اهتمام العرب بهذا الفن مقصورا على عصر دون عصر، أو مصر دون مصر، فقد عرفت التوقيعات في أكثر البلدان والأمصار التي فتحها العرب وحكموها واستقروا بها، وكانت الأندلس واحدة من أشهر البلاد المفتوحة إذ استوطنها الفاتحون وأقاموا فيها حضارة زاهية بلغت منزلة رفيعة في سائر مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والأدبية والفكرية.

مفهوم التوقيعات

التوقيع في اللغة أثر الدبر في ظهر البعير، وأثر الكتابة في الكتاب، يقول ابن فارس: “التوقيع يطلق في اللغة على سقوط شيء، يُقال: وقَعَ الشيءُ وُقُوْعًا فهو واقعٌ، والواقعة: القيامة لأنها تقع بالخلق فتغشاهم، والوَقَعةُ: صدمة الحرب. والوقائع: مناقع الماءِ المتفرقة، كأن الماء وقع فيها، ومواقع الغيث: مساقطه، والنسرالواقع، من وقع الطائر، يراد أنه قد ضم جناحيه فكأنه واقع بالأرض، ومَوقَعَة الطائر: موضعه الذي يقع عليه، وكَوَيت البعيروقاع: دائرة واحدة يكوي بها بعض جلده أين كان، فكأنها وقعت به، ووَقَعَ فلانٌ في فلانٍ وأوْقَعَ به”[1]. قد صدرالخليل بن أحمد من معاني التوقيع في الكتاب، وحدده “بإلحاق شيء فيه، وتَوَقَّعْتُ الأمر: أي: انتظرته”[2]، وهكذا قال الجوهري والفيروزآبادي حيث أضافا ما أضاف الخليل بن أحمد، غير أنهما قالا: “والتوقيع ما يُوقَّع في الكتاب، يقال: سرورتوقيع جائز.”[3] ويظهر (المعجم الوسيط) هذا المعنى وجاء فيه: “وقَّع في الكتاب: أجمل بين تضاعيف سطوره مقاصد الحاجة وحذف الفضول، والتوقيع ما يعلقه الرئيس على كتاب أو طلب برأيه فيه”[4].

قد سمي هذا الفن بالتوقيعات، نسبة إلى ما يوقعه الخليفة أو عماله على الرقاع التي ترد حاضرة الخلافة، بطلب أو شكوى أو مظلمة[5]، يقول ابن خلدون: “ومن خطط الكتابة التوقيع، وهو أن يجلس الكاتب بين يدي السلطان في مجالس حكمه وفصله، ويوقع على القصص المرفوعة إليه أحكامها، والفصل فيها، متلقاة من السلطان بأوجز لفظ وأبلغه، فإما أن تصدر كذلك وإما أن يحذو الكاتب على مثالها في سجل يكون بيد صاحب القصة، ويحتاج الموقع إلى عارضة من البلاغة يستقيم بها توقيعه”[6].

وقد عرف أبو محمد عبد الله بن محمد البطليوسي (521هـ – 1127م) في كتابه “الاقتضاب في شرح أدب الكتاب” إذ يقول: “وأما التوقيع، فإن العادة جرت أن يستعمل في كل كتاب يكتبه الملك، أو من له أمر ونهي، في أسفل الكتاب المرفوع إليه، أو على ظهره، أو في عرضه، بإيجاب ما يسأل أو منعه”[7].

نشأة التوقيعات وتاريخها المؤجز في الأندلس:

حمل العرب معهم إلى الأندلس جميع علومهم وفنونهم التي تشكل منها ثقافتهم، فنقلوا الشعر والغناء والموسيقي والخطابة والرسائل والتوقيعات وغير ذلك،  ولكن التوقيعات ظهرت في الأندلس متأخرة لأن فتح الأندلس وقع في نهاية القرن الأول الهجري بعد أن كان فن التوقيعات قد استقر ونضج في المشرق العربي في العصر الأموي والعباسي وقد أخذت الحياة تنتظم بعد مجئ عبد الرحمن بن معاوية الداخل إلى الأندلس في أعقاب انهيار الخلافة الأموية في المشرق سنة 132هـ -749م وبجلوس عبد الرحمن الداخل سنة 138هـ – 755م على عرش إمارة الأندلس تتابع الهجرات العربية إليها، وازداد نبض العروبة في أوصال الأندلس وراح الداخل يسعى إلى تعويض ما فقده الأمويون في المشرق، وصمم على إرساء أركان دولة لا تقل عظمة وحضارة وأبهة عن دولتهم البائدة في المشرق[8].

كانت الكتابة الديوانية تعد مظهرا من مظاهر بسط السلطة وتنظيم شؤون الحكم والسيادة وكان عبد الرحمن الداخل ممن اشتهروا بالفصاحة والبلاغة وبكتابة التوقيعات الحسنة البليغة وذكرت بعض المصادر أنه كان “فصيحا بليغا حسن التوقيع”[9]، ومع ذلك فقد أفلتت من عاديات الدهر طائفة من التوقيعات الأندلسية وبعض أخبار عن انتشارها في الأندلس، ولكنها تغطي أكثر مراحل الحكم الإسلامي في الأندلس مما يدل على أن هذا الفن حافظ على مكانته وأهميته الأندلسيين طوال مدة الحكم الإسلامي، ولذلك ظلت أغلب التوقيعات الأندلسية في كل عهود الحكم الإسلامي للأندلس، وقد شهدت الأندلس في عصر بني أمية (عصر الإمارة) ازدهارا في مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية والأدبية، وانتقلت آثار هذا الازدهار إلى مختلف الفنون والعلوم بما في ذلك فن التوقيعات وأنه يكاد يصل إلى ثلث ما وصل إلينا من التوقيعات الأندلسية عامة وأما ما وصل إلينا من توقيعات بني أمية إبان عهدي الإمارة والخلافة فيكاد يصل إلى نصف مجموع التوقيعات الأندلسية، وهذا يعنى أن عصر بني أمية في الأندلس كان عصر ازدهار فن التوقيعات.

ولم يختلف عصر الخلافة الأموية في الأندلس (316-422هـ -928م-1031م) عن عصر الإمارة من جهة الاهتمام بالتوقيعات فقد كان الخليفة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الناصر معروفا ببلاغة توقيعاته ومن عنايته بالتوقيعات أنه قلد الوزير الكاتب عبد الرحمن الزجالي النظر في تنفيذ كل ما يخرجه من العهود والتوقيعات وينفذ به الأمر أو الرأي وغير ذلك، وكذلك قلد الوزير محمد بن حدير أن ينظر في مطالب الناس وحوائجهم وتنجيز التوقيعات لهم[10].

وبعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس في مطلع القرن الخامس الهجري وقيام ممالك الطوائف (422-484هـ -1031م-1091م) ظهر شكل جديد من أشكال التنافس بين ملوك الطوائف في مختلف المجالات العلمية والأدبية، إذ كان العلم والأدب من مظاهرالسيادة، ومع ذلك لم تؤثر من ملوك الطوائف توقيعات كثيرة وكل ما وصل إلينا من ملوك الطوائف لا يزيد على أحد عشر توقيعا، على الرغم من كثرة عدد دويلات الطوائف تدل على أن ازدهارفن التوقيعات مرتبط بالاستقرار السياسي واتساع السلطة والنفوذ، وأن التمزق الذي أصاب الأندلس في عهد الطوائف أضعف ذلك الفن ولكن ذلك لا يمنع من وجود الملوك الذين كانوا على جانب من الفصاحة والبلاغة مما أدى إلى انعكاس ذلك على توقيعاتهم كالمعتمد بن عباد (488هـ-1095م) والمتوكل بن الأفطس (487هـ-1094م) والمعتصم بن صمادح (484هـ – 1091م).

وفي زمن المرابطين (484هـ/524هـ – 1091م/1097م) تقلص هذا الفن بسبب سيطرة البربر المسلمين على الأندلس ولكنه توحد مرة أخرى ولم يمنع الأصل البربر ليوسف بن تاشقين أن تصدر عنه توقيعات عربية بليغة فهو ذوثقافة عربية إسلامية وقد أثر عنه ثلاث توقيعات تدل على ثقافة عميقة وإلمام باللغة العربي والإسلامي.

وفي زمن الموحدين نهض التوقيعات نهضة جديدة تتفوق فيها على توقيعات عصر المرابطين وملوك الطوائف وأما في عصر بني الأحمر- وهو آخر عصور الحكم الإسلامي في الأندلس- حرص ملوك بني الأحمر على بعث الروح في فن التوقيعات والارتقاء به إلى المستوى الذي كانت عليه في عصر الحكم الأموي بحيث تجئ مؤجزة بليغة وأن ملوك بني الأحمر كانوا يهتمون بتوقيعاتهم وكانت لهم توقيعات كثيرة إلا ما وصل إلينا من تلك التوقيعات قليل جدا لا يتعدى خمسة توقيعات.

التوقيعات الأندلسية:

تشتمل معظم توقيعات السلاطين والخلفاء بموضوع العلاقات الخارجية كالرد على رسالة من سلطان دولة أخرى، وتنظيم شؤون الدولة والولايات والوظائف الكبيرة والولاة وعمال الولايات، ومن أمثلة ذلك أن ألفونسو الثامن ملك قشتالة كتب إلى الخليفة الموحدي المنصور يعقوب بن يوسف (595هـ – 1164م) يتهدده ويتوعده، فدفع المنصور الكتاب إلى ولده وولي عهده وأمره أن يرد عليه، فقرأه ثم مزقه وقلبه وكتب على ظهره، قال الله تعالى: “ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون”، الجواب ما ترى لا ما تسمع:

                             فلا كتب إلا المشرفية والقنا             ولا رسل إلا الخميس العرمرم

ورمي بالكتاب إلى أبيه فسر والده بالتوقيع العجيب[11]، ومن التوقيعات المكتوبة في الرد على تظلمات الناس من عمال السلطان ما كتبه يوسف بن تاشقين (500هـ – 1107م) في عزل أحد ولاته: “أما بعد، فإنه قل شاكروك، وكثر شاكوك، وقد عزلناك عزلة تحط قدرك، وتخمد ذكرك، والسلام”[12] ومن التوقيعات التي تندرج تحت الفكاهة والنادرة توقيع الخليفة المنصور يعقوب الموحدي (595هـ – 1199م) حيث أنه بعث إلى بعض عماله لينظر له رجلا لتأديب أولاده، فبعث العامل له برجلين، وكتب معهما كتابا يقول فيه: قد بعثت إليك برجلين أحدهما بحر في علمه والآخر بر في دينه، فلما امتحنهما الخليفة لم يرضياه، فوقع على ظهر كتاب العامل: “ظهر الفساد في البر والبحر”[13].

أما وزراءهم فكانت لهم توقيعات التي تميل إلى الاستظراف واستعمال الشعر تضمينا أو تأليفا لأن الوزارة كثيرا ما يتولاها الأدباء والكتاب والشعراء، ومن أمثلة ذلك أن الوزير الكاتب أبا المطرف عبد الرحمن بن فاخر المعروف بابن الدباغ كتب إلى المعتمد بن عباد (488هـ – 1095م) يشكو بعضهم:

يهان  بحمص عزيز الرجال                       ويعزى  إليهم  قبيح  الفعال

ويغرى ذوو النقص من أهلها                    بتلطيخ أغراض أهل الكمال

فوقع المعتمد على ظهر رقعته بهذين البيتين:

                    شعرت  فجئت  بعين  المحال                    ومازلت ذا خطل في المقال

                    متى عز في حمص غير العزيز            أو ذل  غير  الذميم  الفعال؟[14].

ومن هذا الباب أيضا أن أبا القاسم أحمد بن أبي بكر الزبيدي كتب إلى أبي عمر أحمد بن سعيد بن حزم (400هـ -1009م) الوزير بالدولة العامرية كتابا يرغب فيه إلى أن يحسن العناية به في بعض الأمور وكتب في آخر الكتاب:

                    ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى                عدوا له ما من صداقته بد

قال أبو عمر: فحولت الكتاب ووقعت على ظهره ولم أزد:

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى                صديقا له ما من عدواته بد[15].

 ومن أهم طبقات الموقعين في الأندلس القضاة الذين كان عملهم يقوم على النظر في حوائج الناس وشكاواهم وتظلماتهم واستفساراتهم في أحكام الشريعة، ولذلك جاءت معظم توقيعاتهم متصلة بالأحكام، ومن أمثلة ذلك أن بعض المجانين والظرف كتبوا إلى القاضي منذر بن سعيد البلوطي (355هـ – 966م):

          قل لقاضي الجماعة البلوطي                      ما ترى في خريدة  كالخوط

          “ناكها”  للثواب قوم ظراف                     هل ترى سيدي بذا من سقوط؟

فوقع لهم في كتابهم: “لا” مفردة، فقال له من حضر: ما هذا؟ فقال: أردت لا أرى ذلك فقالوا: لا يفهم عنك إلا غيره، فقال: كل يجاوب على معتقده[16].

وأما طبقة الأدباء والكتاب والشعراء فكانت ترفع إليهم بعض الرقاع ممن هم أقل منهم شأنا أو منزلة بحكم قرب بعضهم من أصحاب السلطة والنفوذ، ومن أمثلة ذلك أن ابن زهر(557هـ – 1162م) وقع لأبي إسحق إبراهيم بن عامر النحوي على ورقة شعر كتب له به، فلم يرضه: “وما أوتيتم من الشعر إلا قليلا”[17].

خصائص التوقيعات الأندلسية:

تختلف خصائص التوقيعات الأندلسية باختلاف عصور التاريخ الأندلسي وباختلاف الطبقة التي تصدر عنه التوقيعات، فقد ظلت التوقيعات الأندلسية حتى عصر ملوك الطوائف لا تحتفل بالسجع أو المحسنات اللفظية وكان تركيزها على الفكرة بلغة سليمة صافية واضحة مع إستعمال بعض أنواع المحسنات المعنوية كالطباق والمقابلة والتقسيم وغير ذلك. وأما في عصر ملوك الطوائف فقد نزعت التوقيعات نحو استعمال السجع والبديع بأشكاله المختلفة، مع الميل إلى الإيجاز وتوظيف الموروث الأدبي والديني والتاريخي اقتباسا وتضمينا وتورية وغير ذلك.

وقد تأثرت التوقيعات الأندلسية بتوقيعات أهل المشرق من جهة موضوعاتها وأساليبها، وقد بلغ الأمر في بعض التوقيعات الأندلسية أن تطابق لفظا ومعنى مع توقيعات مشرقية ولكن مع قليل من التغيير زيادة أو نقصا.

وقد أفاد أصحاب التوقيعات الأندلسية من نصوص التراث العربي ومن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فكانوا يكتفون في بعض الأحيان بالتوقيع بآية كريمة أو بيت شعر معروف، مما يغنيهم عن تكلف الإنشاء والنظم والرد، فيأتي التوقيع وافيا يصل وجه المطلوب تماما.

وأما الاستشهاد بالشعر والأمثال والإشارات التاريخية والدينية المختلفة فهو سمة بارزة في توقيعات أهل الأندلس، ويدل على اطلاع الأندلسيين على مصادر الثقافة المشرقية واستيعابهم تلك الثقافة وعنايتهم بها وتمثلهم لها. ومما يلاحظ في التوقيعات الأندلسية كثرة الجمل المعترضة والدعائية وقد وقع عبارة المشية “إن شاء الله” في عدد غير قليل من التوقيعات الأندلسية ، وهذه الصفة واحدة من العوامل التي تجعل من التوقيعات الأندلسية دقيقة الألفاظ والعبارات واضحة المعاني، وهي فوق ذلك كله صورة من صور التأدب مع الله، فالإستثناء بمشيئة الله يمثل لونا من ألوان الرضي بحكمه والإيمان بقدرته.

وكثيرا من التوقيعات الأندلسية ضاعت بضياع كثير من المصادر الأدبية والتاريخية الأندلسية التى شهدتها الثورات والفتن والحروب في العهود الأولى من الوجود العربي في الأندلس، وفي أواخر عصر الخلافة، وفي عصر ملوك الطائف، وعند سقوط المدن الأندلسية بيد الإسبان، كل ذلك أتى على كثير من آثار العربية في الأندلس، وحكم بالفناء على جم كبير من الإنتاج الفكري والأدبي الأندلسي بما في ذلك توقيعات أهل الأندلس.

مراجع البحث:

[1] ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، 6/134، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1399هـ – 1979م.

 [2]الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، ص: 4/ 286، دار الكتب العلمية بيروت لبنان،  1424هـ 2003م.

 [3]الجوهري، الصحاح، 3/1303، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الرابعة،1990م، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص: 3/127، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، الطبعة الثامنة، 1426هـ – 2004م، ابن منظور، لسان العرب، 6/4896 ، (مادة “وقع”)

 [4]المعجم الوسيط، ص: 1050، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، مصر، 1425هـ – 2004م.

[5] مجدي وهبة و كامل مهندس، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، ص: 127، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الثانية، 1984م.

[6] ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: د. علي عبد الواحد وافي، ص: 681، الطبعة الثانية، دارنهضة مصر للطباعة والنشر،

[7] البطليوسي، أبو محمد عبد الله بن محمد، الاقتضاب في شرح أدب الكتاب 1/195، تحقيق: مصطفى السقا و عبد المجيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1401هـ – 1981م

[8] راغب السرجاني، قصة الأندلس، ص:168، مؤسسة إقرأ للنشروالتوزيع والترجمة، القاهرة، 1432هـ – 2011م

[9] ابن عذاري، البيان المغرب2/58 ، ص: 10، دار الثقافة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، 1400هـ – 1980م، ابن الخطيب، أعمال الأعلام، درالمكشوف، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، 1956م

 [10]ابن عذاري، البيان المغرب2/220

[11]  ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب، ص:221 ، دار المنصور للطباعة والوراقة، الرباط، 1973م، ابن خلكان، وفيات الأعيان 7/113، دار صادر، بيروت لبنان، محمد عبد الغني حسن المقري، نفح الطيب 3/102، تحقيق: د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت، لبنان، 1388هـ – 1968م

[12] ابن ليون  التجيبي، لمح السحر من روح الشعر، تحقيق: منال منيزل، رسالة  ماجستير، الجامعة الأردنية، عمان، 1415هـ – 1995م، ص: 254

[13] ابن الخطيب، شرح رقم الحلل، ص: 200-201، صلاح الدين الصفدي، الوافي بالوفيات، 29/8 ، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، 1420هـ – 2000م، نفح الطيب3/104.

[14] ابن بسام الشنتريني، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة 1/253، تحقيق: د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1399هـ – 1979م

[15] ابن حيان، المقتبس، ص: 177، لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر، 1415هـ – 1994م

[16] البيان المغرب2/250.

[17] ابن سعيد، المغرب في حلى المغرب2/260، تحقيق: د. شوقي ضيف، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة، 1384هـ – 1964م.

* الباحث في الدكتوراة، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند

واقع الترجمة النصية بين النظرية والتطبيق
*حبيبة إلزعر

الترجمة نقل الألفاظ والمعاني والأساليب من لغة إلى أخرى، مع المحافظة  على التكافؤ لذلك فإن تحليل النص بوصفه أداة في التدريب على الترجمة، إذ هو أحد أهم مكوناته، والنص بوصفه بنية رمزية قائمة بذاتها يشكل  وحدة الترجمة الأساسية،  فالعملية تتطلب استخلاص معنى نص  مصدر ونقله من خلال  وحدات لغة هدف وبناها، ولعل انبعاث اللسانيات النصية كان من أهم تلك الخطوات، حيث أصبح النص نقطة انطلاق أي عمل ترجمي باعتباره أحد أهم مظاهر الاتصال، لكونه يختزن الأفكار والوظائف والتراكيب، الأمر الذي يدفعنا إلى طرح الإشكال التالي: ما هو واقع الترجمة النصية بين النظرية والتطبيق؟ ولتأكيد ذلك وضع اللغويون جملة من المقاييس التي تضبط النص وتعزز وظيفته التبليغية ولذلك اتبعنا في هذه المداخلة المعنونة بواقع الترجمة النصية بين النظرية والتطبيق ما يلي:

1- تعريف الترجمة

2- تعريف النص

3- تعريف الترجمة النصية

4- تقنيات الترجمة النصية

5- النظرية والتطبيق

6- الآفاق (الأهداف).

تعريـف الترجمـة:

أ- التحديد اللغوي: ورد في لسان العرب تعريف الترجمة بقوله الترجمان والترجمان، المفسرون قد ترجمه وترجم عنه، قال ابن جني، أما ترجمان فقد حكيت ترجمان بضم أوله، ومثاله فعلان كعترفان ودحمان وكذلك التاء أيضا فيمن فتحتها أصلية وإن لم يكن في العلام مثل جعفر لأنه قد يجوز مع الألف والنون من الأمثلة ما لولا هما لم يجز، كعنفوان وجندبان وريهقان ويقال: قد ترجم كلامه إذا فسره بلسان آخر ومعه الترجمان والجمع تراجم مثل: زعفران وزعافرو صحصحان وصحاصح.[1]

ب- في الاصطلاح: تتفق اغلب التعريفات الاصطلاحية لكلمة ترجمة على أنها نقل الألفاظ والمعاني والأساليب من لغة إلى أخرى مع المحافظة على التكافؤ.[2]

ففي معجم مصطلحات الأدب ورد هذا التعريف، هي إعادة كتابة موضوع معين بلغة غير اللغة التي كتب بها أصلاً، ومع قدم الترجمة قدم الأدب نفسه، وهناك جدل مستمر بين من يرون فيها التقيد بالأصل حرفيا ومن يرون التصرف ومن يرون عدم الجدوى في الترجمة من يريد تذوق الأثر الأدبي      على الوجه الصحيح.[3]

يربط هذا لتعريف بين الترجمة والأدب مع التأكيد على شروط الاختلاف اللغوي في الترجمة ويعرض إلى ماهيتها من خلال آراء متعارضة.

وقد ورد تعريف الترجمة في القواميس الأجنبية بدقة تزامن مع ظهور نظريات الترجمة                ( Galissonet D.Coste) ففي قاموس تعليمية اللغات لغاليسون ود.كوست اعتبرت ترجمة علامات للغة بوساطة علامات لغة أخرى وهي أيضًا ترجمة علامات اللغة طبيعية بوساطة لغة طبيعية أخرى.[4]

وتعتبر النظريات البنوية أن كل لغة تشكل كلا موحدًا وهي تجزئ التجربة الإنسانية بطريقة خصوصية، وبما أن الدوال لم تكن يومًا متطابقة- لذلك لا يمكن أن تكون الترجمة كلمة،كلمة بلغة أخرى (أو اللغة الهدف)، كمّا نقصده لغة أخرى (اللغة المصدر) مع الاحتفاظ بالتكافؤات الدلالية والأسلوبية.[5]

تعريـف النـص:

النص هو بنية رمزية قائمة بذاتها (لوتمان) يشكل وحدة الترجمة الأساسية، الترجمة بالمعاني الأوسع، عملية استخلاص معنى نص مصدر، ونقله من خلال وحدات لغة هدف وبناها، مع الحفاظ ما أمكن (في الحالة المثالية) على رسالة/ هدفه التوصلي. يعرض مثل هذا التعريف الواسع عدة          من المتاعب، بالطبع، ولا يمكننا استعراضها جميعها في هذا المقام، إلاّ أن القدرة على تحليل النص مهارة قيمة للغاية دون أدنى شك بالنسبة لممارس الترجمة[6]، إن استخلاص معنى نص وتحديد رسالته جانبان من جوانب فهمه وفهم غايته، تعتمد هذه المقدرة على مقدرة فك الرموز اللغوية وتشكل شروطًا أوليا لا غنى عنه للقيام بمهمة نقله إلى لغة أخرى، إلاّ أن فهم نص لا ينتج عنه تلقائيا مقدرة إعادة خلقه في لغة أخرى، ولا تحدث أية من هاتين العمليتين بشكل تنفصل فيه الواحدة عن الأخرى ولا بشكل متسلسل أيضا، كما نعرف، نجد تماما بوصفنا مترجمين ممارسين ومدربين على الترجمة تنطوي عملية الفهم والتفكير المبدع نفسها على الترجمة، عندما تتعامل مع نصوص مستقلة أو غير مستقلة تصبح الترجمة مستحيلة من حيث المبدأ[7].

إن المكافئ للوحدة الدلالية المستقلة والمحددة بدقة في النص هي في النص الآخر نوع من الغشاوة الدلالية ونجد خصوصية وضلال متوجة نحو صعاب أخرى، وإذا ما وجدنا في هذه النصوص الأخرى حدودًا من نوع ما فلن يكون بوسعنا مقارنتها بنوع الحدود المستقلة في النوع الأول. إذا ما أخذنا هذه العوامل بعين الاعتبار، فإننا نواجه حالة تصبح معها الترجمة مستحيلة، ومع ذلك فإنه في هذه الحالات بذاتها تصبح الجهود للترجمة أكثر إصرارًا والنتائج على قدر كبير من الأهمية، لأن النتائج ليست ترجمات دقيقة ولكنها تكافؤات تقريبية يقررها السياق الثقافي – النفسي والرمزي الذي بتقاسمه كل من النظامين. يمثل هذا النوع من الترجمة عبر الدقيقة وغير الشرعية واحدًا من أهم سمات المبدع.[8]

تقنيات الترجمة: إن التعامل مع تعليمية الترجمة في الجامعة يمكن فيها اختيار تقنيات محددة لها مرجعية في أعمال فيناي ودار بلناي وهي عمومًا كالآتي[9]:

1- الاقترافر (Emprunt): وهي تقنية مباشرة تنص أساسًا على نقل المصطلحات الأعجمية        إلى اللغة العربية وسبيلها في العربية التعريب ورحابتها في هذا المجال لا تضاهي فقد تعاملت مع الفكر اليوناني بعده التقنية إلى أن تمكن العرب من وضع المقابل. وفي هذا تكون أسماء الأعلام والدويلات والجرائد وأسماء المشروع خاضعة للاقتراض، وتوجه الطلبة في دراسة الترجمة إلى الاستفادة من هذه التقنية بعد انتقاد كل جهود الترجمة ولكن في الأمثلة المذكورة السابقة على الطالب أن يقترض مثلاً أسماء الأعلام (Cote d’iroire) كون ديفوار (Ferdinand de saussure) فرديناند دوسوسير ولا يجوز له الترجمة. [10]

2- تقنية المحاكاة: le calque)) وهي امتداد دلالي للاقتراض ويستمر في هذه التقنية نقل المعنى بصيغة عربية مناسبة وهو قريب من معنى الاصطلاح أي استغلال مادة كلامية موجودة في كلام العرب وإعطائها لمفهوم جديد في اللغة المصدر، بما وراء الطبيعة métaphysique مثلاً ترجمة كلمة تعلم الخيال science وكلمة fiction وقد سماها الأستاذ عبد الواحد وافي بتعريب الأساليب ونسبها احتكاك العربية بغيرها من اللغات. وقد يحدث في تقنية المحاكاة الوقوع في ترجمة المفاهيم بطريقة خاطئة ليست من ثقافة (pleurer a chaudes larme)  اللغة الهدف في حين نقول باللغة العربية بكى بدموع حارة فهل الدموع حارة ام باردة عندما نقول: أسخن الله عينه أي أبكاه أقر الله عينه أبكاه وهنا نطرح مشكلة الترجمة الحرفية أكثر من مختلفة الأصول التي تعوض هذه التقنية بالتكافؤ وهي الترجمة للفهم.[11]

3- تقنية الترجمة الحرفية: Traduction latérale تفترض الجملة العربية الاسمية الابتداء بالمبتدأ (معروف) بينما يجوز في لغة كالانجليزية الابتداء بالنكرة في هذا المثال: الإنسان فإن  (man is mortel   ) فلا تتحقق الترجمة الحرفية لغويا فأما حيث استخراج المعاني من النص التركيبية ويكثر في الأمثال استثمار الاختلاف الثقافي وهنا تكمن صعوبة النقل الحرفي للمثل: يترجمها الطلبة عادة وحتى tout ce qui brille n’est pas or  ففي الفرنسية تقول بعض القواميس إلى اللغة العربية بـ: ليس كل ما يلمع ذهبًا. فقد تؤدي هذه الترجمة الحرفية بعض الغايات ولكننا إذا رعينا المكافئ الثقافي في اللغة العربية نكون قد حددنا المعنى بدقة. الترجمة المتكافئة هي: ما كل باقة تجود بمائها.[12]

4- تقنية الإبدال: la transposition: هي استبدال جزء من الخطاب بآخر دون تغير معنى الرسالة-وهناك الإبدال الإجباريaprès son arrivée  والإبدال الاختياري ففي قولك باللغة الرسمية ولك أن تختار في الترجمة بعد عودته أو بعد أن يعود كذلك في قولك Il se tente faire qui par sa tète   يمكنك الاختيار بين حاول الإجابة بنعم، وهو يحرك رأسه اكتفى بإيماءة.[13]

5- تقنية التطويع: Modulation نلجأ على هذه التقنية عندما نعجز عن إيجاد مرادف مناسب لا نريد ترجمته فنعوض بعبارة تشرح وتفسر وترادف المعنى، ولكنها تختلف في المادة المعجمية عن المادة الأصلية. ونتيجة التطويع هي التنويع بين اللغتين وثقافتهما.[14]

6- تقنية التكافؤ:  Equivalence وهي تقنية عالية تتطلب معرفة موسوعية عميقة وواسعة تساعد المترجم على إيجاد وضعية مرادفة في اللغة الثانية لوضعية اللغة الأصل وتستعمل هذه التقنية كثيرا في ترجمة الأمثال والكلام المأثور.[15]

7- تقنية الزيادة: l’addition وتدل هذه التقنية علة انتقال المترجم من الضمن إلى الظاهر دون إضافة معلومة أخرى أي محاولة إظهار المعنى الخفي بالشرح عندما لا تتوفر المقابلات في اللغة الهدف.[16]

8- تقنية الحذف: la soustraction وهي عكس الزيادة وتعني الانتقال من الظاهر إلى الضمن دون فقدان     أية معلومة حيث يتجاوز المترجم المستوى السطحي للنص الأصلي فيحذف بعض الكلمات دون أن يشوه المعنى اعتمادا على البنية العميقة للجملة.[17]

9- تقنية التحويل: le changement والنحوية والدلالية للنص الأصلي في إطار اللغة الثانية ومتلقيها ويلجأ    لها المترجم في حالة كون الجانب الثقافي للنص المصدر يتعارض مع ثقافة النص الهدف.[18]

النظرية والتطبيق:

الترجمة بالكمبيوتر هو ما يسعى اليابانيون إلى تطبيعه، وهذا الهدف سوف يتحقق حين تصبح الترجمة علمًا صلبا،، بفضل علوم اللغة الحديثة وإرسال قصاصات من الصحف تتضمن أنباء تطوير هذه الأجهزة، وقد وعد اليابانيون بإخراج الجهاز الموعود الذي لن تستعصي عليه لغة من لغات الأرض، وإن كانوا لم يتوقفوا عن الدعاية لأجهزتهم الحالية، وكان آخرها جهاز جربته سيدة وهي وزيرة في بريطانيا السابقة، أثناء زيارتها لليابان،  وإن كانت النتيجة لا تشير بالخير، إذ طلبت من مرافقتها أن تجعل الجهاز يترجم عبارة مجاملة للطعام الياباني مفادها أن اللحم طري (يسهل مضغه) (the meat is tender) ولكن الكمبيوتر لم يكن بمهارة المتوقعة فأوقع المرافقة في حرج شديد، وأثار ضحك الزوار لأنه أخرج عبارة تعني أن الجسد ضعيف (the flesh is weak) ودلالتها           في الانجليزية عجز الإنسان أو ضعفه.[19]

وكان صديقي من أصحاب النظريات، يهوي ترديد الأفكار المستمدة من معالم اللغة، والاصطلاحات      التي تبهر السامع بجدتها وغرابتها وما توحي به من تخصص وتعمق. وكنت دائم الضيق بالنظريات ميالا إلى التطبيق فالأخطاء تعتبر نماذج لشق المشكلات التي يصطدم بها اليوم من يتصدى للترجمة من الانجليزية إلى العربية ومن العربية إلى الانجليزية، وهذا الحديث مفيد لدى المهتمين بممارسة الترجمة وربما لدى من يهتم بالنظريات أيضا، ومن ثم شرع (الكاتب) في وضع تصور مؤقت لهذا الكتاب، وأول الحقائق التي ينبغي أن أؤكدها فن الترجمة فن تطبيقي. [20]

الترجمة النصية:

ظهور اللسانيات النصية ودورها في فهم النص:

لقد قطعت دراسات الترجمة أشواطا مرموقة منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي وخطت خطوات عميقة لإعادة النظر في مفهوم علم الترجمة، ولعل انبعاث اللسانيات النصية كان من أهم تلك الخطوات، حيث أصبح النص نقطة انطلاق أي عمل ترجمي باعتباره أحد مظاهر الاتصال لكونه يختزن الأفكار والوظائف.[21]

وقد اظهرت اللسانيات النصوص للإجابة عن التساؤلات التي ترمي إلى ربط العلاقة بين اللسانيات والمعطيات الاجتماعية، بمعنى آخر ربط النص بالحياة الاجتماعية، وذلك اثر ظهور النظريات الجديدة التي تعتبر اللغة شكلا      من أشكال التفاعل الاجتماعي لذلك القرار يكون الظروف المثلى للنجاح في تحقيق النص.

ولتأكيد ذلك وضع اللغويون جملة من المقاييس التي تضبط النص وتعزز وظيفته التبليغية وسنقوم باستعراض هذه المقاييس النصية، كما قدمها لنا دوبوغرانه ودرسلر (1980) والتي تعتبرها دعائمه الأساسية، إن انعدام إحداها فقد النص قيمته التبليغية، وهذه المقاييس هي:

1 – الاتسـاق.كل نص يخضع في بنيته السطحية إلى قواعد نحوية وصرفية متعارف عليها مما يجعل عناصر الجملة مترابطة ومتماسكة ولولا الاتساق لاختل المعنى.[22]

2- الانسجام: وهو ترابط عناصر النص وتماسكها من حيث البنية العميقة (المعنى) ويقصد بذلك انتظام الأفكار وتسلسلها.[23]

3- المقصودية: (intentronalty): وهو ما يقصده منتجو النص من معنى وفعل، بمعنى آخر الهدف، والتي      من وراء إنتاج هذا النص وقد تكون النية ظاهرة أو مضمرة، حسب نوع النص، فإذا كان النص من النصوص العادية الظاهرة ( open texts) يمكن إدراك البنية والفهم بشكل مباشر، وذلك باستنباط العلاقات الشكلية والدلالية بين صور النص، أما إن كان من النصوص الخفية (convert texts) فإن المعنى يكون ضمنيا لا يمكن استخلاصه بالاعتماد على الرموز اللغوية فقط ومن ثم على متلقي النص[24] أن يلجأ إلى التأويل، وتنتمي التعابير الجاهزة بامتياز إلى هذا الصنف من النصوص نظرا لأنه من غير الممكن في غالب الأحيان استنباط المعنى الموجود بها من خلال مكونات عناصرها اللغوية فيتم اللجوء إلى تأويل المعنى الموجود في التعبير وذلك عن طريق أخذه كوحدة ترجمية كاملة وتحليله في ضوء البيئة، والملابسات والموقف الذي جاءت فيه هذه.[25]

4- التعابير: إن تحديد وظيفة النص ونوعيته يساعد المترجم على تحديد منهج الترجمة أو الأسلوب الذي سيتبعه كما تعينه على اختيار النسق الأمثل في التعبير اللساني.[26]

5- الموقفية (situationality) : ويتفق المؤلفون بأنها تشمل كل العوامل غير اللغوية أو الميتالسانية (extralinguistique) التي تدخل في عملية التواصل، كالبيئة والمحيط والمشاركين في هذه العملية وللموقفية صلة بمجربات النص وملابساته وعلاقته بمدى مطابقته لمقتضى الحال، وعاملي الزمان والمكان وكذا العوامل والظروف التي تدخل في صنع النص وتحيط  به والتي تعكس في الغالب ثقافة أو معتقدا أو وجهة نظر أو طرائق تفكير معينة وهكذا يكون النص انعكاسا لشخصية صاحبه وصورة عن بيئته ومجتمعه وأفكاره[27].

6- المقبولي: وتخص الذين يتلقون النص، ومدى قبولهم له على انه نص، أي الفهم والنظر ورد الفعل.[28]

7- الإخبارية (informativity): وهي مدى إفادة النص، وحجم المعلومات الواردة فيه وأهميتها، تقاس المعلوماتي بالدرجة التي يكون بها الخبر غير معروف من قبل.[29]

8-التناص (intertextuality): أو تداخل النصوص ونعني بالتناص أن النص الواحد موقوف على معرفة نص أو نصوص أخرى، سابقة له، كما أن إنتاج أو تلقي أي نص يستوجب الاختيار المسبق لنصوص أخرى، لاسيما تلك التي تكون من نفس النوع ومن نفس المجال التطبيقي، بمعنى أن النص يتشكل من نصوص أخرى تسبقه         أو تحيط به.[30]

مراجع البحث:

[1] – ابن منظور، لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1990ن ص229.

[2] – مجدي وهبة، معجم مصطلحات الأدب، مكتبة لبنان، 1974، ص576.

[3]– Alain Rey, le robert dictionnaire d’aujourd’hui, Erance loisirs paris, 1995,p1027.

[4]– Havrap’s  essy English dictionary , ph. Collin london 12 in-1991, p487.

[5] – Havrap’s  essy English dictionary,p488.

[6] – كريستينا شافنير، محي الدين حمدي، دور تحليل الخطاب في الترجمة وتدريب المترجم، مكتبة كلية الآداب واللغات، الرياض، 2009، ص157.

[7] – المصدر نفسه، 158.

[8] – كريستينا شافنير، محي الدين حمدي، دور تحليل الخطاب في الترجمة وتدريب المترجم، ص159.

[9] – إنعام بيوض، منور، الأساليب التقنية للترجمة- دراسة نقدية مقارنة لأساليب الترجمة من منظور فيناي ودربيليناي، رسالة ماجيستر  معهد الترجمة الجزائر، 1992، ص69.

[10] – سعيدة كحيل، تعليمية الترجمة، دراسة تحليلية تطبيقية، عالم الكتب الحديث، الجزائر، 2009، ص94.

[11] – سعيدة كحيل، تعليمية الترجمة، دراسة تحليلية تطبيقية، ص91.

[12] – المصدر نفسه، ص92.

[13] – المصدر نفسه والصفحة.

[14] – جورج  مونان،  اللسانيات والترجمةن ص61.

[15] – سعيدة كحيل،  تعليمية الترجمة، ص95.

[16] – سعيدة كحيل،  تعليمية الترجمة، ص95.

[17] – المصدر نفسه والصفحة.

[18] – المصدر نفسه والصفحة.

[19] – محمد عناني، فن الترجمة، الشركة المصرية، القاهرة، ط9، 2004، ص2.

[20] – محمد عناني، فن الترجمة، الشركة المصرية، ص3-4.

[21] –  محمد عزاب، الأساس في الترجمة، مؤسسة حورس الدولية، الاسكندرية، 2007، ص55.

[22] – المصدر نفسه والصفحة.

[23] – المصدر نفسه، ص57.

[24] – أسعد سامية، ترجمة النص الأدبي، عالم الفكر، 1989، ص35.

[25] – المصدر نفسه، ص37-38.

[26] – نجيب عز الدين محمد، أسس الترجمة، مكتبة ابن ينا القاهرة، 1995، ص20-22.

[27] – المصدر نفسه والصفحة.

[28] – المصدر نفسه، ص23.

[29] – وهبه مجدي، الأدب المقارن الشركة المصرية، القاهرة، 1991، ص62-63.

[30] – المصدر نفسه، ص65.

* الباحثة في الدكتوراه، جامعة حسيبة بن بوعلي، الشلف، الجزائر

الواقعية في قصص سميرة عزّام
*حنة بيخان

القاصّة الفلسطينية الكبيرة سميرة عزّام تعتبر رائدة القصة القصيرة في فلسطين، ولها مكانة متميزة ودور كبير في بلورة الخطاب السردي الواقعي ومعالجة قضايا المجتمع الفلسطيني، بما فيها تداعيات الحرب وما تلاها من احتلال للأراضي الفلسطينية، والتي تمخضت عنها من قتل وتشريد وما عاناه المجتمع الفلسطيني من هموم وآلام وأحزان في الحياة اليومية.

إنها لعبت دورا رياديا في بلورة الخطاب السردي الواقعي ومعالجة قضايا المجتمع الفلسطيني، بما فيها تداعيات الحرب وما تلاها من احتلال للأراضي الفلسطينية ومن ثم ما تمخضت عنها من قتل وتشريد وما عانى منه المجتمع الفلسطيني من هموم وآلام وأحزان في حياته اليومية. التزمت سميرة عزام  بالتعبير عن واقعية القضايا الشعبية وقدّمت محاولاتها الجادة لمعالجة المشاكل التي جرّتها ويلات الحرب على المجتمع الفلسطيني. ففي كتاباتها لم تعالج القاصّة قضية فلسطين وخسارتها فحسب بل عالجت أيضا قضايا الناس العاديين بما فيها قضية التفاوت الطبقي وقضية المرأة والجنس وقضية القومية. وبما أن المشكلة الفلسطينية هي مأساة إنسانية فيوجد تأثير الأحداث الواقعية في أدب سميرة عزّام كما أنها تشير إلى الكفاح من أجل البقاء للفلسطينيين. فركّزت عنايتها على تصوير شخصياتها والصراعات والكوارث التي عاشتها في أسلوب “الواقعية”، إذ قامت بمعالجة القضايا المجتمعية وتسوية المشاكل الاجتماعية في قصصها القصيرة.

نبذة عن سميرة عزّام:

سميرة عزّام هي كاتبة وصِحافية فلسطينية، ولدت في 13 سبتمبر عام 1927م في مدينة عكا في شمال فلسطين لعائلة مسيحية أرثوذكسية وفازت بلقب رائدة القصة القصيرة في فلسطين كما أشار إليها الناقد المصري الشهير، رجاء النقاش، قائلا: “إن سميرة عزام هي أميرة القصة العربية القصيرة”[1]. نشأت وترعرعت في مسقط رأسها وتلقت تعليمها الابتدائي والثانوي فيها. وفي ربيعها السادس عشر، مارست مهنة التعليم. ثم أصبحت مديرة للمدرسة التي كانت تعمل فيها ولكن عندما وقعت النكبة عام 1948م، انتقلت إلى لبنان مع عائلتها. في المنفى، تنقلت بين بغداد وبيروت وقُبْرُص، حيث عملت في التدريس في العراق لمدة عامين. ثم ذهبت إلى بيروت حيث كانت تكتب لمجلة “الأديب والآداب” وغيرها. وفي عام 1952م، عملت بمحطة “الشرق الأدنى” للإذاعة العربية كمذيعة ومحررة وكاتبة في برنامج ركن المرأة متنقلة بين بيروت وقُبْرُص حتى عام 1956م. وظّفت على منصب مراقبة لبرنامج أدبي في العراق لعامين. ثم عادت إلى بيروت من جديد عام 1959م حيث قامت بترجمة عدد من المؤلفات الأمريكية في مؤسسة “فرانكلين الأمريكية” للترجمة والنشر. أصدرت في حياتها أربع مجموعات قصصية وهي: “أشياء صغيرة” (1954م) و”الظّل الكبير” (1956م) و”وقصص أخرى” (1960م) و”الساعة والإنسان” (1963م) التي نالت عنها جائزة أصدقاء الكتاب. وأصدرت لها دار العودة في بيروت مجموعتها الخامسة بعد وفاتها وهي: “العيد من النافذة الغربية” (1971م). شهدت سميرة عزّام الأماكن والتجارب المتنوعة التي عاشتها كمرأة فلسطينية لاجئة وأديبة وصِحافية وناشطة. قدّمت إسهامات كبيرة في الأدب العربي خلال حياتها القصيرة حتى انتقلت إلى جوار ربّها في 8 أغسطس من عام 1967م وهي لم تتجاوز الأربعين من عمرها ولم تعِشْ الظروف الجديدة بعد النكسة 1967عام التي تلت النكبة 1948م.

والمجتمع الفلسطيني الذي تُصوّره سميرة عزام في قصصها قد مرّ بمراحل تاريخية حرجة وتأثر بالتغيرات السياسية. فكانت القصص القصيرة مرآة حقيقية تعكس هذه الأحوال والتغيرات وتعبّر عنها تعبيرا واضحا، وتسرد واقع فلسطين السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والثقافي وتبحث عن الكثير من آمال الشعب وآلامه. ويقول الكاتب الفلسطيني، عادل الأُسْطَة: “إذا كان بعض الدارسين قال إن الشعر ديوان العرب، فيمكن أن أقول: إن القصة القصيرة الفلسطينية ديوان الفلسطينيين وقصص سميرة عزام، وغسان كنفاني من بعدها، وغيرهما ممن كتبوا القصة القصيرة ما بين 1948م و1967م، تُعَدُّ ديوان الفلسطينيين بحق، فهي تسجل ما مروا به ما بين تلك الأعوام، وربما ارتدت إلى ما قبلها، بخاصة في المنافي. ولمن يريد أن يعرف معاناتهم قبل النكبة وبعدها، فما عليه إلا أن يعود إلى مجموعات القصاصين ليقرأها”[2].

قضية فلسطين في قصص سميرة عزّام:

       القضية الفلسطينية هي من أهم القضايا الأساسية التي اهتمت بها سميرة عزام اهتماما كبيرا وهي أحد الموضوعات التي شغلت بالها كثيرا. فانبرت لسرد الواقع الفلسطيني المأزوم والمأساوي الذي أنهك الشعب الفلسطيني وشرّده وأجلاه عن بيته وأهله ووطنه.

لقد مرت القضية الفلسطينية بمراحل كثيرة، إذ أنّ “قضية فلسطين ليست مجرد مشكلة قومية ، على الصعيد العربي، أو مشكلة اجتماعية، بالنسبة لأبناء فلسطين، وإنما هي مأساة إنسانية عامة، هي مأساة العنصرية، أكبر وصمة عرفها التاريخ الحديث، لذلك أتصور فلسطين دائما نبعا لا ينصب من الأفكار والتجارب التي لا تنتهي”[3].

أفصحت سميرة عزام عن رأيها في القضية الفلسطينية والنزاع العربي الصهيوني في مجلة “صوت المرأة”  البيروتية الصادرة في أكتوبر عام 1946م، قائلة:

“ليست القضية الفلسطينية قضية عرب فلسطين وحدهم، بل هي قضية كل قطر عربي يتظلل برأية الجامعة .. فمطامع الصهيونية لا تقتصر على فلسطين فحسب بل لعلها تتمسك بفلسطين كنقطةِ ارتكازٍ تزحف منها على ما يجاورها من بلاد العرب، فتحيك حولها المؤمرات وتدعي فيها حقوقا تاريخية ودينية تعرف كيف تختلقها”.

ونرى في أدب سميرة عزام أن القضية الفلسطينية تحتلّ حيزا وافرا من نتاجها القصصي إذ هي لا تمثّل لديها مأساة شعب فقط بل مأساة أمّة بأكملها، مأساة حصدت الأخضر واليابس، وكارثة كبرى ممّا يَشِيبُ لها الوِلْدان، جعلت من الأم ثَكْلى، والطفل يتيما والزوجة أرملة والعجوز بلا ابن وابنة يتكفّل برعايتها. وفي مجموعة قصصها قصة باسم “الظلّ الكبير”، وهي قصة تؤلم ضمير المرء إذا قرأها ويشعر بيأس وألم وحزن شديد. ففي مدينة القدس، تصوّر الكاتبة منظرا مأساويا ينمّ عن معاناة الشعب العربي الفلسطيني من الاضطهاد والعذاب ..حيث تجلس العجوز (أم عبود) تنتظر (ماري) ابنتها، لكن الابنة لم تأت، فقد مرض زوجها ولم تتمكن من مقابلة والدتها، فتقول الأم العجوز لحامل هذا الخبر: “قبّل رأسها عنّي وقلْ لها على لساني بعد السلام أنني إذا عشت عاما آخر فسآتي إليها زاحفة على قدميَّ .. وإذا عاجلتني رحمة الله، فلن أموت إلا بحسرتين، حسرة بلدي، وحسرة (ماري)”[4]. وهذه القصة من أحسن قصص هذه المجموعة، وفيها مواقف إنسانية مؤلمة، تمكنت القاصّة من إبرازها بلغة عاطفية معبرة.

وبقدر ما نجد في قصصها تصوير آلام الشعب الفلسطيني في ظلّ الاحتلال والظلم والاضطهاد والعدوان الذي يتعرضون له ليل نهار. فبنفس القدر، نجد قصص بطولات الشعب الفلسطيني وصموده أمام العدو واستعداده دائما للتضحية بكل غال ونفيس في سبيل استعادته لوطنه ومجده وكرامته. ففي القصّة “في الطريق إلى برك سليمان”[5]، نرى قصّة نزوح الفلسطينيين من ديارهم تحت وطأة الضغط والإرهاب والقتل. والقصّة تدور حول جانب من حياة مدرس فلسطيني وزوجته وطفله “عمر” وقد رحل من قريته التي حاصرها اليهود. فوقف أهلها في وجه الأعداء يقاومونهم بأسلحتهم البسيطة وذخيرتهم المحدودة. تصف القصّة نزوح المدرس حسن مع زوجته وهو يحمل وحيده الصغير. وفي الطريق، خلال نزوح المدرّس (حسن)، يلعب القدر دوره في القصة. فتصيب شظيّة ولدهما (عمر)، ويشعر الأب بأنّ شيئا حارا يغطي يديه فيتمالك نفسه، ويحث الخُطى مع زوجته تحت وابل من القذائف، وبعد أن ابتعدا، عرف أنه قد فقد إلى جانب بيته وأرضه ووطنه وحيده (عمر). وبعد أن دفنه –وقد أحسّ بعظم المصاب – الوطن، والبيت والمستقبل والولد وأنَّ هؤلاء كلهم ضاعوا في رحلة الضياع والتشرد والبؤس .. طوى على ساعده بطانية صغيرة لزجة، يعلم أنها لم تكن حمراء قبل ساعتين “…إنها صورة الفلسطيني المقاوم الذي يحمل على كاهله أكثر من مصاب مؤلم محزن، وهذا يدلّ على أنّ الكاتبة بدأت تلتفت بصورة قاصدة إلى جوانب من حياة النكبة ..”[6].

تسلط قصص سميرة عزّام الضوء على المصائب والمتاعب التي كانت وليدة الحروب وتلقي الضوء على إدراكها لدورها في مواجهتها والتزامها بالتعبير عن واقعة قضايا شعبها. تتّسم قصص سميرة عزام بمراعاة الذوق الشعبي، إذ يتّخذ عدد منها التاريخ مادة وكانت قد تأثرت بالثورة الفلسطينية وبنظرة جديدة للعالم والتاريخ كما أشار إليه غسّان كنفاني، قائلا: “وقد ظل الأدب الشعبي بعد سقوط فلسطين عام 1948 هو المكان الذي عبر فيه الشعب المغلوب على أمره عن أشواقه”[7].

قضية التفاوت الطبقي وسوء الوضع الاقتصادي:

وهي من أبرز القضايا التي تناولتها القاصة سميرة عزّام، فعندما نستعرض قصصها نلاحظ أنّ الاحتلال قد أدّى إلى تفاقم المشكلات الإنسانية، منها قضية الصراع الطبقي. ونجد أيضا أنّ عددا كبيرا من سكّان فلسطين كانوا يعيشون تحت خط الفقر حيث يواجهون أزمة اقتصادية ومرّت حياتهم بظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية غاية في الشدّة والضيق وعلى الرغم من ذلك امتاز الشعب الفلسطيني بصبره واعتزازه بنفسه وبكرامته بالرغم ممّا عاناه من آلام ومصائب وما تحمّله من معاناة وتشريد.

تصوّر القاصة مشاهدَ الحرمان والبؤس التي تعانيها فئة من أبناء الشعب الفلسطيني. فتحدثت عن مسألة المعاش وتأمين الكفاية الاقتصادية، إذ أنها صورة من صور الصراع لأجل البقاء والوجود، ومحاربة العدو بكل وسيلة متاحة لاستعادة الوطن الذي يحبّه الشعب الفلسطيني ويعشقه ويحنّ إليه. إنّ سميرة عزام تعشق وطنها عشقا يملك عليها زمام نفسها، ترى في جماليات فلسطين جماليات قلّ أن تراها في غيرها، إنه عشق الوطن … ” كان الوقت ربيعا، ربيع فلسطين بحر أزرق تتهادى فيه أشرعة المراكب البيضاء نهارا، وبساتين البرتقال يكثف عبقها الهواء، وفي ربيعه ذلك عرف شيئين، الحبّ والحرب، وكان الأول يعطي معنى للثاني، بل جملة من المعاني، فالحرب ليست عدوا يقتل الشهوة إنما هي حق حياة الأرض التي يحبّ، والفتاة الحزينة التي يحبّ، إنّ فلسطين ليست بحرا ومراكب صيادين، وليست برتقالا يتعلّق كالذهب، وليست زيتونا وزينا يملأ الخوابي … إنها عينا (سعاد) السوداوان أيضا. وفي عينيّ (سعاد) رأى خير فلسطين كله … رأى ظلّ بيت سعيد له، وزوجة تنجب له أبطالا صغارا وتجعل من حبّها  معنى لوجوده … وذلك على الرغم مما تعانيه في دواخل نفسها، …”[8].

قضية المرأة:

تحتوي قصص سميرة عزّام على قضية المرأة بقدر كبير حيث قدّمت لنا صورة شاملة عن حياة المرأة الفلسطينية وأشكال معاناتها وفتحت أعين النساء على واقعهن، إذ يقول الأديب والباحث الأردني، الدكتور عيسى الناعوري: “ولعل سميرة عزام خير قاصة عربية تعالج الأقصوصة الأنثوية وتحلل نفسية المرأة وأحاسيسها في أقصوصة فنية بارعة”. وأضافت الأديبة السورية ألفة الإدلبي: ” إن سميرة عزام “رائدة من رائدات القصة في أدبنا النسوي”.

لعبت المرأة الفلسطينية أدوارا رئيسية في تخفيف معاناة أسرتها وبيتها إذ تحمّلت من المشاق والصعوبات والمشاكل ما تجعلها تدفع ثمنا غاليا وهي في كل ذلك تفتخر بنفسها وبتضحياتها إذ أنها تدافع عن وطنها وبيتها وشرفها وشرف وكرامة أمّتها. إنها ساهمت في ميدان المقاومة والتحرير من أجل وطنها وحقها كما لعبت دورا بارزا في مجال الإعلام بتغطية الأحداث وإبراز الوحشية الصهيونية والقمع على أيدي جنود الاحتلال. وكذلك شاركت في ميدان الرعاية الطبية حيث كانت تعاون الجرحى فضلا عن خدمتها في المستشفيات والعيادات ولا ننسى مساهمتها في المظاهرات والمسيرات التي تطالب بحق الشعب الفلسطيني، إضافة إلى حضورها الاجتماعي في مناحي الحياة المختلفة.

أمّا في مجال التضحية والفداء، فدفعت الثمن عاليا من روحها ومن دمها ودم أبنائها. فترسم القاصة صورة للأم الفلسطينية التي تعاني الألم والحزن وهي تودِّع أبناءها الذين لن يعودوا إلى الأبد. ويقول أسامة يوسف شهاب في مقالته بعنوان “المرأة المأزومة في قصص سميرة عزّام”: “تعدّدت نماذج المرأة في أدب سميرة عزّام، وصوّرتها في معظم مجالات الحياة … صديقة حميمة تعاطفت معها، وكشفت عن عوامل ظلمها، ودعت إلى نصرتها، ليس انحيازا منها إلى بنات جنسها، ولكن إيمانا منها بدورها الهام في المجتمع، لقد صوّرت المرأة صاحبة المصائب والمشكلات، المرأة العاشقة المظلومة في حبّها، المرأة الأم التي طردت من وطنها، المرأة الزوجة التي غاب عنها زوجها للدفاع عن وطنه”[9].

ليست المرأة تربي أولادها بطريقة تقليدية فحسب بل هي برعت في مقاومة النفس والجِبلة الإنسانية. وشاركت الحروب مع العدو في صنع امرأة ثورية مكافئة للرجل كما أشارت إليها سميرة عزّام في قصة “خبز الفداء”[10]. تحكي هذه القصة عن حب صغير وحب كبير. جمع بين سعاد ورامز علاقة حب طاهرة ممتزجة بحب الوطن. ترفض سعاد أن تغادر الوطن مع أهلها. تظهر تمسك سعاد بالوطن واعترافها بحب رامز مثل قول رامز لها: “هل فعلتِ هذا بسببي؟”. وانفجرت بوجهه: “لا، ليس بسببك .. صحيح أنني أحبك .. ولكن لستَ كل شيء”. وذات مرة، حينما كانت سعاد تحمل الطعام إلى المقاتلين أصابتها رصاصة. ولكنها استطاعت أن تصل إليهم، غير أن الطعام اختلط بدمها وماتت. فقرّر رامز أن يمنع أصدقائه من أكل هذا الطعام. وتنتهي القصة حين يسقط رامز مغشيا عليه بعد أن يقول لرفقائه: “كلوا … إن سعاد لا ترضى لنا أن نموت جوعا”. وقد بدا لنا أنّ سعاد لم تغادر بلاد فلسطين مع أهلها بل فضّلت أن تسكن فيها وتعمل لصالحها حتى استشهدت لها. فشخصية سعاد ترمز إلى الوطن الجريح، فقد توحدت روحها مع ترابه الطاهر.

تعالج قصص سميرة عزام موضوع المقاومة الفلسطينية عام 1948م، إذ أشار إليه غسّان كنفاني، قائلا: ” ما يميز الأدب المقاوم في فلسطين المحتلة منذ 1948م حتى 1968م هو ظروفه القاسية البالغة الشراسة، التي تحداها وعاشها”[11]. وتتحدث عن ضراوة المعركة وتمتزج بمعاني الحب والبطولة والوطنية. كانت سميرة عزام من أوائل الذين تناولوا في كتاباتهم المرأة ودورها خاصة في مجال النضال. ومن هنا، تبرز الواقعية في قصة سميرة عزّام في القرن العشرين.

بالإضافة إلى تصوير القضية الفلسطينية وقضية المرأة، صوّرت سميرة عزّام أيضا واقع المجتمع الفلسطيني في همومه وآلامه، وأنواع من الظلم والاضطهاد الذي تعرّض له، والصعوبات التي واجهها في حال تشرّده وضياعه. وذكرت هموم وأحزان الشعب الفلسطيني التي هي نتيجة للظروف التي يعيشها منذ فترة طويلة في ظل الاحتلال الصهيوني مما جعلته يعاني شتى ألوان العذاب. وفي مقدمة هذه الهموم هموم اللاجئين الذين لا يجدون الرزق ومحرومون عن حقوقهم. فعبرت سميرة عزام في قصصها عن حياة اللجوء والتشرد وصوَّرت لنا ما يلقاه اللاجئ من تحديات يومية في صراعه مع الفقر والألم والخيبة التي أصبحت واقعا فلسطينيا قاسيا بعد ضياع وطنه.

وقد عالجت الكاتبة سميرة عزام في قصة “فلسطيني” من مجموعة قصصها “الساعة والإنسان” المعاناة وأزمة الهوية التي أحس بها معظم الفلسطينيين عموما، وأولئك الذين لجأوا إلى لبنان خصوصا. فالفلسطيني، بكونه لاجئا، محروم من أبسط الحقوق المدنية ومن حق الوظيفة ومن حرية التنقل ومن جواز السفر ومن نعمة المناداة باسم محدد ومن نعمة الاستقرار وما إلى ذلك.

كتبت سميرة عزام عن لاجئ فلسطيني في لبنان وهو حاول تبديل هُويته. فلجأ إلى تزويرها بهوية لبنانية، كي يتخلص من جنسيته الأصلية. ومع أن اللاجئ الفلسطيني حصل على الهوية اللبنانية، عامل أهل لبنان مع اللاجئ معاملة قاسية. على سبيل المثال، طلب الفلسطيني صاحب الدكان من جاره اللبناني هويته، ليقارن هويته اللبنانية المزورة بها، فيسأله اللبناني: “وما تفعل بهويتي يا فلسطيني؟”. ولا يناديه باسمه. وكذلك في نهاية القصة، أشارت إليه امرأة بـ “فلسطيني”. وتكتب سميرة عزام “وأحس الفلسطيني في وقفته المرتعشة خلف الطاولة بالصوت الممطوط ينفذ من جيب سترته إلى جيبه الداخلي، فيحيل البطاقة إلى مزق صغيرة تخشخش في جيبه”. فأدرك الفلسطيني في نهاية القصة بأن الحل لا يكون عن طريق تبديل الهوية بل عن طريق العمل الذي يوفّر لهويته احتراما لشخصيته. صوّرت سميرة عزام واقع الفلسيني في المنفى بحيث تبرز تمييز الجنسية أيضا في هذه القصة.

تقص قصة “الساعة والإنسان”[12] عن أبي فؤاد الذي كان يوقظ الموظفين في حيفا الذين يسافرون بالقطار حتى يصلوا إلى المحطة قبل موعد مغادرة القطار لأن ابنه فؤاد أصيب بالقتل تحت سكة الحديد حينما كان في السرعة للسفر إلى العمل بالقطار. بهذا السبب كان أبو فؤاد يوقظ جميع العمّال لكي يصلوا إلى المحطة قبل الموعد. وذات يوم، مات أبو فؤاد في سريره ولم يذهب إليهم لإيقاظهم. وإنهم كانوا من المتأخرين. فعرفوا أن أبا فؤاد انتقل إلى جوار ربه. ولكن ساعته ما زالت تتكلم أي ترنّ: تك .. تك .. تك . تثبت شخصية أبي فؤاد في هذه القصة كشخصية رمزية، حيث فؤاد رمز الشهداء ودور والده، هو إنقاذ الناس من مأساة الحياة ونبّههم على الخطر بحيث أن يكملوا كل العمل قبل الوقت المحدد وهذا يشير أيضا إلى أن نستعدّ للآخرة قبل أن يأتينا أجلنا مثل الساعة التي لا تفيده بعد موته. قد أشارت الكاتبة هنا إلى واقعية حياة الإنسانية.

إنّ سميرة عزام رمزت إلى الحنين إلى الوطن من خلال كتابة القصص القصيرة كما صورت لنا حنين أولئك الذين غادروا فلسطين أو حنين أولئك الذين مكثوا فيها واشتاقوا إلى لقاء أهلهم المهاجر. كما نجد في قصة “عام آخر”[13] وقصة “الحاج محمد باع حجته”[14] و”زغاريد”[15].

هذا عن الموضوعات والقضايا التي طرحتها سميرة عزّام وعالجتها في قصصها. أمّا بالنسبة لأسلوبها الكتابي، فنجد أن أسلوبها لا ينفرد بالسرد المباشر فحسب، بل هي قد أدخلت بعض تقنيات السرد الحديثة مثلاً المونولوج الداخلي وأسلوب الرسائل والحواريات. امتاز أسلوبها بتجربتها الأدبية المستمدة من تصوير واقعي للحياة وقد أحسنت في إبراز العديد من مناحي التجربة الإنسانية، ومنها تجارب المرأة المتعددة في الثقافة العربية. وتميّز أسلوبها بالدقة والإيجاز والوضوح والبعد عن العاطفية.

كما يقول الأديب الأردني، د. ناصر الدين الأسد عن أسلوب سميرة عزام: “تعتمد سميرة عزام في قصصها على  الحوادث ولا على الحكبة، أو العقدة القصصية، وإنما تستغني عن ذلك بقدرتها الرائعة على التصوير والتحليل، تصوير جو القصة بأجزائه الدقيقة وتفصيلاته الخفية، وإحاطته بإطار فني واقعي، يشوق القارئ بصدقه وبساطته، وتحليل النفس الإنسانية تحليلا يستخرج أعمق مكوناتها وأدق خفاياها وقد نجحت سميرة عزام في أن تجعل شخوص قصصها نماذج حية نابضة، يخيل للإنسان أنها تجالسه وتحادثه..”[16].

ومن خلال هذه الدراسة الموجزة، توصلنا إلى أن سميرة عزام برزت ككاتبة كبيرة من بين كتّاب الواقعية في الأدب العربي من خلال إنتاجاتها في فن القصة القصيرة الفلسطينية وخلّفت لنا مجموعات قصصية رائعة زاخرة بالأحداث التي وقعت في مجتمعها وتناولت فيها الحقائق الاجتماعية والإنسانية والوطنية وعبّرت عنها في قالب قصصي جميل وعالجت في قصصها أحوال الفقر والبؤس والحياة الإنسانية في المجتمع الفلسطيني وذلك كله بلغة موحية جميلة وأسلوب شيّق عذوب.

والجدير بالذكر أنّ سميرة عزّام “لم تأخذ من اللغة إلا ما ينسجم مع الشخصية القصصية، فتصير عندئذ صدى لإحساس الناس ومشاعرهم بكل حرارتها وتوهجها، بخيباتها وانتصاراتها، تنقل الحياة بحلوها ومرها، بمنغصاتها ومسرّاتها الصغيرة والكبيرة، وهذا ما أعطى لقصصها نكهة خاصة، تفصح عن قاصّة تجيد فن القصة، وتبدع فيه، ويتجلى هذا الإبداع في المجاميع القصصية المتتالية، التي تُمثِّل مرحلة البدايات والريادة في مجال الأدب القصصي العربي الفلسطيني”[17].

المصادر والمراجع

. الأمانة العامة، دمشق، ودار آفاق للدراسات والنشر، نيقوسيا، قبرص، 1985م.[1]

. سميرة عزام .. أربعون عاما من الرحيل لعادل الأسطة، ص: 3.[2]

. شعرنا الحديث إلى أين لغالي شكري، ص:81.[3]

. الظلّ الكبير لسميرة عزّام، ص: 61، صورة الفلسطيني في القصة الفلسطينية لأبي الشباب، ص: 76-76.[4]

. من مجموعة “وقصص أخرى” لسميرة عزّام. [5]

. صورة الفلسطيني في القصة الفلسطينية لأبي الشباب، ص: 78-79. [6]

. أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966 لغسّان كنفاني،ج1، ص: 15. [7]

. قصة “خبز الفداء من مجموعة “وقصص أخرى” لسميرة عزّام، ص:83.  [8]

. المرأة المأزومة في قصص سميرة عزّام لأسامة يوسف شهاب، ص: 305.[9]

. “خبز الفداء” من مجموعة “”وقصص أخرى” لسميرة عزام، ص: 73-93.[10]

. الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948م-1968م لغسان كنفاني، ج2، ص: 10.[11]

. مجموعة “الساعة والإنسان” لسميرة عزام.[12]

. مجموعة “الظل الكبير” لسميرة عزام، ص:67-77. [13]

. المصدر السابق، ص:88-95.[14]

. المصدر السابق، ص: 47-54. [15]

. نقلا عن مجلة الهلال، عدد خاص بالقصة القصيرة، آن 1970م.[16]

. المرأة المأزومة في قصص سميرة عزّام لأسامة يوسف شهاب، ص: 302.  [17]

        * الباحثة في الدكتوراه – جامعة جواهرلال نهرو، نيودلهي، الهند

إنعكاس ثقافة شمال الهند في رحلات الشيخ محمد بن ناصر العبودي
*محمد حسين

الشيخ محمد بن ناصر العبودى (من مواليد عام 1930م الموافق 1345ه) من الرحاليين الذين رحلوا إلى الهند وكتبوا عن مشاهداتهم و تجاربهم عن الثقافات الهندية وحضاراتها، فقد نال شهرة فائقة بين أقرانهم وخلف وراءه آثارا رائعة وأعمالا قيمة لها دور في تطوير العلوم والفنون الأدبية من التاريخ والجغرافيا والرحلات. إنه زار الهند في العصر الحاضر عدة مرات، وجمع المعلومات والمعرفة عنها، ثم نسخها و رتبها في شكل الكتب، وقد بلغت سلسلة رحلاته الهندية إلى سبعة عشرة رحلة.

رحلات الشيخ العبودي:

قد قررت حكومة الملك فهد والسفارة السعودية بإرسال وفد إلى بلدان غير عربية لكى تطلع المملكة العربية على أحوال المسلمين الاجتماعية والدينية فيها. فعلى رأس هذا الوفد، قام الشيخ الناصر العبودي برحلاته إلى معظم أنحاء العالم، وساهم مساهمة كبيرة في فن أدب الرحلات، و ترك لنا ثروة طائلة  في تراثنا  الأدب العربي، وبلغ عدد كتبه أكثر من مائة وخمسين 150 كتابا في أدب الرحلات بين المخطوطات والمطبوعات، وكان لديه أكثر من ستين 60كتابا ينتظر الطبع و النشر. يغلب علي رحلات الشيخ العبودي الأسلوب التقريري الجاف بالرغم من قدرته اللغوية على التصوير والإبداع في وصف المشاهد و المظاهر، وامتلاكه الذوق الأدبي الرفيع لأنها تصطبغ بصبغة دينية إذ كان الهدف وراء تلك الرحلات استكشاف حال المسلمين في أقطار الأرض والمعرفة على واقعهم واحتياجاتهم، ولا شك في أنه بذل جهدا عظيما في ذلك، وكان يسعى للوصول إلى الأقليات المسلمة، والتركيز على حالتهم المؤلمة. والتعبير  عن مشاكلهم و تعصبات الحكومة لهم في ولاياتهم.

إن الشيخ العبودي يتناول القضايا الإنسانية والمظاهر التى لاتتفق مع المبادئ والرؤية  الإسلامية، على سبيل المثال فإنه يتحدث عن الأطفال المشردين في مدغشقر ويصور تصويرا دقيقا عن أحوال المسلمين في بلدان الأفريقيا. كذلك يذكر  العبودي في كتابه ” مع المسلمين البولنديين”  في نظرته الأولى التى تكررت كثيرا في هذه البلاد واصفا حسن النساء هناك قائلا: ” أنهن على غاية من الجمال فهن من جنس السلافي الذي يسميه أسلافنا العرب بالجنس  الصقلبى و الغريب في الأمر  أنه بالنظر إلى جمال التقاطيع في وجوههن و النضارة أو  اللون وردى الذي يميل إلى اللون الذهبى في سحنهن “.[1]  ثم يقول عن المرأة الفرنسية ” وما رأيت في كثرة ما جلت عليه من أنحاء العالم مثل المرأة  الفرنسية  في رقتها إذا استلقت رجلا ، وفي صنعتها وفي وجهها إذا جملته ، ومن إتقانها لعملها إذا أحبته”. [2]

رحلاته إلى الهند:

قام الشيخ العبودي بسلسلة من الرحلات إلى الهند و كتب ما رأى في الهند من ثقافة، علم، و قد  بلغ عدد سلسلة رحلاته الهندية سبعة عشر رحلة (17).

  1. – محمد بن ناصر العبودى : سياحة فى كشمير و(حديث عن ماضى المسلمين و حاضرهم) صادر عن رابطة العالم الإسلامى، الطبعة الأولى 1991 م- 1412هـ.
  2. – فى غرب الهند (مشاهدات وأحاديث فى شؤون المسلمين ) الصادرعن رابطة العالم الإسلامى، طبعة عام 1417 م.
  3. – نظرات فى شمال الهند الجزء الاول، نشرته فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية، 2003 م – 1424 هـ .
  4. – نظرات فى شمال الهند الجزء الثانى، نشرته فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية، 2003 م – 1424 هـ .
  5. – فى أقصى شرق الهند ، طبعته فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ، 2001 م – 1423 هـ .
  6. – الشمال الشرقي من الهند، (رحلته فى ولايتى بيهار واترابراديش وحديث عن المسلمين) طبعته فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ، 2001 م – 1432 هـ .
  7. – فى وسط الهند،(رحلات واحاديث عن ماضى المسلمين و حاضرهم) طبعته فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية ، 2007 م – 1428 هـ .
  8. – فى جنوب الهند : رحلات فى ولايات تامل نادو و كرناتك ، طبعته فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية 1997 م – 1417 هـ  ب – الرياض .
  9. – راجستان بلاد الملوك، ( زيارة و حديث عن المسلمين ) الطبعة الأولى عام 1997 م 1417هـ .
  10. – الإعتبار فى السفر إلى مليبار وهو مطبوع .
  11. – سیاحة فی کشمیر الصادرعن رابطة العالم الإسلامى، طبعة عام 1417 م.
  12. – جول في جزائر البحر الزنجي أو حديث عن الإسلام والمسلمين في جزرالمحيط الهندي.
  13. –  فى شرق الهند .
  14. – على أعتاب الهملايا .
  15. –  بلاد الهند و السند: باكستان .
  16. –  الشمال الغربي من الهند .
  17. –  في شمال شرق آسيا.

يتحدث الرحالة عن صورة الثقافات الهندية وتقاليدها السائدة بين عامة الناس فى هذه سلسلة الرحلات الهندية  واستجمع فى نفسه وذهنه صورة حتمية مستقلة للحياة فى أطراف الهند.

رحلاته إلى شمال الهند:

لا يمكن لى أن أقوم بالتركيز على جميع رحلاته إلى الهند في هذا المقال المختصر، بل أريد أن اتناول رحلاته إلى شمال الهند أو الشمال الشرقي من الهند.  كتب الشيخ العبودي ثلاث رحلات فيما يتعلق بشمال الهند و هي “نظرات فى شمال الهند الجزء الاول”، و”نظرات فى شمال الهند الجزء الثانى”، و “الشمال الشرقي من الهند”.

كتاب “نظرات في شمال الهند الجزء الاول ” يعد من أهم رحلات الشيخ العبودي و يتحدث عن الأماكن التاريخية والمراكز الدينية الهندوسية التى زار بعضها بالقصد وبعضها مرورا في الطريق بدون القصد. يشتمل الجزء الاول على 212 صفحة  ونشرته رابطة العالم الاسلامي عام 1417هـ. يذكر المؤلف في هذا الجزء غرائب الهند من المعتقدات والعادات القديمة، وذكر فيه عن تاريخ وأد البنات في الهند ومكانة المرأة بين الماضي والحاضر وناقش الأوضاع السياسية و أسبابها مع ذكر المؤسسات و المنظمات الطائفية في الهند.[3]

ولكتاب ” نظرات في شمال الهند الجزء الثانى” أهمية كبيرة بين المثقفين والعلماء، فقد جمع المؤلف فيه ما أحس في قلبه و ما علم من الحقائق التاريخية خلال زيارته التى قام بها عام 1977م، وقد نشرت طبعته الاولى مكتبة الملك فهد الوطنية عام 2003م. يحتوي هذا الكتاب 234 صفحة ، وهذه الرحلة تتضمن على مقدمة وجيزة تصف غاية زيارته للهند وهو توفير المعرفة الثقافية، والمعلومات التاريخية للعرب لتتحسن العلاقات الثقافية بين البلدين و سكانهما. ويتحدث الرحالة عن نظام الطبقات الهندية و دياناتها التقليدية و أقسامها و نتائجها وتأثيرها على المجتمع الهندي، وقد تاثر من الوحدة الهندية في التعددية وتعدد لغاتهم باختلاف ثقافاتهم ولم يقف المؤلف بذكر الديانات والعادات الهندية فحسب، بل ذكر فيه تاريخ دخول الاسلام في الهند، وأحوال المسلمين الرذيلة والسيئة وعدد سكانهم في البلاد، وذكر فيه عن التعصب الهنوسي ضد المسلمين، والاضطرابات الطائفية المتطرفة ، والعنف الطائفي في أطراف البلاد.

وأما رحلته “الشمال الشرقي من الهند” هى رحلة في ولايتي بيهار و أترابراديس، وحديث عن المسلمين في هذه المناطق، ويشتمل هذا الكتاب على 204 صفحة ويعد من أهم رحلات العبودي. إنه قام بهذه الرحلة 1977 م وقد قامت بنشره طبعته الأولي مكتبة الملك فهد الوطنية عام 2001 الموافق 1422 هـ. وتوفر هذه الرحلة المعرفة الثقافية و التاريخية لتتحسن العلاقات الثقافية بين البلدين و أهاليهما. ولذلك أن الرحالة العبودي قد أفرد الكلام في وصول المسلمين الاولين في الهند وتاريخ ثقافتهم الماضية و قام بربطها بالعصر الحاضر.

وصف الشيخ العبودي حياة الناس في الشمال الشرقي من الهند بأنها “أقل من القليل” من الحياة التى يراد بها التمتع بما فى حياة الدنيا من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، أن بعض الناس يلبسون فوطة صغيرة وليس لديهم ثوب آخر لستر عوراتهم الغليظة. وهذه الأحوال كانت موجودة عند الملائيين حتى لاتكون المبالغة بأن يقول أن الناس لايتمتعون بعشائيش الحياة وحتى لايقدرون على أن يشربوا الماء النقي أو يبدو نقيا. ويشربون من بقايا الأمطار وماتحفظه لهم الأرض الطيبة من مياه. وذكر عن بقع أو حفر المياه المتجمع تغتسل النساء ويغسلن ملابسهن وأطفالهن يغتسلون فيه ولا يعتنى به ويتغير لون المياه حتى أصبح أخضر اللون ويستقي الناس منه الماء الذي يكون سببا للأمراض الخطيرة في أغلب الأحيان.

 وذكر العبودى بأن علامة الفقر والمساكين يبدو على النساء الهنديات وهن يعملن فى المباني مع الرجال وليس المراد بذلك أنهن ينجزن من العمل المعماري ما ينجزه الرجال، وإنما المراد أنهن يعملن فى هذا الميدان ويتقاضين على ذلك كسبا بسيطا لايكفى لمعيشتهن، وشاهد الرحالة مثل هذه الحالة  فى عدة ولايات هندية لعل توجد هذه الأحوال أكثر من غيرها فى ولاية بيهار، وقال بعض من الأصدقاء من الهند للشيخ العبودى أن أجرة العاملة الواحدة لاتتجاوز ما يعادل ريالا سعوديا أونصف ريال أو ريالين .

ويتحدث الرحالة عن فقرهن الواضح الذى أجبرهن على هذا العمل الشاق بأجر زهيد وتافه، وهن يرتدين اللباس الهندي التقليدي للمرأة وهو “الساري” الذى يصل أسفله إلى الأرض، وأظهر إعجابه حين رأى الشيخ شيئا غريبا في مدينة بومبئ لم يراه في أي مكان آخر من العالم وهو مساكن الأرصفة، وهى مساكن مصنوعة ومؤقتة، فعدد كيبر من الناس يعيشون طول حياتهم على أرصفة الشوارع ليس لهم من المساكن إلا خيشة أو قطعة من الورق المقوى (الكرتون) يفترشونها أو يجعلونها كالصندوق الكبير الذي تراهم في أكثر المدن الهندية وأما مكان قضاء حاجاتهم فإنه الأماكن العامة أما الطعام فإنه ما تيسر، وأما اللباس فإنه الذى على الجلد ليس غيره. [4]

وفي جانب آخر، قد اعترف العبودى بتقدم الهند وإزدهارها أيضا بأن جماعة كبيرة من الهنود أصبحوا خبراء فى البحوث العلمية المتقدمة في الذرة وصناعة الصواريخ والطائرات الجوية بالجودة العالية ووصلوا إلى تصنيع السلاح الذري والصواريخ بعيدة المدى وهم قاموا بتطوير الذرة بالفعل وملكوا السلاح الذري والدبابات وغيرها من الأسلحة الحديثة. ويطرح الكاتب في ذلك السياق تساؤلا عما إذا كان من الأول حل مشكلات أولائك الجياع الذين لا ملجأ لهم ولا مأوى بدلا من أن ينفقوا أموالا طائلة على تلك البحوث.[5]

أحوال المرأة الهندية:

ذكر الرحالة عن المعتقدات المريرة التاريخية الهندية بأن على المرأة التى يموت عنها زوجها أن تدخل النار التى يحرق فيها جسده وهى حية حتى تحترق مع جثته إذ الزوج الميت لا يحس ولا يشعر بألم الحرق، وأما زوجته ربما تكون شابة أو عجوزا يجب عليها ان تتبع التقاليد الهندوسية فتدخل النار حية لتموت معه وتحترق جثتها مع جثة زوجه وفق الديانة الهندية، والمرأة التى يموت عنها زوجها كان أمامها طريقين إما أن تصبح عاهرا أو أن تقضي بقية حياتها بائسة بلا مأوي ولا دخل، فلا أحد يرضى أن ينفق عليها .[6] استمر هذا العمل المفجع حتى استقلال الهند ولكن البعض يمارس هذه العادة البغيضة سرا  في بعض الأماكن الهندية حتى الآن.

و ذكر  الرحالة عن مشاهداته و تجاربه عن حرق الميت في ضفة نهر غنغا أو قانقا، فأن الناس جمعوا الحطب من كومة كبيرة معدة لحرق الميت، ثم يصفونه على الأرض صفا طولا وعرضا، ويحملون منهم الميت و يغمسوه في ماء نهر غانغا ليطهروه من الذنوب في معتقداتهم، ثم يحملونه ويضعونه على هذا الحطب المصفوف ثم يصفون فوق الميت حطبا آخر حتى يغطونه كاملا، وكذلك يتمون الناس عمليات حرق الميت في الديانة الهندوكية. كما هو يقول : “فوصلنا ورأينا ميتا قد قارب أن يتم حرقه ، وبجانبه رجل عار من كل شئ إلا حرقة على وسطه مع عوج كبير من الحطب يقلب بقايا الميت على النار ويضرم بقايا الحطب ويرد ما خرج منه إلى وسط النار  ، إنه يقلبه بعوده حتي يتم حرقه و يستريح منه بعد عملية مجهدة تستمر ثلاث ساعات متكاملة أمام نار مشتعلة”. [7]

وأد البنات:

يتناول المؤلف وأد البنات وشرب بول البقرة وعبادة البقرة وغيرها من ذلك كما هو يقول: إننا نقرأ فى الجرائد والصحف والأخبار عن قتل البنات فى بطن أمها أو عند ولادتها. وإذا كانت الأرملة تحرق حية فإن الهنود حكموا على الرضيعات بالوأد عند ولادتهن، ونشرت الإحصاءات و المقالات عن عدد البنات الموؤدة في الهند، والعجيب أن أكثرهم كان بين الطبقات الغنية أكثر من الفقيرة ثم إنتشر هذا الوباء فى الأعوام الآخرة إلى الطبقات الأخرى من  “بهومى هار، و يادو،و كائستة حتى البراهمة أيضا اتخذت هذا التقليد الغليظ ، حيث بلغ عددهن أكثر من ألف بنت سنويا في ولاية بيهار وحدها، فهم يقتلون الفتاة إما بوضع الملح في فمها أو أى مادة سمية أخرى، وإن لم تمت بهذا تخنق حتى تموت.[8]

الديانات  والمعتقدات الهندية:

فى الحقيقة لدي الهند أديان كثيرة ومذاهب عديدة حتى يختلف بعضهم عن بعض آخر، فأهل وسط الهند وشمالها يقدسون رام ويعبدونه ويسمونه، و هو من أكبر الآلهات، وبالعكس أن أهل الجنوب وأطرافها يقدسون راون ويعبدونه وهو شيطان عند أهل ووسط الهند والشمال. وهم يجعلون تماثيل من الخرق والحشيس لراون ليحرقوه مع أنهم من الديانة الهندوسية في عيدهم ( دسهيرا او دورغا بوجا)

قد ألقي الشيخ العبودي النظر إلى تعدد الآلهة و تماثيلها في الهند، ورأى الناس و طريقة عباداتهم، فبعض منهم يعبدون الجذور، وبعض منهم يقدسون فرج الذكر والأنثى لأنهما سبب الوجود (شيو لينغ)، وبعض منهم  يعبدون الحية والأسد، حتى أن فئة من بينهم تعبد صنما يسمونه “مهاكال” وأن له أربعة ايادى وذو شعر كثيف، وعارى البطن وعلى ظهره جلد فيل يقطر منه الدم. والبقرة من أبرز الألهة التى يعبدها كثير من الهنود ويقدسونها لدرجة حتى لا يقدمون على ضربها أو اعتراض سبيلها، بل أنهم يشربون أبوالها، ويتمسحون بها للتبرك. و لكن ذلك التقديس لا يجري على الثور أو وليد البقرة وإنما يستخدمونه لجر العربات و نقل حاجاتهم.[9]

ويعتقد المؤرخون أن عقيدة تقديس البقرة وليدة أفكار البراهمة المحدثين الذين كتبوا عدة كتب في ممانعة لحم البقرة ووصفوها بأم مقدسة في زمن بعيد، وهذه الفكرة البرهمنية تحولت تدريجيا إلى عقيدة هندوسية، ولكن ليس من المعقول أن تنفذ فكرة معينة على الآخرين إجباريا ولاسيما في الهند باعتبارها أكبر دولة ديمقراطية في العالم، ويحق لكل مواطن الحرية الكاملة دستوريا في ملابسهم ومآدبهم ومآكلهم، وبالرغم من كل ذلك يتعرض المنبوذون والمسلمون لاعتداءات الهندوس المتطرفين مرارا وتكرارا في بعض الأمكان في الهند حتى تسيطر إرهابهم على المدنيين السذج إلى حد بدأ الناس يخافون من تناول اللحوم حتى لحم الشاة والدجاجة.

قد قدم المؤلف شيئا من الكلام عن عبادة البقرة فى الهند واستدل العبارة التى كتبها أبوالريحان البيرونى رحمه الله قبل ألف سنة فى كتابه “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة “.[10]

إن السياسة في الهند على اسم البقرة كانت موجودة في عهد الإنجليز واستخدم الهندوس المتطرفون اسم الديانة والطبقة كآلة سياسية لإثارة الاضطرابات الطائفية ، وفي أواخر القرن التاسع عشر إندلعت الاضطرابات الطائفية واحدة تلو الأخرى على اسم البقرة. وفي عام 1882م تم إنشاء منظمة حماية البقرة على يد مؤسس جماعة آرية ” ديا نند سرسوتي” وهكذا بدأ المتشددون الهندوسيون توسيع الفجوة بين الناس،  ولم يدخروا وسعا في القتل والدمار على اسم الديانة والطبقة والبقرة والمعبد.

وبلغ سيل الزبى وطم الوادي على القرى اليوم في حكومة حزب بهارتيا جانتا، كما يقول تقرير وكالة  NCRB الصادرة في”The Hindu”30/ أغسطس 2016، إنه في عام 2015م وحده حدث 65255 صراعا عنيفا .  وفي هذه الحكومة يقتل المسلمون ويضرب المنبوذون علنا أمام الشرطة والضباط، وتلزم الحكومة بالسكوت و لايعاقب المجرمون ولا تكاد تجري المحاكمة العادلة ضدهم.[11]

نظام  الطبقات الهندية:

يتناول المؤلف نظام الطبقات فى الهند ويذكر ثقافاتهم وعاداتهم الهندوسية، وينبغى لكل واحد أن يتعرف على هذه الطبقات التى يعتمد المجتمع الهندى عليها، لأن الهندوس فهم على أربعة أقسام. الأول: البراهمة ويقال الكهنة ولهذا القسم الأول تقدم على بقية الأقسام فى جميع الأمور. والثانى: الجندر، ومن هذا القسم الملوك والحكام. والقسم الثالث: وهم التجار والفلاحون الذين يزرعون حقولهم. والقسم الرابع وهم من أصحاب الصنائع ومن رجال الأعمال من كل نوع. وهذا القسم ينقسم إلى عدة أقسام باعتبار الصناعة والعمل. وجميع هذه الأقسام لايختلط بعضها ببعض أصلا ولا يمكن لمن ولد فى إحداها أن ينتقل إلى طبقة أخرى. ثم نقل المؤلف الشيخ العبودى هذه العبارة التى قالها “باسديو” حين سأله “أرجن” عن طباع الطبقات الأربع وما يجب أن يتخلفوا به من الأخلاق، فأجابه يجب أن تكون البرهمن وافر العقل، ساكن القلب، صادق القول وصادق اللهجة، ظاهر الاحتمال ضابطا للحواس، مؤثر العدل، وبادى النظافة، مقبلا على العبادة مصروف الهمة إلى الديانة. وقال عن “كشتر” يجب أن يكون كشتر مهيبا فى القلوب، شجاعا، متعظما، ذلق اللسان سمح اليد غير مبال بالشدائد، حريصا على تيسير الخطوب. وقال عن “يش” مشتغلا بالفلاحة واقتناء السوائم والتجارة. وقال عن “شودر” مجتهدا فى الخدمة والتملق، متحببا إلى كل أحدها وكل من هؤلاء إذا ثبت على  رسمه وعادته نال الخير فى إرادته إذا كان غير مقصر فى عبادة الله، غير ناس ذكره فى حل أعماله، إذا انتقل عما إليه إلى طبقة وإن شرفت عليه كان إثما بالتعدى فى الأمر.[12]

مدينة بنارس و غرابتها:

إن وجه تسمية بنارس مأخوذ من كونها تقع  بين نهرين، أحدهما يسمى بارنا، والآخر نهر الكنج، الذى يوجد على ضفته مكان يسمى السى،لذلك قيل (بارناسي) التى تحولت إلى بنارس.

فهى مدينة مشهورة في الهند ، لكونها عاصمة دينية للهنادك، وقعت على الضفة اليسرى من “كنك” وهى مدينة البراهمة ، فيها كثير من الهياكل عددها ليس أقل من ألف هيكل، و أشهرها هيكل “شيو “الذهبي، وهيكل “دركاكند” هو هيكل القردة المقدسة عند الهنادك، وهم يحجون إليها من أقطار البلاد، ويزعمون أنه من مات بها نجا لا محالة، وهى مركز لتجارة متسعة في الشيلان و البفتة ، والألماس وغيرذلك .[13]

 إن الرحالة العبودي زار مدينة بنارس وأطرافها فشاهد أهاليها و ثقافاتها  القديمة  حتي أعجب بصبح بنارس  (فهو الصبح الذي يعرف في التاريخ الهندي لنوعه الأبداعي ولغرابته ولحسنه )  فهو أروع من تصوير صبح بنارس وقام بتوضيح صبح بنارس فإن له تفسيرين : أحدهما منظر طلوع الشمس علي نهر غنغا في بنارس و سجود الهندوس لها ، و هذا التفسير هو تفسير عامتهم. والتفسير الثاني هومشاهدة نساء الهندوسيين وهن ينزلن في النهر يغتلسن في الصباح ويتعبدن بذلك و يتبركن بمائه المقدس عند الهندوسيين، وإن هذا هو تفسير الشعراء و الأدباء لهذا المثل. وما لا شك فيه أن صبح بنارس هو عجيب وغريب ورهيب، وكان شاطئ نهر غنغا غاصبا بالناس وأكثرهم جاؤوا لكي يعبدوا آلهاتهم المتعددة فيه و أقلهم من السياح الأجانب الذين جاؤوا ليشاهدوا هذه المناظر البهيجة والطقوس الغربية ، منها السياحون الأوروبيون الذين يتهندوكون و يلبسون ملابس الرهبان من الهنادك ويجلسون متربعين واضعين أيديهم على ركبتهم مستقبلين الشمس متعبدين لها مثلهم . ومن غرابتها عبادة الشمس عندما أشرقت الشمس علت أصواتهم و أخذوا يومئون بالسجود للشمس إيماءا رافعين أكفهم إلى ما تحت الوجه كما يفعلون في تحيتهم الهندية العادية وغيرها من العادات الوثنية الهندوسية .[14]

إننا عرفنا أن مدينة بنارس مقدسة للهنادكيين ويسمونها المدينة المقدسة (هولى سيتي)  وتوجد فيها كثرة المعابد الهندوكية بين أثناء زيارته   فطلب الرحالة من أصحاب المعابد أن يروه أحد المعابد من الداخل ، ولكن لم يسمحوه للدخول في أى معبد وقالوا “إن  آلهتهم تهرب إذا دخل المعابد غريب أو غير هندوكي لأن غيرالهندوكي نجس،فهى تهرب منهم لهذا السبب، ومن الطبيعي في هذا المنطق المعوج أنهم لا يريدون أن تهرب ألهتهم من معابدهم فتبقى خالية من جماعة الآلهة” وهذه من معتقدات الهندوكيين وذكر القصة التى حدثت في نيبال بنسبة هذا الاعتقاد غير المعقول.[15]

الحياة الريفية في أطراف بنارس:

قد زار المؤلف سوق دال مندى، وهذا سوق تجاري معروف بأنه للتجار من المسلمين ، ولا يزال المسلمون تقدما في التجارة في هذا السوق في الشارع الجديد (ني سرك) ومن أشهر أشياء هذا السوق منار مسجد حافظ خدا بخش والمنار نظيف المظهر  أيضا.

السوق نظيف جدا، ومرتب وأكثر المعروضات فيه من الأقمشة و هناك حوانيت في أطرافه لغير الأقمشة . يقع هذا السوق في وسط المدينة القديمة، وهو مزدحم جدا بالناس لأجل السياحيين الأوروبيين والأمريكيين والتجار الذين يأتون إليه من الولايات المجاورة. تتوفر هناك السلع والبضائع التى لا توجد في غيره من السوق ولذلك يأتي إليه الناس من بعيد.

وأما وسائل النقل فيه فهو الفيضان الضخم من عربات الركشا و الدراجات النارية ودرجات هوائية معتادة يحمل صاحبها بها الناس بالأجرة و يسوق بهم برجليه.[16]

وكذلك زار العبودي منطقة أكثر سكانها من الهنادك، وإسمها (دسا سميد)  وهذا السوق أيضا متنوع المعروضات ولكن معروضاتها ليست بمثل سوق “دال مندى”. قد شاهد في هذه المنطقة كثرة البقرة التى ترسلو لكى تأكل من فضلات الخضروات و غيرها من الفضلات الأخرى التى يعطيها بعض الناس من أشياء تأكلها لكونها معبودة أ ومقدسة  لدى الهنادك المجافظين .

قد وجد الرحالة مناظر هذا السوق غربية حقا من مختلف أنواع الثياب وسحن الناس و ملابسهم التى تظهر  نظيفة و جيدة و ممتازة.  ووجد الناس يأكلون التنبول بكثرة ولذلك السبب قد احمرت أفواههم ويبصقون بصاقهم في الشوارع المزدحمة التى سببت بغلظة شوارع السوق، ومن محسنات هذا السوق توجد فيه كثرة الخضروات والبقول وباذنجانا بنفسجى اللون والبامياء ،وكل الخضروات رخيصة الثمن .[17] ويجدر بالذكر هناك أن البراهمة و المتدينين من الهنادك لا يأكلون اللحوم ولا البيض و لا الأسماك، وإنما يأكلون البقول والخضروات بذلك تكثر عندهم كثرتها.

مشكلة الطعام:

هذا من الأمر الطبيعى بأن كل السياح و الرحالة إذا وصل إلى بلد فإنه يريد أن يأكل من طعام ذلك البلد، وبخاصة في الهند التي توجد فيها أنواع مختلفة من الطعام ،والمأكولات و المشروبات  في مختلف المناطق الهندية. ولكنه واجه المشاكل الكثيرة في الأكل لأن الطعام الهندي إذا لم يكن فيه فلفل لم يكن هنديا ، واعترف المؤلف لا يوجد فيه الطعام بدون الفلفل فهو الذي يسبب لذع اللسان و شوي البطن، والسبب الذى يتعلق بأهل الهند والفلفل الحار إلى درجة لا يستطيع  أن يتحمل غيرهم شدة حرارته، و بدا يفكر كيف يصبرون عليها، فهم يكثرون من الفلفل الحار في الطعام ، بل يسرفون فيه. وإضافة إلى ذلك أن الناس في الهند يكثرون من الدسم الثقيل في طعامهم بحجة أنه يلطف من تأثير الفلفل على الحلق و المعدة ، واختلف الرأى فيه ولم يتفق لأن كل إجاباتهم ظنية غير مبنية على أسسس علمية من البحث و التحقيق العلميى.

وقال الرحالة السبب الرئيسي  في الأصل سبب صحي وهو أن أرض الهند أرض ندية رطبة و بخاصة في أيام مواسم الأمطار وأوقات فيضانات الأنهار، فتنشأ عن ذلك مستنقعات فيها جراثيم متنوعة ، الفلفل بطبعه قاتل لبعض أنواع الجراثيم غير الفتاكة ،ولذلك يوضع مع بعض الأطعمة المحفوظة فاعتاد الناس على ذلك لهذا السبب.[18]

الأماكن التاريخية والمؤسسات الدينية:

ذكر المؤلف فى مقدمة الكتاب أسباب زيارته إلي هذه المنطقة من الهند بأن القادة السعوديين يسعون إلى مساعدة الإخوة المسلمين فى أنحاء العالم وقدخصصوا لهم مبلغا كبيرا لهذا الهدف السليم. وذكر فيها عن دور رابطة العالم الإسلامى بكونه أمينا عاما للرابطة لكى ينفذ تلك المبالغ التى تتعلق بالتعاون مع الإخوة المسلمين فى الهند من دون إبتغاء إلى نفع سياسي أو إعلامي كما يقول المؤلف محمد العبودى: “كان لى نصيب من إيصال الخيروالمنو من بلاد الحرمين الشريفين إلى أولئك الإخوة فى الدين، حتى زرت الولايات الهندية من أقصى الشمال فى كشمير إلى أقصى جنوب الهند فى كيرلا، تامل نادو، وفى شرقيها ولاية أوريسا، وقربها بنغال، وإلى غربها فى ولايات مهاراسترا وغجرات وراجستهان” وذكر فيه الأحوال السياسية للمسلمين وعدد سكانهم لأن المسلمين يزيدون على مائة مليون نسمة وهم أكبر أقلية مسلمة فى العالم بعد أندونيشيا.[19]

إن الرحالة العبودي قام بالزيارة إلى مراكز الثقافة الاسلامية والمؤسسات الدينية، ومراكز الثقافة الهندوكية والمعابد التاريخية في كلتى الولايتين، ومنها مكتبة خدابخش خان  فقد أعجب المؤلف بزيارتها وكتب عن تاريخ تأسييس مكتبة خدابخش ودورها الثقافي الذى لايزال يلعب في ترويج  الثقافة الإسلامية في الهند منذ تأسيسها. فهذه المكتبة غنية جدا بالمخطوطات العربية والفارسية، وقام بتأسيسها خدا بخش خان في عام 1891 م و جمع فيها مازاد على إثنى عشر ألف مخطوط، وأصدرت المكتبة فهرسا مفصلا باللغة العربية والإنجليزية في عام 1905م في ثلاثة أجزاء.[20]

ثم قام بزيارته إلى المؤسسات الدينية  والمعاهد التعليمية، ومنها “الكلية الملية للمسلمين” الواقعة في مديرية دربانغا، وهى من أهم مراكز المسلمين ويتوفر التعليم فيها علي مستوى جامعي وشهاداتها مقبولة لدى الحكومة الهندية للحصول على الوظائف. وكانت هذه الكلية قد بدأت عام 1959م، وتخرج فيها عديد من الطلاب الذين يشغلون وظائف مهمة في المجتمع. إنه قام بالزيارة إلى “دار العلوم الأحمدية السلفية ” التى قام بتأسيسها الشيخ عبد العزيز رحيم آبادي عام 1918م لإصلاح معتقدات المسلمين من الأوهام الوثنية والخرافات المتصوفة. فهو مازالت ولا تزال تلعب دورا مهما في نشر العقائد الإسلامية الصحيحة منذ تأسيسها، والجدير بالذكر أن خريجيها انتشروا في أرجاء الهند كلها وأصبحوا ذا مناصب مرموقة في المجتمع الهندي والذين يقومون بدورهم الريادي في مختلف نواحي الحياة، وفي مجال العلم و الأدب، وبعض منهم أصدروا مجلات و جرائد إسلامية تهدف إلى تربية المسلمين وتهذيبهم حتى تفتخر بهم الأحمدية السلفية و الإكاديميات الأخرى فلله الحمد و له الشكر الإمتنان على كل هذه النعم . [21]

فإن الرحالة العبودي يسلك مسلك أهل الحديث وهو من متبعى الجمعية السلفية و بذلك السبب أن جماعة من علماء أهل الحديث وكانوا يدللونه في زيارته  إلى بعض المدارس السلفية الإصلاحية في مدينة بتنة، منها الجامعة السلفية الإصلاحية في بتنة فهى ليست جامعة بالمعنى الحقيقي والإصطلاحى في البلدان العربية والأوروبية، وإنما هى مدرسة ثانوية ومتوسطة ولكن المسلمين يسمون أمثال هذه المدارس جامعات ولم يصل مستوى الدراسة فيها إلى المرحلة الجامعية، وبمناسبة قدوم الشيخ العبودي قامت المدرسة بمهرجان الجامعة اللاصلاحية في مخيم ضخم واسع على أرض مرتفعة عن الشارع التى تمتلكها المدرسة، ثم جاء دوره وألقى محاضرته الشاملة لأهل الهند ومواطنيها .

كما هو يقول : ثم جاء دوري لألقي كلمتي، فألقيت كلمة بينت فيها بعض  ما قدمه علماء اهل الهند للغة العربية و العلوم الإسلامية، ثم طلبت منهم ان يتعاونوا مع مواطنيهم في هذه البلاد من غير المسلمين فيما ينفغ الوطن دون أن يكون في ذلك تفريط بشيئ من أمور الدين الاسلامي.[22]

كما أننا نعرف بأنه الرحالة مأمور إلى البلدان الأخرى من قبل رابطة العالم الاسلامي بأن المملكة العربية السعودية تساعد مساعدة ثقافية خالصة لا مساعدة سياسة. وقال السفير السعودي صالح الصقير الذى اصطحبه في الرحلة “إن أى شئ يحصل للمسلمين في أى بقعة من بقاع العالم يجد صداه في مكة المكرمة و المدينة المنورة، بأن المسلمين بالمملكة وغيرها من البلدان الإسلامية، فإنهم يفرحون لما تفرحون به، و يحزنون لما تحزنون له. وكان يحمل مبلغا كبيرا من الملك خالد إلى هذه الجامعة قدره مائة ألف ريال سعودي وأعطاه إلى مسؤولي المدرسة بدون إعلان رسمي خوفا من اشتعال أعداء الإسلام و المسلمين ضدهم و سوء الظن عن أهاليهم والمواطنين المسلمين.

مدينة باتنا:

بتنا-وكان إسمها القديم عظيم آباد، وباتليبوترا أيضا-هى مدينة هندية تقع إلى غرب شبه القارة الهندية و تعتبر ثاني أكبر مدينة هندية في شرق الهند من حيث عدد السكان، و هي من أقدم الأماكن الأثرية في العالم. قد توجه الرحالة العبودي إلى المسجد الجامع القديم الذى يقع في أحد أحياء المسلمين اسمه “تنموهية” وتم تأسيسه في عام 1180 هـ وهو مبني بعقود من الأجر فوقها أسقف الخشب غير مرتفعة، وجمع المعرفة عن المساجد التى تقام فيها صلاة الجمعة، فعددها يتقارب من عشرة مساجد و كان المساجد الصغيرة يتقارب ويزيد على مائة مسجد. و واجه الرحالة مشاكل في المشي لأن سيارته لم تقف عند باب المسجد بسبب ضيق شارعه، و سار ماشيا على الحجارة الكبيرة والصغيرة و بعضها مرصوفة بالآجر غير المتقنة بل كانت متعثرة للمارة.

 ثم قام بزيارة المدرسة الأيوبية للبنات وهى مدرسة إسلامية أوردية بمعنى أنها تدرس اللغة أردوية وتدرس العلوم الإسلامية في اللغة الأردية فهى تعتبر لغة المسلمين في هذه البلاد، قد أخبره أهالي المدرسة بأن عدد الطالبات في هذه المدرسة يزيد سبعمائة طالبة كلهن من بنات المسلمين، وطلبوا منه مساعدة على بعض مشروعات المدرسة فوعدهم بدراسة طلبهم. و تنقسم المدرسة إلى القسمين: القسم الاول هو القسم القديم، و القسم االثاني هو القسم الحديث الذى تم بناءه بمساعدة الحكومة الليبية عمر القذافي. [23]

وقام مسؤول المدرسة بعقد حفلة بمناسبة هذه الزيارة، فإذا بهم قاموا بإستعداد لزيارة الوفد الذى كان يرأسها الشيخ العبودي، وقاموا بإعداد الكراسي الكثيرة للزوار من الرجال والنساء على حدة وخصصوا جزءا آخر للصغيرات من البنات اللاتي لم تتجاوز سنهن عن العاشرة .

ثم القى الرحالة كلمته الرئاسية و ركز على تربية أولاد المسلمين والتربية الإسلامية وقام بتوضيح دور المرأة و مسؤولياتها في المجتمع المسلم و قام بترغيب إيفاء حقوق المرأة للرجال ، قام بثناء المرأة خاصة فيما يتعلق بالصبر على حضانة الأطفال و تربيتهم. وقد أظهر إيماء سروره عندما وجد مظاهرهن أحسن كثيرا من مظاهر الهندوكيات اللاتي كان يرأهن في الشوارع و في المدن الأخرى الهندية سواء من حيث نظافة الأبدان والثياب أو من حيث الصحة العامة.  [24]

ثم زار الرحالة الجامعة السنسكريتبة الحكومية، و هى جامعة للغة السنسكريتية التى هى أصل اللغة الهندية وهى لغة هندية قديمة، أما الجامعة فهى تعتبر من أكبر وأشهر الجامعات في المدينة ولكن الكاتب اعتقد بأن مظهرها الخارجي و شكل هياكلها ليس كذلك.  وهذه الجامعة تقع بقرب الجامعة السلفية في وسط مدينة بنارس، ولا يمكن مقارنة بينهما بنسبة التسهيلات المتوفرة فيهما للدارسين، فإنها حكومية تتقاضى رسوما وأموالا من الطلاب الذين يدرسون فيها بخلاف الجامعة السلفية التى لا تأخذ من الطلاب أى رسوم أو مال مقابل دراساتهم، بل أنها توفر تسهيلات السكن والمعيشة فيها لطلابها. [25]

قد اكتشف الرحالة مسجدا تاريخيا بناه الملك أورنغ زيب فهو أحد ملوك المغول الذين حكموا الهند، وعندما خرج من جولة “نهر غانغا” ورأى كثيرا من المعابد الصغيرة و الكبيرة في الشوارع التى تتمثل بتماثيل بعض آلهة  الهنادك، مثل القرد (هنومان) ، وسيتا زوجة رام ، وتمثال البقرة و تمثال الذكر والأنثى، يأتي بعض الناس إلي هذه الأصنام ليعبدونه ويحيونها بالسجود أو الدعاء، ويصبون عليها من ماء النهر المقدس و يتبركون منها. فسأل الرحالة من رفقائه هل يوجد أى مسجد في منطقة هذه المعابد الهندوكية. فأجابوه: نعم،  و قالوا: “إنه يقع في ناحية شرقية من هذه الضفة الشمالية، فإذا به مسجد عال ذو قبة فخمة له ست منارات صغيرة غير مرتفعة لا تكاد تصل إلى نهاية ارتفاع القبة ،وأخبروه إنه كان ذا منارتين عاليتين كانتا ترتفعان خمسين مترا، ولكن إحداهما سقطت على بعض البيوت المجاورة فضرتهم ، وفهدمت المنارة الثانية لئلا يكون منها ضرر مرة ثانية, أن المسلمين لا يقيمون الصلواة الخمس فيه إلا صلاة التراويح في شهر رمضان ، لأنه لايوجد السكان المسلمون بنواحيه. [26]

منطقة شارناث:

ثم توجه الرحالة من مدينة بنارس إلى منطقة لا تبعد عنها كثيرا ولكنها مهمة من الناحية التاريخية، وهى منطقة شارناث تقع على مسافة 18 كيلو مترا فقط. هذه منطقة مهمة للبوذبيين وكانت مركزة مهمة لهم في قديم الزمان، وفيها أقام بوذا (Buddha) الذى قدم من ولاية بيهار وأنكر على الديانات الهندوكية و تقاليدها القديمة السائدة في الهند. إن الديانة البوذية إحدى الديانات التي نبتت في الهند وسيطرت على المجتمع الهندي لمئات من السنين، ثم انتقلت من الهند إلى ما حولها في سيلان وبورما وسيام والهند والصين واليابان، بعد تحول البوذيون على مر العصور إلى أقلية قليلة حتى كانت الهند تخلو من متبعيىهم  وعادت القوة إلى الهنادكة.[27]

المعبد البوذى في شارناث:

وبكونه مركزا للبوذيين يأتي إليه البوذيون للتعبد و ابتغاء التقرب إلى بوذا، فإنهم يتطوفون حوله و بعضهم يجئون من أنحاء الهند، وآخرون يجؤون من بلاد أخرى خارج بلاد الهند. وكذلك يأتى إليه السياحون الأخرى من غير البوذيين للتفرج لرؤيته و مشاهدة الآثار القديمة في المنطقة .

إن المعبد البوذى يجتذب إنتباه السياحيين إليه بشكله الغريب، وقد بني أسفله بالحجارة المحكمة في القرن التاسع الميلادي، وكان يعتبر أول بناء لهذا المعبد في القرن السادس، أى في عهد الملك أشوكا الهندي الشهير. فاعتنق الملك التعاليم البوذية بلا تعصب من دون أن يتخلى عن كل شيء في الديانة البرهمنية ومن دون أن ينكر معتقدات الآخرين. وعمل أشوكا في نشر هذه الديانة الجديدة ومهّد لجعلها ديانة عالمية بإرسال الدعاة إلى أنحاء البلاد إلى كشمير وسريلنكا وشرقي الهند وهكذا انتشر المذهب البوذى وتغلب على الهندوسية أولا، ثم تغلب الهندوسية عليها بعد مرور ألف سنة من ولادتها أعني في نحو القرن السابع الميلادى .[28]

وقال راهب بوذي أن البوذية لا تحتفل بالطقوس البرهمية الرسمية من الغسل في الأنهار المقدسة، ولا تتبع  التزي بزي الرهبان من حلق الرؤوس أو تلبيد الشعر وتتريب الجسد، لأن التعاليمات البوذية ترشدنا إلى العمل الصحيح وهو تطهير الباطن من حب النفس والشح و الحقد والغلظة والشهوة والغضب، وهو غض البصر عن عيوب الناس، و مؤاساتهم في أحزانهم وأوجاعهم، ومؤاساتهم في أحزانهم، وأوجاعهم، والبوذية تمنع الناس عن قتل كل ذي روح، وعن سلب أموال الناس وعن النظر إلى نسائهم، وعن قول الزور، وشرب المسكرات، وتعدي الجوارح.

المعبد الجينى في شارناث:

قد لقي الرحالة رجلا مثقفا يجيد الإنكليزية فكان يتكلم معهم عن الديانة الجينية ومعتقداتهم الأساسية بأن متبعي هذه الديانة لا يزرعون الأرض ولا يريدون أن يقتلوا حشرة أو ذرة من المخلوقات الأرضية، وقام بتحليل من ناحية أخرى بأنهم يعتبرون أن مجرد قطع ورقة من شجرة هو ظلم و اعتداء على تلك الشجرة .[29]

إن المذهب الجينيى تفرع من الديانة الهندوكية القديمة، فهو قائم الزهد والتقوى فالجينيون لا يلبسون الملابس، لكونهم يعتقدون أن منشأ الخلاف بين بني آدم هو في غريزة التملك أو ملكية الأشياء، أهم الشىئ في الجينية هو الدعوة إلى تجرد الإنسان من شرور الحياة و شهواتها حتى تدخل النفس في حالة من الجمود والخمود لا تشعر فيها بأي شى مما حولها، بل الناسك الحق عندهم الذى يقهر جميع مشاعره، وعواطفه  وحوائجه فلا يحتاج إلى شئ حتي اللباس، لأنه لا يشعر بحر  ولا برد و لا حياء.[30]

قذ نشر المذهب الجينيى واشتهر على يد زعيم من زعمائهم اسمه مهاويرا وعاش في القرن السادس قبل المسيح. ومات مهاويرا قبل بوذا رأس الديانة البوذية بخمسين سنة، و الجينية مشتقة من الديانة الهندوسية. وهى ديانة هندية قليلة الأتباع جدا بالنسبة إلى أتباع الديانة الكبيرة من الهندوسية والإسلام والسيخية، وذكر أن أتباع هذه الديانة يبلغ عددهم 24 مليونا في الهند.[31]

خلاصة المقال:

كان  الشيخ  العبودي حريصا على وصف انطباعاته و آرائه عما كان يرى أو يسمع أو يشاهد، وأهم ما وصفه هو إحساسه بالأمان و الاطمئنان، أما رحلته إلى شمال الهند أو الشمال الشرقي من الهند فتعتبر من أهم رحلاته الهندية، و جمع فيها المعارف عن ثقافة أهم الولايتين الهنديتين وهما ولاية بيهار، و ولاية أترابراديس، وقد ذكر فيها ثقافة المسلمين و الهنادك معا مع ذكر أهم مراكزهم الثقافية ومعابدهم القديمة، ولها أهمية في أدب الرحلة وفي التاريخ لأن هذه الرحلة تتضمن على الحقائق التاريخية والجغرافية ، ويمكن للباحثين في هذ الموضوع أن يراجعوا إليه للبحث العلمي و الأدبي.

 مع المسلمين البولنديين رقم صفحة 96[1]

  شهر في غرب أفريقية ، مشاهدات و احاديث  عن المسلمين صفحة 12[2]

 نظرات في شمال الهند ج1 ص 22-23[3]

[4]     نظرات فى شمال الهند،ج 1 رقم صفحة 23

 المرجع السابق ص 24[5]

[6]   نظرات في شمال الهند ج 1-

 الشمال الشرقي من الهند رقم صفحة 95[7]

[8] الصحيفة دعوت الصادرة من دهلى 1/5/ 95

 نظرات في الشمال الهندى ج 1 -ص 27[9]

      نظرات في شمال الهند رقم صفحة  55 [10]

 تقرير وكالة الصادرة في 30 أغسطس 2016 NCRB [11]

[12]    نظرات فى شمال الهند رقم صفحة 66

 الشيلان : جمع شال، وهو كالرداء من قماش ثمين، والبفتة : نوع من القماش القطنى الأبيض .[13]

[14]  الشمال الشرقى من الهند رقم صفحة 89

 الشمال الشرقي من الهند[15]

  الشمال الشرقي من الهند رق ص137[16]

 النفس المصدر رقم صفحة 140[17]

 الشمال الشرقي من الهند رق ص 144 [18]

[19]    نظرات فى شمال الهند ج 1 رقم صفحة 20

  الشمال الشرقي من الهند رق ص24 [20]

 [21]  الشمال الشرقي من الهند رقم صفحة 42-43

  المصدر السابق رفم صفحة 61[22]

المصدر السابق رفم صفحة رقم صحته 67-68    [23]

 المصدر السابق رفم صفحة رقم صحته 69[24]

الشمال الشرقي من الهند رق ص 135 [25]

 المصدر السابق من الهند رقم صفحة 98-99[26]

  الشمال الشرقي من الهند رقم صفحة 149[27]

الشمال الشرقي من الهند رقم صفحة 154 [28]

 نفس المصدر رقم صفحة 161م [29]

 الشمال الشرقي من الهند رقم صفحة 159 [30]

  المصدر السابق رقم صفحة 161[31]

يوسف القعيد روائيّا
*عتيق أحمد

يوسف القعيد (م 1944) من أهم كتاب الرواية العربية في الوطن العربي عامة وفي مصر خاصة، وتعبر رواياته عن هموم الأمة العربية ومعاناتها ولاسيما المصرية وتحلل مسائل الإنسان العربي المعاصر وأحواله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية  والنفسية.

ليوسف القعيد إحدى وعشرون رواية وهي “الحداد” و”أخبار عزبة المنيسي” و”أيام الجفاف” و”البيات الشتوي” و”يحدث في مصر الآن” و”الحرب في بر مصر” و”شكاوي المصري الفصيح” و”من يخاف كامب ديفيد” و”في الأسبوع سبعة أيام” و”القلوب البيضاء” و”بلد المحبوب” و”وجع البعاد” و”مرافعة البلبل في القفص” و”خد الجميل” و”لبن العصفور” و”أطلال النهار” و”أربع وعشرون ساعة فقط” و”قطار الصعيد” و”قسمة الغرماء” و”عنترة وعبلة” و”مجهول”.

وطبعت روايته الأولى “الحداد” سنة 1969 وروايته الأخيرة “مجهول” سنة 2013. ومن أشهر رواياته: “الحرب في بر مصر” و”يحدث في مصر الآن” و”شكاوي المصري الفصيح”. ونجحت روايته “الحرب في بر مصر” أربع مرات في أن تجعل طريقها إلى أفضل مائة رواية عربية، وقد حاز القعيد على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة  2008. و قد تم تحويل بعض أعماله من الروايات والقصص القصيرة إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية وترجمت بعض أعماله الشهيرة إلى لغات متنوعة. ونبرة القعيد السياسية الناقدة قد أدت إلى مصادرة بعض أعماله من حين لآخر. و ما عدا الروايات، له عدد كبير من المجموعات القصصية و كذلك كتابات أخرى.

قضايا اجتماعية وسياسية في رواياته:

مما لا ريب فيه أن روايات القعيد تعبر عن هموم الأمة وآلامها وأحزانها ومشاكلها وتحمل كثيرا من القضايا الاجتماعية والسياسية من أمثال قضية الاغتراب وأزمة الكتابة والنقد والعدالة الاجتماعية وقضية المرأة وقضية الديمقراطية وأزمة الحرية وحرب يونيو 1967 وحرب أكتوبر 1973 وآثارهما السلبية والإيجابية على المجتمع.

قضية الاغتراب في رواياته:

قد أصبحت الحياة اليومية صعبة بسبب ضغوط التغير السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يشهده العالم أمام الإجراءات والعمليات الرسمية التي تفوق من حرية الفكر والرأي والإرادة ولهذا بدأ يفكر الناس عن الابتعاد عن الوضع السيئ.

عبر القعيد عن أحزان ومآسي المغترب ومشاكل هجرته ونتائجها على المجتمع البشري كله في رواياته “القلوب البيضاء” و”بلد المحبوب” و”وجع البعاد” و”أيام الجفاف” و”البيات الشتوي”.

وتبكي روايات القعيد الأخرى الوطن الذي تركه مواطنيه في زمن الشدة والأزمة، والإنسان الذي ترك الديار ونسي فضله في زمن الرقى، والمغترب الذي تعلق بالأوهام فهاجر وهو يبحث عن المستقبل الزاهر فضيع ماضيه وحاضره ومستقبله وجرّ الوبال على نفسه وأهله ولم يجد من الغربة إلا التهلكة والحسرات. وتحكي رواية “بلد المحبوب” قصة الحبيب الذي ترك حبيبته والنيل قرابة عشرة أعوام ليرجع إلى مصر بلد الحبيب وكله رغبة لمشاهدة بلدته التي حملها في وجدانه وضميره في سنة وحبيبته التي أحبها واشتاق لرؤيتها والكلام معها عن أحلامه وأمانيه والنيل الذي وعده وكان هو في ديار الغربة أن يفيض على البلاد للمرة الأولى منذ أعوام إن رجع الغائب إلى أرضه ومنذ رجوع العائد إلى أرض المطار وهو يحس أن كلّ ما وجده في مدينته  قبل ذلك قد تغير الآن فمدينته التي غادرها قبل أعوام تغيرت كثيرا: “أسماء الشوارع تغيرت ومبان خرجت إلى الوجود وأخرى اختفت ومعالم تاهت وأخرى تحاول فرض نفسها، ميادين جديدة، زحام البشر، الكل يلهث ويجري، لم تكن هكذا أبدا عند ما سافرت منها، من قال إن الأوطان تبقى على حالها، من قال؟”[1]. هكذا يتساءل الراجع وهو في سيارته التي استأجرها يشرب المرئيات بعينه ويشاهد بدهشة للمتغيرات التي وجدها في غيابه.

وموقف الكاتب من الاغتراب هو موقف المنكر الذي يرى أن البقاء في الوطن وعدم مغادرته مهما كانت الأسباب والأحوال ومهما كانت طبيعة العلاقات القائمة بين الكاتب والمفكر والسلطة الحاكمة في وطنه أحسن من هجرة ما بغض النظر إلى أية أرض كانت هذه الهجرة عربية أم أجنبية.

قضية الحرية وأزمة الكتابة والنقد والعدالة الاجتماعية في رواياته:

رواية “شكاوي المصري الفصيح” رواية طويلة فيها مضامين مختلفة تسجل بوعي وجرأة وصدق وبطريقة ساخرة ما شهدته سنوات الانفتاح الرأسمالي من تغيرات بنائية في النظم السياسية والاقتصادية والقيم الاجتماعية ومستقبل التنمية، وتكشف كثيرا عن عيوب النظام السياسي، وتفضح مساوئ الحكم الذي يتفوح بالطهارة والاستقامة وصيانة الوطن، والفساد الإداري، واستغلال المناصب الرسمية وغير الرسمية، ونهب خير الأمة، وتصور رؤية المثقفين على تنوع توجهاتهم الفكرية والأيديولوجية كالعدالة الاجتماعية والديمقراطية وأزمة الثقافة والكلمات المكتوبة التي تتعرض للمصادرة والمنع بما تمارسه أجهزة الرقابة الرسمية من إجراءات تحد من حرية الكاتب في إعمال فكره وإظهار رأيه ومعارضته للنظام مما يؤدي إلى دفن روح الإبداع.

وفي رواية “شكاوي المصري الفصيح” نقد صريح للنقد والنقاد الذين هجروا النقد وآثروا السلامة في عصر القوانين المكتوبة التي تعاقب من يتكلم أو يغني أو يفكر في زمن الخوف من الحرية والديمقراطية التي كثر الحديث عنها.

وقد انقلب ميزان النقد في السبعينات بعد ما سعى النظام الجديد لتأسيس إعلام جديد وثقافة جديدة تخدم أغراضه الأيديولوجية وتعبر عنها بعيدا عن روح الديمقراطية الحقيقية التي توجب احترام الحقوق الإنسانية ومراعاة كرامة الفرد والحفاظ على حرية الفكر والرأي والإرادة في نطاق سيادة القانون، وبعد رواج الاتجاهات الألسنية و البنيوية الجديدة التي تهتم بالبنية اللغوية والشكل بعيدا عن المضامين الغنية بالدلالات والإشارات ولعل هذا ما يفسر استباق القعيد أحكام النقاد على روايته إذ يفوت على نقاد عصره الكسالى فرصة نقد عمله أو تحليل بنائه الفني فينتقد روايته قبل أن تكتمل وقبل أن تنشر أو يتناولها أي ناقد آخر بالتحليل أو التعليق ويجعل القعيد هذا النقد الذي يتكرر في غير موضع[2] جزءا لايتجزأ من المتن الروائي.

ولايتم تحقيق العدالة الاجتماعية في أي مجتمع في ليل ونهار إذ يتطلب “التنسيق الواعي والهادف بين الدولة وأجهزتها ومؤسساتها والمؤسسات الأهلية في المجتمع المدني وبينها بين القطاع الخاص ومن ثم الاستفادة من الإمكانيات المتوفرة في المجتمع لتحقيق هذا الغرض فمؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص ضروري وأن تطرح مشروعات تنموية مشتركة تقلل الفوارق الطبقية والتوزيع العادل لفرص الحياة غير أن هذا الدور لايجب أن ينفصل بحال من الأحوال عن استشراف الدولة بحيث يمثل جزءا من سياساتها و توجهاتها التنموية”[3].

ويظهر أن ممارسة جماعة كبار الملاك من ذوي السلطة على الفلاحين المحتاجين الذين تقتلهم الحاجة ويقهرهم الفقر وتضنيهم الضرورة ” فالخلق في بر مصر نوعان: أولاد الناس وأولاد الكلاب، في الريف أولاد الناس من يمتلكون من مائة فدان للرأس الواحد، أما كل من يمتلك أية مساحة من الأرض فهو من النوع الثاني من الخلق وبين الحدين سلم ضخم يقف فيه صغار الملاك والعمال والأجراء والعاطلون”[4].

ويؤكد في نهاية خطبته الدينية الطويلة على أهمية طاعة أولي الأمر لأن طاعتهم  من طاعة الله سبحانه وتعالى فعلى الفقير الزاهد المنكر للغنى الدنيوي الزائل طاعة أولي الأمر في هذه الدنيا لأن الله سبحانه وتعالى الذي نطيعه يأمرنا في كتابه العظيم: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”: “وطاعة الحاكم من طاعة الله سبحانه وتعالى والحاكم إن كان مسؤولا فهو مسؤول ولكن أمام الله وليس أمام البشر والأفضل بالنسبة للفقراء أن لايهتموا بهذه الأمور التي لاتخصهم، إنهم عابرون، العابر لاتعنيه الكثير من الأمور التي لاتعني سوي الشخص المقيم فقط”[5].

تشيرهذه النصوص بكل صراحة إلى ما شهدته السبعينيات الساداتية من فساد السياسات والتوجهات المتعلقة بتحقيق العدالة الاجتماعية ومساعي السلطة تكيس الأوضاع القائمة وإعطائها الصبغة الشرعية التي تدعم وجودها وتعززه باستخدامها الدين وسيلة للتغطية على الفساد والنهب الرأسمالي ويرتبط هذا كله بأزمات الديمقراطية والحرية التي لم يكن إلا ديمقراطية دعائية تلفزيونية وإذاعة وحرية استغلالية تبيح السرقة والاختلاس والنهب بهدوء.

وفي صدد الديمقراطية وحرية التفكير يرى الكاتب أن الديمقراطية الحقيقة مضمونة وممارسة لا بد لها من محددات واضحة تتحدد من خلالها أشكال العمل الجاد وآفاقه ولهذا فإن الديمقراطية السليمة لاترضى بإنهاء الفكر بل تقبل الرأي الآخر وتحاول مناقشته ولاتختمه وإن كانت تعارضه. ويرى الكاتب كذلك أن حرية الشعب لايمكن تحقيقها دون ضماناتها الأساسية التي تتمثل في ضرورة إنصاف الفقراء من الأغنياء فتقسيم الثروات الوطنية تقسيما عادلا يضمن حرية لقمة العيش للجميع إذ لا انفصال بين الديمقراطية  السياسية التي تعد حجر الزاوية في التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وبين العدالة الاجتماعية ولا انفصال بين الاثنتين وبين التنمية والاستقلال الوطني.

المرأة في روايات القعيد:

المرأة ركن مهم من أركان الحياة وشطر أساسي في بناء المجتمع وهي صنو الرجل وقرينه الذي لايستطيع الاستغناء عنه دون أن يختل التوازن ويضطرب سير الحياة الطبيعية ومع ذلك لم تزل المرأة العربية تتعرض للقهر والاستغلال الذي يصادر حريتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وينكر دورها ويختزل وجودها الإنساني إلى مرتبة “الشيء”.

ويرى القعيد أن المرأة العربية امرأة مسلوبة الحرية مقهورة الإرادة “تتعرض للقهر مرتين: مرة لأن الرجل العربي مقهور أصلا ومرة ثانية عند ما يحاول أن يمارس عليها دور القاهر لأنه مقهور”[6] ولهذا يدعو المرأة إلى البحث عن نفسها والتحرر من القيود الاجتماعية والضغوط التقليدية التي عزلتها عن المجتمع الذي تحيا فيه إذ من الأفضل أن ترفع شعار حرية الرجل العربي أولا قبل أن ترفع شعار مساواتها به لأن الرجل العربي لو رفع القهر عنه وأصبح حرا لما كانت مشكلة نسائية عربية أبدا[7].

وتمثل روايات القعيد واقع المرأة السيئ الذي ينظر إليها نظرة مادية بحتة فهي مجرد إناء جنسي للذة سيدها وهي متعة وزينة وفرج وفم وصدر يقبل الرجل عليها متى شاء وينصرف عنها إلى غيرها حين شاء وليس لها أن ترفع صوتها أو تناقش أو تعترض لأنها مجرد ملكية قيمتها في أن تكون ما أريد لها فقط مخلوقة ترى كل شخص في المجتمع على أنه أميرها المطاع الذي وجدت لخدمته والسهر على راحته وتلبية رغباته واحتياجاته فالشخصيات النسوية في روايات “سكينة” و”سلسبيلة” و”البيات الشتوي” و”الهانم” و” شكاوي المصري الفصيح” و”الهوانم” و”وجع البعاد” كلها من اللواتي دفعتهن أحوالهن إلى امتهان البغاء الذي تسعد به أفئدة الرجال الذين يؤكدون رجولتهم في مخادعهن فـ”سكينة” امرأة يدخل زوجها السجن ولاتجد أحدا ينفق عليها فتمنح نفسها بسخاء لزبائنها الذين يدفعون ثمن لقائهم ومتعتهم التي تعوضهم عما يحسون به من مرارات، و”سلسبيلة” امرأة جميلة جدا تضطر بسبب فقر أسرتها إلى الزواج -وهي صغيرة- من رجل عجوز غني يغري والدها الفقير بالمال والهدايا فتحتمله وتمنحه كل ما تستطيع منحه وتنجب منه ولدا وبنتا لاتعرف أين هما بعد طلاقها منه وعودتها إلى الحجرة الصغيرة.

ونرى في كل ما مر سابقا أن المرأة لم تكن إلا مخلوقا ضعيفا خلق لخدمة سيده وطاعة أوامره، امرأة مسلوبة الإرادة والحرية والاختيار، مقهورة الفعل، منقوصة الحقوق ملغاة التفكير، معطلة القوى كانت موضوعا للذة ووعاء للجنس والمتعة تعيش بلا هدف تحاول لتحقيقه أو قضية تدافع عنها امرأة لا عمل لها سوى الرغبة في الرجل.

ونهاية المطاف أن المرأة التي تعد نصف المجتمع وشطره الثاني الذي لايبقي إلا به لا بد أن تمنح حريتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجنسية معا حتى تتمكن من العطاء الاجتماعي والعمل على تنمية المجتمع وإنهاء أزماته. علاوة على أن مشاهدة  المرأة من حيث هي وعاء للإنجاب نظرة محدودة تسلب المرأة حقوقها وتذل وجودها الإنساني إلى مجرد أداة في يد مالكها لاتملك القرار أو الاختيار ولهذا ينبغي تجاوز هذه الرؤية والارتقاء بالمرأة الفاعلة المشاركة في العمل السياسي والاجتماعي والفكري.

قضية الديمقراطية وأزمة الحرية في رواياته:

مما لا ريب فيه أن الحرية في السبعينات كانت كاسم لا غير لدى الحكومة فقد كانت الحرية يأسرها النظام ويكسرها الجناح لايمكن لها أن تطير في السماء طويلا والديمقراطية مريضة شاكية لايسمع أحد شكواها.

ولم تكن الصحافة في كل حرية فنكاد نرى تعليمات ونشرات ومدح وإشادة لما ينجزه الزعيم ورعيته وأعوانه وتموج السجون بآلاف من المصريين فأبوابها غير مغلقة لكل من قال أو فعل شيئا ضد الحاكم والذين كانوا يزورون وقت الفجر يدقون الأبواب في الليل ليعذبوا من يود أن يعارض الحكومة الحاكمة بالرغم من أن الحكومة كانت تدعي أنها تعطي الحرية الكاملة لمواطنيها[8].

يقول القعيد لأحد موظفي دور النشر والتوزيع التي تقضي ليل نهارها بتعريف الحكومة وهو يشير إلى ما قيل عن استشراء الديمقراطية في السبعينات فيقول: “قدمت الرواية لأنني أنام وأصحو وأتغدى وأتعشى وأفطر على كلام لاينتهي عن الحرية والديمقراطية والرأي الآخر فقاطعه المؤلف: وهل الحرية هي الفوضى؟ إن الحديث عن الحرية والديمقراطية وصل لدرجة أن الغريب المتابع لما يجري في بلادنا ربما تصور أن المصريين تعبوا من كثرة الحرية والضوابط أين هي؟ الحرية دون ضوابط مثل النار تأكل نفسها بلا رحمة. قال المؤلف ولكن لنفسه الحرية الحرية الحرية زهقت من هذه الحرية غير الموجودة والتي لانجد سوى الحديث عنها”[9].

وبناء عليه لماذا يتم ضبط الكلمات وإنهاء الفكر وصيد الخواطر ومصادرة الحريات ونحن في زمان الأمن والأمان في زمان ديمقراطية الحرية الذهبي؟ ولكن أين هو الأمن والأمان “وأمام الباب مخبر وأمام باب العمل مخبر، الزميل أصبح مخبرا، وحبيبة القلب مخبرة وفي حبة القلب مخبر وفي تجويف الصدر مخبر وتحت رموش الأعين مخبر؟ والرئيس لايمل الحديث عن الأمن والأمان والحرية والحياة الجديدة ويهاجم كافة الرؤساء المحيطين به لأنه لا أمان عندهم وينتقد الرئيس السابق: انتفى الأمان في زمانه والأمان لدي والحرية في عهدي والأمان الذي يتحدث عنه ينسحب إلى المستقبل والزمن البعيد القادم ويتعهد بأمان الأحفاد وباب العمل وجدار البيت والقلب والعين”[10].

وخلاصة القول إن يوسف القعيد روائي كبير سعى ليل نهاره لحل القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية فمثلا قضية الاغتراب وأزمة الكتابة والنقد والعدالة وقضية المرأة العربية المسلوبة الحرية المقهورة الإرادة وقضية الديمقراطية وأزمة الحرية والحروب وآثارها الإيجابية والسلبية على المجتمع كما بيّن هموم المغترب ومتاعب هجرته وتضييع ماضيه وحاضره ومستقبله مع أحلامه وطموحاته وأظهر عدم موافقته على هجرته الوطن مهما فسدت حاله.

مراجع البحث:

[1] يوسف القعيد، بلد المحبوب، مج6، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1997، ص: 108- 109

[2] يوسف القعيد، شكاوي المصري الفصيح، دار الشروق، القاهرة، 1989، ج2، المزاد، ص: 269- 273

[3] مصطفى محمود، المثقف والسلطة “دراسة تحليلية لوضع المثقف المصري في الفترة من ، 1970 – 1995 “، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص: 398- 399

[4] يوسف القعيد، الحرب في بر مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995، ص: 197

[5] يوسف القعيد، شكاوي المصري الفصيح، 1989، ج2، المزاد، مصدر سابق، ص: 526

[6] حافط محفوظ، يوسف القعيد: ممنوع على المثقف العربي أن يكون فاعلا أو مؤثرا،الصياد، العدد 9213، بيروت، 1986، ص: 52- 53

[7] المرجع السابق، ص: 53

[8] سمية الشوابكة، يوسف القعيد روائيا: أعماله من 1967 إلى 1997، بيروت، 1999، ص: 101- 102.

[9] يوسف القعيد، المزاد، مصدر سابق، ص: 681

[10] المصدر السابق، ص: 569

*الباحث في الدكتوراه، مركز الدراسات العربية والأفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند

الدكتور محمد لقمان السلفي في ضوء مؤلفاته للأطفال: دراسة تحليلية
*محمد فيصل

نحن نعيش في زمن انقلبت فيه المعايير. ترجح وتفوق بعض الدراسات والأبحاث الهابطة عطاءا وإثباتا وجعلت مغريات الجوائز والأوسمة بعض الكتاب يستصغرون أعمالهم وقيمهم ويتغافلون عن مهمة قيمة تستند عليها الأمم ونتحصر عليها معانى الحياة  ألا وهو أدب الأطفال.

الطفولة مرحلة أكثر خطورة في حياة الإنسان إذ تفتق فيها مواهب الإنسان وتنمو وتتجاوب قابليته مع الحياة، هي كالأرض البكر المعطاء تصلح إن تستنبت فيها ما نريد. والعالم الإسلامى في حالة غفلة عن هذا التراث  الثمين وتزداد أهمية الموضوع يوما بعد يوم لأنه فيه تصطرع الأفكار والعقائد. وبسموم الانحراف والانحلال الأجيال الناشئة أصبحت أكثر تعرضا للخطر. لدينا تحديات كثيرة تفوق بعضها فوق بعض، المهم كيف نحمى أجيالنا، وبيوتنا وأسرنا من الغزو الفكري والدينى والثقافي والاجتماعي، وما أحوجنا للناشئة الإسلامية أن تغرس فيهم المبادئ الإسلامية النبيلة والتعود على حب الخير والفضيلة والاحترام التبادل والتسامح والعفو وعلى نبذ الخلافات والتشاجر والتباغض، فأدب الاطفال ينادينا ويتطلب منا بأن نجعله نموذجا وجذابا كي يكون منارا ونورا لوثبة القيم العظمى. ولم لا فإن الأجيال الناشئة هم العقول الرائعة وقوام الأمة.

نظرا إلى أهمية هذا الموضوع الخطير نرى على ساحة الأدب الشخصيات والعباقرة الهندية الذين زينوا بأقلامهم أدب الأطفال منهم شخصية الدكتور محمد لقمان السلفي حفظه الله الذي يتبؤا مكانة رفيعة في العصر الحديث بكونه هنديا يعد من كبار الباحثين في المملكة العربية السعودية، والذي له رتع وتجول في كثير من المجالات الأدبية والإسلامية والثقافية. وإنه قد راقب الدراسات العربية القديمة والحديثة وصبغها في قالب عصري قل نظيره في عصرنا الحاضر، والكلام عن شخصيته النادرة وإنجازاته في العلم والمعرفة طويل له ذيول، وحديث مستفيض لا نهاية له، يصعب لدى الباحث من أين يبدأه. وفي هذا المقال الوجيز نسلط الضوء على مؤلفاته للأطفال.

ألف الدكتور محمد لقمان السلفي كتبا رائعة قيمة رفيعة من التفسير والحديث والفقه والسيرة النبوية والسيرة الذاتية واللغة العربية وآدابها وغيرها من العلوم والمعرفة. وفي هذه العجالة نقوم بالبحث حول السلسلة الذهبية للقراءة العربية من الصف الابتدائي إلى الثانوية، لأن أدب الأطفال يقتضي أن تكون الدراسة إلى المستوى الثانوى. إذ يتفق النقاد على أن مرحلة الأطفال تنتهي إلى الثانوية، ولذا ستمحور دراستنا وفقا تاما لأدب الأطفال. فيوجد فيه القران الكريم، والأحاديث النبوية، والسيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، والتراجم، والعلوم، والفكاهة، والشعر الحماسي الجاد، والشعر الغزلي وما إلى ذلك.

قبل الخوض في أعماق البحث يجدر بنا أن نتعرف على أدب الأطفال وسماته وفلسفته كي ينسجم الموضوع انسجاما تاما. فهناك تعريفات عدة حيث يختلف المنظور أو الإطار مرجعيا أو بيئة ومجتمعيا. يقول الدكتور إسماعيل  عبدالفتاح في هذا الصدد: “أدب الأطفال هو أدب واسع المجال، متعدد الجوانب، ومتغير الأبعاد طبقاً لاعتبارات كثيرة، مثل: نوع الأدب نفسه، والسن الموجه إليها هذا الأدب، وغير ذلك من الإعتبارات. فأدب الأطفال لا يعني مجرد القصة أو الحكاية النثرية أو الشعرية، وإنما يشمل المعارف الإنسانية كلها[1]“. وفي ضوء هذا التعريف يمكننا القول كل ما يكتب للأطفال في صورة تقليدية أو غير تقليدية منها قصصيا أو تمثيلات أو معارف علمية أو مادة علمية أو أسئلة أو استفسارات أو في شكل إلكترونى كلها تشمل مادة أدب الأطفال.

الخصائص الأساسية لأدب الأطفال:

تتعدد الخصائص لأدب الأطفال من حيث الأسلوب والمضمون أهم شيئ في هذا الباب يذكر أحمد نجيب  صاحب فن الكتابة للأطفال،[2] أن السمات الأساسية البارزة لأسلوب أدب الأطفال:

  • اختيار الألفاظ السهلة الواضحة، الغنية بالصور البصرية والمعاني الحسية.
  • استعمال أسلوب التكرار في الكتابة لتوضيح المعنى.
  • التشويق لجلب اهتمام الطفل.
  • كتابة الفكرة الواحدة بأساليب متنوعة يُراعى فيها مستوى الطفل.
  • الابتعاد عن أسلوب الوعظ والإرشاد والنصح المباشر.
  • اختيار العناوين المؤثرة وإيجاد أسماء لأبطال القصص مناسبة ومعبرة.
  • استعمال الحوار القصصي والمسرحي الملائم.[3]

محمد  لقمان السلفي في ضوء مؤلفاته للأطفال:

“السلسلة الذهبية” وضعها الدكتور محمد لقمان السلفي في إثني عشر مجلدا هي هدية أدبية جميلة وزاد أنيق عصري، تعد من الكتب الثمينة للجيل الجديد. وقد ظهرت هذه المجموعة الأدبية إلى حيز الوجود عبر الجهود الشاقة والممتعة لتكون نقطة إنطلاق كبرى ووثبة تربوية بناءة مثمرة أكلها دائم وظلها.

يقول الدكتور محمد لقمان السلفي في إعداد هذه السلسلة: “وقد استفدت في إعداد هذه السلسلة الذهبية من الكتب المقررة في مدارس المملكة العربية السعودية وجامعاتها، ومن المصادر والمراجع اللغوية والأدبية الأخرى الكثيرة وغربلتها وأدخلت في الموضوعات التى اخترتها التعديلات اللازمة ونقحتها وهذبتها حتى جعلتها لائقة مناسبة للطلاب والطالبات في البلدان غير العربية[4]“. ولقد سعى من قبل في الهند سعيا حثيثيا نخبة من العلماء لهم طابع تربوي، ولغوي وخلقي ومن أشهر الذين لفتوا أنظارهم إلى أدب الأطفال هو الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله حيث ألف عديدا من الكتب القيمة النافعة  للأطفال، على سبيل المثال كتاب “القراءة الراشدة” الذي هو كتاب قيم فيه ذخائر قصصية جميلة في أسلوب ممتع أخاذ في صورة تلائم ميول الأطفال وأمزجتهم وسيكولوجياتهم.

ومن خواص ندوة العلماء بلكناؤ اسم سليمان الندوي الذي له إسهام قيم في هذا المجال، ولا يفوتنى ذكر اسماعيل ميرتى الذي له عديد من الكتب الخاصة بالأطفال، ومنها دواوين شعرية وقصص وحكايات، ومن ثم العلامة محمد إقبال الذي ترك قصائد هامة للأطفال وبالأخص نشيد الأطفال الهنود لا تزال تترنم وتتردد على ألسنة العامة والخاصة لأسلوبها الأنيق ومعانيها السامية، وكذلك الذين ساهموا في كتابة أدب الأطفال فمنهم شفيع الدين نير وحسين حسان الندوي فكلهم جديرون بالثناء والتقدير.[5]

وإذا أمعنا النظر في مناهج الدراسات العربية في الهند وجدناها أنها كانت تشكو من ضعف ووهن كونها متلاصقة تامة بكتب قديمة في النثر والشعر بعيدة عن متطلبات العصر ومواكبتها، وأصبحت المرتكزات الأساسية للغة لغزا وعقدة متعمقة لا حل لها، بل دراسة اللغة العربية وعلومها كانت ترتفع وتثقل مستوى المتعلم، وحال المدرسين كضعف الطالب والمطلوب، وهم الأيادي السفلى فقراء في اللغة لا يحسنون قراءتها ولا التحدث بها ولا التعبير بها عن مشاعرهم وأحاسيسهم من جراء ذلك اضطر المتعلم إلى حفظ المواد وتجاوز المرحلة السابقة وأصبحت الغاية موقفاسلبيا وأهملت كثير من النواحي الوظيفية للغة العربية  منها التحدث، والاستماع والكتابة والقراءة.

وكانت الغاية في نطاق ديني يتهيأ الطالب لإصلاح المجتمع ونشر الدين[6]. وهذا الهدف الذي كانت المدارس الإسلامية تبتغيه لم تتحقق أكثر مما أرادت وعزمت، وكانت الأوضاع تقتضي تغييرا جذريا يلبى دعوة العصر كلغة حية سمحاء تكفل الطلاب والطالبات بالتذوق الأدبي وقدرة البيان والتعبير مصحوبا بالتربية الإسلامية، وتفي بحاجة الطلبة الهنود خاصة. فلبى دعوة العصر الملحة الدكتور محمد لقمان السلفي بإعداد هذه المجموعة الأدبية في إثنى عشر مجلدا على أساس أهميتها الوظيفية في الحياة وبما يناسب ميول الأطفال وسيكولوجياتهم واتجاهاتهم بحيث يستهويهم ويحقق علاقة سعيدة بينهم وبين الكتاب كما يقول الدكتور بهذا الصدد: “ولقد أعدت هذه الكتب لتعليم اللغة العربية على الطريقة الحديثة التى تسمى بالطريقة المباشرة DIRECT METHOD أعنى تعليم اللغة العربية مع قواعدها النحوية بدون استخدام كتب النحو، وبدون استخدام لغة الطالب الأصلية كوسيلة للتعليم، إلا عند الضرورة القصوي. وقد طبقت هذه الطريقة في كثير من المدارس المتخصصة لتعليم العربية ونجحت نجاحا باهرا فأعدت هذه السلسلة وفقا لهذه الطريقة المباشرة لتطبيقها في الهند وغيرها من بلدان العالم[7]“.

أهمية الطريقة المباشرة وصلتها القوية بأدب الأطفال:

ومن دون أي شك بأن هذه الطريقة المباشرة قد أحرزت مكانة الصدارة لتدريس اللغات الأجنبية وثقافتها كما شاهدنا بأعيننا المدارس التبشيرية كيف أنها استغلت هذه الطريقة المباشرة  لهيمنة اللغة الإنجليزية وغلبتها في الهند حتى تجبر المسلمين إلى تدريس أبناءهم في المدارس التبشيرية على حساب دينهم وتربيتهم. ولم لا فإنه بهذه الطريقة يتعود الطالب على مهارة الإستماع والكلام والقدرة على التفكير باللغة المدروسة، وعلى شرح المادة المدروسة، لا تستعمل لغة الأم بالإشارة أو الصورة أو الأفعال الحركية لإرتباط المفردات.

هذا من الثابت من التحقيق والتدريب بأن هذه الطريقة المباشرة استهدفت أن يصل الطالب إلى التفكير باللغة الأجنبية في وقت قليل دون أن يلجأ إلى الترجمة أو إلى استخدام لغة الأم وقد أكد الماهرون ودعاة هذه الطريقة على ضرورة المدرسين الأكفاء لغة ونطقا وكتابة منذ أول وقت في الدرس، وإلا مجرد الكتب كمثل برنس لا رأس له. وعلى المعلم أن يشوق تلاميذه ويسترعي انتباههم بالإشارة إلى الأشياء المتواجدة في الفصل مثل  السبورة، والمقاعد، والنوافذ، والأبواب ثم يتدرج المدرس إلى الموافق اللغوية تجاه الأشياء الموجودة في المدرسة ثم في البيئة المحلية ولتوضيح مفردات اللغة يحسن استخدام الصور أو الحركة أو التمثيل أو الرسوم والتركيز على تدريب المتعلمين على نطقها واستخدامها ببعض الجمل والعبارات باللغة العربية.

تقييم السلسلة الذهبية من منظور معايير أدب الأطفال:

بناءأ على تقسيم المراحل المدرسية التي قسمها المؤرخون وعلماء النفس، فإننا نقوم بمعالجة الكتب السلسلة الذهبية مضمونا ومعيارا من منظور أدب الأطفال نبدأ هذا البحث من المرحلة الإبتدايئة[8]. وتسمى هذه المرحلة مرحلة القراءة المبكرة أيضا تكون ما بين ٦-٨ في هذه المرحلة العمرية. وضع المؤلف أمامه في الكتاب الأول من القسم الابتدائي الاهتمام الخاص على تحفيظ الكلمات المفردة للأطفال ثم التراكيب البسيطة التى يستعملها الطالب في حياته الابتدائية يبتدأ الدرس الأول بكلمات عادية مثل أرنب، إبريق، أذن، يقرأ وفوق هذه الكلمات مكتوبة إقرا واحفظ واكتب. هكذا يتقدم الكتاب تدرجا تجاه الجمل البسيطة ثم الطويلة والصعبة. قبل نهاية هذا الكتاب وضع المؤلف العناوين المهمة مثل تلميذ أمين، في الطريق، التعاون، بسم الله، الغذاء المفيد.

وهذا النمط الذى اختاره المؤلف يساعد على بناء شخصية الطالب، ويفتح أمامه التعرف على الأشياء وربطها بالأحداث الواقعية التى يمر بها الطفل الشيئ الذي يسترعي انتباه الباحث رغبة لتقويمه وحسن جودته إذا الكتاب الأول من القسم الابتدائي يتضمن الصور والرسوم بألوانها المناسبة الزاهية لكان حسنا جيدا إذ يقتضي سن الطفل لانتباه فكره في صورة زاهية ملونة. أما مضامين الكتابين من المرحلة الإبتدائية تتضمن حكايات عن القيم الدينية والتربوية والخلقية وتفتح أمام الأطفال مجالات التفكير عن ربهم ونبيهم ودينهم وأهلهم وأصحابهم ومدرستهم وبيئاتهم. وتوحي المضامين لهذه المرحلة إلى انتصار الخير على الشر وغرس القيم وإثارة الأحاسيس والمشاعر بالتفاؤل واحترام الوالدين وطاعتهما والتفانى في خدمتهما وقواعد السلوك وحب الخير واستنكار الباطل.

لغة المرحلة الإبتدائية كما ذكرنا آنفا بأن المستوى الأول يحمل في طياته الكلمات المفردة ثم التراكيب البسيطة ثم الطويلة حسب التدريج. من خلال دراسة الكتابين للمرحلة الإبتدائية نجد بأن الطالب إذا يدرس الكتاب فيداعب مع الكلمات ويجد علاقة سعيدة بينه وبين الكتاب إذ يتسم بالخصائص والميزات التى أعدها أدباء الأطفال في كفة معايير أدب الأطفال. كما يذكر الدكتور في الكتاب الأول من القسم الابتدائي الكلمات المفردة مثل هاتف، وهلال، وهدهد، وهندوكي والكلمات إقرأ واحفظ واكتب مكتوبة فوقها. ولتدريب الطالب أو الطالبة يذكر اكتب الكلمات الآتية ومعنى كل منها مثل هاتف، وهدهد، وينتبه، وسهم، وهلال، يكسره، هندوكي، هودج ثم يذكر في الدرس الثلاثين التراكيب البسيطة مثل أذهب مع أبي إلى المسجد، أتوضأ قبل الصلاة، أصلي في اليوم خمس صلوات، صلاة الفجر ركعتان، صلاة الظهر أربع ركعات، صلاة العصر أربع ركعات، صلاة المغرب ثلاث ركعات، صلاة العشاء أربع ركعات[9].

الثانى مرحلة التمكن من القراءة والكتابة تسمى أيضا بداية المتوسطة وهي ما بين ٨-١٢ في هذة المرحلة الدراسية تبدأ شخصية الطفل بالظهور والتميز ويميل إلى الإعتداد بالنفس والقوة ويشعر الطالب بالتفرد عن المواقف التي تميزه عن الآخرين، ويتقدم إلى إبراز قدرته وشخصيته من خلال استخدام خبراته السابقة، والقسم المتوسط يحتوي على ثلاثة كتب.

مضامين الكتاب الأول من القسم المتوسط تهتم بأنواع من المغامرات السريعة المثيرة والوصف التام للأحداث والأمكنة والأشخاص. وتهدف إلى سلوك إجتماعي تربوي كي يتمثل الطالب في الحياة و زرع الثقة في نفس الأطفال وتعرفه على بعض المدن الهندية والانتماء لوطنه والتضحية في سبيله وتسعى إلى تحقيق الأهداف اللغوية كما ينبه الدكتور مشيرا وناصحا إلى أهداف. “فهذا هو الكتاب الثالث من السلسلة الذهبية للقراءة العربية والكتاب الأول للقسم المتوسط وهو امتداد طبيعي للكتابين الأول والثانى في القسم الإبتدائي ويسير في اتساق واضح محكم ويبدأ من حيث انتهي الكتاب الثانى من السلسلة ويمتاز عما سبق بخصائصه المتطورة النامية من الناحية الثروة اللغوية والتراكيب والأسلوب لأن السلسلة لا تعرف الوقفة الرتيبة الجامدة بل تمضى في خط صاعد نام ولكن من غير قفزة ترهق التلميذ والتلميذة وأرى بداية من هذا الكتاب أن يوجه المدرس طلابه إلى قراءة الدرس الذي يدرسه غدا في منزله حتى يتهيأؤوا للدرس القادم قبل الدخول في الفصل الدراسى[10]“.

وموضوعات المرحلة المتوسطة معظمها رائعة، تفوق بعضها بعضا من معانى سامية رائعة. منها ماذا تحب أن تكون؟ ديننا دين العمل، السيدة عائشة رضي الله عنها، عاصمة الهند مدينة دلهي، المسلون في الهند إخوة، المواصلات في الهند ،كشمير جنة على الأرض، لا تختلفا، الجدة والعسل، بطولة فتاة، تعلم من الطير، حريتى، وحدة المسلمين، نشاط أحبه، اللغة العربية، جلسة سمر،كلنا جنود، المسلمة الأولى، من هدي القران الكريم، من الأدب النبوي الكريم، احترام المعلم، الشباب المسلم، الإمام أحمد بن حنبل، الحمامة المطوقة، طرف علمية، نصائح وتجارب، حكم ونصائح، رياضة الجسم، الوقت من ذهب. كما يذكر المؤلف في الدرس الرابع والأربعين من القسم المتوسط موضوعه “المسلمون في الهند إخوة “كان والد بكر تاجرا يقوم كل أسبوع بأكثر من رحلة وكانت رحلاته إلى مدن الهند شرقا وغربا وجنوبا وشمالا اعتاد الأب أن يجلس في أوقات الفراغ مع أبنائه يسامرهم ويتحدث إليهم ويروي مشاهداته في البلاد التى كان ينزل فيها. حدثهم عن مدن الهند التجارية ونهضة العمران فيها، وعن مومبائ وبحرها وبنجلور وخضرة أراضيها، ولكناؤ وجمالها، وترددت على لسانه أسماء كثير من مدن الهند الأخرى. كان بكر يصغي إلى أبيه ويسأله ويعي ما يذكر. وفكر وقال: أبي إن الهند بلاد واسعة وكبيرة. قال الأب: نعم يا بكر. قال بكر: ومدن هذا الوطن الواسع كثيرة. قال الأب: نعم يا بني وسكانها كثيرون، ولغاتهم عديدة ولكن اللغة الأردية هي لغة ثقافة المسلمين في شتى أنحاء الهند، وأن المسلمين في جميع أنحاءها إخوة في الدين، عقيدتهم واحدة ودينهم واحد[11]“.

الثالث المرحلة مرحلة الثانوية وهي ما بين ١٢-١٨ في هذه المرحلة يمتلك الطالب القدرة على استخدام اللغة وفهمها بصورة جيدة وعواطفه ومشاعره تبدأ في الظهور لا بد للطالب أن يشغل أفكاره في تحمل المسؤلية والبناء في أسرته ومجتمعه وأن يكف نفسه عن الأفكار الهدامة. لأن هذه المرحلة مرحلة التغيير نفسيا وعواطفيا، وهذه المرحلة لها حساسية كبيرة، فتزداد مسؤولية الأديب بأن يربى عواطف الشباب تربية حسنة كريمة من الجنسين وتصعيد عواطفهما نحو السمو والخير. ولذا نرى صاحب السلسلة الذهبية أنه أحسن الكتابة بانتقاء الموضوعات تتناول جوانب شتى من المعرفة تحف عواطف الطلاب والطالبات بموضوعات تارخية وأدبية وتراجم الشخصيات لها نفوذ ووقع وتبصر إلى المسار الصحيح في الدنيا والآخرة. والمواضيع التي تبعثنا سرورا بأهميتها ومكانتها منها من عجائب العلم، كن رحيما، فتح مبين، صلاح الدين الأيوبي، كلنا نخطط، قصة السفن، لا تلوث بيئتك، لا تكن صغير النفس، أمل الشباب، طريقنا إلى القوة والعزة، طرف فكاهية، شيخ الإسلام ابن تيمية. ابن البيطار، أمير المومنين يحمل الدقيق على ظهره، السند باد البحرى، معركة عين جالوت، رثاء الأندلس، التفكير طريق الإيمان، محمد رسول الله، الإيمان طريق النصر، صلاح الدين الأيوبي، الرحالة ابن جبير، الرحمة بالحيوان، المرأة المسلمة وآثارها العلمية، قصص مرحة، قصة الطوابع، لماذا أحببت الفصحى، الإمام البخارى، ظرف وظرفاء.كما يذكر المؤلف في كتاب القسم الثانوي من الكتاب الأول في الدرس التاسع “كلنا نخطط”التلميذ يخطط، يعرف موعد الامتحان،فيتأهب له، ويعد ما يحتاج إليه من كتب، ويوزع العمل شهريا، وأسبوعيا، ويوميا، ويحدد وقت الجد والاستذكار، ووقت الراحة والمرح، ويختبر مدى نجاح تخطيطه من حين إلى حين، فإذا ظهر قصور تداركه وأعاد التخطيط من جديد، والتاجر يخطط -بقدر -حجم شراءه وبيعه وربحه، وحاجته من البضاعة ووسائل حصوله عليها، وأوقات طلبه لها، ويعرف في ضوء ذلك العوامل التي ساعدت على نجاحه، والعقبات التى وقفت في طريقه ويغيّر التخطيط من حسن إلى أحسن ناظرا إلى يومه في ضوء أمسه وإلى غده في ضوء يومه، والزارع يخطط ويحدد أهدافه من زراعته، وما تتطلب من مال وبذور وسماد، وما يتكلف ذلك وما ينتج، ويجرب الجديد من نظام الحرث والبذر والريّ ويقدر ما حقق من أهداف، وليعد تخطيطه وحسابه عند الحاجة، هذا هو التخطيط. و هو الآن أساس الحياة العملية الصحيحة لكل إنسان وفي كل عمل، مهندسا كان أو معلما أم طبيبا أم صانعا أم كان تاجرا أم زارعا. والحاجة إلى التخطيط ماسة في حياة المؤسسات والشركات وهو أشد ضرورة في حياة الجيوش والأمم[12]“.

بعد دراسة الكتب ومحتوياتها من القسم الإبتدائي إلى الثانويية يتوصل الباحث إلى القول بأن هذه السلاسل الذهبية تحيط بكثير من فنون النثر والشعر وتحف بها الميزات والخصائص لأدب الأطفال. وكل الفضل يرجع إلى صاحب رؤية عالمية مستقبلية، ولكن كونه باحثا نجد هذه السلاسل تخلو من فنون النثر الحديثة مثل الرواية، والمسرحية، والقصة القصيرة، والشعر الحر، والمسرحية الشعرية، والقصة الغنائية وغير ذلك من أنواع متعددة تعتبر رافدا مهما من روافد أدب الأطفال. وكذلك أظهرت الدراسة الحاجة الملحة إلى تدريب الأطفال على ممارسة الأنشطة الإبداعية وتذوقها من خلال عملية التفاعل والتمثيل والأشغال الفنية والإقبال على الكتب الإبداعية والجمالية والابتكارية هذا يساعد على تنمية قدرات الأطفال على الملاحظات الدقيقية ويزودونهم قوة ولياقة تستحق الغلبة والكرامة في عالم التقنية وثورة المعلومات.كما يجب تدريب الأطفال على التفكير الناقد وتشجيع تساؤلاتهم، والاهتمام بالإجابة عن استفساراتهم، وكذلك من الضروري أن يتعود الطالب على الصياغة اللغوية الصحيحة وتصحيح أخطائهم وتزودهم بالإجابة الشافية بدون أي تخويف وتهديد إذا يطرح الطالب أو الطالبة تساؤلات أو استفسارات. وإعطاءهم الفرصة للنقاش لتوضيح ما في ذهنهم عن استخدام  الكلمات والتعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم بطلاقة ومهارة مع ذلك كله.

 أهم شيئ ينقصه لدى المدرسين لأدب الأطفال هو عدم دراسة سلوك الأطفال ومشكلاتهم[13]، ينادي الوقت بأن يتعرف المدرس على جانب كبير من المعرفة والدراية في هذا المجال إذا نريد للمدارس أن تحقق أهدافها وتؤدي رسالتها حق قدرها. فعلى المدرسين أن يتعلموا التعرف على مشكلات سلوك الأطفال وكيف يفطنون لها. نرى في معظم الأحيان أن المدرسين الناشئين هم يتولون دراسة أدب الأطفال بينما ينبغى للمدرس المدرب أن يتولى هذا المهام، هو ينظر إلى كل تلميذ مستقلا بذاته، ويحاول أن يفهم كل سلوك تلميذ على أساس فهمه لعمليات النمو ودراسته للظروف والخبرات التي تعرض لها التلميذ. ولتحقيق هذا الهدف يتطلب العمل الذكي والجهد المتواصل والتضحية العظيمة والعمل على الأصول والضوابط التى يقتضيها أدب الأطفال، إذاَ تكون هذه السلاسل الذهبية ناجحة بالمعنى الحقيقي للكلمة.

مراجع البحث:       

[1]  أدب الأطفال في العالم المعااصر عبد الفتاح إسماعيل ص ١٨ الطبعة الأولى مكتبة الدار العربية 2000.

[2] فن الكتابة للأطفال،دراسات في أدب الأطفال،  احمد ،نجيب ص 77.دار إقرأ ،بيروت 1983

[3]  أدب الأطفال أهدافه وسماته، بريغش، محمد حسن، ص ٢٢٣ الطبعة الثانية، مؤسس الرسالة، بيروت 1996

[4] القراءة العربية ،القسم الابتدائ،الكتاب الأول د.محمد لقمان السلفي، ص ٦ مركز العلامة ابن بازللدراسات الإسلامية مدينة السلام بيهار 2004.

[5] أدب الأطفال أهدافه وسماته، بريغش، محمد حسن ص ٧٣.الطبعة الثانية مؤسس الرسالة،بيروت 1996

[6]  مناهج الدراسات العربية في الهند، د.حسين الندوي، محمد اقبال ص ١٨٥، مركز الدراسات العربية المعهد المركزي للغة الإنجليزية، حيدرآباد 2005.

[7]  القراءة العربية ،القسم الابتدائي، الكتاب الأول،  السلفي، محمد لفمان ص ٧، مركز العلامة ابن بازللدراسات الإسلامية مدينة السلام بيهار .2004

[8] أدب الأطفال أهدافه وسماته، بريغش، محمد حسن ص ١٣٩. الطبعة الثانية ،مؤسس الرسالة ،بيروت 1996

[9]  القراءة العربية القسم الابتدائ من الكتاب الأول، السلفي، محمد لقمان  ص 35، مركز العلامة ابن باز للدراسات الإسلامية مدينة السلام بيهار2004.

[10]  القراءة العربية القسم المتوسط من الكتاب الأول، السلفي، محمد لقمان، ص 9، مركز العلامة ابن باز للدراسات الإسلامية مدينة السلام، بيهار 2004.

[11]  القراءة العربية، القسم المتوسط من الكتاب الأول، السلفي، محمد لقمان، ص 139- 138،  مركز العلامة ابن بازللدراسات الإسلامية مدينة السلام، بيهار 2004.

[12]  القراءة العربية القسم الثانوي من الكتاب الأول. السلفي، محمد لقمان ص 35، مركز العلامة ابن بازللدراسات الإسلامية مدينة السلام، بيهار 2004.

[13]  كيف نفهم سلوك الأطفال، جرترود دريسكول ص 5 ، نشر الكتاب بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر القاهرة _نيو يارك 1964.

*الباحث في الدكتوراه، في مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لعل نهرو، بنيو دلهي، الهند

دور مجلة “الداعي” في إثراء الأدب والصحا فة العربية في الهند
*محمد محفوظ الرحمان

الصحافة هي مدرسة كبيرة تفتح أبوابها يوميا لجماهير الشعب، ولا يخفى على أحد أن السواد الأكبر من الناس في كل بلد من بلاد العالم يستمد غذاءه العقلي اليومي من الصحافة. فالصحافة تؤثر في ثقافته السياسية والدولية والاقتصادية والأدبية والفنية والاجتماعية. وبالتالى، هي تلعب دورا كبيرا في صياغة الرأي وتنوير العقول وتثقيف الأذهان، كما هي وسيلة عظيمة مؤثرة لتوجيه الرأي العام والاتصال بجميع أفراد الشعب. فبقيت أهميتها في كل آن ومكان وترعرعت وسط معظم اللغات الهندية والأجنبية.

وأما الصحافة العربية في العالم العربي فتاريخها طويل، يبدأ منذ أن أصدر نابليون بونابارت (١٧٦٩١٨٢١) جريدة التنبيهفي مصر عام ١٨٠٠م،1 و بلغت اليوم شأوا بعيدا من التقدم و الإزدهار كما اجتازت هي في الهند كذلك من العناية و الاهتمام ما يقل نظيره في الأمصار، فلم تظهر الصحافة العربية في شبه القارة الهندية إلا بعد ظهور الصحافة في اللغات الإنجليزية والفارسية والأردية، وذلك لأن اللغة العربية لم تكن لغة التخاطب والتفاهم فيما بين المواطنين كما أنها لم تتمتع بدرجة لغة رسمية في الهند أبدا ولم تلق قبولا ورواجا مثل الفارسية لدى عامة الشعب، وكان المسلمون يرونها مفتاحا لكنوز الكتاب والسنة، والتفسير والحديث والفقه وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية وفنونها. ولم تكن اللغة العربية وآدابها بالذات موضع اهتمام العلماء الهنود قط. فأدت هذه كلها إلى نكسة في تطور الآداب العربية وانتشار الصحافة العربية في ربوع الهند.2 ورغم هذه السلبيات أتقن البعض من علماء الهند اللغة وأجادوها إلى حد أنهم ألفوا كتبا قيمة و خلفوا مؤلفات رائعة في هذه اللغة بأسلوب علمي رصين حتى اعترف علماء العرب بقيمتها وأهميتهاو أصدروا مجلات و صحف عربية.

إن جريدةالنفع العظيم لأهل هذا الإقليمأول جريدة عربية في تاريخ شبه القارة الهندية والتي صدرت من مدينة لاهور. وقد أنشأها الأستاذ شمس الدىن. وصدر أول عدد لهذه الجريدة الأسبوعية في السابع عشر من أكتوبر عام ١٨٧١م. فأصبحت بمثابة اللبنة الأولي التي قامت عليها3 وتطورت الصحافة العربية بسرعة فائقة حيث نجد اليوم عددا ضخما من المجلات والجرائد العربية في شبه القارة الهندية ولا يقل عن الصحافة العربية في البلاد العربية من حيث أهمية المقالات التي تنشر،والأسلوب الأدبي الصحفي، والإخراج الفني.

من أهمها البيانوالجامعةوالضياء وثقافة الهندوالبعث الإسلامي والرائدوصوت الأمةوالمجمع العلمي الهنديوالصحوة الإسلاميةوصوت الشرقبعض منها احتجبت والبعض تصدر حتى يومنا هذا.

مجلة الداعيوتطورها:

هذه مجلة عربية إسلامية نصف شهرية تصدر من دار العلوم بديوبندأنشأها فضيلة الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي وحيد عصره في اللغة و الأدب العربي في الهند لتكون ترجمانا عربيا للدار. وذلك بعد توقف إصدار مجلة دعوة الحق “. وصدر أول عدد لهذه المجلة في ١١ رجب١٣٩٦هـ/ ١٠ يوليو ١٩٧٦م. وما زالت تصدر حتى يومناهذا ما عدا انقطاع مؤقت، ولكنها في البداية كانت نصف شهرية. ورأس تحريرها وحيد الزمان الكيرانوي أستاذ اللغة العربية بهذ الدار. ثم ناب منابه بدر الحسن القاسمي الذي ظل يرأس تحريرها حتى شهر يوليو عام ١٩٨٣م. وجاء من بعده نور عالم خليل الأميني، وهو من أساتذة الأدب العربي في هذه المؤسسة العلمية. وتولى رئاسة تحريرها من٧ محرم ١٤٠٣/ الموافق٢٥ أكتوبر ١٩٨٣م،ولا يزال يرأس تحريرها حتى اليوم.4 ويساعده في الإشراف عليها فضيلة الشيخ ابوالقاسم النعمانى رئيس دارالعلوم بديوبند.

تعتبر هذه المجلة منفذا جيدا لإبراز فكر أساتذة وطلاب وخريجي دار العلوم بديوبند وتقديمه لدارسي العربية في كل مكان بالهند وخارجها بالإضافة إلى مقالاتهم العلمية والأدبية ذات المستوى العلمي اللغوي الرفيع كما تهتم المجلة بإلقاء الضوء على علماء وأساتذة هذه الدار السالفين وأعمالهم واهتماماتهم وفضلهم في نشر العلوم الإسلامية بالهند علاوة على محاولة تعريف العالم الإسلامي باهتمامات وأعمال ونشاطات هذه الدار العلمية والثقافية. كما كتب الأستاذ الأديب زبير أحمد الفاروقي قائلا :

وإن هذه الصحيفة بصفة كونها لسان حال دار العلوم تتيح مثابة فكرية لخريجي الدار لطرح إنتاجهم الفكرية والعلمية والأدبية على العالم الإسلامي عامة، والعالم العربي خاصة. وتقدم هيئة تحرير الصحيفة بخدمات مشكورة لإبراز الدور العظيم الذي مثله المتقدمون من علماء الدار في إحياء ونشر العلوم الإسلامية في شبه القارة الهندية، إلى جانب اطلاع العالم الإسلامي على النشاطات العلمية والثقافية اليومية التي تقوم بها الدار، فهي مرآة صافية لخدمات دار العلوم وجهادها العلمي والفكري الإصلاحي وكفاح علماءها المجاهدين ضد القوي المعادية للإسلام في كل زمان ومكان5

أهداف المجلة:

وأما أهداف المجلة فنجدها هي بنفسها تتحدث عن أهم أهدافها دائما على ظهر كل عدد ها، و هى كما يلي:

إيقاظ الوعي الإسلامي في قلوب المسلمين

المشاركة في آلام الأمة الإسلامية وأحلامها

إحاطة المسلمين العرب بما يعيشه المسلمون العجم من القضايا والمشكلات

الاهتمام بتوسيع رقعة اللغة العربية في هذه الديار خصوصا وفي العالم عموما

نشر الدعوة والثقافة الإسلامية نقية من الشوائب

العمل على تصحيح صلة المسلمين بالله تعالى والعودة بهم إلى الكتاب والسنة وتجنيبهم الخرافات والأوهام

العمل على تأهيل الشباب المسلم لمواجهة التحدي الحضاري الحديث بجميع شئونه وسمومه وفنونه ومكره ونفاقه وجنونه

إثبات أن الإسلام رسالة الله الخالدة الباقية التي تصلح لكل زمان ومكان بما يحمله من مقومات الحياة المتجددة ومن الشمول والمرونة والنعومة

التعبير عن الفكر الإسلامي الأصيل المتوارث عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان

تجنيب الشباب المسلم الإفراط والتفريط في فهم الدىن وتطبيقه6

وحينما نقرأ هذه المجلة نجدها تركز على خدمة الدعوة والثقافة والفكر الإسلامي. وتدعو على الاحتفاظ بالتراث الإسلامي وتخبر الشباب المسلم عن الإهانات والافتراءات الموجهة ضد الإسلام وتقدم المفاهيم الصحيحة عليها، كما تهتم بإيقاظ الوعي الإسلامي في قلوب المسلمين وتثبيت العقيدة الصحيحة وتبصيرهم بالقيم الدينية ومزايا الشريعة الإسلامية. وهذا بالإضافة إلى أن المجلة ترتكز على نشر العديد من المقالات التي تهم المسلمين دينيا وعلميا وفكريا وسياسيا ًكما تساهم في نشر وتطوير اللغة العربية بالهند. وتلعب دورا مهما في اطلاع العرب على مشاكل إخوانهم المسلمين في الهند.

بسبب مقالاتها المتعددة في مختلف الموضوعات ودفاعها عن الإسلام ومناهضتها للفكر المعادي للإسلام وبأسلوبها الجيد نالت مجلة الداعيقبولا وترحابا وتقديرا وإعجابا في الأوساط المثقفة في البلاد العربية وغيرها على السواء. والفضل يرجع في كل هذا إلى فضيلة الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي ومساهمته الكبيرة في إثراء المجلة حيث أنه رزق لها مديرا منذ أول يومها، وكتب في موضوعات مختلفة من العلم والأدب والسياسة والفكر الإسلامي وقدم لنا نموذجا حيا للأدب العربي. وهو بحق أدى أمانة الصحافة الإسلامية كاملة.وفي فترة ما بعده حذا حذوه الأستاذ بدر الحسن القاسمي مدير تحريرها السابق والأديب البارع نور عالم خليل الأميني مدير تحريرها الحاضر. وأديا واجبهما خير أداء وسلكا سلوك الأستاذ وحيد الزمان الكيرانوي في تنمية الذوق الأدبي للجيل الناشي وإيقاظ الوعي الإسلامي في قلوب المسلمين7.

دراسة تحليلية للأعمال الأدبية المنشورة في مجلةالداعي“:

إن مجلة الداعيركزت اهتمامها منذ أول يومها على رفع مستواها من خلال نشر المقالات العلمية والأدبية وإبلاغ الأفكار الإسلامية والدراسات العلمية والعربية عن طريقها، وتمتع قراءها بانتاجات الكتاب والمفكرين وأدباء العرب ومقالاتهم المتنوعة التي غذت عقول قراءها في الهند وخارجها فلا يسع القول بأن هذه المجلة كانت على مستوى بسيط موضوعا وأدبا و فكرا، وإنما نجد فرقا واضحا في الشكل والمضمون، فنراها اليوم تطبع بجودة الورق والطباعة ولاتزال تصدر بظهرها الأنيق فقد أضيفت فيها عمود وزوايا إضافية مهمة لتتضمن فيها أكثر ما يمكن من مقالات علمية وأدبية ودينية واجتماعية وسياسية فنجد اليوم نحو خمس عشرة مقالة أو أكثر في كل عدد لهذه المجلة يساهم فيها ولا يزال يساهم كبار العلماء والكتاب والأدباء والمترجمين والصحفيين بنتاجهم العلمي وحصادهم الفكري. والفضل فيه يعود إلى الأستاذ الأديب والصحافي الكبير نورعالم خليل الأميني، أستاذ الأدب العربي، وهو من أبرز الصحفيين الهنود، وله شخصية ممتازة شهيرة في مجالات اللغة والأدب والصحافة، ويعتبر صاحب أسلوب أدبي علمي ويمتاز بالروعة والفصاحة والجمال، فله ممارسة جيدة وتجربة واسعة في هذالمجال.

وقد اتخذ مجلة الداعيالشهرية مسرحا لنشاطاته الصحفية: فكتب ولا يزاليكتب مقالات قيمة في شتى الموضوعات المهمة وجعلها منصة قوية للكتاب والصحفيين الآخرين لنشر الانتاجات العلمية والأدبية باللغة العربية، ولذلك إنه وزّع مجلةالداعيعلى عشر زوايا وهي:

١كلمة المحرر ٢كلمة العدد ٣الفكر الإسلامي ٤دراسات إسلامية ٥الأدب الإسلامي ٦إلى رحمة الله ٧العالم الإسلامي ٨محليات ٩أبناء الجامعة ١٠إشراقةٌ8.

يتضح لنا من هذه الزوايا أن هذه المجلة تتناول كل موضوع من مواضيع السياسة و الحضارة و الأخلاق والدين و الدعوة و الرسالة و العقيدة و الفكر و العلم والثقافة والأدب والتاريخ إضافة إلى تقديم الأنباء والأخبار العالمية والمحلية كما تؤدى دورا يذكر في سبيل توسيع رقعة نشر اللغة العربية في الهند و تقديم مواد دسمة مؤثرة في كل موضوع على بسط للقارئ و دارسي اللغة العربية كما تشهد عليها بعض أهم مقالات فيما يلي:

رسائل الحياة لن تجلب راحة القلب 9

المطلوب اليوم: أن نرتب بيننا10

سنة الإبتلاء الشيخ عبدالعزير السدحان ـ الرياض11

الإسلام في اليابان الدكتور محمد بن سعد الشويعر12

اللغة العربية بحرزاخر الدكتور عبدالعزير الخويطر13

مدى تأثير الإسلام في اللغة العربية للأستاذ الكبير أنور الجندي المصري14

المفكر والكاتب الإسلامي العصامي الأستاذ أنور الجندي المصري رحمة الله عليه، وافته المنية٢٩/ يناير ٢٠٠٢م 15

خصائص المجلة: و من خصائص هذه المجلة الهادفة أنها لا تعكف على نشر الأخبار والأنباء والبحوث والمقالات فحسب بل تنشر النماذج الفنية الرائعة في معظم عددها من أصناف الأدب العربي من الشعر والقصة والرواية و المسرح، كما يحتوي على الأخبار عن الأدب الإسلامي، فقد ظهر أكثر عدد لها بتغذية القارئ من حيث دراسة الأدب الإسلامي بكونه مدرسة أدبية ثابتة مع النماذج الفنية الرائعة و تعريفه بالأدب العربي و حقائقه و أصنافه و جماله الرائع، فنجد مقالات أدبية قيمة كتبها الكتاب الكبار والأدباء البارعون في المجلة و قدموا لنا مثالا رائعا لتنمية الذوق الأدبي لقرائها بأسلوب براق يجذب القارئ إليه، فتدل عليها مقالات أمثالها:وشباب الشعر العربي في العصر العباسي16 واللغة العربية بحر زاخر17 ولغتنا العربية والعالمية18 وبين الروايات والقصص والوقائع المأسوية في الحياة19 وماإلى ذالك.

إن هذه المقالات هي مقالات ذات فوائد جمة تحمل بين طياتها أسرار اللغة العربية و صفاتها و فضائلها ، و تقدم هذه مشكلات وصعوبات يواجهها الطلاب في تعلم اللغة العربية و دراستها و تضع أمامهم حلها حلا صحيحا، وإن دلت هذه كلها على شيئ فإنما تدل على اتساع رقعة اللغة العربية في شبه القارة الهندية.

و قد ظلت المجلة رائدة في استقطاب مجموعة من الأدباء و الكتاب العرب الذين أثروها بالإسهامات الناجعة و أسهموا في إثراء المجلة مساهمة مؤفرة وكما أن لهم الفضل و الزيادة في الكتابة الإسلامية و الأدبية خاصة الصحيفة.ومن هؤلاء :

الكاتب الإسلامي وأديب العربية معالي الدكتورعبد العزيز عبد الله الخويطر وزير الدولة و عضو مجلس الوزراء السعودي ، معالي الشيخ عبد العزيز عبد الله السالم الأمين العام لمجلس الوزراء السعودي، الشاعر الإسلامي الدكتور عبد الرحمن بن صالح العشماوي، الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ أنور الجندي المصري، الأستاذ الدكتورحسن محمد باجودة، الأستاذ أشرف شعبان أبو أحمد/ جمهورية مصر العربية، الأستاذ محمد الشرقاوي، الدكتور الحسيني أبو فرحة أستاذ ورئيس قسم التفسير بجامعة الأزهر/مصر، الشيخ عبد الله مبروك النجار الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جمهورية مصر العربية، الأستاذ صلاح عبد الستار محمد الشهاوي جمهورية مصر العربية، نبيل سليم الإسكندرية/ مصر، و غيرهم الكثير.

لا أبالغ في القول أن مجلة الداعيمجموعة علم جم و أدب بارع و معرفة واسعة و معلومات مسهبة عن قضايا الأمة الإسلامية والاجتماع،وإشعاع إسلامي ساطع صاف،هدفه النفع، و غايته الفائدة، و وعاه الإيمان العميق، و فحواه خدمة الإسلام و نشر اللغة العربية.

قد أشاد اهتمام المجلة بنشر المقالات القيمة وتقديم أداء واجباتها و مسؤولياتها بكل صدق و صراحة العديد من قراء الدول العربية منهم على سبيل المثال قاسم يوسف الشيخ (نادي الإصلاح، البحرين، الخليج العربي) فهو يقول :

“…سعدنا بمطالعة بعض أعداد جريدتكم الإسلامية الغراء ، و لمسنا فيها الروح الإسلامية و الفكر الإيماني النير، و سعدنا أكثر عندما تعرفنا على صفحاتها لفضيلة الشيخ محمد طيب رئيس الجامعة الإسلامية بديوبند و لغيره من الشخصيات الدعاة و من لهم مقالات قيمة.”20

ونسعد بذكرمقال موجزبعنوانالداعي مجلة تستحق أن تقرأمركز سطره في التعريف بمجلة الداعييراع الكاتب الإسلامي أديب العربية الغيورمعالي الدكتورعبد العزيز عبد الله الخويطر/ حفظه الله ورعاه، والذي نشرته الشقيقة المجلة العربيةإحدى المجلات العربية الأدبية من الطراز الأول الصادرة بالرياض، في عددها ٥٤، جمادى الأخرى ١٤٢٢ هـ،الموافق ستمبر ٢٠٠١م. فهويكتب :

وإذا وضعنا الداعيوغيرها من الجرائد و المجلات التي تصدر في الهند و غيرها، بجنب المجلات والجرائد الصادرة في العالم العربي وغيره من ديارالعجم المتقدمة، وجدنا الأولى – الصادرة في الهند – بسيطة جدا شكلا ومعنى، فيسوغ لقارئ متأنق أن يزهد فيها الزهد كله، و يرغب في الثانية – الصادرة في العالم العربي الرغبة كلها، لأنها غانية بحسنها وجمالها، ومفعمة بالرونق والبهاء،فهي تجذب القراء جذب المغناطيس للقطع الحديدية، فمجلاتنا الهندية مهما اعتنينا بها وركزنا على تحسينها مظهرا ومخبرا تبدو بجنب المجلات الصادرة في العالم العربي كأنها رقعة من المسح بجانب المخمل أوكأننا نقابل الشمس بالسراج “.

و في الجملة أن المجلة عمرها اليوم خسمة وعشرون عاما، وكل سنة من سنوات عمرها الذي نرجو أن يكون مديدا تزيد قوة وثباتا، ومع كل عدد في كل شهر تزيد نضجا، وعمقا في التجربة، لأن من يقومون عليها حسن النية فيخدمون اللغة العربية والثقافة العربية في هذه البلاد و مواصلة سيرها على المنهج القويم والدرب المستقيم دون مبالاة بقلة الوسائل، وكثرة العوائق والمحيطات، مجتهدة طاقتها أن تكون مثلا أعلى في تعميم رقعة اللغة العربية والتعبيرعن آلام الأمتين العربية والإسلامية والتواصل بينهما وعرض القضايا الإسلامية من وجهة النظرالإسلامية الصلبة الثابتة المعضدة بالأصول الإسلامية وتعاليم الكتاب والسنة دون تطرف أوانحراف إلى اليمين أواليسار.

مراجع البحث:

1. الصحافة العربية في الهند ونشأتها وتطورها، الدكتور أيوب تاج الدين الندوي، ص: 82

2 80:لسليم الرحمن خان، صالصحافة الإسلامية في الهند تاريخها وتطورها.

3.الصحافة العربية في الهند ونشأتها وتطورها لدكتور أيوب تاج الدين الندوي، ص: 84

4.مساهمة دار العلوم بديوبند في الأدب العربي للأستاذ الدكتور زبير أحمد الفاروقي، ص: 64

5.مساهمة دار العلوم بديوبند في الأدب العربي للأستاذ الدكتور زبير أحمد الفاروقي، ص: 70

6. مجلة الداعي، ج 17، العدد1، 1993.

7. مجلة الداعي، العدد الخاص، مارس وابريل، ص: 1980م

8مجلة الداعي، ج 62، العدد 1، مارس وابريل، 2002م ص: 29.

9. مجلة الداعي، ج 21، العدد 7، 1997م، ص: 4

10. مجة الداعي، 27، العدد، 3 ، 2003م ص: 5

11. مجة الداعي، ج 19، العدد 2-3، 1995م، ص: 30

12. مجة الداعي، ج 19، العدد 5، 1995م، ص: 30 

13. مجة الداعي، ج18، العدد 5، 1994م، ص: 36

14. مجة الداعي، ج23، العدد1، 1999م، ص: 25

15. مجة الداعي، ج2، العدد19، 1987م، ص: 48

16. مجة الداعي، ج33، العدد8، 2009م، ص: 33

17. مجة الداعي، ج18، العدد5، 1994م، ص: 36

18. مجة الداعي، ج 26، العدد 2، 2002م، ص: 47

19. مجة الداعي، ج 22، العدد 3، 1998م، ص: 32

20. مجة الداعي، ج 2، العدد 19، 1987م، ص: 48

** الباحث في الدكتوراة، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند

رحلة بهاء طاهر من الحداثة إلى مابعد الحداثة في ضوء رواياته:المنظور الفلسفي
محمد جيلاني*

الروائي بهاء طاهر أديب مصري  من جيل الستينات من مواليد سنة 1935م ولا يزال على قيد الحياة. أعماله تتراوح بين القصص القصيرة والروايات والكتب العلمية. صدر له عدد كبير من القصص القصيرة من بينها عديد من مجموعاتها من أمثال “الخطوبة” و”بالأمس حلمت بك” و”أنا الملك جئت” و” لم أكن أعرف أن الطواويس تطير” نالت قبولا واسعا بين القراء والناقدين. صدرت له ست روايات فازت عدة منها بالصيت الواسع. تم ترجمة العديد من أعماله في اللغات العالمية الأخرى.  و ترجم أربع من رواياته  إلى اللغة الإنجليزية. حاز على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1998م، وجائزة “جوزيبي أكيربي” الإيطالية لروايته “خالتي صفية والدير وجائزة الزياتور الإيطالية  لروايته ” الحب في المنفى” وفي سنة 2008م سعت إليه بوكر العربية لروايته “واحة الغروب”.[1] بهاء طاهر يعرف بكونه ناشطا سياسيا من أيام تعليمه إلى يومنا هذا. قام بتأسيس حركة ” كفاية”  سنة 2004م ضد حكم حسني مبارك وشارك في المظاهرات ضد حكم الرئيس  حسني مبارك.[2]

أعماله:

كان ملتاعا بالقراءة والكتابة القصصية من مبكر عمره وكتب كثيرا من القصص كثرتها غير منشورة لبالغ اهتمامه في الكتابة الجادة وبما يليق بالنشر منها. على الرغم من ذالك نجد عديدا من قصصه القصيرة والروايات نشرت على مر السنوات، والتي نالت قبولا واسعا بين القراء في بلاده وبين الأجانب وفازت بالاهتمام البالغ والتقدير الأدبي بين المثقفين والفنانين. فكتب كثير من الأدباء والناقدين مقالات عن قصصه ورواياته. أخرجت عديد من قصصه وإحدى رواياته كمسلسلات تلفزونية واكتسبت تقديرا مشجعا بين الناظرين. ترجمت جميع رواياته في عديد من اللغات الأوروبية وكذالك بعض قصصه القصيرة.

نشر له: الخطوبة عام 1972م، بالأمس حلمت بك 1984م، أنا الملك جئت 1985م (قصص قصيرة)، قالت ضحى 1985م، شرق النخيل 1985م، خالتي صفية والدير 1991م، الحب في المنفى 1995م (رواية)، ذهبت الى شلال 1998م(قصة قصيرة)، ونقطة النور 2001م، وواحة الغروب سنة 2006م (رواية). نال الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008م لروايته “واحة الغروب وتم ترجمتها إلى عدة لغات من البوسنية،الكرواتية،الفرنسية،الإنجليزية،الألمانية،اليونانية،الإندونيسية،الإيطالية،النرويجيةوالرومانية[3]. اختار مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية الروائي المصري بهاء طاهر رئيسا شرفيا لدورته الأولى التي تقام في سبتمبر في مدينة الأقصر الجنوبية[4] .

وصدرت له الأعمال: فاصل غريب- ترجمة لمسرحية يوجين أونيل 1970م، البرامج الثقافية في الاذاعة-  دراسة نظرية 1975م، مسرحيات مصرية: عرض ونقد 1985م، أبناء رفاعة: الثقاقة والحرية دراسة 1993م، ساحر الصحراء وهوترجمة لباولوكويلهو1996م.[5]

المبحث:

حاولت في هذا المقال تحليل السمات الحداثية ومابعد الحداثية في روايات بهاء طاهر من الوجهة الفلسفية. الحداثية الفلسفية تقوم لمركزية الذاتية الإنسانية كما هو عند هيغل والذي يدعو إلى تحرير العقل الإنساني بوصفه كائنا يصلح للهداية والتقدم، أوإلى العقلانية الليبينيزية التي تعتبر العقل الإنساني مرجعا ووسيلة وحيدة للوصول إلى العلم الحق، ومن ثم إلى تحرير البيئة السياسية والاجتماعية وإعطاءه الحقوق الطبيعية من الحرية والديموقراطية كما هو عند روسو.[6] فنجد مركزية العقل الانساني كمحور جذري للحداثة  إذا ما تحدثنا عنها على المستوى الفلسفي. وذلك يقتضي توجيه المحاولات الإنسانية تجاه كل ما يبرره العقل وإلغاء ماعدا ذلك. فكذلك الحال للأدب الحداثي، فإنه يبتني على العقلانية والإيمان بها، فالمواقف والاتجاهات في الأدب الحداثي تكون واضحة، وتصاوير الحقائق غير معقدة. فربما يكون الأدب الحداثي واقعيا بمفهومها الواقعية السياسية والاجتماعية العقلانية. فيحاول الأديب فيه إلى تقديم الحل في المآزق والمواقف المعقدة من خلال الحلول التي تبتني على العقلانية أو مستمدة من العقل المحض. وأما ما بعد الحداثة الفلسفية فهي نقيض الحداثة، وسوف أقدم بشرحها فيما بعد.

إن البيئة التي شب فيها بهاء طاهر كانت بيئة هبت العواصف فيها ضد الملوكية مخترقة سبيلها إلى الديمقراطية ومن الآلام إلى الآمال ومن لاسبيل إلى سبيل. شارك في عديد من المظاهرات ضد الملوكية ثم من أجل فلسطين وهو في الثانوية. فتلتها ثورة  عام 1952م، ثم نزوة فنكبة- النكبة الكبرى ل1967م التي هزهزت التوجه إلى القدام وجعلت الشعب في مأزق فكري، لكن الهزيمة الجسمية حاولوا ألا تتطرق إلى الهزيمة الفكرية ولا زالو يعلقون آمالهم الفكرية في التوجه السوي في المستقبل إلى أن نفد صبرهم من الأحداث السلبية التي بدأت تتراكم من التسعينات إلى اليوم. ثم نجده يلج في عالم اللاوقوف والعقلانية المتناقضة التي لا تترك من الحقائق إلا الشك.

بهاء طاهر يبدو يمضي من كل هذه المراحل في رحلته الروائية. فإن بعضا من رواياته يمكن أن يطلق عليها أنها تتسم بسمات الحداثة وأخرى منها بسمات ما بعد الحداثة وبعض منها بسمات الوسطية بين الحداثة ومابعد الحداثة من وجهة فكرية بالتحديد. لم أحاول تقديم المقال من وجهة التقنيات الفنية المستخدمة في رواياته بل من وجهة  السلسلة الفكرية التي تبناها الروائي وسلك من مسالكه الفكرية، وذالك أيضا على المستوى الفلسفي.

فكما ذكرنا من قبل أنه “ليست الحداثة الأدبية وليدة الصدفة أوالتقليد، بقدر ما هي فعل حضاري تقوم على الإيمان الراسخ بالعقل والعقلانية والحرية والتقدم الاجتماعي، وكذالك الإيمان بالفردانية والاختلاف، مشكّلا حاضرا جديدا على أنقاض الماضي…من أجل مستقبل مرتقب أفضل وامتلاك الحاضر الذي هو أساس الحداثة وبالتالي المستقبل.”[7]

 فأولى روايتيه ’شرق النحيل‘[8] و’قالت ضحى‘[9] تبدو خطابا عاما وتحضيضا عقليا إلى وجهة مستقبلية ذات طريق واضح المعالم على غرار العقلية الحداثية. البيئة فيهما بيئة الأمل والعقل، الجهد والهدف، الثقة والثبات، الشعار والصدام، التحرك والتمرد، المحن والعز. البطل فيهما إيجابي على الرغم من الأحداث المنهكة والخانقة. تمثلان التزام المثقف تجاه الأهداف النبيلة التي كانت البيئة مدويا بصلصلاتها، تجاه المجتمع الذي يعيش فيه وتجاه الشعب الذي تصلهم أخوة الوطنية، كي يضطرب لآلامهم، يجهد لقيادهم إلى الأفكار السليمة والحلول السديدة مع النظريات والأفكار الجديدة التى يرى فيها مستقبلا بريقا للشعب عامة وللفئات المكبوتة خاصة. نجد في هاتين الروايتين أن الروائي لديه فكرة محددة وهدف مأمول. ومن تلك الوجهة الفكرية هو يدعو القراء إلى ما يعتقده من السبيل السوي والطريق الحق. الروائي فيهما ليس غموضا بل واضحا أشد الوضوح فيما أراد من رسم وتصوير، وتعليم وتثقيف، أو توجيه رسالة خاصة أو دعوة إلى التحرك. الشخصيات الإيجابية فيهما أحامس نشطاء لتغيير الواقع ولتحقيق المستقبل الأحسن من خلال القوة الإنسانية العقلانية. فهم من حاملين لواء الأفكار التي يؤمنون بها، متوجهين قداما لتحقيق المرامي والأهداف النبيلة. وكل هذا يجعل منهما أعمالا ذات سمات الحداثة فكرة. نجد فيهما بصمات أو سمات الحداثة المتأخرة إذا ما قارنناهما بنفس الحركة بالغرب كما يقول مصطفى عطية جمعة “فإن التأثر والنقل للتيارات الأجنبية لم يكن مواكبا لإزدهار هذه التيارات في الغرب، وإنما كان تاليا لها، عندما تنتهي وتنزوي في الأدب الغربي فإنها تنتعش وتصبح علامة على التطور في الأدب العربي”[10]. أما من سمات العمل الحداثي فيقول مصطفى عطية جمعة”فإن كثيرا من الروايات الحداثية عبرت عن منظور جزئي عن هموم الوطن، وآلام فئة أوطبقة، ومن ثم تبنت بعض الحلول والأفكار و روجت لمذهب فكري ما وانتصرت لقيم عديدة، وتمسكت بالوطن  وناقشت الهوية، وكانت هناك أحلاما عديدة حتى بعد هزيمة 1967م، فإن الروائيين  العرب عبروا عن مرارات الهزيمة ولكنهم تمسكوا بقناعاتهم الفكرية وجعلوا الملاذ في الوطن كاشفين العيوب إما بالرمز أو بالإشارة أو بالخطاب المباشرضمن بناءات سردية جديدة وبفضاءات نصية مبدعة وبلغة حافلة بالجديد من التراكيب وبلاغة السرد”[11]

الروائي في روايته ’شرق النخيل‘ يدعو إلى الوطنية والعروبة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحرية والمساواة. وبالتصوير الإيجابي المتسم بالحماس والنشاط يقوم بتحريض القراء وإغرائهم. كل من زملاء البطل في الجامعة يصبحون نشطاء للوطن وللفلسطين وللعروبة وللحرية. الأشخاص فيها يخرجون من غوايات الحب الذاتي إلى مغارات الحب الفكري، إلى حب المبادئ و إلى القيام لها صوتا وشوطا. سمير يتحمس للمظاهرات مع الطلبة في الجامعة بعد أن لم تمتد حماسته ماوراء النساء والتلهي في الأنغام. عصام الطالب الفلسطيني بالجامعة يقوم بتضحية نفسه لأجل وطنه. هذا يعمل لعقل سمير سوطا يوقظه من سباته من الجهل والهواية إلى القيام للوطن والعروبة حتى ولو كان الثمن حياته. ثم يلحق به آخرون من أصدقائه وينهرون بعيدا عنهم الحب الكذب وحياة الخدعة.

ورواية ’قالت ضحى‘ على غرار رواية ’شرق النخيل‘ تتسم بسمات الحداثة من الوجهة الفكرية الواضحة، والأهداف المحددة، والطرق البينة. قد قام الروائي بإثارة قضية الاقتصاد الاشتراكي والعروبة والوطنية بنبرة مؤيدة ويدعو إلى التمسك بما يعتبره من النظريات نبيلة الأهداف، وإلى إجهاد كل المحاولات تجاه تحقيق تلك الأهداف التي سوف يضمن للمجتمع العدل والازدهار، وإلى أن يقوم الناس لها بدون وهن وتقصير.

البطل فيه إيجابي. ولو أنه يمر بأزمة داخلية يفرض من أجلها على نفسه الانسحاب من النشاط السياسي إلا أنه يصحو من سهوته وغفلته وينشط للعدل ويتحمس ضد الفساد ويقوم بتقديم الإعانة لشخصية أخرى في الرواية سيد القناوي. القناوي رمز للإيجابية التي يدعو الروائي إليها، فهو مؤمن بتحقيق العدالة من خلال الاقتصاد الاشتراكي، ومؤمن بفكرة العروبة –مشروعين متميزين في عهد جمال عبد الناصر. يرتقي القناوي من وظيفة الساعي إلى أن يصبح ممثلا للعمال في النيابة. إنه يكافح ضد الفساد في النيابة، الفساد الذي سوف تفضي إلى تضعيف الوطن وتضعيف فكرة القومية والوطنية وإلى تضعيف المشروعات الاقتصادية التي يبتني عليها ازدهار الوطن وتقدم الشعب. يذهب سيد القناوي إلى اليمن كالمتطوع العسكري ليشارك في الحرب هنا على جانب الثوار ضد الملوكيين. الثوار كانوا من المؤمنين بحكم الشعب وبفكرة العروبة. فلما يرسل إليهم جمال عبد الناصر الإعانات العسكرية يقدم لها القناوي طواعيا. هناك يضيع أحد رجليه من أجل الفكرة التي يؤمن بها وهي العروبة. القناوي يقوم بالحماس والنشاط ضد الأعداء الداخلية للوطن من القائمين بالفساد وضد أعداء العروبة والمشروع الناصري.

ويمكن أن نقول أن روايتيه ’الحب في المنفى‘[12] و’نقطة النور‘[13] كانتا من زمن المفرق أو المعبر ويعني ذالك الامتداد الفكري بين الحداثة ومابعد الحداثة أو بأسهل التعبير فترة الانتقال من الحداثة إلى مابعد الحداثة. فإن جذور الحداثة ضربتها العواصف القلاعة الناشئة من هزيمة 1967م. إلا أنها بقيت منغرسة على الأراضي الفكرية للمثقفين  عل الرياح المبشرة تهب من جديد فتنزل بماءها إلى جذورها فتصحو من جديد. ولكن العواصف لا تبدو تهن وتقاحمت الجذور  مرات على فترات حتى بدت تذبل إلى ممزقات مشتتة مبعثرة نجد  فيها خلقا فكريا جديدا ما يسمونه بما بعد الحداثة.

إن هاتين الروايتين تمثلان النفسية المزيجة من الألم والأمن، والهبوط والصعود، من الرجاء والقنوط، فنجد الأشخاص فيهما يصحون فيغشون على فترات، يبذلون الجهود مرة فيقنطون منها مرة أخرى. يحاولون ويفشلون فيبحثون عن شيئ يعلقون به في الحالتين. فقد يحاولون إلى اختراق الطريق إلى الآمال ثم ينكمشون إلى الحب الذاتي في رواية ’الحب في المنفى‘. نرى الشخصيات فيها مأخوذين بالقنوطية بتة ولكن لايكادون ينسحبون من آمالهم كاملا. نرى في هذه الرواية التشكيك في الوجهة الفكرية وفي المواقف المتعلقة بالأيدولوجيات. نجد فيها الاسترجاع الداخلي تجاه المواقف التي كانوا يقومون له صلبا ويكافحون له حياة في وقت ما حتى تبدو مواقفهم وقد مستها الريبة والوهن. البطل وزميله إبراهيم وبريجيت وألبرت كلهم كانوا من المتحمسين لأفكارهم، جاهدين إلى أهدافهم، مذعنين بمايقومون له إذعانا باتا في وقت ما. كان البطل من الناصريين،وكان من الصحفيين البارزين وكان متحمسا للمشروعات الناصرية من الاقتصاد الاشتراكي وتقسيم الأراضي، والعدالة الاجتماعية. ولكن الأوضاع تتغير، فتتغير أفكارهم ومواقفهم وإيقانهم. كلهم يحاولون أن يجدوا في الحب ملاذا أو فرارا من الهزيمات الخارجية، ويتخذ بعضهم من العبث شغلا. يحاولون جمع الأشلاء المشتتة ليجدوا أنفسهم مرة أخرى في نفس المطاف من اليأس والقنوطية واللا يقين. يضعف إيمانهم بتغيير المجتمع ويرون إلى مواقفهم نوعا من المثالية التي ليس لها على أرضية الواقع من سبيل.

كذالك البطل في نقطة النور، على الرغم من الظلام السائد والأوضاع المتردية المتقهقرة يوما بعد يوم لا يزال يعلق آماله في نقطة ينبثق منه النور. الشيخ الروحاني أبو خطوة يبدو يلعب دور المحرك المثالي، وحفيد البطل سليم يبدو ممثلا النقطة التي أصبحت الآمال مرتكنة إليها. البطل يموت في بيته ولا يستيقن أن النور لما يأت. البيت القديم الذي لازمه البطل وينكر الخروج منه حتى بعد الزلزال الذي داهمه وهدم بعضا من الأجزاء المرممة حديثا يمثل الوضع الفكري، كما أناستعداده للموت فيه يمثل علقته الشديدة بما كا يؤمن به من المبادئ الفكرية. سليم يمثل الفكرة المبتكرة التي لا تبدوا تتشكل شكلا ذا معالم واضحة. وفي هلوسته مثَل للفكرة القادمة الجديدة التي يعتقده كائنا قيد التشكل إلا أنه يجده غير واضحة غير محددة.

نهائيا نرى في رواية ’واحة الغروب‘ غروب الآمال، غروب العقلية الجديدة والولوج في عالم الغموض واللاوقوف.

نجد في هذه الرواية سمات ما يعبرونه بما بعد الحداثة، على قول مصطفى عطية جمعة “ومن ثم في علوم السياسة وعلوم الاجتماع وهي تعود إلى حركة الشك العميق التي انتابت الباحثين في العالم. وهي حركة شاملة تضرب في البديهيات المسلمة الفكرية وقد أسفرت عن عدم يقين كلي ورغبة في صياغة نظريات جديدة أكثر قدر على قراءة نص العالم المعقد.”[14] “يحاول خطاب مما بعد الحداثة إلى إيجاد قيم بديلة من مبادئ التنوير والعقلانية والتقدم الاجتماعي لإعلان تهاوي الحضارة العقلانية التي نادى بها عصر التنوير، معبرا عنها بأفكار وحركات راديكالية متعددة في الأدب والفن و الثقافة والعلوم الإنسانية ومؤكدا على مفاهيم التعددية والاختلاف وتنامي الهويات القومية”[15]

ويقول عبد العزيز بن عرفة عن ما بعد الحداثة ” وفي الحقيقة فإن ما يشغل تفكير رواد مابعد الحداثة هو وضع حد لوعي الإنسان الذي يجعل من نفسه مركزا للكون، أي إن فكر الإنسان هو مركز الكون ومنبعه، ولا وجود للأشياء في الكون إلا ولها ارتباط بالعقل البشري، وإن الإنسان هوالذي يحدد هويته ويعطي للأشياء معنى ودلالة، بمقتضى قانون سنة العقل. وبهذا فإن الذات الإنسانية تختزل في الوعي، وإن الميتافيزيقية تختزل الذات في الوعي.

فهي(ما بعدالحداثة) فلسفة ترفض المرجعية الفكرية وتحاول إثبات أن النظم الفلسفية العقلانية تحتوي على تناقضات أساسية لا يمكن تجاوزها، لأنها طريقة لا تسطيع تنظيم الواقع، وإنما هي ((علامة)) على عدم وجود حقيقة، بل مجرد مجموعة من الحقائق المتناثرة لأن كل الحقائق نسبية، ولا يكون هناك قيم من أي نوع. ومن هنا فإن ما بعد الحداثة الفلسفية تهدف إلى تقويض ظاهرة الإنسان عن طريق هدم المركزية اللوغوسية(العقلانية الأوربية)، ومن ثم زرع الشك في الذات الفلسفية العقلانية والتقدم الاجتماعي والعلمي والتقني الذي أنتجه عصر التنوير.”[16]

في روايته الأخيرة ’واحة الغروب‘[17] التي نالت احتفالا واسعا واهتماما بالغا، نرى بهاء طاهر يغوص أعماقا بقلمه متخذا من سمات ملغزة مدخلا إلى خلايا الحوادث دخولا متباينا وإيحاءا متسايرا متشابكا، مع تمزيج متداخل يتراكم فيه الماضي والحاضر. تتحاور فيه الأسطورة مع التاريخ والتاريخ مع الأسطورة، يتحارب الإنسان البسيط الداخلي مع الإنسان المتكيف المتغير المتعقد الخارجي، يتعقب الإنسانَ الضبابي الماضي الإنسانُ الحاضر الذي يركب غابات الماضي و يمرش من خلاله بحثاعن وجوده الذي يتعلق به ويحيا له، يقاتل له فيقتل أويقتل.

ينفذ ببصره إلى أعماق التاريخ فيجده أسطورة، ويسير بين العالم اللغزي الأسطوري فيجده تاريخا. فماذا لو يرى إلى الإنسان نفسه فيجده أسطورة، ووجوده لغزة ، وعقلانيته سرابا، وحياته خدعة، وحقيقته هزوا، وسليمه شريرا وشره أسلم. فماذا لو يرى تفلسفاته موكبا للهيمنة،وسياسته مآبا للسفسطة، مرصادا للمصرعة، ، وتاريخه متاهة للمفسده.

بهاء طاهر يبدو في روايته هذه أغمض إيحاءا وألطف منهجا، و أدق مطلبا،  وأعمق نفسيا وأقرب إلى الإنسان طبيعة وسلوكا. لا يضع الإنسان وسط الجدلية الخطية، بل نجده يجعل منه محورا للجدليه الكروية التي ليس الإنسان فيه بين سلوك وآخر بل له سلوك متثني، ومتعانق ومتفارق، يدور سلوك الإنسان فيه من وجهة إلى أخرى ما لا تلائم الجدلية الخطية أي الجدلية الثنائية. نجد روايته هذه تسأل أكثر من أن تجيب، تثير أكثر من أن تهدأ وتتركنا في مدوار فكرية نخرج منها متضادين حسا وفهما.

ما نرى في هذه الرواية هو ضياع العقلانية المحددة منها إلى الوجودية المعقدة التي لا يمكن للإنسان أن يتخذا موقفا ما.[18] أو كما يقول محمد أنقار: الفن المعاصر يلزم أن يكون تجريديا مركبا إلى حد التعقيد ليضاهي بذالك تعقيد الحياة المعاصرة ذاتها ويبتعد عن كل واقعية بسيطة لا بد أن تكون- في نظر عديدين- فجة. وحينما يتحقق المطلوب النادر  ونعثر على رواية من هذ القبيل غير الحداثي ونشعر كأن مؤلفها يسبح ضد تيار الفن المعاصر بإيقاعاته المتصارعة وتركيباته اللامنسجمة أو تشييئية الجافة التي لا تلامس شغاف القلب بل تترك العقل يتوه حائرا. وتلك واحدة من غايات ما بعد الحداثة.[19]

البطل محمود عبد الظاهر في الرواية شخصية معقدة لم يتخذ لا في الحياة الظاهرة موقفا واضحا ولا في النفسية الداخلية. فهو دائم التقلبات في المواقف والنفسيات. لا يجد في نفسه شجاعة ليقوم بمادئه الثورية العرابية بل يفضل الحياة المخدوعة ولا يصل أبدا إلى أي من الموقفين كان سديدا. قد يحب الثورة ثم يؤثر الحياة، ثم يمضي حياته كأنه لا تعني له ويتمنى لموته. ولما يأت الموت أمام عينها يتقهقر خلفا ويؤثر الحياة مرة أخرى، فهو لا يموت ولا يحي. فحياته أصلح أو مماته أفضل لا يكاد ذالك يبين له أبدا. هو وجود محمود حي أو ميت لا دراية له. ونهائيا فإنه يقتل نفسه في المعبد، فهل يقتل حياة أو فكرة لا نجد منه أي وضوح.يبدو كأن موته يماثل تقويض الظاهرة الانسانية التي تتمركز حوله فلسفة مابعد الحداثة.

وكذالك أتى بهاء طاهر بالتحليل الإنساني من خلال الأسطورة الإسكندرة تحليلا لا يرتكن لها إلى مركزية الذاتية الإنسانية كما هو عند هيغل والذي يدعو إلى تحرير العقل الإنساني بوصفه كائنا يصلح للهداية والتقدم، أوإلى العقلانية الليبينيزية التي تعتبر العقل الإنساني مرجعا ووسيلة وحيدة للوصول إلى العلم الحق، ومن ثم إلى تحرير البيئة السياسية والاجتماعية وإعطاءه الحقوق الطبيعية من الحرية والديموقراطية كما هو عند روسو.[20]

وتصوير الإسكندر في الرواية لا يختلف كثيرا من تصوير البطل فيها. صور الروائي تصوير الإسكندر من خلال الأسطورة وينفذ بها إلى أعماق نفسية الإسكندر المتقلبة التي لا تكاد تستريح أبدا. يعمل أعمالا متناقضة، ويتحذ مواقف متباينة في الحياة. يجد اللذة في إراقة الدماء ثم يلوذ بالإلياذة والشعر والموسيقي. هو يقهر الناس بالسيف والقوة ثم يألفهم بالمودة والزواج. هو يقوم بقتل الناس قتلا مبيدا ثم ينهض لتحقيق الأمن والسلام. هويقتل أقرب أصدقاءه وأصحابه ومحبيه من أدنى ريبة، وأبسط إثارة ثم يبكي لهم أياما لا يفارق أجسادهم الميتة حتى ينسى الأكل والشرب ويكاد يقتل نفسه أسفا. يحي حياة مليئة بالملذات والملاهي والنشاطات كأنه يود حياة مؤبدة ثم يحاول الانتحار مرارا كأنه لم يكن في قلبه حب الحياة أبدا.

نجد هنا بهاء طاهر يلج إلى العالم الأسطوري الذي تبرأت الحداثة منها منذ ظهور عصر ما يسمونه بعصر التنوير. فهو محاولة النفوذ إلى ماوراء العقلنة الحديثة وغوص في الميتافيزيقية القديمة في البحث عن أجوبة لأسئلة تقصر أمامها العقلنة الحديثة. ولكنه نهائيا يخرج من العالم حائرة خائبة متشككا في الذات وفي العقل. لا تنجلي لديه أسباب تقلبات في حياة الإسكندر، ولا يجد لديه تفسيرا ما لسلوكه في الحياة كما أن الإسكندر نفسه ينكر تعقل سلوكه في الحياة. والحال كذا لشخصية البطل محمود عبد الظاهر لا يكاد يجد تفسيرا مقنعا لسلوكاته وتقلباته في الحياة. فهذه السمات من اللاوقوفية، والتعددية في السلوك، وعدم الارتكان إلى العقلية المحضة تضاهي اللاوقوفية المابعد الحداثية.وهذا ما يمكن أن نقول عن الرواية أنها تتسم بسمات ما بعد الحداثة الفلسفية.

خلاصة البحث:

إذا ما تعمقنا في روايات بهاء طاهر وحللناه من المنظور الفلسفي وجدنا أن رواياته التي نشرها منذ 1985م إلى 2006م يتغير الإطار الفلسفي فيها مع التغييرات في المناخ السياسي والاقتصادي حوله تغيرا من الإطار الحداثي إلى ما بعد الحداثي. وذالك من خلال السرد الإيجابي الواضح مع نبرات الإيقان والإيمان بالمركزية العقلية الإنسانية ومن ثم بالعقلانية الحديثةالتي تكون النداءات فيها واضحة والأفكار محددة، الرسالات مؤكدة والنبرات راسخة والأهداف مأمولة في رواياته الأولى من ’شرق النحيل، إلى ’الحب في المنفي،. ثم نرى انقلابا في سرده وتصويره، مواقفه ونبراته، رسالاته وأفكاره من الإيجابي إلى التشكيكي، من الواضح إلى المشبوه، من المحدود إلى المغموض، من الوقوف إلى اللاوقوف ومن العقلنة إلى اللاعقلنة في روايته ’واحة الغروب‘ التي تم نشرها أولا سنة 2006م، معلنا بولوجه في عالم الإطار الفلسفي مابعد الحداثي.

مراجع البحث:

[1]قاسم، سامح، بهاء طاهر.. الطفل الذي يطاردنا”بوابة نيوز، 13/01/2016  لمزيد المتابعة : http://www.albawabhnews.com/1715816 حسب الاتصال في 4 يوليو 2017م، البوابة نيوز – المركز العربي للدراسات السياسية، 57ش.مصدق، الدقي، الجيزة, الجيزة ،مصر

[2]Sabre s.r.o.,Baha Taher: Of Hope and Rememberance, for more details: http://www.pwf.cz/archivy/texts/articles/bahaa-taher-of-hope-and-remembrance_3109.html

[3]Clee, Nicholas, Arab Literature Goes International, Book Brunch,

http://www.bookbrunch.co.uk/page/free-article/arab-literature-goes-international/

[4]سكاي نيوز عربية، اختار مهرجان الأقصر للسينما المصرية والأوروبية الروائي المصري بهاء طاهر رئيسا شرفيا لدورته الأولى التي تقام في سبتمبر في مدينة الأقصر الجنوبية، 5 يونيو 2012، العنوان الالكتروني حسب آخر الاتصال من يونيو 29، 2017، http://www.skynewsarabia.com/web/article/25459

[5]قاسم، سامح، بهاء طاهر.. الطفل الذي يطاردنا”بوابة نيوز، 13/01/2016  لمزيد المتابعة : http://www.albawabhnews.com/1715816 حسب الاتصال في 4 يوليو 2017م، البوابة نيوز – المركز العربي للدراسات السياسية، 57ش.مصدق، الدقي، الجيزة, الجيزة ،مصر

[6]الحيدري، إبراهيم، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، ص 60-61-287، الطبعة الأولى 2012م، دار الساقي، بيروت، لبنان

[7]الحيدري، إبراهيم، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، ص 317-318 ، الطبعة الأولى 2012م، دار الساقي، بيروت، لبنان

[8]طاهر،بهاء،شرقالنخيل،  (الطبعةالأولى1985م) دارالشروق،القاهرة، 2010م (الطبعةالثالثة)

[9]طاهر،بهاء،قالتضحى،  (الطبعةالأولى1985م) دارالشروق،القاهرة، 2009م

[10]جمعة، مصطفى عطية، مابعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة: الذات- الهوية- الوطن، ص 11

[11]نفس المصدر، ص 12

[12]طاهر، بهاء، الحب في المنفى (الطبعة الأولى، 1995م) دار الشروق، القاهرة، 2010م (الطبعة الثالثة)

[13]طاهر، بهاء، نقطة النور ( الطبعة الأولى، 2000م) دار الشروق، القاهرة، 2009م

[14]جمعة، مصطفى عطية، مابعد الحداثة في الرواية العربية الجديدة: الذات- الهوية- الوطن، ص 22

[15]الحيدري، إبراهيم، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، ص 390 ، الطبعة الأولى 2012م، دار الساقي، بيروت، لبنان

[16]الحيدري، إبراهيم، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، ص 369، الطبعة الأولى 2012م، دار الساقي، بيروت، لبنان

[17] طاهر، بهاء، واحة الغروب، طبعة: دارالشروق، 2007

[18]Cahoone, Lawrence, From Modernism to Post-modernism- An Anthology, p 10, Blackwell Publishing,2003

[19]أنقار، محمد، ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية “نقطة النور” لبهاء طاهر، ص 9، الانتشار العربي، بيروت، لبنان، 2008

[20]الحيدري، إبراهيم، النقد بين الحداثة وما بعد الحداثة، ص 60-61-287، الطبعة الأولى 2012م، دار الساقي، بيروت، لبنان

الصحافة العربية في الھند
*محمد ريحان القاسمي

الاستطلاع غريزة إنسانية جبل عليها الإنسان،وطبيعة ثانية له فطر عليها بعد المأكل والمشرب،والمسكن والملبس،ولذا توجدهذه الغزيرة لدى الطفل حينما يشعر ويدرك ما حوله،وإن الطفل جبل على الفطرة، كانت تستخدم الحواس الخمس في العهد القديم في وسائل الاستطلاع ، وبالتدريج توصل الإنسان إلى وسائل إعلامية جديدة وترقت العلوم والتكنولوجيا ولاتزال  تترقى يوماً فيوماً حتى صار جميع محيط الأرض فى قبضةٍ واحدةٍ فيطلع إنسان اليوم على أخبار أقاصى البلاد في بضع ثوانٍ،

أما الصحافة فهي فى معناها الواسع أهم وسيلة للاطلاع فيناسب أن نلخص معناها اللغوي والاصطلاحي، فالصحافة بكسر الصاد ماخوذة من الصحف (ص ح ف) وجاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم عدة مرات: “إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى” (الأعلى19) فمعناها اللغوي الكتاب، والرسالة (1) ويقول صاحب أساس البلاغة: هي قطعة من جلد أو قرطاس يكتب فيه (2)

أما معناها الاصطلاحي” فهي جمع الأخبار والأنباء ونشرها وإذاعتها في وقت معين وهذا الوقت يمكن أن يكون ليوم أو أسبوع أونصف أسبوع أو شهر نصف شهر أو سنة أو نصف سنة. ومن أنواع الصحافة الصحف والجرائد والمجلات وكذلك تعتبر الأخبار التي تبث عن طريق المذياع أوالتلفاز(3) ويهمنا في هذا البحث الموجز الصحافة المكتوبة التي صدرت في صورة المجلات والجرائد في اللغة العربية في الهند.

فالصحافة العربية تطورت في الهند في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وإن كانت اللغة العربية سائدة في جو البلاد إلا أنها اقتصرت في المدارس والكتاتيب ،وكتب التفسير والحديث والفقة وما يتعلق بها، فقد نبغ في ربوع الهند عباقرة العلماء والمحدثين والفقهاء الذين كانوا يملكون فصاحة اللغة العربية وبلاغتها بأحسن روعة وجمال، مثل الشيخ علي بن حسام الدين المتقى (885-975ه) صاحب كنز العمال، والشيخ محمد بن طاهر الفتني صاحب مجمع بحار الأنوار، والشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي المعروف بالمجدد للألف الثاني (971هـ – 1034هـ) والشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي (958هـ – 1052هـ) والشيخ الإمام الشاه ولي الله الدهلوي (1114 – 1176هـ) صاحب حجة الله البالغة، والشيخ عبد العزيز بن الشاه ولى الله الدهلوى (1159 – 1239هـ) صاحب “فتح العزيز” و “تحفه إثنا عشرية” والشيخ إسحاق المحدث الدهلوى والشاه عبد الغنى المجددى (1235 – 1296هـ) والشيخ الإمام محمد قاسم النانوتوى (1248 – 1297هـ) والشيخ محمود الحسن الديوبندى (1268 – 1339هـ)، ومن إليهم من عباقرة العلماء وجهابذة المحدثين. فصرف هولاء العلماء تمام عنايتهم البالغة إلى كتاب الله وسنة رسوله لأنهم ينظرون إليها نظر التقديس والتكريم حيث نزل بها القرآن الكريم وفيها الأحاديث النبوية الشريعة ولذا لم يقدم أحد على إصدار مجلة باللغة العربية في الهند إلا بعد ظهور الصحافة الإنجليزية والفارسية والأردية وبعض اللغات المحلية الأخرى في الهند.

كما يقول الدكتور سليم الرحمن خان الندوي في هذا الصدد : “بما أن اللغة العربية لم تكن لغة التفاهم بالنسبة لأبناء البلاد ولم تكن لهم روابط ثقافية مباشرة بالبلاد العربية بالنسبة لأبناء البلاد بوعورة الطريق وبعد المسافة فإنها لذالك انحصرت في الأوساط العلمية فقط وكان يوجد فيها عدد قليل يقدرون على قراءة الكتابات العربية وفهمها دون القدرة على التعبير بها، وهكذا أصبحت اللغة العربية غير نشيطة في هذه البلاد “.(4)

بعد ما ظهرت الجرائد المطبوعة فى شتى لغات الهند قام بعض أولى العزم والحرص على العربية بإصدار جريدة باسم “النفع العظيم لأهل هذا الإقليم” وكانت هذه أول بادرة للصحافة العربية الإسلامية (5) وخلفت آثاراً بعيدة المدى فى أبناء هذا البلاد والذين كان لهم إلمام باللغة العربية، حيث تكشف لهم مجال التدريب والتنسيق وتتجدد صلتهم باللغة العربية.

صدر أول عدد لها فى 17 أكتوبر عام 1871م، وتولى مسئولية تحريرها الشيخ المولوى مقرب علي وأشرف عليها جى. دبليو. لايثير مدير التسجيل بجامعة بجانب.

كانت هذه الجريدة تحتوى فى بداية أمرها على ثمانى صفحات. ثم ازداد عدد قراءها فأضيفت صفحتان فأصبحت عشرة. وكانت تطبع على الحجر فى المطبعة البنجابية فى لاهور. وكانت تنشر فيها مواضيع دينية وأدبية واجتماعية، وكانت تعير اهتماماً بالغاً للمواضيع التعليمية والاجتماعية كما أنها حالفت مبدئياً فكرة السير سيد أحمد خان ونشرت دائماً كلمات مؤيدة له. وقد لعبت فعلاً فى إنجاح حركة السير سيد أحمد خان.

استمر صدور الجريدة بدون انقطاع إلى ما بعد وفاة صاحب المطبعة المنشى محمد عظيم الذى كان والد الشيخ مقرب علي صاحب الجريدة. وتوفى عام 1885، غير أنه لم تطل مدة صدورها عقب وفاته. ونظراً لاختلال شؤونها المطبعية فقد لجأ أصحابها إلى توقيفها. (6)

تعتبر جريدة “النفع العظيم لأهل هذا الإقليم” من أهم الجرائد العربية فى الصحافة الهندية قديماً. حيث قامت بخدمات واسعة فى نشر تعليم اللغة العربية. والتعريف بالأدب العربي الحديث والأدب الغربي. كما اطلعت مسلمى الهند على أخبار العرب السياسية والثقافية والاجتماعية فى الوقت الذى كانت أو كادت الهند منقطعة فيه تماماًعن البلاد العربية وكانت على مستوى عالٍ فى الطباعة والإخراج الفني بالنظر إلى مستوى الطباعة والصحافة فى ذلك العصر. كما كانت تتسم بالأسلوب الجيد وعرض الموضوع وتحليله بطريقة علمية. وقامت بدور هام فى تطوير الصحافة العربية فى الهند. والتى تطورت بسرعة فائقة حيث نجد اليوم عددا ضخماً من المجلات والجرائد العربية فى شبه القارة الهندية لا يقل عن الصحافة العربية فى البلاد العربية من حيث أهمية المقالات التى تنشر والأسلوب الأدبي الصحفى والإخراج الفنّي فكانت جريدة “النفع العظيم لأهل هذا الإقليم” بمثابة اللبنة الأولى التى قامت عليها وارتفعت الصحافة العربية بالهند.(7)

شفاء الصدور:

ذكر الدكتور أيوب الندوي : أنه “لم يجد جريدة عربية بعد هذه الجريدة فى الهند إلا بعد فترة طويلة لا تقل عن عشرين عاماً” (8) وقال بعضهم: مجلة البيان هى ثانى دورية عربية فى تاريخ الصحافة العربية فى الهند. فعندما توقفت جريدة “النفع العظيم لأهل هذا الإقليم” عن الصدور مضت فترة تقارب عشرين عاماً لم تكن فى الهند أي دورة عربية حتى صدرت مجلة “البيان” فى 20 ذى الحجة سنة 1319هـ الموافق مارس عام 1902م”. (9)

والحال أن مجلة “ثقافة الهند” الصادرة من نيو دلهى ذكرت فى عددها الأول من سنة 2009 ص 77-78  مجلة شهرية باسم “شفاء الصدور” التى صدر عددها الأول فى عام 1857م واستمر صدورها حتى عام 1877م، وكانت هذه الجريدة جريدة علمية أدبية أصدرتها كلية العلوم الشرقية بمدينة لاهور، وكانت تطبع فى مطبعة “انجمن بنجاب” بلاهور، وتولى مسؤولية تحريرها الشيخ العلامة فيض الحسن السهارنفورى الذى كان من نوابغ اللغة العربية وآدابها فى الهند خلال القرن التاسع عشر الميلادى.

وكان من أكبر اهتمام هذه الجريدة ومسؤوليتها نشر تعليم اللغة العربية فى طلاب الكلية الشرقية بلاهور خاصة وفى طلاب الدراسات العربية فى كل مكان عامة. ولذلك كانت تهتم الجريدة بشرح فنون الأدب العربي نثراً وشعراً. ولم يكن فيها المواضيع السياسية إلا قليل. أما المواضيع الاجتماعية والشؤون الدينية والأدبية فحدث عن البحر ولا حرج. إن هذه المجلة خلّفت الوعى السياسي لدى الطلاب، والمعرفة الطيبة بالأحوال الاجتماعية السائدة. والجدير بالذكر هنا أن سياسة هذه الجريدة تجاه السير سيد أحمد خان وحركته التعليمية لم تكن موافقة و مؤيدة له، وذلك لأن الشيخ فيض الحسن السهارن فورى لم يكن يؤيد فكرة السير سيد أحمد خان بسبب آراءه الشاذة فى تفسير القرآن الكريم. (10)

مجلة “البيان” :

بعد هذه الجرائد صغيرة الحجم ازدهرت مجلة مهمة فى تاريخ الصحافة العربية بالهند باسم “البيان” كانت المجلة فى حداثة عمرها شهرية ثم لفتت عنايات القراء والكتاب فأصبحت نصف شهرية، صدرت فى 20/ من ذى الحجة سنة 1309/ مارس 1902م ونالت شهرة كبيرة فى الهند وخارجها. أنشأها الشيخ الاستاذ عبد الله العمادى الذى كان من كبار العلماء والكتاب والمترجمين فى الهند. وله مؤلفات قيمة عديدة فى مختلف العلوم والفنون. قد جعلها صحيفة علمية سياسية أخبارية تاريخية. يشرف عليها الشيخ الفاضل عبد العلى المدراسى. وبعد مدة انفصل الشيخ العمادى عن رئاسة تحريرها وكذلك الشيخ المدراسى عن الإشراف عليها. وأشرف عليها المستشرق الألمانى الدكتور جوزيف هوروفنس أستاذ اللغات الشرقية فى كلية على جره الإسلامية. (11)

كانت تصدر المجلة باللغتين العربية والأردية وكانت تحتوى على 44 صفحة. وأول عمودها يحمل عنوان “هذا بيان للناس” وكان تتضمن محتوياتها تفسير بعض آيات من القرآن الكريم. وأخبار العالم الإسلامي والبحوث والتقريظ على الكتب المطبوعة حديثاً وسير وتراجم كبار الشخصيات الهندية.

استهدفت المجلة من خلالها اطلاع المسلمين العرب بما يعيشه المسلمون العجم. وتربية الأسلوب الرصين الخالى عن التكلف والزخرف كما يصرح الشيخ العمادى قائلاً “إن الخطة التى تسلكها “البيان” هى خدمة اللغة العربية وتوطيد دعائمها بالديار الهندية. وتحقيق الوفاق بها بين الهند والعرب. وقد صبغناها بصبغة علمية كما وشيناها بطراز من اللطائف العمومية فهذا يشحذ الذهن عن الكلال. وذلك يوضع الخاطر عن الملل. يذكر أنواع المكارم والنهى ويأمر بالإحسان والبر والتقوى وينهى عن الطغيان والشروالأذى “. (12)

ويكتب فى مكان آخر: “الغاية من إصدار هذه المجلة نشر اللغة العربية فى هذه الربوع وتقديم العلوم العربية فى بوتقة جديدة “. (13)

فيتضح من هذه المقتبسات أهداف المجلة التالية:

* نشر اللغة العربية فى الهند وتربية الذوق العربى فى الجيل الناشئ وتعريف أهل الهند بأساليب الإنشاء الحديثة السائرة فى البلاد العربية.

* تأدية وظيفة السفير والترجمان للمسلمين الهنود لدى إخوانهم فى البلاد العربية.

* تبادل الأخبار بين المسلمين الهنود والعرب.

* تقديم مقتطفات من الصحف العربية بين الفنية والأخرى على صدر صفحاتها لأهل الهند.

* تعريف أهل الهند بتحقيقات علمية جديدة تظهر فى مصر وغيرها.

وقد ساهم الكتاب البارزون والأدباء النابغون من الهند وخارجها فى نشرها ونتاجها بحصادهم الفكرى ونتاجهم العلمي من أشهرهم: عبد الله العمادى، ومحمد كامل آفندى الطرابلسى، والسيد جمال الدين الأفغانى، والشيخ محمد عبده، وشبلى نعمانى، والسيد سليمان الندوى، وعبد الرزاق المليح آبادى، وأنيسه اللبنانية، والسيد على الزينى، وعبد القوى الفانى، ومحمد سراج حسن.

ونالت المجلة إعجاب وتقدير كبار الشخصيات الهنود والعرب وأبدوا آراءهم القيمة بالكتابة إلى مدير المجلة. فها هى نبذة من بعض آرائهم:

كتبت جديرة “البوستة” فى عددها 444: “مجلة البيان تحث الإسلام والمسلمين على الفضائل ونبذ الرذائل. وهى أول جريدة ظهرت فى بلاد الهند باللغتين العربية والأردية نتمنى لها النجاح ولصاحبها التوفيق و الفلاح “. (14)

جاء فى عدد 883 من جريدة اللواء اليومية المصرية ما نصه: ” وقد عرفنا حضرة صاحب الجريدة بمسألة سيكون له شأن عظيم فى اتحاد العالم الإسلامى. وهى ترجمة أفكار الجرائد المصرية والسورية والتركية فيما يتعلق بالإسلام والمسلمين إلى اللغة الأردية”.(15)

وكتب العلامة شبلى النعمانى: “جريدة البيان الغراء التى هى أحسن جريدة علمية أخبارية سياسية اقتفت أثر الجرائد المصرية أدركت شأوها فى رشاقة العبارة، وانتقاء الألفاظ، ولطف المعنى وحسن السبك “. (16)

ومدحت جريدة “مرأة الغرب” الصادرة من نيويورك الولايات المتحدة الأمريكية مدير تحريرها “العمادى” ما نصه: “لمنشئها الأديب عبد الله آفندى العمادى من مشاهير كتاب العربية فى الهند. والمجلة علمية سياسية تاريخية، جامعة للفوائد العلمية والتاريخية “.(17)

وكتب أشرف علي التهانوى: “جريدة البيان التى شطر عنها بالعربى الفصيح وشطر بالأردى الفصيح، أجدها طامحة باللطائف العلمية والنوادر الأدبية، والتحقيقات اللغوية، والسياسيات المدنية، والغوامض الفلسفية، والأخبار الوطنية والخارجية “. (18)

مجلة الجامعة :

فى عام 1912 أثار البريطانيون الشريف حسين بن على حاكم الحجاز آنذلك على الخلافة العثمانية التركية، وحضه على أن يستقل بحكم البلاد ويتربععلى عرشها، فخودع الشريف وطمع فى الجاه ونسىالقيادة الإسلامية السمحة، ورفع صوته ضد الخلافة العثمانية، وتسبب ذلك أسر كبار المجاهدين ضد الاستعمار مثل الشيخ محمود الحسن الديوبندى والشيخ حسين أحمد المدنى ومن إليهم. فاضطرب مولانا أبوالكلام آزاد وتشوش فكره الحرّى، وكان آنذلك مسجوناً من قبل الإنكليز. وكان يعانى المعاسر و المحازن الأليمة، رغم ذلك عقد على أن يصدر مجلة عربية يوقظ الأمة العربية من غفلتها وتنبهها  من سباتها، ويوقفها حقيقة الحوادث والعواقب ويحفظها من الخسائر والمساوئ الفادحة ويخبرها من الدسائس والمكائد البريطانية التى تسببت ترك التضامن الإسلامى والإتحاد الأيمانى وتشتت شملهم فى الديار العربية وخارجها.

فأعد مولانا آزاد لهذه الخدمة الجليلة الصحافى النابغ والمجاهد الباسل الشيخ عبد الرزاق المليح آبادى وجعله رئيس تحرير المجلة وصار نفسه يشرف عليها وألحفها بجمعية الخلافة المركزية، فصدر أول عدد لها فى أبريل عام 1923م من مدينة كولكاتا. واستهدف مولانا آزاد بإصدار هذه المجلة إلى مساندة الخلافة العثمانية، ومعارضة سلطة الشريف حسين الذى كان حليفاً للحكومة البريطانية واتحاد جميع المسلمين بصفة خاصة وجميع الأمم الشرقية بوجه عام، والحصول على الحرية السياسية والفكرية، وتبادل الأفكار والآراء بين القادة والزعماء والمفكرين المسلمين المتواجدين فى أدنى الأرض وأقصاها. حتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً إذ اشتكى منه عضو اشتكى سائر الجسد بالسهر والحمى.

وإلى جانب ذلك كانت المجلة تستهدف إلى نشر اللغة العربية وتوطيد دعائمها فى الهند. وحقاً أنها قامت بدور عظيم فى هذا الصدد، بأن أحيى التراث العربي بنشر المقالات الدينية والثقافية.

بالرغم من ذلك لم يطل عمرها أكثر من عام واحد بالنظر إلى العوائق السياسية التى كانت أكبر سبب فى توقفها عن الصدور، والحكومة المستعمرة البريطانية أثارت حفيظة الشريف حسين ضد المجلة ومؤسسها فكان يخالفها من خلال مجلة حكومية “القبلة” ويسبها ويستهزئ بمؤسسها مولانا آزاد. يقول الشيخ عبد الرزاق المليح آبادى مدير مجلة “الجامعة”: “كانت مجلة “الجامعة”  مجلة ثورية تتسم بالجرأة والأسلوب النقدى اللاذع. لذلك كانت سبباً لهجوم كثير من المسلمين علي الشريف حسين بن علي مما أثار حميته ضد المجلة، ونسي منصبه وبدأ يسبها فى مجلته الحكومية “القبلة” التى كانت تتميز بقراءها المثقفين حيث كتب فيها مستهزئاً بابى الكلام آزاد “أبوالكلاب” وكانت لغته لغة ركيكة. وكنتُ قد سمعته يخطب فى مكة المكرمة ففهمت من أسلوبه أن الكلمات التى نشرت فى مجلة القبلة ضد “الجامعة” كان مما أملاه هو نفسه على كاتبه “. (19)

وتعتبر هذه المجلة مصدراً مهماً للمعلومات عن الأوضاع السياسية لذلك الوقت عام 1923-1924م فى الهند والعالم الإسلامى خاصة فى تركيا والحجاز. ومن ثم عرف الناس أن الشعب الهندى يتطلع إلى الاستقلال من الاستعمار الانكليزى. وعرفوا أن حركة الخلافة ظهرت فى بلاد الهند لتحريرها من المستعمرين ولإنشاء الخلافة الإسلامية من جديد. فهى بمثابة مصدر تاريخى وسياسي فى آن واحد.

وهكذا نالت مجلة الجامعة صيتاً واسعاً بين السياسيين الهنود والعرب فقد تأثر بمقالات المجلة ومنثوراتها عدد كبير من النفوس فى البلاد العربية والإسلامية. وهذا واضح من تلك الرسائل التى كانت تستلمها المجلة وتطبعها فى صفحاتها بين حين وآخر.

مجلة “الضياء” :

مجلة عربية شهرية كانت تصدر في كل منتصف الشهر برزت على منصة الصحافة العربية في شهر محرم الحرام عام 1351 ه الموافق مايو 1932م و تولى رئاسة تحريرها الأديب الرشيق الشيخ مسعود عالم الندوي 1910م 1954م، وكان الشيخ سيد سليمان الندوى والشيخ تقى الدين الهلالى المغربى يساعدانه بالإشراف عليها. وكان فى هيئة تحريرها الأدباء المطبوعون الشيخ أبوالحسن الحسنى الندوى، والشيخ محمد ناظم الندوى، وفى الحقيقة كانت المجلة ترجماناً لنشاطات ندوة العلماء كما كانت وسيلة وطيدة لبث الفكر الإسلامى والدعوة الدينية فى الهند وخارجها. وكانت تعتبر من أهم روافد وقنوات الإتصال بين مسلمى الهند والعالم الإسلامى.

والجدير بالذكر أن “الضياء” ظهرت فى زمن كان الأسلوب العربى يتسم بالزخارف والألفاظ المحسنة البديعة وتكلف العبارة وغوامضها. فنهضت الضياء تزيل هذه المنمقات وتعيد العربية فى أسلوبها الخالص الساذج الطاهر من التكلف والزخرف، وتمد لها الحيوية والنشاط والسهولة المفهمةللخواص والعوام على السواء، حتى بلغت ذروة الكمال وأفق الأدب السليم. فلذا تعد هذه المجلة نقطة انطلاق لتطور الصحافة العربية وازدهارها فى الهند حيث تصدر الآنحوالى خمسين دورية – صغيرة وكبيرة – باللغة العربية. والفضل فى كل ذلك يرجع إلى مجلة “الضياء”.

حظيت مجلة الضياء بعناية وقبول من الأوساط المتعلقة العرب والعجم. وأشادت بها شخصيات علمية بارزة كتبت عنها جريدة الصنعاء اللبنانية: “فى مدينة لكناؤ مجلة عربية اسمها “الضياء” ينشرها الاستاذ الفاضل السيد مسعود عالم الندوى مطبوعة على الحجر، تشتمل على البحوث الإسلامية وعلى كل ما هو مفيد، ولا يوجد فى الهند مجلة عربية سواها وهى أفصح لغة وأروع أسلوباً من أكثر الجرائد والمجلات التى تنشر فى الأقطار العربية “.(20)

وشيدتها مجلة شامية باسم “العرفان”: “دخلت مجلة الضياء الهندية فى سنتها الرابعة. وهى تحمل مشعل الضياء والهداية. ولولا طبعها الحجرى وهو غير مألوف اليوم لعددناها فى طليعة المجلات العربية الراقية “. (21)

وكان ممن يمدها بمقالاتهم القيمة العباقرة الأفاضل فى عصرهم مثل الشيخ سيد سليمان الندوى، وعبد الرحمان الكاشغرى، وتقى الدين الهلالى، ورئيس أحمد الجعفرى، ومحمد اسعاف النشاشى، والسيد على الزينى، والعلامة السيد عبد الحى الحسنى، وبدرالدين الصينى، والشيخ عبد السلام القدوائى، والشيخ أبوالحسن على الندوى، والشيخ محمد شبلى النعمانى، وأمين أحسن الإصلاحى، وأبوالليث الندوى والأمير شكيب أرسلان ومن إليهم. (22)

ومن المؤسف جداً أن نور” الضياء” انطفأ فى مدة قصيرة، بعد أربع سنوات من صدورها عام 1935م (23) إلا أنها تركت أثراً خالداً فى الأمة الإسلامية لايزال نورها متزايداً باهتمام أبناءها بخطوتها التى مهدت السبل ويسرت الطرق لهم. وبهذا افتتح العهد الجديد المتقدم للصحافة العربية الهندية الذى طلع فى فجر “النفع العظيم لأهل هذا الإقليم”. فظهرت بعدها عديد من المجلات العربية التى نالت القبول والشهرة فى أقاصى البلاد وأدانيها. ولم تخلف الحكومة الهندية المستقلة  فى تطويرها وتنميقها. فأسلط ضوءاً خاطفا على المجلات التى صدرت من قبل الحكومة الهندية .

مجلة ثقافة الهند:

بعد غياب مجلة “الضياء” لم تظهر أية مجلة عربية حتى بداية المنتصف الثانى من القرن العشرين. والسبب وراء ذلك عكوف الزعماء والقادة على جهود تحرير البلاد واستقلالها من براثن الاستعمار فعكفوا على المجهودات والمساعى التى تؤدى البلاد إلى الحرية والاستقلال. فلذا يعدّ هذا العصر عصر ازدهار ورقى للصحافة الأردية فى كافة أرجاء الهند عندما نالت البلاد حريتها عام 1947م وشكلت أول حكومة بها. وعين أبوالكلام آزاد وزير المعارف فى الحكومة. فأنشأ المولانا المجلس الهندى للروابط الثقافية وأصدر منها مجلة باسم “ثقافة الهند” بدلهى الجديدة، وصدر عددها الأول فى مارس عام 1950م. ولا تزال تصدر حتى يومنا هذا بدون انقطاع. وقام مولانا آزاد نفسه بالإشراف عليها. تولى رئاسة تحريرها الشيخ عبد الرزاق المليح آبادى. ثم تولى الرئاسة شمعون طيب علي لوكهندوالا من عام 1959م حتى عام 1971م وناب منابه الأستاذ الدكتور مقبول أحمد إلى عام 1984م. وخلفه الاستاذ الدكتور نثار أحمد الفاروقى إلى عام 1995م وبعد ذلك تولى إدارتها الأستاذ زبير أحمد الفاروقى. (24) وفى هذه الأيام يصدر هذه المجلة المجلس الهندى للعلاقات الثقافية بتعاون المركز الثقافى الهندى العربى بالجامعة الملية الأسلامية بنيو دلهى. ويقوم بتحريرها البروفيسر ذكر الرحمان مدير هذا المركز بكل جد ونشاط.

ركزت المجلة منذ حداثة سنها على نشر الحضارة الهندية قديمها وحديثها، ونشرت مقالات فى الأدب والسياسة والتاريخ والإجتماع. وانتقلت المواضيع العديدة من شتى اللغات كالإنكليزية والأردية والهندية والبنغالية وما إليها. ولا ريب أنها أحسن سفير بين الثقافة الهندية والعربية. وأوطد مصدر لدراسات الحضارات الهندية وثقافتها وآدابها ودياناتها لدى أبناء الضاد. فلذا حظيت بالقبول والتناول لدى الباحثين والأكادميين العرب.

وقد ساهم فى تحريرها عديد من الكتاب والباحثين أصالة ونيابة ونقلاً عنه مثل الشيخ سيد سليمان الندوى، والسيد عبد الحى الحسنى، والقاضى أطهر المباركفورى، ونسيم الدين الفريدى، ومحمد سليمان أشرف ومن أدباء غير العربية وى. ايس. اكروالا، وسوينتى كمار تشتارجى، و بشيشير براديب ومن إليهم.

مجلة صوت الشرق:

مجلة مصورة شهرية حكومية، صدر عددها الأول فى أكتوبر عام 1952م من مركز استعلامات سفارة الهند بالقاهرة، جمهورية مصر العربية، تحت إدارة خليل جرجس خليل. وتركز المجلة اهتمامها البالغ على توطيد العلاقات السياسية والاجتماعية بين الهند وجمهورية مصر العربية بوجه خاص والبلاد العربية بوجه عام. كما أنها تعرّف العرب بنشاطات الهند الأدبية، والفنون الجميلة، والتجارة والاقتصاد. وأكثر مقالاتها منقولة من الإنكليزية والهندية والأردية. وهى تعلّم أبناء العرب اللغة الهندية كما تنبئهم عن الأماكن السياحية والأكلات الهندية والمخترعات الحديثة من قبل الهنود. ومن المساهمين فى كتابتها الدكتور نجيب محفوظ الكاتب المصرى المعروف الذى نال جائزة نوبل فى الأدب عام 1988م. وأحمد حسن الزيات، والدكتور بطرس غالى، والدكتور عصمت عبد الحميد.(26)

ومن أهم العناوين التى نشرت فى المجلة على ما يلي:

“بين شقى الروح” لـدامو داران.

“جواهر لال نهرو رجل المبادئ والمواقف” للكتور بطرس غالى.

“الوضع الاقتصادى فى الهند” لوزير التجارة الهندى.

“مصر فى عيون هندية” للدكتور عصمت مهدى.

“مدارس بوابة الجنوب ” لسوبهادرا مينون

“أول عملية زراعة قلب فى الهند” لـ ن. س. جين

“الحصار” (قصة قصيرة)لبلبل شارما

“مفهوم القومية عند أبوالكلام آزاد” للدكتور أحمد القاضى

“هل يضحك الهنود” لـ س. م. مينون

“التأثيرات الجغرافية” همايون كبير

“الشركات الهندية تدخل الأسواق العالمية” لـ س. ك. جداوال

“روابط مصر والهند من أقدم العصور حتى اليوم”  لـ سردار باتيكار سفير الهند فى مصر.

“ديموقراطية الهند نموذج للعالم الثالث” لـ عماد جاد

“سياسة الهند الخارجية” لـ سلمان خورشيد.(27)

مجلة الهند: 

مجلة مصورة ثقافية قام بإصدارها السفارة الهندية بدمشق عام 1972م، مرة فى كل شهرين. تعتبر هذه المجلة مثل مجلة “صوت الشرق” مجلة سياسية اقتصادية صناعية تجارية وعلاقة موثوقة بين الهند وسوريا، وجلها فى شكل التصاوير والرسوم. تركز المجلة اهتمامها على نشر المقالات التى تدورحول التقدم التكنولوجى والتجارى فى الهند، كما أنها تنشر أدب الأفلام والسينيما والرياضة والسياحة. وفيها قسم خاص للأطفال الناشئين، وبرامج تعليم اللغة الهندية، ونشر الرسائل الموجهة إليها باسم “بريد القراء”. ولاتزال تصدر حتى يومنا هذا بنسق وانتظام منذ تأسيسها (28) . فلذا تناولتها أيدى العرب، وأشادت بها، ومدحت طباعتها وإخراجها الفنّى. يقول أحد قراءها العرب عبد العزيز اسماعيل: “رأيت بالصدفة أحد أعداد مجلتكم. فأثارت صورة الغلاف والعنوان فضولى حيث تناولتها ورحت أقلب صفحاتها وإذا بها بستان عنى بالأفكار القيمة حول عادات وتقاليد وتراث وأدب وعلوم وأعراف الهند. هذا البلد الصديق الذى تربطه بسورية روابط المحبة والإخلاص والوفاء.(29)

وإليكم بعض المواضيع المنشورة فى أعدادها المختلفة التى تشير إلى جدتها وابتكارها.

تطور العلاقات الهندية السورية،الأدوية والمستحضرات الطبية،الهند المحترفة،عروض تجارية من الهند،اليوغا،سلاما راجيف غاندى (شعر)ِ، رابندرنات طاغور، أشهر أدباء الهند، مساهمة الهند فى عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام،أرجون: الدبابةالهندية المصنوعة حالياً،لمحة عن الفن الهندى وجمالياته،وازوان:الكرم الكشميرى. (30)

مجلة آفاق الهند: 

مجلة شهرية علمية ثقافية مصوّرة حكومية أصدرتها وزارة الخارجية الهندية بعاصمتها نيودلهى عام 1988م. ثم بدأت تصدر باللغة العربية منذ عام 1992م. وأصدرت فى هذه الأيام  باللغات الإنجليزية والفرنسية، والأسبانية، والهندية، والبرتغالية، والروسية، والألمانية، والاندونيسية. وتوزعها وزارة الهند الخارجية على السفارات الهندية فى دول العالم المختلفة. وكان دليب سينغ أول مديرها. وجلمقالاتها مترجمة من اللغة الإنجليزية أو الهندية إلى العربية. تدور محتويات المجلة حول النواحى الاقتصادية والتجارية والسياحية والموسيقية، والسينماوية والرقصية مثل المجلات الحكومية الأخرى. وإليكم من بعض مواضيعها:

الرقص لمجد الهند.                          راجيف باتيا

الرحلة الفرسية فى راجستهان                بهارات بوشان

التقاليد الصوفية فى الهند                     براتات كهولار

لاتامانغيشكار – عندليب الهند               نخيل جاغيندرا غادكار

الطبخ المغولائى لذيذ المذاق               أرتشانا سينغ

دليب كمار – عملاق بين الممثلين        أو. بى. بهجت

ديباوالى: عيد الأنوار                        بوجا تاكور (31)

كما ذكرنا سابقا أن مجلة “الضياء” كانت أول مجلة زاهرة راقية فى أفق الصحافة العربية فى الهند، وأنها لم تمتدّ إلا حوالى أربع سنوات. وبعد غيابها لم يظهر فى منصة الصحافة أى مجلة حتى بداية المنتصف الثانى من القرن العشرين. وفى بدايته ظهر أول مجلة عربية رسمية باسم “ثقافة الهند” تحت إشراف وزير المعارف الهندية آنذاك مولانا أبوالكلام آزاد. فغرست هاتان المجلتان “الضياء” و “ثقافة الهند” فى قلوب الشعب الهندى الحب العميق والرغبة الشديدة تجاه اللغة العربية وآدابها، وانتبهت الأمة الإسلامية لتجديد البنية الصحافية فى الهند. فأقبل العلماء والأدباء على تطويرها وتزهيرها بكل معانى النسق والانصرام، فظهرت ولاتزال تظهر حتى يومنا هذا مجلات أدبية وجرائد علمية حتى بلغ عددها اليوم خمسين مجلة – صغيرها وكبيرها – وهذا العدد أكثر من بعض الدول العربية، ويرجع الفضل فى ذلك إلى الحكومة المستقلة المحررة وأكثر من ذلك إلى الأدباء والمخلصين النابهين.

فالمجلات الحكومية ذكرناها آنفا وسوف نقدم إليكمإن شاء الله المجلات التى صدرت من قبل المؤسسات والجمعيات الأهلية بدون المساعدة الحكومية وعددها أكثر ونطاقها أوسع وفضلها أتم.

مراجع البحث: 

(1)الصحافة الإسلامية في الهند تاريخها وتطورها. د.سليم الرحمن خان الندوي. ص:  14.

(2) أساس البلاغة :جارالله االزمخشري.ج 2 .

(3)الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي ص 58 .

(4) الصحافة الإسلامية في الهند تاريخها وتطورها. د.سليم الرحمن خان الندوي ص80 ط: المجمع الإسلامي العلمي، بلكناؤ .

(5)نفس المصدر ص 80 .

(6) نفس المصدر ص 82 نقلا عن تاريخ صحافت أردو.إمداد صابري.ج2 ص206 .

(7) الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي ص 85 -86 .

(8) نفس المصدر ص 86 .

(9) الصحافة الإسلامية في الهند تاريخها وتطورها. د.سليم الرحمن خان الندوي. ص 234 .

(10) مجلة ثقافة الهند. ج : 60 ، عدد :1، ص77-78 .

(11) “البيان” ، عدد شعبان،عام 1328هـ .

(12)مجلة البيان، عدد أبريل عام 1904م.نقلا عن الصحافة الإسلامية في الهند تاريخها وتطورها. د.سليم الرحمان خان الندوي ص236 .

(13) نفس المصدر عدد مارس عام 1902 م نقلا عن الصحافة الإسلامية في الهند تاريخها وتطورها. د.سليم الرحمن خان الندوي ص 236 .

(14)البيان عدد يونيو عام 1902م .

(15)البيان عدد أكتوبر عام 1902م .

(16) البيان عدد ديسمبر عام 1902.

(17) البيان عدد يناير عام 1903.

(18) البيان عدد فبراير عام 1903.

(19) ذكرآزاد،ص 299 الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي ص 106 .

(20) مجلة الضياء، ج 4 ، عدد 8 ، شعبان 1354هـ .

(21) مجلة الضياء، ج 4 ، عدد 8 ، شعبان 1354هـ .

(22) الصحافة الإسلامية في الهند تاريخها وتطورها. د.سليم الرحمن خان الندوي. ص:244 .

(23)برانى جراغ،أبوالحسن علي الندوي، ج 1 ،ص 321 .

(24) الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي ص 114.

(25) الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي ص 115.

(26)الأعداد المختلفة لمجلة “صوت الشرق”. نقلا عن د.أيوب تاج الدين الندوي ص152.

(27) الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي ص 152-153.

(28) الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي .

(29)مجلة الهند عدد14 أيلول،سيبتمبر 1995ص38 د.أيوب تاج الدين الندوي ص .174

(30) الصحافة العربية في الهند. د.أيوب تاج الدين الندوي ص174 .

(31) أعداد “آفاق الهند” نوفمبر 1995 فبراير، أبريل 1996م .

*الباحث في الدكتوراه، مركز الدراسات العربية والأفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند

محمد البشير الابراهيمي: حامل لواء الدفاع عن اللغة العربية
محب الدين إيمان*

إن العلماء هم سادة الناس وقادتهم الأجلّاء، وهم منارات الأرض، وورثة الأنبياء، ذلك أنهم تميزوا بالعلم الذي فضّل الله به الأنبياء واصطفاهم عن غيرهم، لأن العلم أجلُّ الفضائل، وأشرف المزايا، وأعزُّ ما يتحلى به الإنسان، فهو أساس الحضارة، ومصدر أمجاد الأمم، وعنوان سموها وتفوقها في الحياة، ورائدها إلى السعادة الأبدية، والعلماء بعد الأنبياء  كانوا هم حملته وخزنته. من أجل هذا جاءت الآيات والأخبار لتكريم العلم والعلماء، والإشادة بمقامهم الرفيع، وتوقيرهم لتحليهم بالعلم، وجهادهم في الحفاظ على ثوابت الأمم  وتعزيزها، ودأبهم على إصلاح المجتمع وإرشاده. قال الله تعالى : ﴿ شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.[1]

ومن العلماء من اجتمع فيهم شرف العلم، وشرف التصدي لمخططات الاستعمار والأعداء في طمس الثوابت الوطنية و اللغوية والدينية لبلدانهم، وجاهدوا المستعمر بكل ما أوتوا من علم وقوة وعزم. ويأتي الشيخ العلامة محمد البشير الابراهيمي في مقدمة هؤلاء العلماء الأفذاذ، الذين حملوا لواء الإصلاح و التغيير في مجتمعاتهم، ونبذوا أي مشروع تدميري أجنبي ، يهدد الحفاظ على ثقافة ولغة ودين أوطانهم .

إن فراسة وموهبة الشيخ محمد البشير الابراهيمي في التنبه للأخطار المحيطة ببلده وأمته ، مكّنته من تبوّأ مكانة مرموقة بين علماء عصره ، كيف لا وقد حرص رغم كل الصعاب على تنوير أفراد مجتمعه، والدفاع عن قيمهم ودينهم ولغتهم، من سطوة المستعمر الصليبي الذي فرض سيطرته على الجزائر بلد الشيخ البشير الابراهيمي منذ العام 1830م. وحتى نتعرف على جهود الشيخ الابراهيمي الجليلة في الحفاظ على أصالة وتراث الجزائر العلمي والديني ، و إسهاماته في  الدفاع عن اللغة العربية خاصة و الأدب العربي عامة، ومن هنا جاء بحثنا المعنون: محمد البشير الابراهيمي، جهوده في الدفاع عن اللغة العربية و إسهامه في أدبها.

إن مفتاح الدخول إلى معرفة حياة البشير الإبراهيمي وفهمها فهمًا حقيقيًا ليس الاطلاع على حياته فحسب، بل الاطلاع على الحقبة التاريخية في الجزائر في زمن البشير الإبراهيمي، والوقوف على مختلف أبعادها الدينية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وفهم تطور الوعي في المجتمع الجزائري الذي تطورت معه أساليب المقاومة والجهاد من أجل التحرير والاستقلال؛ لأن الذي لا يفهم طبيعة هذه المرحلة فهمًا دقيقًا لا يستطيع أن يفهم الدور الذي قام به البشير الإبراهيمي، ولأجل هذا فقد وضعت نبذة للحقبة التاريخية للجزائر زمن البشير الإبراهيمي، وكيف كانت الأوضاع في تلك الفترة. اتبعت في هذه المادة العلمية المتواضعة البحث التاريخي واستقراء الأحداث التاريخية ومعطياتها الفكرية والسياسية والثقافية خاصة، ووضعها وتحليلها، اذ اقتضت الدراسة تقسيمها الى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة، حيث كان لا بد في المبحث الأول أن نبدأ بنبذة قصيرة عن تاريخ الجزائر باعتبار أن الشيخ محمد البشير الابراهيمي، تأثر كثيرا بتاريخ الجزائر والاحتلال الفرنسي. ثم نتعرف على مراحل حياة الشيخ محمد البشير الابراهيمي، لنصل إلى جهوده في الدفاع عن اللغة العربية و إسهاماته في أدبها.

المبحث الأول: تاريخ الجزائر و الاحتلال الفرنسي

انطلاقا من نظرية الإنسان ابن بيئته وعصره، وكما قال أحمد طالب الابراهيمي: ” إن الحديث عن الابراهيمي هو حديث عن الجزائر: أصالة وحضارة وصموداً ونهضةً وتحرراً، فقد جسد الجزائرفي شخصيته : نشأة وتكوينا وإشعاعاً وقولاً وكتابةً وسلوكاً”.[2]

فلا شك أن مميزات هذه البيئة كان لها الدور البارز في تنشئة وتكوين شخصية وفكر الشيخ محمد البشير الابراهيمي،  كما أن البشير الابراهيمي  بذل نفسه وماله وقلمه خدمة للجزائر والجزائرين طيلة حياته ، فقلد عاش أغلب حياته والجزائر تحت ظلم الاحتلال الفرنسي منذ العام 1830م إلى العام 1962م . ولم ينعم بجزائر حرة مستقلة إلا ثلاث سنين فقط من عمره، هذا الاحتلال الذي أحكم سيطرته على الجزائر قرنا وربع القرن، انتهج خلال هذه المدة الطويلة كل أنواع الإقصاء و التهميش و التجهيل على أفراد الشعب الجزائري، حتى يهدم الجزائر الجزائرية ويقيم مكانها الجزائر الفرنسية.

الجزائر اسم لمدينة عظيمة على البحر الرومي، تعرف قبل مجيء العرب باسم أقسيوم ICOSIUM)). ولم تكن تطلق على وطن مترامي الأطراف إلا منذ العصر العثماني، حيث اتخذ العثمانيون هذه المدينة عاصمة للمملكة ذات حدود مقررة، فاشتق اسم هذا الوطن من اسم عاصمة دولته الجزائر.[3] الجزائر أو ما تسمّى اليوم رسميّاً “الجمهوريّةة الجزائريّة الديموقراطيّة الشعبيّة”، هي إحدى دول المغرب العربيّ وهي أكبر دولة إفريقيّة من حيث المساحة بمساحةة تقدر 2.381.741كم. تقع دولة الجزائر في الشمال الغربيّ لقارّة إفريقيا. تطلّ على البحر الأبيض المتوّسط شمالاً، ويحدّها من الشرق دولة تونس وليبيا، ومن الغرب تحدّها المغرب وموريتانيا، ومن الجنوب مالي و النيجر.  يسود الجزائر مناخ البحر الأبيض المتوسط في الشمال وهو مناخ رطب وممطر شتاء وجاف وحار صيفاً، أما في الجنوب فيسوده المناخ الصحراوي الجاف و الحار. الأمازيغ و الطوارق هم السكان الأصليين في الجزائر، وكباقي الدول العربية، عرف تاريخ الجزائر توافد مجموعات بشرية متنوعة منهم الإغريق و الرومان و الفينيقيين و الوندال و البيزنطيين، ولم يثبت أنه حدث اختلاط كبير بين هذه الشعوب و الأمازيغ، أما بعد الفتح الإسلامي فقد توافد العرب والأندلسيون و العثمانيون. اعتنق مجمل السكان الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية. ويقدر عدد سكان الجزائر اليوم ما يقارب الأربعين مليون نسمة. تتميز الجزائر بتنوع تضاريسها الطبيعية الخلابة، وتشكل الصحراء أربعة أخماس مساحتها، ويعد موقعها الجغرافي موقعا استيراتيجيا، لأنها تتوسط  دول المغرب العربي و تمثل جسرا طبيعيا إلى العالم العربي والإسلامي وبما أنها من دول البحر الأبيض المتوسط، فهي أيضا محور تبادل وتعاون مع القارة الأوربية ، فهي هكذا تاريخيا وجغرافيا  واقتصاديا أحد  أهم روافد الحضارة المتوسطية. في القرن السابع عشر كانت الدولة العثمانية قد ضمت الجزائر تحت سيادتها، عبر الأخوان بارباروس: خير الدين وعروج،  اللذان استنجدا بهما الجزائريون بعد المحاولات الاسبانية المتكررة في الهجوم على الاسطول البحري الجزائري، وهكذا جعلا الاخوان بارباروس، من سواحل البلاد الجزائرية، قاعدة لعملياتهم البحرية على الأساطيل المسيحية، بلغت هذه النشاطات ذروتها سنة 1600م، حتى أُطلق على مدينة الجزائر في ذلك الوقت اسم (دار الجهاد).[4]

الاحتلال الفرنسي للجزائر:  فرنسا، التي كانت تنوي احتلال الجزائر منذ عهد نابليون بونابرت، استعملت حادثة المروحة[5]، كذريعة لاحتلال للجزائر، هاجمت الجزائر بحملة بلغ قوامها 37600 جندياً،  في 14 يونيو 1830م، واستطاعت إحكام سيطرتها على كامل البلاد بعد انهيار المقاومة في العاصمة الجزائر.  لم تحتل فرنسا الجزائر بسهولة بل كانت هناك ثورات شعبية عديدة في كل إقليم وقفت في وجهها وقد عرقلت تقدم الاحتلال منذ دخوله. لقد كان الشعب الجزائري رافضا الاستعمار الفرنسي جملة و تفصيلا،  حيث واجهت فرنسا ثورات شعبية عديدة،  و ما كانت تخمد واحدة حتي تثور الأخرى إلى غاية القرن العشرين . ثم اندلعت  ثورة التحرير الجزائرية في عام 1954 م التي حررت الجزائر من  قرن و ربع القرن من الاستعمار  في الخامس من جويلية سنة 1962 م.

واقع الثقافة و التعليم في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي وقبله :

لقد كانت الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي عام 1830م، تشهد ازدهارا ثقافيا ونشاطا فكريا عبر كل مدنها في الشمال والجنوب، وما انتشار المدارس والمعاهد والزوايا في مختلف نواحي الجزائر خلال تلك الفترة،  إلا دليلاً على أن الحياة الفكرية والثقافية كانت بأفضل حال. وكان من نتائج هذا الانتشار الواسع لمراكز التربية والتعليم، أن أصبحت نسبة المتعلمين في الجزائر تفوق نسبة المتعلمين في فرنسا، فقد كتب الجنرال فالز سنة 1834م: “بأن كل العربب الجزائريين تقريًبا يعرفون القراءة والكتابة، حيث إن هناك مدرستين في كل قرية”[6]. أما الأستاذ ديميري، الذيي درس طويًلا الحياة الجزائرية في القرن التاسع عشر، فقد أشار إلى أنه قد كان في قسنطينة وحدها قبل الاحتلال، خمسةة وثلاثون مسجًدا كانت تستعمل كمراكز للتعليم، كما كان هناك سبع مدارس ابتدائية وثانوية، يحضرها بين ستمائة وتسعمائة طالب، ويدّرس فيها أساتذة محترمون لهم أجور عالية. وقد أحصيت المدارس في الجزائر سنة 1830م، بأكثر من ألفي مدرسة ما بين ابتدائية وثانوية وعالية. وكتب الرحالة الألماني فيلهلم شيمبرا حين زار الجزائر في شهرر ديسمبر 1831م، يقول: ” لقد بحثُت قصًدا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه،، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب”. وخير المثال ما شهد به الأعداء.  وقد برز في هذه الفترة في الجزائر، علماء في كثير من العلوم النقلية والعقلية، زخرت بمؤلفاتهم المكتبات العامة والخاصة في الجزائر، غير أن يد الاستعمار الغاشم عبثت بها سلًبا وحرًقا، في همجية لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيًلا.  يقول أحد الغربيين واصًفا ذلك: “إن الفرنسيين عندما فتحوا مدينة قسنطينة في شمالي أفريقيا، أحرقوا كل الكتب والمخطوطات التي وقعت في أيديهم، كأنهم من صميم الهمج.” يظهر مما ذكرنا، أنه كان للجزائر مكانها المرموق بين الدول في خدمة علوم العربية والإسلام، كما قدّمت للميدان أعلامًا من رجالها، حملوا الأمانة، وكانت تُشدُّ إليهم الرحال في طلب العلم. و من ثمرات الازدهار التعليمي والثقافي الذي كان قبل الاستعمار الفرنسي، أن أربعين بالمائـة (40%) مـن السـكان الذكور، كانوا يحسنون الكتابة والقراءة، و احتواء كل قبيلة وحي عصري على مدرسة.   أما بعد الاحتلال،  فقد انقلبت الموازين و تغيرت الأوضـاع ، إذ تـم انتهـاج سياسـة  تعليمية، تعتمد على التجهيل و الفرنسة والإدماج و التغريب. ونجـاح هـذه السياسـة: يكمن في العزل القسري الذي انتهجه الاستعمار، للمقومات الحضارية للتراث العربي الإسلامي في الجزائر وتغييـر الهوية الثقافية السائدة، ومن ثم على الجزائر أن تكون فرنسية في كل شـيء، وأن تنسـى  ذاكرتها و جسور اتصالها بالماضي دفعة واحدة و إلى الأبـد و في هذا السياق،  تم الاستيلاء على مراكز الثقافة العربية و الإسـلامية مـن مسـاجد و مدارس و زوايا، و تحويلها إلى مراكز للثقافة الفرنسية و للهيئـات التبشـيرية المسـيحية، أو إلى ثكنات و إسطبلات و متاجر، لأن هذه المراكز هي التي كانت تحتضن التعليم التقليـدي في الجزائر. إن هذا الهجوم الاستعماري الشرس على الثقافة العربية الإسلامية، كان ينبع من إدراك قادة الاحتلال الفرنسي، أن هذه الثقافة هي العائق الرئيس، الذي يمكن أن يقاوم ما كانت تسعى إليه من مسخ و تشويه، و من ثم وجب تجريد الشعب الجزائري منها،  فكانت القرارات و المراسيم التي تخرج بها دوائر القرار في الحكومة الفرنسية في هذا الصدد، تتهاطل بلا انقطـاع،  وما أكثر معلمي اللغة العربية، الذين حوكموا أو غرموا و سجنوا مع اللصوص و المجـرمين على حد سواء،  بحقد و كراهية كبيرين : (( فلقد شهدت المحاكم في الجزائر مناظر مخجلة يساق فيها معلمو اللغة العربية في موكب اللصوص و القتلة و المجرمين لمحاكمتهم على صعيد واحد، و قد تنال رحمة القضاة الفرنسيين بعض القتلة و اللصوص و لكن ما جربت يومـا أن  تنال معلم اللغة العربية أبدا))[7]. وعلى سبيل المثال ؛ فقد بلغ سنة 1948م وحدها ، عـدد  المعلمين الذين حوكموا بتهمة التعليم ” الحر ” ، حوالي ثلاثين معلما و مديرا. وسعيا أيضا إلى فرنسة الألسنة والعقول، تم إبعاد اللغـة العربيـة مـن الإدارة و فرضت اللغة الفرنسية كلغة لغة رسمية في جميع الميادين، و تم تشجيع استعمال اللغة العاميـة  في الكتابة و المدارس.

كل هذا من أجل تحطيم اللغة العربية، التي كانت بالنسبة للفرنسية بمثابة الصخرة الغيور،  والعدو الحقود اللدود، على حد تعبير الدكتور ” عبد المالـك  مرتاض. و لم يقف الأمر عند هذا الحد،  بل تم الاستيلاء حتى على المكتبات العمومية، ونهـب مخطوطاتها و كتبها وإحراقها، وهذا منذ أيام الأولى للاحتلال، مثل ما حدث لمكتبة ” الأميرعبد القادر ” ( 1807م-1883م)  الذي كان يقتفي آثار الجيش الفرنسي في الصحراء ، بأوراق  كتب مكتبته المبعثرة.  وفي مظهر آخر من مظاهر الظلم الذي تعرض إليه أبناء الجزائر ثقافيا، ذهب المستشرقون الفرنسيون في الاستهانة باللغة العربية إلى حد كتابتها للجزائريين بالحرف اللاتيني، بدعوى وصولها السريع إلى الأفهام، وإذا كتبوها بالحرف العربي فهي بعيدة عن العربية الأصيلة، إذ يبدو فيها الضعف وسوء التركيب واضحين، ناهيك عن الأخطاء التي تعمدوا إدراجها رغم معرفتهم الجيدة للغة العربية، وقسموا العربية بناء على ذلك إلى قسمين هما : اللغة الكلاسيكية، ويعنون بها الفصحى، واللغة الحديثة التي يعنون بها المستحدثة والمختلطة بالعامية. وهكذا لم تُبق يد الاستعمار الفرنسي الهمجية أي وسيلة أو أسلوب لطمس الشخصية الجزائرية العربية الاسلامية، بل اقتلاعها من جذورها من نفسية هذا الشعب المضطهد، حتى يصير الإنسان الجزائري لا يعرف أن يكون لا أمازيغيا ولا عربيا ولا مسلما ولا حتى فرنسيا، لا يبقى من مشاعر الإنسانية عنده، إلا الخضوع والانصياع لهذا المستعمر. لكن لله الحمد و المنة، قيض لهذا الشعب المضطهد، رجالا حملوا لواء الحرية و الجهاد، وعقدوا العزم على أن تحيا الجزائر.[8]

بهذا العرض المتواضع، تتضح لنا طبيعة الوسط الثقافي والفكري الذي تربى وترعرع في عصره الشيخ محمد البشير الابراهيمي، ويبقى أن نتعرف على شخصية الشيخ وأسرته ونشأته، ورحلاته، وشيوخه، ومكانته العلمية.

المبحث الثاني: محمد البشير الابراهيمي، حياته و آثاره.

 اسمه و نسبه هو: محمد البشير بن محمد السعدي بن عمر بن محمد السعدي بن عبد الله بن عمر الإبراهيمي. و(الإبراهيمي) نسبة إلى قبيلة عربية ذات أفخاذ وبطون تعرف بـ “أولاد إبراهيم”، وهي إحدى قبائل سبع متجاورة في سفوح الأطلس الأكبر الشمالية المتصلة بقمم جبال أوراس من الجهة الغربية، وكل ذلك واقع في مقاطعة قسنطينة من القطر الجزائري، ويرتفع نسب القبيلة إلى إدريس بن عبدالله الجذم الأول للأشراف الأدارسة، وإدريس هذا- يُعرف بإدريس الأكبر- هو الذي خلص إلى المغرب الأقصى بعد “وقعة فخ” بين العلويين والعباسيين، وإليه ترجع أنساب الأشراف الحسنيين في المغربين: الأقصى والأوسط.[9]

مولده ونشأته: ولد البشير الإبراهيمي عند طلوع الشمس من يوم الخميس، الرابع عشر من شوال، عام 1306هـ، الموافق للثالث عشر من يونيو 1889م، في دائرة سطيف، قبيلة “ريغة” الشهيرة بأولاد إبراهيم. أما نشأته: فقد نشأ على ما نشأ عليه أبناء البيوتات العلمية الريفية من طرائق الحياة التي تقوم في الغالب على البساطة في المعيشة، والطهارة في السلوك، والمتانة في الأخلاق، والاعتدال في الصحة البدنية. وما إن جاوز الثالثة من عمره حتى أخذ في تعلم الكتابة وحفظ القرآن الكريم، وكان الذي يعلمه ويلقنه جماعة من أقاربه من حُفَّاظ القرآن، وبإشراف عمه الشيخ محمد المكّي الإبراهيمي، عالم الإقليم بوطن “ريغة”، وكان من أبرز علماء الجزائر في ذلك الزمان، وكان متقنًا لعلوم اللسان العربي. تعلم البشير الإبراهيمي على يدي عمه الشيخ محمد المكي الإبراهيمي على الطريقة التقليدية الموروثة في ذلك الوقت، والتي كانت تتمثل في أن الأسر العلمية يأوي إليها المنقطعون لطلب العلم، وتتكفل الأسرة بإطعام الغرباء منهم مهما كان عددهم، ويقوم عالم الأسرة، أو علماؤها بتعليمهم دروسًا منظمة على ساعات اليوم. واستمر في التعلم على يدي عمه، فحفظ القرآن، وحفظ كثيرًا من المتون، ودرس كثيرًا من الكتب الشرعية واللغوية وسائر علوم الآلة إلى أن مات عمه -رحمه الله-.  لما بلغ البشير الإبراهيمي التاسعة من عمره أصيبت رجله اليسرى بمرض، وكان بعيدًا عن المشافي ومراكز التطبيب، فأصيب بعاهة العرج، ولكن تلك العاهة لم تعِقْه من تكميل مشروعه العلمي، فقد واصل في طلب العلم، وأنساه ما كان يُحصِّله عاهتَه.

زواجه وأولاده: تزوج في السن التاسعة والعشرين من عمره بدمشق من فتاة تونسية من أصل تركي كانت أسرتها قد خرجت من المدينة زمن خروج البشير الإبراهيمي وأسرته، وأنجب منها ولدًا ذكرًا لم يلبث أن مات، وقد أنجب في الجزائر بعدما عاد إليها أربعة أولاد: ابنان وبنتان، فالابنان أكبرهما محمد، وكان يعين والده على نفقات الأسرة، وهو الذي جمع آثار والده فجاءت في خمس مجلدات، سماها “آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي. عاش البشير الإبراهيمي في ظل الاحتلال الفرنسي الذي أحكم سيطرته على الجزائر منذ سنة 1830م،  لم يغادر منها إلا سنة 1962م،  بعد ثورة مسلحة دامت سبع سنوات ونصف،  أما ما عاشه  البشير الابراهيمي بعد الاحتلال فقد كانت فترة قصيرة، لم تزد عن ثلاث سنين، كانت فيها الجزائر في مرحلة انتقالية، لم يقم خلالها إلا بنشاطات محدودة بسبب تقدمه في السن، واعتلال صحته، ووضعه في الإقامة الجبرية إلى غاية وفاته في مايو 1965م.[10]

 تكوينه العلمي و الفكري : تربى البشير الإبراهيمي منذ نعومة أظفاره على العلم، ثم رحل من أجله في البلدان العربية، والتقى المفكرين والأدباء، وكان هذا دأبه حتى أصبح عالمًا مجتهدًا، وأديبًا بارعًا، وخطيبًا مصقعًا، وسياسيًا محنكًا، وموسوعةً في التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب. وهذا التحصيل مر بمراحل:

المرحلة الأولى: بعد أن بلغ الثالثة من عمره أخذ في تعلم الكتابة وحِفْظِ القرآن الكريم على جماعة من أقاربه من حفاظ القرآن، وبإشراف عمه الشيخ محمد المكّي الإبراهيمي عالم الإقليم وحامل لواء الفنون العربية من نحوها وصرفها واشتقاقها ولغتها.

المرحلة الثانية: لما بلغ البشير سبع سنين فرض عليه عمُّه برنامجًا صارمًا في التعليم، فكان لا يفارقه حتى في ساعات النوم، فهو من يأمره به، ويوقظه منه، وما إن وصل إلى التاسعة حتى حفظ القرآن الكريم كاملًا حفظًا متقنًا، وحفظ معه ألفية ابن مالك، وتلخيص المفتاح، وما بلغ الرابعة عشرة حتى حفظ أَلْفِيَتي العراقي: في الأثر والسير، ونظم الدول لابن الخطيب ومعظم رسائله المجموعة في كتابه: ريحانة الكُتَّاب، ومعظم رسائل فحول كُتَّاب الأندلس: كابن شهيد، وابن أبي الخصال، وأبي المطرف ابن أبي عميرة، ومعظم رسائل فحول كُتَّاب المشرق: كالصابي، والبديع، مع حفظ: المعلقات، والمفضليات، وشعر المتنبي كله، وكثير من شعر الرضي، وابن الرومي، وأبي تمام، والبحتري، وأبي نواس، كما استظهر كثيرًا من شعر الثلاثة: جرير، والأخطل، والفرزدق، وحفظ كثيرًا من كتب اللغة كاملة: كالإصلاح، والفصيح، ومن كتب الأدب: كالكامل، والبيان، وأدب الكاتب، وحفظ -في تلك السن- أسماء الرجال الذين ترجم لهم صاحب نفح الطيب، وأخبارهم، وكثيرًا من أشعارهم.  ولم يزل عمه يتدرّج به من كتاب إلى كتاب تلقينًا وحفظًا، ومدارسة للمتون والكتب التي حفظها، فكان يقرئه الدروس مع الطلاب، ويقرئه وحده، ويقرئه وهو يماشيه في المزارع، ويقرئه على ضوء الشمع، وعلى قنديل الزيت وفي الظلمة، حتى يغلبه النوم، ولم يكن شيء من ذلك يرهق ذلك الغلام، لأن اللّه تعالى وهبه حافظة خارقة، وقريحة نيّرة. ولما بلغ أربع عشرة سنة، مرض عمه مرض الموت، ومع ذلك كان لا يخليه من تلقين وإفادة وهو على فراش الموت، فختم الفصول الأخيرة من ألفية ابن مالك عليه. وهو على تلك الحالة. فلما مات عمه شرع في تدريس العلوم التي دَرَسَها على عمه، وأجازه بتدريسِها، وعمره أربع عشرة سنة، فجلس لتدريس زملائه الذين كانوا طلبة عند عمه، ثم جاء طلبة العلم من البلدان القريبة منه لأخذ العلم، والتزم والداه بإطعام الطلبة، والقيام عليهم كالعادة التي كانت في حياة عمه، وكان في بعض السنين يتنقل بين المدارس القريبة يُدرِّس فيها لسعتها، وتيسر السكنى بها، ودام على تلك الحال إلى أن جاوز العشرين من عمره، ثم جاءت رحلته إلى الشرق.[11]

المرحلة الثالثة: رحلته إلى الشرق: كان والد الشيخ البشير قد هاجر إلى المدينة المنورة سنة 1908م، واستقر بها فرارا من ظلم فرنسا، وأرسل إلى ولده يستحثه أن يلحق به، فتاقت نفس الولد إلى المدينة المنورة ، وما أن أتى أواخر سنة 1911م، إلا وتخلص الولد من الخناق الذي كان قد فُرض عليه من قبل الفرنسيين بعد هجرة أبيه، ولحق بوالده إلى هناك ، وكان عمره حينئذٍ قد جاوز العشرين. وفي طريقه إليها مر بالقاهرة، فأقام بها ثلاثة أشهر، والتقى فيها بزعماء النهضة الفكرية والأدبية، وأخذ عنهم بعض العلوم، ومن هؤلاء: الشيخ سليم البشري، والشيخ محمد بخيت، والشيخ رشيد رضا، كما زار أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وأسمعهما بعض أشعارهما. في أواخر سنة 1911م. بعد وصوله المدينة المنورة أخذ يطوف بالعلماء، فوجد الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، فأُعجِب بهما، فلازمهما ملازمة الظل. ويقول البشير الإبراهيمي عن هذين الشيخين: “ولم أجد علمًا صحيحًا إلا عند رجلين هما شيخاي: الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، فهما- والحق يقال- عالمان محققان، واسعا أفق الإدراك في علوم الحديث وفقه السنة، ولم أكن راغبًا إلا في الاستزادة من علم الحديث، رواية ودراية، ومن علم التفسير، فلازمتهما ملازمة الظلّ، وأخذت عن الأول الموطأ دراية، ثم أدهشني تحقيقه في بقية العلوم الإسلامية، فلازمت درسه في فقه مالك، ودرسه في التوضيح لابن هشام، ولازمت الثاني في درسه لصحيح مسلم، وأشهد أني لم أَرَ لهذين الشيخين نظيرًا من علماء الإسلام إلى الآن، وقد علا سني، واستحكمت التجربة، وتكاملت الملكة في بعض العلوم، ولقيت من المشايخ ما شاء الله أن ألقى، ولكنني لم أَرَ مثل الشيخين في: فصاحة التعبير، ودقة الملاحظة، والغوص عن المعاني، واستنارة الفكر، والتوضيح للغوامض، والتقريب للمعاني القصية. ولقد كنت لكثرة مطالعاتي لكتب التراجم والطبقات قد كوّنت صورة للعالم المبرز في العلوم الإسلامية، منتزعة مما يصف به كُتَّاب التراجم بعض مترجميهم، وكنت أعتقد أن تلك الصورة الذهنية لم تتحقق في الوجود الخارجي منذ أزمان، ولكنني وجدتها محقّقة في هذين العالمين الجليلين”[12]. ثم أخذ  علم الجرح والتعديل وأسماء الرجال وأنساب العرب وأدبهم الجاهلي والسيرة النبوية عن الشيخ محمد عبد الله زيدان الشنقيطي، وعلم المنطق عن الشيخ عبد الباقي الأفغاني. أما ما تبقى له من أوقات فكان يقضيها في إلقاء الدروس في العلوم التي لا يحتاج فيها إلى مزيد كالنحو والصرف والعقائد والأدب، والتردد على المكتبات الجامعة، كما أنه كان يستعير كثيرًا من المخطوطات النادرة من أصدقائه وتلامذته الشناقطة، فيقرأها ويستوعب ما فيها ويردها إلى أصحابها.

اللقاء بشيخ الجزائر (ابن باديس): أثناء إقامة البشير الإبراهيمي في المدينة تعرف على الشيخ عبد الحميد بن باديس عندما قدم لأداء فريضة الحج عام 1913م، ولم يكن قد قابله من قبل، بل سمع عنه. يقول البشير الإبراهيمي: “كنا نؤدّي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي، فنسْمُر مع الشيخ ابن باديس، منفردين إلى آخر الليل حين يفتح المسجد فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية، إلى نهاية ثلاثة الأشهر التي أقامها بالمدينة المنوّرة. كانت هذه الأسمار المتواصلة كلها تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها الجزائر، ووضع البرامج المفصّلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتينا، وصحبها من حسن النيّة وتوفيق الله ما حقّقها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913 ميلادية هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931م”[13]. بعد هذه الرحلة العلمية -التي استمرت سنوات طويلة أخذ خلالها البشير الإبراهيمي علومًا كثيرة واكتسب فيها معارف متنوعة- حدثت ثورة الشريف حسين؛ فترك المدينة المنورة ورحل إلى دمشق.

الرحلة إلى دمشق وما فيها من أحداث : لما جاءت سنة 1917م أمرت الحكومة العثمانية بترحيل سكان المدينة المنورة إلى دمشق؛ بسبب استفحال ثورة الشريف حسين بن علي، فكان الشيخ من أوائل المطيعين لذلك الأمر، وخرج مع والديه إلى دمشق في ء سنة 1917م. وعند وصوله استأنف حياته العلمية والعملية في مدارس دمشق وأنديتها وبين علمائها وأدبائها. يقول الشيخ الإبراهيمي: “فاستقررت بدمشق في حالة يرثى لها، واتصل بي إثر وصولي جماعة من أهل العلم والفضل …، واتصل بي كثير من أصحاب المدارس الأهلية العربية، فقبلت التعليم عندهم لأقوم بحاجتي وحاجة والدي وأتباعنا، ثم حملني جمال [باشا] على أن أكون أستاذًا للعربية في “السلطاني” وهو المدرسة الثانوية الأولى بدمشق، وما كدت أباشر عملي فيها حتى ذهب جمال باشا ثم ذهب السلطان التركي بعده بقليل، وأصبح التعليم الرسمي كله عربيًا، فأصبحت بذلك أستاذًا للآداب العربية وتاريخ اللغة وأطوارها وفلسفتها بالمدرسة السلطانية الأولى، واطمأنت بي الدار إذ وقعت على وظيفتي الطبيعية، وتخرج على يدي في ظرف سنة واحدة جماعة من الصفوف الأولى هم اليوم في طليعة الصفوف العاملة في حقل العروبة”[14]. ويقول أيضاً: “ما لبثت شهرًا حتى انهالت عليَّ الرغبات في التعليم بالمدارس الأهلية، فاستجبت لبعضها، ثم حملني إخواني على إلقاء دروس في الوعظ والإرشاد بالجامع الأموي بمناسبة حلول شهر رمضان فامتثلت وألقيت دروسًا -تحت قبة النصر الشهيرة- على طريقة الأمالي، فكنت أجعل عماد الدرس حديثًا أمليه من حفظي بالإسناد إلى أصوله القديمة، ثم أملي تفسيره بما يوافق روح العصر وأحداثه، فسمع الناس شيئًا لم يألفوه ولم  يسمعوه إلا في دروس الشيخ بدر الدين الحَسَنِي، ثم بعد خروج الأتراك من دمشق وقيام حكومة الاستقلال العربي دعتني الحكومة الجديدة إلى تدريس الآداب العربية بالمدرسة السلطانية (وهي المدرسة الثانوية الوحيدة إذ ذاك) مشاركًا للأستاذ اللغوي الشيخ عبد القادر المبارك، فاضطلعت بما حملت من ذلك، وتلقّى عني التلامذة دروسًا في الأدب العربي الصميم، وكانت الصفوف التي أدرس لها الأدب العربي هي الصفوف النهائية المرشّحة للبكالوريا، وقد تخرّج عني جماعة من الطلبة هم اليوم عماد الأدب العربي في سوريا منهم: الدكتور جميل صليبا، والدكتور أديب الروماني، والدكتور المحايري، والدكتور عدنان الأتاسي”[15]. وأثناء انشغاله بالتدريس انشغل كذلك بلقاء العلماء والأدباء، وشارك علماء دمشق في تأسيس المجمع العلمي الذي كان من غاياته تعريب الإدارات الحكومية. وأثناء تلك الإقامة دخل الأمير فيصل بن الحسين دمشق فاتصل به وعرض على الشيخ الابراهيمي، المبادرة بالرجوع إلى المدينة ليتولّى إدارة المعارف بها، فأبى.

 عودته إلى الجزائر : في أوائل 1920م رجع الابراهيمي على الجزائر، فاستقبله صديقه الشيخ ابن باديس، وابتهج لمقدمه لتحقيق أمله المعلّق عليّه، وزاره الابراهيمي بقسنطينة ليرى بعينيه، النتائج التي حصل عليها أبناء الشعبب الجزائري في بضع سنوات من تعليم ابن باديس، واستقر في ذهن الابراهيمي، بعد ما رأى من ذلك اليوم، أن هذه الحركة العلمية المباركة لها ما بعدها، وأن هذه الخطوة المسدّدة التي خطاها ابن باديس هي حجر الأساس في نهضة عربية في الجزائر، وأن هذه المجموعة من التلاميذ التي تناهز الألف هي الكتيبة الأولى من جند الجزائر التي ستحررها من ربقة الاستعمار الفرنسي، ولمس بيديه آثار الإخلاص في أعمال الرجال، فقد رأى كما قال: شبانًا ممن تخرّجوا على يد هذا الرجل وقد أصبحوا ينظمون الشعر العربي بلغة فصيحة وتركيب عربي حرّ، ومعان بليغة، وموضوعات منتزعة من صميم حياة الأمّة، وأوصاف رائعة في المجتمع الجزائري، وتشريح لأدوائه، ورأى جماعة أخرى من أولئك التلامذة وقد أصبحوا يحبرون المقالات البديعة في الصحف، فلا يقصرون عن أمثالهم من إخوانهم في الشرق العربي، وآخرون يعتلون المنابر فيحاضرون في الموضوعات الدينية والاجتماعية، فيرتجلون القول المؤثّر، والوصف الجامع، ويصفون الدواء الشافي بالقول البليغ. واستقر الابراهيمي بعد قسنطينة في موطنه، عند أهله، وبدأ من أول يوم في العمل الذي يؤازر عمل أخيه ابن باديس. [16]

وفاته و آثاره:  بعد أن حصلت الجزائر على استقلالها في 1962م، لزم الشيخ محمد البشير الابراهيمي بيته، ولم يشارك في الحياة العامة بعد أن كبر سنه وضعفت صحته، توفي الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ظهر يوم الخميس التاسع عشر ماي 1965م الموافق 18 من المحرم 1385هـ، عن عمر يناهز السادسة و السبعين عاما.  ومن الطبيعي أن تثير وفاة الشيخ الإبراهيمي، الحزن و الأسى في الجزائر وفي غيرها مـن الأقطار العربية والإسلامية .  ففي الجزائر اعتبر الأستاذ  محمد الطاهر فضلاء تلميـذ الإبراهيمي، وفاة أستاذه كارثة و مصيبة عظيمتين أصابتا المسلمين، بالنظر إلى مكانته الدينية والأدبية و اللغوية. أما في المشرق العربي ، فقد سارع أقطاب الفكر و الأدب و السياسة، و الهيئات العلمية والثقافية ، إلى إقامة حفلات التأبين، و الحديث عن مناقبه و أدبـه و فكـره عبـر المقـالات الصحفية و الأحاديث الإذاعية ، و مما قالته إحدى الشخصيات : أنه بوفاة الإبراهيمي ، يكـون العرب و المسلمون قد دفنوا مع جسده : ” إدارة معارف لا تعـوض “. أمـا علـى الصـعيد  الرسمي، فقد بادرت الحكومات إلى تنكيس الأعلام عن المباني الرسمية، وإعلان الحداد . وبهذا تتوقف مسيرة علم من أعلام الجزائر المعاصرة ، حفلت بالنضال والمقاومة ضـد الاستعمار الفرنسي، الذي ظل يستغل مقدرات البلاد البشرية والمادية، طيلـة مائـة واثنـين وثلاثين عاما، استعمار سعى لتحويـل البلاد إلى أراضي أوروبية لسانا وروحا، وكاد أن يحقق ذلك لولا ظهور الشيخ محمد البشير الابراهيمي والشيخ ابن باديس و نخبة جزائرية مسلحة بالعلم والوطنية،  تصدت للمشروع الفرنسي، رغـم القمـع والقهـر اللـذان كانـت فرنسـا تجابههم بهما. أما فيما يتعلق بالتأليف، فإن البشير الإبراهيمي لم يوليه اهتماما، لأنه كرس جل أوقاته وحياته، لتربية النشء وتعليمه، وللإشراف على الشؤون الإدارية لجمعية العلماء، التي استلم إدارتها في النصف الثاني من شهر أفريل 1940م، بعد وفاة رئيسها الأول الشيخ ” عبد الحميد  ابن باديس ، وجريدة ” البصائر ” لسان الحال الجمعية ومعهد ابن باديس  وقد أوضح  ذلك قائلا ((: لم يتسع وقتي للتأليف والكتابة مع هذه الجهود التي تأكل الأعمار أكلا ولكني أتسلى بأنني الفت للشعب رجالا ، وعملت لتحرير عقوله تمهيدا لتحرير أجساده ، وصححت لـه دينه ولغته فأصبح مسلما عربيا ، وصححت له موازين إدراكه فأصبح إنسانا أبيا ، وحسبي هذا مقربا من رضا الرب والشعب ))[17] ومنه نستخلص أن الإبراهيمي ؛ لم يأسف على عدم اهتمامه بالكتابة والتأليف، رغم أنه كان في إمكانه أن يؤلفف عشرات المؤلفات، في الفقه والأدب واللغة والاجتماع، لأن الوضـع الثقافي والعلمي في الجزائر خلال الفترة الاستعمارية، المتسم بـالجمود والانحطـاط، كـان يقتضي التضحية بالطموحات الشخصية لفائدة المصلحة الوطنية العليا. وفي هذا الإطار، ذكر نجله الدكتور ” أحمد طالب الإبراهيمي “: أن والده كانت له عدة مؤلفات وكتابات مخطوطة، في المجالات الدينية واللغوية والأدبية والاجتماعيـة، لكنهـا ضاعت أثناء الثورة التحريرية لما كان في المشرق العربي، عند بعض تلامذته، أو ببيته الذي اقتحمه الجيش الفرنسي، و استولى على كل ما به من كتب و مخطوطات. يضاف إلى ذلك أن عددا كبيرا من الخطب و الدروس و المحاضرات، التي دأب على إلقائها ارتجالا و لم تسجل وقد أورد الشيخ البشير، عناوين تلك المؤلفات في مقاله : ” خلاصة حياتي العلمية ” الذي كتبه بطلب من مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، لما أنتخب عضوا فيه سنة 1961م ، و هـو يمثل خلاصة شاملة لسيرته الذاتية فحصرها في ستة عشر مؤلفا و رسالة و هي :

  • ” عيون البصائر ” : تشمل المقالات التي كتبها في جريدة البصائر في سلسلتها الثانية ، و هو المؤلف الوحيد الذي طبع في حياته بعد الإستقلال ، و قد ظهرت الطبعة الأولـى منـه سـنة 1963م بالقاهرة ، ثم في الجزائر سنة 1971م.
  • ” بقايا النقايات و النفايات في لغة العرب ” : كتاب جمع فيه كل ما جاء على وزن فعالـة  من مختار الشيء أو مرذوله.
  •  ” بقايا فصيح العربية في اللهجة العامية في الجزائر ” : كتاب تناول فيـه بالدراسـة أصـول اللهجة السائدة في مواطن ” بني هلال بني عامر.
  • ” أسرار الضمائر في العربية ” .
  • ” التسمية بالمصدر “
  • ” الصفات التي جاءت على وزن فعل “
  • ” الإطراء و الشذوذ في اللغة العربية “
  • ” نظم العربية في موازين كلماتها “
  • ” ما أخلت به كتب الأمثال من الأمثال السائرة “
  • رواية ” كاهنة أوراس “
  • ” شعب الإيمان ” : كتاب جمع فيه الفضائل و الأخلاق الإسلامية .
  • رسالة في ” الفرق بين لفظ المطرد و الكثير عن ابن مالك.
  • رسالة في ” ترجيح أن الأصل في بناء الكلمات العربية ثلاثة أحرف لا إثنان ” رسالة في : ” مخارج الحروف و صفاتها بين العربية الفصيحة و العامية ” .
  • ملحمة رجزية “، تبلغ ستة و ثلاثين ألف بيت ، من الرجز السلس اللزومي في كـل بيـت منه ، ألفها في المنفى.[18]

ولا شك أن هذه المؤلفات، ذات قيمة أدبية و لغوية كبيرة،  كان من شـأنها أن تثـري المكتبة العربية، لو لم تمتد إليها يد الإتلاف والضياع . أما المقالات و الخطب والدروس و المحاضرات، التي أمكن جمعها و طبعهـا علـى فترات، فمصدرها بشكل خاص جريدة ” البصائر ” الثانية ، التي كان يكتب فيها أسبوعيا، قبـل أن يرحل إلى مصر سنة 1952م في رحلته الثانية إلى المشرق العربي، عالج فيها مواضيع دينية و سياسية واجتماعية و إصلاحية و أدبية، اعتمـد فيها على توظيف القرآن الكريم و خاصة القصص منه،  والأمثال العربية و أسـلوب الـتهكم و السخرية، وتوظيف قواعد اللغة العربية توظيفا فنيا،  والجرس و الإيقاع الموسيقيين. ويرى الدكتور”عبد المالك مرتاض” أن أسلوب الإبراهيمـي أدبـي كلاسـيكي متين، بليغ و مبدع، و العلة في ذلك حسبه أنه من أحفـظ أهـل زمانـه للقـرآن الكـريم ، وللأحاديث النبوية الشريفة، و للأدب العربي القديم شعره و نثره، و هي خاصية تجعله أكبر أديب في الجزائر خلال النصف الأول من القرن العشرين  ومن  ناحية أخرى ، فقد أتاح الإطلاع على كتابات كتابة الشيخ البشير، اكتشاف أنـه  كان ملما بثقافة و أفكار عصره،  وهو ما أكده نجله الدكتور” أحمد طالب”، الذي أورد أن والده كان يملك ثقافة عصرية وقف عليها بنفسه، وحتى في تخصصات كانت فـي ذلـك الوقت حكرا على فئة قليلة جدا من الجزائريين، ممن درس في المعاهد و الجامعات الفرنسية ، و منهـا علـم الـنفس، حيـث كـان لـه إطـلاع واسـع علـى آراء ” وليـام جـيمس ” CHARLES DARWIN “دارويـن تشـارلز ” و  WILIAM JAMES  و ” جون ستيوارت ميل ” JOHN  STEWART MILL  وغيرهم. وتجدر الإشارة ، إلى أننا اعتمدنا في دراستنا هاته بشكل خاص، على آثار الإبراهيمي التي جمعها و قدمها نجله الدكتور” أحمد طالب ” تحت عنوان:” آثار الإمـام محمـد البشـير الإبراهيمي”، في طبعة جديدة صدرت عن دار الغرب الإسلامي ببيروت سنة 1997م. وجاءت في خمسة أجزاء ، ضمنها كتابات و دروس و محاضرات و أحاديث الشيخ من سـنة 1929م و إلى غاية 1965 م . و قد تميزت هاته الطبعة عن سابقاتها ، كونها تضـمنت آثـارا نشرت لأول مرة من جهة ، بالإضافة إلى مراعاة الجانب المنهجي فيها من جهة ثانية ، فاختص كل جزء بمرحلة زمنية محددة وضع لكل منها سياقها التاريخي ، مع إحالات و تعـاليق عنـد الضرورة . و في الأخير نصل إلى أن الإبراهيمي ؛ لم يشتغل بالكتابة و التأليف.[19]

المبحث الثالث: جهوده في الدفاع عن اللغة العربية و إسهامه في أدبها.

إن الدَّارس لشخصية البشير الإبراهيمي لا يستطيع أن يعرف حقيقة الدور الذي قام به في الجزائر إلا إذا عرف دور جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وما قامت به من جهود للنهوض بالشعب الجزائري الذي كان قد أمات الاستعمارُ فيه حياتَه الدينية والدنيوية. ومن خلال معرفتنا بجمعية العلماء المسلمين كيف تأسست وتكوَّنت وعملت؛ سيتجلى لنا جهود البشير الإبراهيمي الدعوية والفكرية في الجزائر، وكيف دافع عن اللغة العربية ضد مخططات الاستعمار الفرنسي التي كانت ترمي إلى طمسها و تشويهها،و أحب أن أؤكد هنا كما رأينا سابقا،  أن حياة البشير الابراهيمي و رحلاته التعليمية و العلمية ، لم تكن إلا جهودا منه في سبيل ترقية اللغة العربية أينما حل و ذهب. إذن فنحن بحاجة إلى معرفة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وما قامت به من جهود في نهضة شعب الجزائر. وترجع الفكرة الأولى لتأسيسها، إلى لقاءات البشير الإبراهيمي بالشيخ عبد الحميد بن باديس في المدينة المنورة، ففي سنة 1913م،  كان البشير الإبراهيمي يجتمع في منزله مع ابن باديس ويتسامران لبحث وسائل النهوض بالجزائر، ويقترحان البرامج التي تنهض بشعب الجزائر، لتظل هذه البرامج صورًا ذهنية،  إلى أن تبلورت وتحققت على الميدانن مع رجوع ابن باديس إلى الجزائر، بعد أن أقنعه البشير أنه سيلحق به، لم يضيع ابن باديس وقتا،فقام بتنفيذ الخطوة الأولى من البرنامج الذي اتفق مع البشير، ففتح صفوفًا لتعليم العلم، وجلس في مسجدٍ جامعٍ من مساجد قسنطينة لإمامة الناس وإلقاء الدروس، فتسامع الناس به، وانهال عليه طلاب العلم من السهول والجبال، وتكاثر أتباعه وطلابه. ولما كان عام 1920م عاد البشير الإبراهيمي إلى الجزائر، فزار صديقه ابن باديس في قسنطينة؛ فاطلع على ما قام به من مجهود في التعليم، ونشر الوعي، وتربية الشباب، ثم رجع إلى بلده سطيف ليبدأ هو كذلك، دعوته إلى الإصلاح ونشر العلم، فأسس مدرسة يعلم الشباب فيها ويدربهم على الخطابة والكتابة، وقيادة الجماهير، ولم تنقطع صلته بصديقه ابن باديس، في تلك الفترة فكانا يلتقيان -رحمهما الله- كل أسبوعين أو كل شهر على الأكثر. وفي عام 1924م،  فكر الشّيخ ابن باديس في أن يخطو خطوة عملية تكون تمهيدًا مباشرًا للشروع في التحضير لتأسيس جمعيّة، فطلب من الشّيخ محمّد البشير الإبراهيميّ وضع القانون الأساسي لجمعيّة باسم “الإخاء العلمي.[20]

تأسيس جمعية العلماس المسلمين الجزائريين ودور الإبراهيمي : بعد عام من الاحتفال الذي قامت به سلطات الاحتلال بمناسبة مضي قرن على احتلال الفرنسيين للجزائر، تأسست “جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين” وذلك يوم الثلاثاء 17/ ذي الحجة/ 1349ﻫ، الموافق 5/ مايو/ 1931م، في اجتماع لاثنين وسبعين من علماء القطر الجزائري، ومن شتى الاتجاهات الدينية والمذهبية، ومن الأعيان وطلبة العلم. وكان لابن باديس والبشير الإبراهيمي الدور الأكبر في جمع هؤلاء، وفي هذا الاجتماع تم تأسيس الجمعية، وتشكل مجلسها الإداري المنبثق على النحو التالي : عبد الحميد بن باديس رئيسًا، محمّد البشير الإبراهيميّ نائبًا عنه. وكلف المجلس الإداري الإبراهيمي بإعداد لائحة داخلية يشرح فيها أعمال الجمعية للحكومة حتى لا يتخوفوا منها، فقام بإعداد تلك اللائحة، وتُليت على المجلس الإداري لمناقشتها، وعند إكمال مناقشتها وإقرارها بالإجماع خطب رئيس الجمعية ابن باديس خطبة مؤثّرة أثنى فيها على الإبراهيمي، وكان مما قال: “عجبت لشعب أنجب مثل الشيخ الإبراهيمي أن يضلّ في دين أو يخزى في دنيا، أو يذلّ لاستعمار”[21] . منن هنا بدأ جهاد الشيخ البشير الابراهيمي في الدفاع عن اللغة العربية وترقيتها و الإسهام في أدبها، فبدأت الجمعية فيي رسالتها في السنة الأولى بالدعوة والإصلاح، وبناء المساجد والمدارس،  وفي هذه الفترة كلف الشّيخُ ابن باديس محمّدَ البشير الإبراهيميّ بأن يتولى العمل الذي يجري بالجهة الغربية من البلاد، انطلاقًا من تلمسان، وأبقى قسنطينة وما جاورها تحت إشرافه شخصيًا، وهكذا تقاسم الثلاثة العمل في القطر كله مع رفيقهم الشيخ العقبي.  يقول البشير الإبراهيمي: “وخصصوني بمقاطعة وهران وعاصمتها العلمية القديمة تلمسان، وكانت هي إحدى العواصم العلمية التاريخية التي أخنى عليها الدهر فانتقلت إليها بأهلي، وأحييت بها رسوم العلم، ونظمت دروسًا للتلامذة الوافدين على حسب درجاتهم، وما لبثت إلّا قليلًا حتى أنشأت فيها مدرسة دار الحديث، وتبارى كرام التلمسانيين في البذل لها حتى برزت للوجود تحفة فنية من الطراز الأندلسي، وتحتوي على مسجد وقاعة محاضرات، وأقسام لطلبة العلم، واخترت لها نخبة من المعلمين الأكفاء للصغار، وتوليت بنفسي تعليم الطلبة الكبار من الوافدين وأهل البلد، فكنت ألقي عشرة دروس في اليوم، أبدأها بدرس في الحديث بعد صلاة الصبح، وأختمها بدرس في التفسير بين المغرب والعشاء وبعد صلاة العتمة أنصرف إلى أحد النوادي فألقي محاضرة في التاريخ الإسلامي، فألقيت في  الحقبة الموالية لظهور الإسلام من العصر الجاهلي إلى مبدأ الخلافة العباسية بضع مئات من المحاضرات. وفي فترة العطلة الصيفية أختم الدروس كلها وأخرج من يومي للجولان في الإقليم الوهراني مدينة مدينة وقرية قرية، فألقي في كل مدينة درسًا أو درسين في الوعظ والإرشاد، وأتفقد شُعَبَها ومدارسها، … فإذا انقضت العطلة اجتمعنا في الجزائر العاصمة، وعقدنا الاجتماع العام، وفي أثره الاجتماع الإداري، وقدم كل منا حسابه، ونظمنا شؤون السنة الجديدة، ثم انصرفنا إلى مراكزنا”[22]. وقد أثار نشاط البشير حفيظة الفرنسيين كما أثار قلقهم ومخاوفهم، فأسرعوا باعتقاله ونفيه إلى صحراء وهران سنة 1940م، وبعد أسبوع من اعتقاله توفي ابن باديس. بعد دفن ابن باديس اجتمعت اللجنة الإدارية لجمعية العلماء ورؤساء الشعب واختاروا البشير الإبراهيمي رئيسًا لها، وأبلغوه الخبر، وكان في المنفى، فأصبح يدير الجمعية ويُصرِّف أعمالها وهو في المنفى. ولم يُفرج عنه إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1943م. وعند خروج الشيخ البشير الإبراهيمي من المعتقل كانت فاتحة أعماله تنشيط حركة إنشاء المدارس، فأنشأ في سنة واحدة ثلاثًا وسبعين مدرسة، وقام بإلقاء الدروس العلمية للطلبة والعامة، فزادت الحركة الإصلاحية اتساعًا ورسوخًا، فلما رأت سلطات الاحتلال ذلك الأثر قامت باعتقاله سنة 1945م، فلبث في السجن سنة إلّا قليلًا، ثم أخرجوه بدعوى صدور عفو عام عن مدبري الثورة. يقول البشير الإبراهيمي: “ولما خرجت من السجن عدت إلى أعمالي أقوى عزيمة مما كنت، وأصلب عودًا وأقوى عنادًا، وعادت المدارس التي عطلتها الحكومة زمن الحرب، وأحييت جميع الاجتماعات التي كانت معطلة بسبب الحرب، ومنها الاجتماع السنوي العام، وأحييت جريدة «البصائر» التي عطلناها من أول الحرب باختيارنا باتفاق بيني وبين ابن باديس لحكمة… ولما قررنا إحياء جريدة «البصائر» ألزمني إخواني أن أتولى إدارتها ورئاسة تحريرها فقبلت مكرهًا، وتضاعفت المسؤوليات، وثقلت الأعباء، فرئاسة الجمعية وما تستلزم من رحلات وما يتبع الرحلات من دروس ومحاضرات، كل ذلك كان يستنزف جهدي، فكيف إذا زادت عليها أعباء الجريدة وتحريرها؟ ولكن عون الله إذا صاحب امْرأً خفت عليه الأثقال”[23]. ويقول كذلك: “كنت أقوم للجمعية بكل واجباتها، وأقوم للجريدة بكل شيء حتى تصحيح النماذج، وأكتب الافتتاحيات بقلمي، وقد تمر الليالي ذوات العدد من غير أن أطعم النوم، وقد أقطع الألف ميل بالسيارة في الليلة الواحدة، وما من مدرسة تفتح إلّا وأحضر افتتاحها وأخطب فيها، وما من عداوة تقع بين قبيلتين أو فردين إلّا وأحضر بنفسي وأبرم الصلح بينهما، وأرغم الاستعمار الذي من همه بث الفتن، وإغراء العداوة والبغضاء بين الناس، فكنت معطلًا لتدبيراته في جميع الميادين”[24]. استمرت جمعية العلماء بقيادة البشير الابراهيمي بالقيام بواجباتها فكثرت المدارس حتى زادت على الأربعمئة، وكثر طلابها حتى زادوا على المئة ألف، بين بنين وبنات، وعندما بلغ الخريجون في تلك المدارس عشرات الآلاف، قرر البشير فتح معهد ثانوية بمدينة قسنطينة، ونسب هذا المعهد إلى ابن باديس، تخليدًا لذكره واعترافًا بفضله. وفي سنة 1952م زار البشير الإبراهيمي باريس حين عقدت منظمة الأمم المتحدة اجتماعها، لعرض قضية الشعب الجزائري على منظمة الأمم، فاجتمع بوفود الدور العربية والإسلامية، وأقام على شرفهم حفل عشاء شرح فيه المطالب الجزائرية فأعجبت الوفود بما قاله وعرضوا عليه أن يستضيفوه في بلادهم ليشرح قضية بلاده للشعوب، فلما عاد إلى الجزائر عرض الأمر على الجمعية، فرأى أعضاؤها أن يكون هو اللسان الناطق بشؤونهم ومطالبهم للشعوب العربية والإسلامية[25].

خاتمة البحث:

 كانت اللغة العربية هي المادة الأساسية التي ركز عليها محمد البشير الابراهيمي وأعضاء جمعية العلماء، باعتبارها المدخل الذي لابد منه لتربية الأجيال، وتعريفها بتاريخها وبأمور دينها وتراثها. ولم يكن الهدف من جعل اللغة العربية محور البرنامج الإصلاحي هو تمكين الأجيال الصاعدة من معرفة لغتها وامتلاك مهارة التعبير بها فحسب، ولكن كانت إلى جانب ذلك أهداف تربوية أخرى لم تنص البرامج حرفيا عليها، ولكنها مستوحاة من توجيهات الإمامين: ابن باديس والبشير الإبراهيمي في أكثر من مناسبة، وهذه الأهداف هي:

–  غرس حب اللغة العربية في نفوس المتعلمين وجعلهم يتذوقون خصائص التعبير بها ويدركون أسرارها.

–  اعتماد النصوص اللغوية مصدرا حيا لتربية الأجيال وتوسيع آفاقهم وصقل أذواقهم وتهذيب مشاعرهم .

–  ترقية أساليب تعليم اللغة العربية وتطوير مضامين المناهج ودفع المعلمين والمتعلمين إلى استخدام الأساليب الصحيحة والراقية .

من النتائج البارزة التي يمكن استخلاصها من نشاط  محمد البشير الابراهيمي و دفاعه عن اللغة العربية،  ضمن أعمال جمعية العلماء، أنها بعثت روحا جديدة في أوساط المجتمع فتخلى المجتمع بفضلها عن كثير من الخرافات والفهم غير السليم للدين والتاريخ والحضارة. ماكان يقوم به البشير الإبراهيمي حين كان رئيسا للجمعية، كان عملا نبيلا و جبارا، فقد ظل يجوب أنحاء الوطن مدينة مدينة وقرية قرية ليطلع من خلال ذلك على نتائج جهود الجمعية وليوسع نشاطها بالسهر على تكوين جمعيات محلية تسند إليها مهمة بناء المدارس، وتشييد المساجد، والتكفل بالمديرين والمعلمين الذين تنتدبهم الجمعية للقيام بالرسالة التعليمية والتوعية الدينية. وكان حريصا على تزويد المدارس بالتوجيهات وبالمناهج والكتب، التي تشرح الأسلوب الذي يجب اتباعه في مجال تنشئة الأجيال، في الأخير نقول نجح الشيخ محمد البشير الابراهيمي في مهمته وفي تبليغ رسالته بفضل منهجه في التعليم الذي كان يشدد على أن يكون مبينياً على خاصيتين:

 الأولى : أن يكون تعليماً عربياً في لغته وأهدافه ومضامينه ، بحيث ينسجم مع مقومات الأمة وموروثها الحضاري .
الثانية : أن يكون وطنياً وليس مستورداً ، ولا تسهم في صنعه أفكار أجنبية ، فلا بدّ أن يكون  نابعاً من عبقرية الأمة ، وعليه طابعها وخصوصياتها ، بحيث تصنعه بنفسها ووفق إرادتها ، وتضمنه الروح التي تعيش في أعماق كل فرد من أفرادها .

فرحم الله العلامة الشيخ محمد البشير الابراهيمي و جزاه الله عن دفاعه عن اللغة العربية في أصعب الظروف، جنة عرضها السماوات و الأرض.

مراجع البحث:

[1] . سورة آل عمران الآية(18)

[2] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 5، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ، ص06.

[3] . مبارك بن محمد الميلي: تاريخ الجزائر في الحديث و القديم، ، تقديم و تصحيح محمد الميلي، المؤسسة الوطنية للكتاب،ج1، ط1 ، 1986م،ص 45.

[4] . مدونة الدكتورة بوزيفي وهيبة وهي أستاذة محاضرة في جامعة الجزائر. تقدم في مدونة محاضرات في تاريخ الجزائر. اعتمدت على اختصارها لمراحل في التاريخ الجزائري، لأنها ترجع دائما لمصادر كتب التاريخ الجزائري. http://bouzifiwahiba.blogspot.in/

[5] . حادثة المروحة: 29 أفريل 1827م ، جرت الحادثة في قصر الداي حسين عندما جاء القنصل الفرنسي بيار دوفال إلى القصر يوم عيد الفطر، وهناك طالب الداي بدفع الديون المقدرة ب 24 مليون فرنك فرنسي، عندما ساعدت الجزائر فرنسا حين أعلنت الدول الأوروبية حصارا عليها بسبب إعلان فرنسا الثورة الفرنسية. فرد القنصل على الداي بطريقة غير لائقة بمكانته إضافة إلى أن الداي صاحب حق، فرد الداي حسين بطرده ولوح بالمروحة. فبعث شارل العاشر بجيشه بحجة استرجاع مكانة وشرف فرنسا. وهذه الذريعة كانت السبب في الحصار على الجزائر سنة 1828 لمدة 66 أشهر وبعدها الاحتلال ودخول السواحل الجزائرية. 

[6] . بشير فايد، قضايا العرب والمسلمين في آثار الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ شكيب أرسلان، دراسة تاريخية وفكرية مقارنة، رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه العلوم في التاريخ الحديث و المعاصرن سنة المناقشة 2010 ص69.

[7] . نفس المصدر ص 70.

[8] . رمضان حينوني: مقال واقع الثقافة في الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي، مدونة الدكتور رمضان حينوني.hinouni.blogspot.com. 

[9] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 5، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ، ص163.

[10]. انظر: المصدر السابق (5/163- 164). 

[11] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 5، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ،  ص 274.

[12] .  المصدر السابق (5/ 274).

[13] .  المصدر السابق (5/  278.).

[14] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 5، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ،  ص 166.

[15] .المصدر السابق (5/ 277).

[16] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 5، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ،  ص 280.

[17] . المصدرالسابق (5/ 288).

[18] . المصدرالسابق (5/289).

[19] . بشير فايد، قضايا العرب والمسلمين في آثار الشيخ البشير الإبراهيمي والشيخ شكيب أرسلان، دراسة تاريخية وفكرية مقارنة، رسالة مقدمة لنيل شهادة الدكتوراه العلوم في التاريخ الحديث و المعاصرن سنة المناقشة 2010ص169.

[20] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 1، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ،  ص 185.

[21] . السابق (5/ 281).

[22] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 5، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ،  ص 281.

[23] .  المصدرالسابق (5/ 285).

[24] . أحمد طالب الابراهيمي : آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي ، ج 5، جمـع و تقديم أحمد طالب الإبراهيمي ، ط 1 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت : 1997 م ،  ص 286.

[25] . عظماء منسيون، محمد بن موسى الشريف، دار الأندلس الخضراء، السعودية، 1431هـ -2010م، الطبعة الأولى، (2/ 107).

*الباحثة في قسم اللغة العربية، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي، الهند

قصة قصيرة: مسلوب الكرامة
د. محسن عتيق خان

سيدي أنت تبدو رجلا كريما، فتأتي كل يوم في الوقت الذي يقل فيه عدد المارة، تجلس إلي لتستأنس بي رغم أنني قذر وتفوح مني رائحة كريهة، وأنت تعطيني ورقة لعشرة ربيات في كل مرة تمر بي، ليس قط أقل منها، وهي تساوي ما أحصل عليه بعد السؤال لطول يوم. إنك غير الصحفيين الذين لا يلوون إلى أشياء تافهة، ولا تعنيهم معاناة عامة الناس، فتجدهم دائما خلف رجال الأمر والنهي ككلب يحرك ذيله أمام مالكه، ولكن أجدك ترغب في رجل حقير مثلي، وتحاول أن تستنطقني كأنك تريد أن تستظهر أسرارا  مني، وتعرف من أنا رغم أنني رجل حقير منبوذ، أجلس في الطريق متسولا، وأواجه النهر والطرد  في كل لحظة.

قد جئتَ اليوم في وقت الفرصة، تعال معي، فلنذهب ونجلس عند أحد أعمدة هذا الجسر، و قد اتخذته مسكنا لي منذ أن نضب الماء في هذا النهر، و آوي إليه كل ليلة، فإمضاء الليل على ممر المشاة ليس بخال عن المخاطرة إذ تتسلق السيارات عليها تدوس الفقراء النائمين في بعض الأحيان. هذه قاعدة العماد و هي مثل بيت لي، دعني أفرش لك بعض صفحات الصحف لكيى لا تتلوث ثيابك بالتراب، نعم، إجلس الآن بسكينة، و ضع كاميرتك هذه في جانب آخر و اسمتع إلى قصتي.

سيدي، أنا أنتمي إلى قرية تقع على بعد خمس وسبعين كم من هذه المدينة، ومضت سنوات لم أزرها، فهذا المكان تحت جسر “موتي مَحَل” بيت لي، وممر المشاة على هذا الجسر مكتب لي، أنا أكتسب هناك وأبيت هنا. وفيما أتذكر، كانت قريتي كبيرة بالنسبة للقرى المجاورة الأخرى فكانت تتوزع على أحياء مختلفة، هذا حي البراهمة، و ذلك حي الحلوانيين، و حي آخر للمسمين، و حي للأنصاريين، و الحي الذي قضيت فيه طفولتي مع أبوي و أعمامي و ابناءهم كان يقع خارج القرية في الجانب الغربي و يصله بالقرية شارع ضيق على جانبيه ماء الترعة. كان هذا الحي يعرف بإسم “جَمَرَهِي” نسبة إلى الطبقة المنبوذة التي كانت تقطنه. كان أهالي هذا الحي لم يملكوا بيوتهم، فكانوا يسكنون في أرض يملكوها بعض مرازبة القرية، و كان على أهالي هذا الحي أن يعملوا في حقولهم و يتعرضوا لشتمهم و ركلهم و كان عليهم أن يسكتوا ولا يفوهوا بكلمة إذا حدث مع زوجاتهم أو بناتهم حادث في الحقول فهم أناس لا أرض لهم و لا ملك، ولا شرف لهم ولا عِرض، وكأنهم أبناء الكلاب لا صلة لهم بالإنسان.

كان أبي يستطيع أن يقرأ فيعتبر مثقفا في طبقتنا، وكان رجلا متحمسا من أشد المعجبين لـ”بابا أمبيدكر صاحب” الذي حاول أن يزيل العار عن طبقتنا المنبوذة في الهند و نجح في الحصول على بعض حقوقهم الأساسية. كان أبي يتوقع مني كثيرا و يعقد بي الآمال إذ كنت ابنهم الوحيد، فقرر أن يبذل كل ما في وسعه على تعليمي و تربيتي ولعله أراد أن يجعل مني أمبيدكرا آخرا، فذهب بي إلى مدرسة القرية، وألحقني بها.

أتذكر جيدا كأن ذلك حدث بالأمس فقط يا سيدي، فأيقظتني أمي في الصباح التالي وأعطتني مسواكا من شجرة “النيم”، لعل أول مرة استكت في ذلك اليوم فلم أفكر في تنظيف أسناني قط، ثم وضعت أمامي كسرة من خبز بائت إذ لم يكن لدينا سواه فأكلته بنهم ثم توجهت إلى المدرسة مع حقيبة أعدت من قطع الملابس القديمة و قد وضعت فيه لوحة خشبية، و قطعة من الطباشير أخرجها أبي من الأرض في الغابة القريبة، وكنت قد وضعتُ تحت إبطي الأيسر غرارة بالية للجلوس.

عندما وصلت المدرسة وجدت طلاب الصف الأول جالسين تحت شجرة بِيبَل، ففرشت غرارتي في جنبهم وما أن جلست عليها بدؤوا يطردوني و يبعدونني عنهم و يشتمونني كأني شيئ نجس و كأنهم الملائكة نزلوا من السماء، فأحد الأستاذة الذين كانوا يجلسون على الكراسي حول طاولة تحت ظل شجر آخر، أسرع إلينا صائحا و مستفسرا لماذا هذا الشغب. و عندما أدرك الواقع، أشار علي أن أجلس بعيدا عنهم في نهاية الصف، ثم كتب على السبورة بعض الحروف الأبجدية للغة الهندية وأمرنا أن ننقلها على لوحاتنا الخشبية ثم ذهب لشأنه. كان لهذا الحادث صدمة نفسية شديدة على قلبي إذ لم أكن أخرج من بيتي ولم أواجه قط مثل هذا السلوك في حيي، كانت رغبة الدراسة قد فُقِدت فلم أحاول نقل هذه الحروف في لوحتي، وكل همي هو أن أغادر هذا المكان بأسرع ما يمكن. وعندما ضُرِب جرس المدرسة للمغادرة بدأت أجري إلى البيت، وأول ما فعلت هو إخفاء رأسي في حضن أمي التي فهمت كل شيئ بدون أن أفوه بكلمة وبدون أن تسأل أي شيئ وبدأت تلامس شعر رأسي بشفقة للغاية بينما كانت دموع عيني تبلل خدي.

صباح اليوم التالي، عندما ناداني أبي، رفضت أن أذهب إلى المدرسة فلم أستطع أن أتلقى مزيدا من الإذلال، فضمني إلى صدره وبقي هكذا لعدة دقائق ثم أخذ بذقني قائلا “يا بني، يبدو أن الذل قد قُدر لنا منذ أبد الآباد، فقد عاش مع هذا الذل آباءنا وأجدادنا، ولكن أريد أن لا تكون مثلنا في المستقبل، وآمل بأن الصبر على بعض الذل الآن سوف يخرجك من الذل الدائم في المستقبل، وسوف تصبح مثقفا، و إذا بذلت جهدك في الدراسة وعملت مخلصا لمجتمعك فسيحترمك الناس كما يحترمون بابا صاحب.” لا أتذكر ما فهمت من قوله و ما لم أفهم، ولكنني أدركت أنه يريدني أن أذهب إلى المدرسة وأتعلم، فأخذت حقيبتي و ضغطت غرارة خالية في إبطي متوجها إلى المدرسة، و هناك جلست في نهاية الصف حيث كنت جلست بالأمس  حسب إشارة الأستاذ هناك.

سيدي، جاء هذا اليوم بتجربة جديدة، فالأستاذ كتب على السبورة نفس الحروف التي كتبها بالأمس ثم علمنا كيف نكتب هذه الحروف وطلب منا أن نكتبها حسب إرشاده. إنه بدأ يتجول في الصف ويشاهد لوحات الطلاب واحدا تلو آخر بينما كان يحرك بيده اليمنى عصا صغيرة من حين لحين، ويرشد الطلاب بإشارة هذه العصا ويضربهم بخفة إذا اقتضت الحاجة، وعندما مر بي وقف ونظر إلى لوحتي من بعيد ثم قال لي شيئا وعندما لم أفهم رفع العصا ولكن امتنع شاتما باسم طبقتي وقال: “أنت تريد أن تتعلم، هل سيدخل شيئ في رأسك” ثم قال لي مشيرا إلى بعض الحقول القريبة من المدرسة “إذهب إلى حقول العدس الأصفر وأتني بعصا جيدة فإن استخدمت هذه العصا عليك ستتسخ و لا تبقى صالحا للاستخدام على غيرك.” وعندما عدت بعصا جديدة من الحقل وجدته جالسا في انتظاري، فأخذه من يدي وبدأ يضربني وعندما تعب، رمى به بعيدا ثم أخذ عصاه ومشى إلى الطلاب الآخرين وهو يقول لي “عليك أن تأتي كل يوم بعصا جديدة.”

و هكذا أصبح من عادتي أن أقطع له كل يوم عصا جديدة فلم ير مناسبا أن يستخدم علي حتى عصاه فضلا عن أن يأخذ بيدي لتعليم الكتابة أو يمس بلوحتي ليريني كيف تكتب الحروف، فكأنه ليس معلم يحب التعليم والتعلم، بل مُعذِب يتمتع بتعذيب الطلاب المساكين. كل يوم كنت أقول لأبي أنني لا أذهب إلى المدرسة و كل يوم كان يصر ويقنعني بدلائل مختلفة أن أذهب إلى المدرسة، وعندما سئمت من ذلك، امتنعت عن الحديث معه، وبدأت أخرج من البيت واختار طريقا غير طريق المدرسة وأذهب إلى الحقول وأقضي الأوقات هناك متسلقا الشجرات في بساتين المانجو أو مغتسلا في النهر مع رعاة الغنم، ولكن إلى متى كان من الممكن أن أخفي كل هذا من أبي، ففي يوم من الأيام إنه رآني و كنت أقفز في الماء من فوق جسر نهر صغير يمر بقريتي، فأخذني معه إلى البيت ساكتا وضربني هناك لعدة دقائق ثم جلس على مربع التراب عند باب بيتنا غارقا في فكر عميق، و في هذا المساء كان كل شيئ ساكنا في البيت فلم يأكل أحد منا ولم يتكلم بعضنا البعض، ونمنا جنبا بجنب على الفراش الذي بُسط على شجيرات الرز الجافة لتقليل البرد من التحت.

عندما استيقظت كان كل شيئ على ما يرام، كان أبي يصقل معوله وأمي تطبخ الخبز وتقلي الفلفل مع البصل لغدائنا. رفع أبي رأسه و ألقى نظرة علي ثم قال لي، منذ اليوم ستأتي معي وتشاركني في العمل، فلعل الإله راما قد قدر لنا أن نعيش مذلولين ومستحقرين دائما. بدأت أغدو و أروح مع أبي إلى الحقول، فكنا نحرثها و نعزقها، ونسقيها و نُعَشِبها، و نحصد ونحمل إلى البيادر، وكنا نعيش بين الطرد والشتم والنهر، ونصبر على كل ذلك الذل والهوان التعذيب إذ استطعنا أن نحصل على ما يسد رمقنا.

و في يوم من الأيام، ويا سيدي، ذلك كان أنحس يوم لنا، فبينما كنا نقوم بالتعشيب في حقل من الحقول أخبرنا صاحب الحقل بأن هناك جثة لبقرة قد ماتت الليلة البارحة في بيته وطلب منا أن نحملها إلى خارج القرية، فأسرعنا إلى بيته، ليس لأننا كنا نعبدها، بل طمعا في جلد الجثة الذي سيجلب لنا بعض الروبيات الإضافية، فأقسم لك بأنني لم أذق لبن بقرة قط في حياتي، ولكنني شربت بولها عدة مرات متبركا ومتيمنا كالعادة. فأخذنا معنا رجلين من طبقتنا، وحملنا هذه الجثة على أكتافنا وبدأنا نمشي إلى الخارج، وعندما وصلنا ملتقى الطريق عند دكان الشائ هجم علينا بعض الذين عُرِفوا في ذلك الحين كحراس البقرة. ولعلك تتذكر يا سيدي، كان في ذلك الحين قد آل الأمر في بلادنا إلى حزب هندوسي متطرف، وبرعاية هذا الحزب قد ظهرت جماعات من الشبان المتفرجين العاطلين في زي حراس البقرة في كل مدينة وقرية مثل فطر و كانوا يعتبرون أنفسهم فوق كل قانون من قوانين الأرض، فكانوا دائما يبحثون عن عذر أو آخر للهجوم على آكلي اللحوم، يضربونهم ويقتلونهم بدون خوف أي مؤاخذة، و بدون مبرر. إنهم عقدوا بنا إلى شجرة وبدأو يضربوننا بالعصي الغليظة والأحذية بينما كنا نصيح بأننا من عباد البقرة و لم نقتلها، و كل ذلك في حشد كبير من الناس، وأمام شرطي المخفر هناك، ولكن لم يترحم علينا أحد ولم يتقدم لنا من يستطيع أن يتدخل في الأمر، فكأننا في مجتمع ميت منهار لا يوجد فيه رجل رشيد.

سيدي، لا أتذكر متى أُغمي علي خلال هذه الضربات المبرحة، ولكن عندما أفقت وجدت أن كل عضو من أعضاء جسمي قد تورمت ولا تزال تتوجع، كان الليل حالكا ولم يكن هناك أحد حولي، كان الآخرون لايزالون في حالة إغماء فاجترأت قليلا وحاولت أن أوقظ أبي ولكن وجدت جسمه باردا و نبضه ساكنا فأدركت أنه لم يستطع أن يتحمل الضربات ولبى نداء ربه، فبكيت طويلا ثم قمت بحل عقدي بعد جهد جهيد، بعد ذلك أسرعت إلى أبي وفككت عقده إذ كنت أريد أن أغادر القرية في أسرع وقت ممكن إلى وجهة غير معلومة، فلم أكن أعرف ماذا سيفعلون بي لو وجدوني حيا في الصباح. حملت جثة أبي على كتفي ومشيت على الطريق الذي يذهب إلى الطريق الكبير، وعندما بلغت الجسر ألقيت جثته بأيدي المرتشعة في ماء النهر الذي يجري بصوت مريع، ثم واصلت المشي على الطريق ولم أتوقف إلا عندما سقطت على الأرض متعبا وكان قد أغمي علي.

عندما فتحت عيني حائرا وجدت نفسي على هذا الجسر، جسر “موتي محل” كما عرفتُ فيما بعد، و كنت في ذلك الحين أموت من الجوع و العطش الشديدين، و لعل بضع مارة قد ترحموا علي، فوجدت بعض ربيات ملقاة حولي وكذلك بطانية بالية كانت قد ألقيت علي. كنت متحيرا ولم أستطع أن أقرر ما أفعل إذ مر بي أحد الباعة مع عربة الفواكه كأن الله بعثه إلي خاصة، فأدرك من محياي حالة جوعي وعطشي، ورمى إلي بتفاحين فاسدين و رزمة صغيرة من الماء فأكلت وشربت وحمدت الله. ومنذ ذلك الحين، جعلت من هذا المكان بيتي أقضي النهار سائلا فوق الجسر وأبيت الليل نائما تحت الجسر عند هذا العماد. وهذه هي قصتي يا سيدي، ليس وراءها شيئ. والآن قد آن أوان الكسب، فأنت تعلم، الناس العائدون من مكاتبهم يتصدقون على المتسولين إذ يقفون على هذا الجسر لاشتراء الفواكه والخضراوات من الباعة، فاستأذنك.

مقامة حديثة: شكوى الزوج
*محمد سليم

حكى خالد بن سلام قال مرّة وصلت إلى بعض دور المحاكم، فشاهدت زحاما كبيرا للناس منهم من هو القاضى والحاكم، ومنهم من هو الشاكى الباكى، ومنهم من هوالظالم الباغى. وكلّهم قد اجتمعوا وتزاحموا، وتدافعوا وتشاحنوا. والقاضى يطلبهم أن يسكتوا، ويسألهم أن يصمتوا وينصتوا. ثمّ أعلنت عن القضيّة، ويالها من رزيّة! ويالها من بليّة! القضية هى قضيّة زوج أهينت كرامته، ومرّغ فى التراب شرفه فتمّت إهانته. ولطعم الموت الزّؤام، أهون إليه مما قذف به من الاتّهام، ولشرب من حميم آن، أفضل عنده من احتمال هذا الهوان. ووجد الرجل شرفه مثلوما، وقلبه مكلوما. وفؤاده كسيرا، وذهنه أسيرا. وحوله كل من في الأنام، يريد أن يمرّ في الحياة بسلام. والمرء في الدنيا غريب أو عابر سبيل يسافر وقتا ووقتا يضرب بخيام. لكن هاهو الآن فى محكمة أمام القاضى لا ينكر فتواه، ستقضى عليه بالسجن الذى لا يحمد عقباه.

 وقد دافع المحامى عن الرجل هذا الاتّهام، ووصف بهتان الزوجة من باب الشرّ والأمر الحرام، فسأل القاضى عن الزوج هل عنده في هذا الباب أىّ كلام، يدفع به عنه هذا الاتّهام. وقال بن سلام فرأيت الرجل ينهض وعينه فراره، وعلى سيماه من الهمّ اصفراره. وقال الزوج يأيها القاضى الخبير، يامن الذى هو بين الناس شهير. لست من الذين يتحدّثون فيكتمون، أو يتكلّمون فيكذّبون، أو يقولون كلاما فيفترون، أو يذكرون الأحداث فيسترون. ولم يعهد من مثلى أحد بغيا ولا فسادا، ولم ير منّى ظلما ولا فى الأرض نكادا. فكيف بهم الآن يكذّبوننى، ولماذا هم يعيّروننى. كأنّى قد أتيت بإثم عظيم، أو ارتكبت خطأ خطير فى عقباه وجسيم. وهل نسى الرجال ما كنت قد أسديت به في الماضى إلى الناس من خير كثير، وأنا أخاف الله القدير، و إلى منّه فقير. ومن كان فى مثل هيئتى، ويعيش حياته في مثل حالتى. هل يستطيع أن يمدّ يديه إلى كل صغير وكبير؟ أو يرسل بعينيه إلى كل ما هو سخيف ولا ينأى بجانبه عن حقير؟

وهل تناسى الناس أننى فى أيام حياتى التى كنت فيها أعزب، لم أكن أتلهى على لهو الحديث ولم أكن به معجب، ولم أكن قد قلت قولا أو فعلت فعلا يجده الناس شيئا أغرب. وهل تغافل الناس عن عملى وكدّى، وجهدى وجدّى، وشغلى وأمرى. فما نويت لأحد إلا الخير، وما اقترفت فى حقّ أحد الضّير. فلا ضرر و لا ضرار، ولا هوان ولا خوار، ولا هلاك ولا بوار.

وقال خالد بن سلام ثمّ رأيت الزوج يتوقف للحظة، والناس كلهم من كلامه فى حيرة. وقد ابتلع الزوج ريقه، و حرّك يديه وساقه. كأنه من أمره فى اضطراب، أو كأنه شخص يعيش فى حالة اغتراب. و بعد حين شمّر عن ساعديه كرّة أخرى، واستعدّ لإلقاء حديثه مرّة أخرى. وكان قد بدأ جبينه يتفصّد عرقا فتلمع للعرق حبيباته، ورأيت كل من كان موجودا يقلّب جنباته. وكل يهيئ نفسه ليستمع إلى كلماته، وقد رأى فيه كثير من الرّجال خير ترجمان لشكواه من زوجاته. ثمّ رأيت الرّجل يحلف باليمين، وقال إنه صادق فى كلامه فلا يكذّب ولا يمين. وبدأ الرجل مرّة أخرى فقال يأيّها الرجال! هكذا كانت لى الأحوال، قبل زواجى الذى تبعته الأهوال، فألمّت بى الخطوب تباعا، ودهمتنى الملمّات سراعا، ونزلت علىّ النوازل تترا، فلم أستطع أن أقطع سلسلة المصائب قطعا ولا بترا، ولم أتمكّن من أن أستر أحوالى و أهوالى سترا.

 ثمّ أصبحت مضغة للأفواه تلوكنى الألسن، وصرت مدعاة للسخرية تغمزنى الأعين. وبدأ يشمت بى الأعداء، ويهزأ بى سواد من الناس والدهماء. فضاقت علىّ الأرض بما رحبت، وضاقت علىّ الحياة بما وسعت. وقال بن سلام ورأيت الزوج يسرد فى كلامه، ويمرّ فى بيانه، ولمّا شاهد القاضى منه إكثاره، و رأى من الحق إظهاره.  استثقل طول الكلام، وطلب من الزوج اختصار الحديث ورفع السلام. فرأيت الزوج واقفا مبهور الأنفاس، كأنه طارده اللصوص فوجد بين صحابه الأمن والإيناس.

واستأنف الزوج الكلام وقال يأيّها القاضى سبب النزاع بينى وبين زوجتى من أتفه الأمور، ومهماز الجدال من أحقر الأشياء التى يتغاضى عنها الوقور. والقضيّة هى أنى قد ذهبت إلى السوق مع زوجتى، لنشترى حوائج البيت وكل ما كانت زوجتى تشتهى. ثمّ رفع رأسه وقال يارجال! كونوا على حذر وإلا وبال. وإيّاكم أن تصطحبكم نساؤكم إلى الأسواق، فإنهن يتهافتهن على شراء الأشياء كأنهنّ صاحبات مهارات وأذواق. والأدهى فى الأمر والأمرّ هو أنهنّ دائما يترقبن حركاتكم خلسة، ويلقين إلى نظراتكم بين حين وآن نظرة. وإذ أعجبكم حسن النساء الأخريات، فوقعت عليهن نظراتكم فى مفاجآت. فزوجاتكم عندئذ يرفعن الجبال، ويجررن عليكم الوبال، ولا ينفعكم وقتئذ طلب العفو ولا السؤال. وقد حدث لى مثل هذا فى إحدى زياراتى إلى الأسواق، فجرّنى الأمر من الفواجع ما أنسانى الوداد والوفاق. ومنذئذ أنا وزوجتى فى شجار دائم، والشقاق بيننا جار وقائم. وقد رمتنى زوجتى ببهتان، وقذفتنى بإثم وأطلقت علىّ اسم الشيطان، وضيّقتنى بالحياة فلا أجد الراحة ولا السلوان، وهجرتنى زوجتى وذهبت بالولدان، إلى بيت والديها وشكت إليهما بأنى أنا السبب في البعد والهجران، وأنا فى أمرى هذا يأيها الرجال حيران، وقد حاول إصلاح أمرنا وتقدم إلينا بعض الجيران، ولمّا ذكرت لهم السبب أصبح بعضهم علىّ غضبان، لا لأنى اقترفت ذنبا بل لأنى أطلقت لزوجتى العنان، تفعل ما تشاء وتقذف -حاشا لله- بزور وبهتان.

وقال خالد بن سلام ثمّ مضى الزوج يقول يأيها القاضى هذا هو الخبر، وانظر فى القضية فهذا هو الأمر. واقض ما أنت قاض، وأمرك فينا ماض. وماقدّره الله فهو آت، وكل ما هو آت فات. وهذا هو الأمر المحتوم قد عمّ، والقضاء قد حُمّ. ثمّ توقف وسكت، وجلس وصمت. فرأيت الرّجال- خاصة الأزواج- يصفّقون له ويفرحون، كأنهم يشاركونه شكواه فبإظهاره الحقيقة يمرحون. ثمّ رأيت القاضى دكّ الطاولة بيده دفعة، وتكلّم فجأة. فقال يأيّها الرجال ماهذا الهراء؟ أنسيتم ما للمحكمة من عزّة وشرف وثراء؟ واسكتوا واصمتوا، وأصغوا إلىّ بآذانكم وأنصتوا. هذا الأمر الذى ذكره الرجل ليست حوبا كبيرا، ولا شرّه شرّا مستطيرا. لكن كما هو الحقّ المعلوم أنه كلما اجتمعت الصغائر، تصير من الكبائر. فنار عود صغير يتحرّق به غاب كبير. وأقلّ غلطة تجلب أجل محنة، وأدنى سقطة تخلف وراءها أكبر فتنة. فافعلوا الخير، واخرجوا فى السير. واتّعظوا بمصارع الأقوام، إذ أنهم لم يمتنعوا عن الآثام. وهذا الزوج ومثله الآخر من بينكم إذا لم يراع آداب الإسلام، فإنه يقع فى الأمر الحرام، و لا يكون فى حياته فى أمن أو سلام. أما قال القرآن، أنه على الرّجال ذوى الإيمان، أن يغضوا من الأبصار، فيكونوا من الأخيار. ثم أنشد قائلا:

إذا أنت لم تراع آداب الإسلام

فكيف ترجو البر والأمن والسلام

وتقترف الذنوب إثر الذنوب

وتأمل أن تجنى الخير مثل الكرام

ما أحرى بك لو تركت المعاصى جانبا

وسلكت طريقا غير طريق اللئام

فلا تعلم نفس متى يحين أجلها

ولا هى تعرف متى يدهمها الحمام

وعلى النفس أن تسعى للقاء خالقها

بالعمل الحسن واجتناب الحرام

 ثمّ قال القاضى وعلى الزوجة أن لا تتوجس خيفة من أمر زوجه، ولا تضيق الخناق عليه فى شأنه. وعليها أن لا تسيئ الظنون ببعله، وأحرى بها أن ترثى لحاله. فإنه هو الذى يكدّ ويتعب، ويجهد نفسه وينصب. وليرسخ فى ذهنكم أن الوفاق بين الزوجين ضروري لصالح الأسرة وبناءها المستقيم، وأن الشقاق بينهما يؤرّث نيران الحقد ويهدّم بنيان الأسرة القويم. وقال خالد بن سلام ولما فرغ القاضى من حديثه، رأيت الحضور كلهم يقبلون لمبايعته. لأنه أسدى إليهم نصيحة وقعت فى نفوسهم موقعا حسنا، ودفع عنهم الرذيلة فباتت نفوسهم تحسّ خيرا وأمناّ.

*الباحث في الدكتوراه، مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهرلال نهرو، نيو دلهي، الهند

فكاهة وسخرية: برلمان البقرة
*محمد ريحان الندوي

­

أنا “ددهيا” البقرة حيوان أهلي من فصيلة البقرات ومن جنس الحيوانات صاحبة ظلف وذوات الأربع، وصاحبة قرون متوسطة، ومن مواشي اللبن، يستخدمني الإنسان للحرث والنقل، ويتغذى من لبني ولحمي. أنا أليف لدى الإنسان ومحبوب إلى حد كبير، فإنني مثل هندي في الكرامة والشرافة فيقال هذا الرجل مثل البقرة معناه إنه شخص كريم ونبيل. وفي العرب مثل شائع عني “بقرة حلوب” ومعناه شخص يستغل شيئا. وهذا، يدل على ذلك أنني محبب لدى الإنسان منذ قديم الزمان ويعرفني الصغير والكبير والطفل والعجوز بأنني أشربهم الحليب الخالص. وأعينهم في الحراثة والفلاحة. فإن الإنسان منذ غابر الزمان يستخدم أولادي في الحرث والنقل وأنا لا أنكرهم أبدا لأنني خلقت لخدمة البشرية ولمنفعة عامة الناس. ولكنني سمعت الخبر أمس، قالت بعض صديقاتي: أن جماعة البقرات هاجمت على جماعة من الناس وقتلتهم في أحدى مدن ولاية راجستهان. وهذا الحدث يقلقني ويؤذيني جدا بكوني أنا مسؤولة على مستوى الهند للحفاظ على حقوق البقرات، وهذا ما سمعناه أبدا! أن البقرات تقدمت إلى هذا الحد أن تقتل الرجال الأبرياء الأحباء لنا، لذلك هممت أن أفتش الأمر و أصل إلى حقيقته.

وبعد قليل شاع هذا الخبر بين البقرات في الهند في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها وجلهن كانت مضطربة عن ماذا تفعل؟ فطلبت أنا ددهيا المجلس الطارئ للحفاظ على حقوق البقرات في دلهي وأعلنت عنه عبر وسائل الإعلام الفيس بك والتويتر واليوتيوب، وبعد يوم حضرت البقرات وجمعت من مختلف الولايات الهندية وجلست في القاعة أمامي في مقرنا الخاص الواقع أمام البرلمان الهندي. فجلست على الكرسي الرئاسي وبدأت أسأل عن هذا الخبر، ماذا ترين في هذا الخبر أن البقرات قتلت جماعة من الناس بأرجلهن وقرونهن أشد قتلة.  أفتين في هذا الأمر ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدن أنتن.

قالت سوني نيابة عن بقرات ولاية بهار: نعم قد سمعنا أمس عن طريق الراديو الحكومي المركزي أن البقرات هاجمت على أناس طيبين حتى ماتوا جميعا. أسفا عليهن.

نعم لذلك قد طلبت هذا المجلس فورا بأنني مسئوول عنكن جميعا، لو شاع هذا الخبر فيما بين الناس لضاق عيشنا وحياتنا اليومية، فمن يعلفنا ويرعانا، قالت الأميرة ددهيا متأسفة حزينة.

وقالت البقرة الضعيفة شولا من ولاية أترابراديش: من فعل هذا منا، فعلينا أن نقتلهن بالقرون والأرجل كي لا يضيق عيشنا الأهلي فيما بين الناس.

إذ قالت البقرة تروبن نيابة عن ولاية كيرالا: إن الإنسان يظلم علينا أثناء الحرث بالضرب المبرح بالعصا، ويذبح صديقاتنا بدون إذن سيدتنا، فمن الممكن أن البقرات غضبت غضبا شديدا وقتلت أناسا وأشخاصا. وهذا ليس بمستحيل في عصر التطور.

ماذا أسمع منكن يا صديقاتي مستحيل هذا! الأمر بالعكس تماما. هذه دسيسة ومؤامرة قد شاعتها بعض البقرات الوحشية خلافنا والثيران الأهليون، الحقيقة الواقعية هي أن بعض العشاق والمحامين للبقرات قتلوا إخوانهم وأصدقائهم حفاظا للبقرات وصيانة للبقر. أجابت ألورا نيابة عن بقرات ولاية راجستهان، هذه شائعة فقط لا أصل لها. وصدقتها صديقاتها الموجودات من منطقتها.

وطأطأت الأميرة المسؤولة رأسها وقالت: شكرا لك، أثلجت صدورنا بهذا الخبر.

ولكن الإنسان قتل الإنسان! أخاه الشقيق صيانة للبقر!! يحفظ الحيوان! ويقتل الإنسان! ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين. مستحيل!! لايمكن أبدا! كيف وقع هذا الأمر!! هذا أمر لا يصدق. قالت الأميرة ددهيا.

فأجابت ألورا مبتسمة: نعم هذه هي الحقيقة. طفق بعض الناس يقدسوننا ويعبدوننا حتى يستخدمون بولنا كدواء لأمراضهم وشفاءا لأسقامهم. حتى الوزراء يفوزون الانتخابات البرلمانية والولائية على حسابنا واسمنا.

ولكن أقاطع كلامك يا ألورا.

 تفضلي يا سيدتي، قالت ألورا.

رأينا التقديس للبقرات وليس للثيران! لا أدري ما هي القصة؟ هل تدرين فلسفتها الخفية وسر هذا الأمر؟ سألت البقرة شولا.

سؤال بسيط إننا البقرات نقدم للإنسان اللبن الخالص السائغ لذلك جعلونا على منزلة الأم. أجابت البقرة ألورا.

لو هذه هي الحقيقة فلم لم يجعلوا الغنم والجاموس والإبل أما لأنفسهم؟ والثور زوج لنا، وأب لأولادنا. يتحمل المشاق في الحرث والنقل فالتقديس للبقرة فقط ولماذا؟ يا سلام! البقرة شولا طرحت سؤالا آخر قاطعة برهان ألورا.

لا أدري ما هي فلسفة الإنسان للتقديس لنا واتخاذ المعبود لنا، أجابت ألورا بكل هدوء وسكينة.

قاطعت الأميرة ددهيا كلام ألورا وقالت متسائلة: لا أدري ما هو التاريخ الحقيقي لجعل المعبود للبقرات واتخاذها آلهة، ولكن سمعت أن بني إسرائيل اليهود هم الذين اتخذونا آلهة لأول مرة. أما تاريخ العبادة لنا في الهند كيف بدأت لا أدري بالضبط، فعلينا الدراسة والمطالعة للتحقيق عن هذا الأمر.

أجابت ألورا: قرأت كتاب التاريخ للحيوان المسمى “كتاب الحيوان” فوجدت فيه أن أناسا من بني إسرائيل جعلونا إلها ومعبودا لأول مرة، صدقت وما سمعت هي الحقيقة، أما قصة جعل العبادة لنا في الهند فلا أدري بالضبط ولكن أدرس كيف بدأت هذه العبادة والتقديس؟

ولكن كيف يفوز الوزراء على حسابنا في الانتخابات؟ أجبني يا ألورا أرى فيك علما جما؟ سألت الأميرة ددهيا.

 فأجابت أن بعض الوزراء يظهرون الحب لنا والحفاظ على حقوقنا، والناس قد اغتروا منهم، حتى شاهدنا بعض الفتن والقتل على اسمنا. وكيف وقعت الفتنة؟ سألت بنت ددهيا لألورا.

كان بعض الناس يمرون بـ”دلهي” في شاحنة تحمل البقرات للبيع في سوق الحيوانات، فأوقفهم إحدى جماعات حفاظ البقرات، وقبضوا عليهم وهجموا عليهم وأماتوهم، وقالوا: البقرة أمنا، البقرة أمنا. ولا يجوز البيع والشراء والذبح لأمنا. أجابت ألورا لبنت ددهيا.

ولكن بنت ددهيا الصغيرة وقعت في الدهشة والحيرة. كيف يمكن لأمنا أن يكون أما للإنسان؟ والبقرة تلد بقرة ليست إنسانا. فطرحت البنت الصغيرة أمام أمها سؤالا بسيطا آخر؟ يا أمي أنت أمنا والثور أبونا؟ فكيف أنت أم للإنسان؟

قالت ددهيا: يا بنتي أن الإنسان قد ترك حب الإنسان وجعلوا يحبون الحيوان، أما ترى راجو يضرب أمه وأباه كل يوم ضربا مبرحا. وما تدرين أن أهل أوربا وأمريكا هم يحبون كلابا وقططا وحيوانا أكثر من آبائهم وأمهاتهم. ففي طبيعة الإنسان عاطفة الحب والمودة الصادقة فلولم يحب أمه وأباه ليحب الحيوان والطيور.

قد وقعنا في محل آخر وكنا نتساءل ونتفاهم عن قضية قتل الإنسان على أيدي البقرات ولأجل ذلك طلبت هذا المجلس وجلسنا في البرلمان قالت ددهيا. فماذا تقولين يا صديقتي من غووا.

قالت البقرة كاؤ نيابة عن ولاية غووا: أن في غووا ذبح البقرات واستخدام لحمها يجوز والناس يخدمونها حرا طلقا. وصدقت بقرات كيرالا وآسام وبنغال على هذا الأمر. والحكومة الحالية التي تدعي أنها حافظة لحقوق البقرات فلِم تمنع منعا باتا في هذه الولايات، ولحم البقر غير مسموح في بعض الولايات مثلا اترابراديش، ومدهية براديش، وغجرات، هذه هي السياسة على اسمنا. وقال الوزير البرلماني أثناء الحملة الانتخابية: لوجاءت الحكومة لحزبه ليأكل الناس لحم البقر بكل يسر وسهولة، هذه هي السياسة والدسيسة، قالت البقرات بالإجماع.

وأضافت البقرة ألورا قائلة: كم من البقرات ماتت جوعا وعطشا على أيدى هؤلاء الحفاظ للبقرات وعلى الرغم أنهم يبيعونها للجزار بعدما نصبح ضعيفة وعجوزا. فكيف هذا الحب والود، هي الخديعة والمؤامرة على اسم البقرة فقط لا غير.

قالت البقرات بالإجماع: إن هؤلاء الناس السياسيين يتسببون لنا سمعة سيئة في سائر البلاد الهندية وخارجها فلنذهب إلى المحكمة العليا ونرفع القضية إليها أن بعض السياسيين يتسببون لنا سمعة سيئة ويشوهون صورتنا المحببة فنناشد من المحكمة أن لا يسمح لهم لذلك وأن لا يستخدموا أسماء البقرات للسياسة الفاسدة ولقتل الأبرياء المعصومين من الناس.

* الباحث في الدكتوراه، جامعة جواهر لال نهرو، نيو دلهي، الهند

الخواطر: أول هدية من ابني
د. محسن عتيق خان

بدأت أفتح حقيبتي لإخراج الملابس فاحتكت أناملي بحزمة هدية و عندما أخرجتها أدركت بأنها علبة أقلام الرصاص قد تم تغليفها بدقة وأناقة. فتذكرت على الفور قول زوجتي “عبدالله ابتاع لك هدية و وضعها في حقيبتك” عندما كنت أغادر القرية في اليوم التالي للعيد بعد أن احتفلت به مع أسرتي، وبدا عبدلله في ذلك الحين على استحياء و أبى أن يبوح لي و لأمه عما وضع في حقيبتي. عند ذلك الوقت لم أحمل هذا على محمل الجد، ولكن الآن تذكرت وجه عبد الله ووجدت في نفسي حب الاستطلاع عما في هذه العلبة، فكنت فرحا وجال في خاطري هل بلغ عبد الله عمرا يهدي فيه إلى أبيه، هل يعرف ما يهدى إلى أب مثلي، هل يدرك معنى الهدية، هل يحبني هذا الولد المزعج إلى هذا الحد، هل شعر بأنه سيفتقدني بعد مغادرتي القرية. فتحت العلبة بشوق و حنين ولم يسعني الأرض فرحا عندما وجدت فيها قلما جميلا، فأتلقى أول هدية من ابني، وهذه أفضل هدية لدي و لأب مثلي، ولم أتمالك على نفسي إلا أن اعترف بإدراكه الدقيق لهواياتي، فقد كان لاحظني أثناء الليل مشغولا بالكتابة بعد العودة من مكتبي في بعض الأحيان إلى غسق الليل، ويقظا خلال العطلة الأسبوعية. وبعد رؤية هذا القلم أسرعت إلى ذهني أبيات للأستاذ محمد ناظم الندوي، وكنت قد قرأتها خلال دراستي في المكتب قبل حوالى عشرين عاما:

أهــــدى إلـي سيــــدي                     قـــلما رشيقـــا مــــن دكن

أغلى من اللؤلؤ                                 وارشقا من القد الحسن

هو خير ما يهدى الى                          من يبتغي الذكر الحسن

يا حبذا تلك العلى                              من ماجد حبر الزمن

كم معدم نال به                                 مالا عظيما في المحن

كم صاغر عز به                                  و نال مجدا بالوطن

هذه الأبيات للشاعر الهندي تشير إلى أهمية القلم في الحياة الإنسانية و قيمته بين أبناء آدم ، وما الذي يمكن أن يكون أكثر بهجة و سرورا لي من إدراك ابني لحقيقة القلم، و السر المختفي فيه للنجاح، ، وقيمته الغالية التي لا تقدر بثمن، والعز الذي يكمنه لحامله، والمجد الذي يقدر لمستخدمه، والذكر الحسن لمستخدميه.

فهذا الابن الذي لم يتجاوز إلا العام السابع من عمره، كان ينتظرمع اخيه الصغير لبهجة العيد بفارغ الصبر آملا في الحصول على العيادي من الكبار في بيتنا، ورؤية سوق العيد. كان يبدو يوم العيد كأنه أغنى من كل رجل ويحتفظ بربياته في جيبه بكل احتياط ولم يدع أحدا أن يمد يده إلى جيبه وحتى أنا، قد أراد أن يبذل بعض المال في اشتراع قلم لي، وكانت رشاقة القلم و أناقته تدلان على أنه اشترى أحسن وأفضل قلم متوفر في القرية. فهذا أجمل هدية استطاع أن يهدي إلي.

.الله يسلمك ويخليك ويحفظك يا بني و دم أنت و أخوك و أختك وما يحرمني الله منكم أبدا.

كلمة المجلة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين

أما بعد،

نقدم لقرائنا الكرام العدد الثالث لمجلتنا للسنة الحالية، ويشتمل هذا العدد على حوار يشف عن التجارب والعلوم والمعارف، وقصة قصيرة مثيرة للإعجاب تتناول قضاى تعذيب الطبقة المتخلفة من الهنادك، ومقامة ملفتة للانتباه تتحدث عن الشجارات بين المرء وزوجته، ومحاولة في كتابة قصة فكاهية على لسان البقرات التي أصبحت موضع السياسة في الهند بسبب تقديسها لدى الهنادك، وعادة أكلها لدى المسلمين.

ويحتوي هذا العدد على مقالات قيمة بما فيها المقالات للباحثين الواعدين. وهذه المقالات تتناول موضوعات متنوعة، فمقال الدكتور معراج أحمد الندوي يلقي الضوء على أسلوب القرآن الكريم وتعبيره في النثر العربي الفني، ومقال الأستاذة طيب عمارة فوزية يخوض في تفاصيل اللهجة العامية وتأثيرها السلبية على التعليم والطلاب، وينبهنا من خطور استخدام العامية في داخل المدارس والكليات والجامعات، ومقال الأخ الباحث رفيع أحمد تتبع نشأة التوقيعات الأندلسية وتطورها في العصر الأندلسي، ومقال الأستاذة حبيبة إلزعر يعرض لنا واقع الترجمة النصية بين النظرية والتطبيق، ومقال الباحثة حنة بيخان يبحث عن ملامح الواقعية في قصص الأديبة الفلسطينية سميرة عزام. والأخ الباحث محمد حسين يدرس في مقاله رحلات الشيخ محمد بن ناصر العبودي بالتركيز الخاص على انعكاس ثقافة شمال الهند فيها. والأخ عتيق أحمد يقدم لنا روايات الروائي المصري الشهير يوسف القعيد نقدا وتحليلا الذي حاول من خلالها أن يعبر”عن هموم الأمة العربية ومعاناتها ولاسيما المصرية ويحلل مسائل الإنسان العربي المعاصر وأحواله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية  والنفسية.” والأخ محمد فيصل درس في مقاله عن مؤلفات الدكتور لقمان السلفي للأطفال، وقام بتحليلها و أبرز لنا ملامحها الخاصة وميزاتها البارزة.

وأخيرا نتمنى أن ينال هذا العدد رضا قرائنا الكرام وحسن إعجابهم، وندعو الله سبحانه تعالى أن يوفقنا مزيدا لخدمة العلم والأدب، ونشكر كل من أعاننا في إصدار هذا العدد، اللهم أجزاهم جميعا.