+91 9999 324 197
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

قصة قصيرة: مسلوب الكرامة
د. محسن عتيق خان

سيدي أنت تبدو رجلا كريما، فتأتي كل يوم في الوقت الذي يقل فيه عدد المارة، تجلس إلي لتستأنس بي رغم أنني قذر وتفوح مني رائحة كريهة، وأنت تعطيني ورقة لعشرة ربيات في كل مرة تمر بي، ليس قط أقل منها، وهي تساوي ما أحصل عليه بعد السؤال لطول يوم. إنك غير الصحفيين الذين لا يلوون إلى أشياء تافهة، ولا تعنيهم معاناة عامة الناس، فتجدهم دائما خلف رجال الأمر والنهي ككلب يحرك ذيله أمام مالكه، ولكن أجدك ترغب في رجل حقير مثلي، وتحاول أن تستنطقني كأنك تريد أن تستظهر أسرارا  مني، وتعرف من أنا رغم أنني رجل حقير منبوذ، أجلس في الطريق متسولا، وأواجه النهر والطرد  في كل لحظة.

قد جئتَ اليوم في وقت الفرصة، تعال معي، فلنذهب ونجلس عند أحد أعمدة هذا الجسر، و قد اتخذته مسكنا لي منذ أن نضب الماء في هذا النهر، و آوي إليه كل ليلة، فإمضاء الليل على ممر المشاة ليس بخال عن المخاطرة إذ تتسلق السيارات عليها تدوس الفقراء النائمين في بعض الأحيان. هذه قاعدة العماد و هي مثل بيت لي، دعني أفرش لك بعض صفحات الصحف لكيى لا تتلوث ثيابك بالتراب، نعم، إجلس الآن بسكينة، و ضع كاميرتك هذه في جانب آخر و اسمتع إلى قصتي.

سيدي، أنا أنتمي إلى قرية تقع على بعد خمس وسبعين كم من هذه المدينة، ومضت سنوات لم أزرها، فهذا المكان تحت جسر “موتي مَحَل” بيت لي، وممر المشاة على هذا الجسر مكتب لي، أنا أكتسب هناك وأبيت هنا. وفيما أتذكر، كانت قريتي كبيرة بالنسبة للقرى المجاورة الأخرى فكانت تتوزع على أحياء مختلفة، هذا حي البراهمة، و ذلك حي الحلوانيين، و حي آخر للمسمين، و حي للأنصاريين، و الحي الذي قضيت فيه طفولتي مع أبوي و أعمامي و ابناءهم كان يقع خارج القرية في الجانب الغربي و يصله بالقرية شارع ضيق على جانبيه ماء الترعة. كان هذا الحي يعرف بإسم “جَمَرَهِي” نسبة إلى الطبقة المنبوذة التي كانت تقطنه. كان أهالي هذا الحي لم يملكوا بيوتهم، فكانوا يسكنون في أرض يملكوها بعض مرازبة القرية، و كان على أهالي هذا الحي أن يعملوا في حقولهم و يتعرضوا لشتمهم و ركلهم و كان عليهم أن يسكتوا ولا يفوهوا بكلمة إذا حدث مع زوجاتهم أو بناتهم حادث في الحقول فهم أناس لا أرض لهم و لا ملك، ولا شرف لهم ولا عِرض، وكأنهم أبناء الكلاب لا صلة لهم بالإنسان.

كان أبي يستطيع أن يقرأ فيعتبر مثقفا في طبقتنا، وكان رجلا متحمسا من أشد المعجبين لـ”بابا أمبيدكر صاحب” الذي حاول أن يزيل العار عن طبقتنا المنبوذة في الهند و نجح في الحصول على بعض حقوقهم الأساسية. كان أبي يتوقع مني كثيرا و يعقد بي الآمال إذ كنت ابنهم الوحيد، فقرر أن يبذل كل ما في وسعه على تعليمي و تربيتي ولعله أراد أن يجعل مني أمبيدكرا آخرا، فذهب بي إلى مدرسة القرية، وألحقني بها.

أتذكر جيدا كأن ذلك حدث بالأمس فقط يا سيدي، فأيقظتني أمي في الصباح التالي وأعطتني مسواكا من شجرة “النيم”، لعل أول مرة استكت في ذلك اليوم فلم أفكر في تنظيف أسناني قط، ثم وضعت أمامي كسرة من خبز بائت إذ لم يكن لدينا سواه فأكلته بنهم ثم توجهت إلى المدرسة مع حقيبة أعدت من قطع الملابس القديمة و قد وضعت فيه لوحة خشبية، و قطعة من الطباشير أخرجها أبي من الأرض في الغابة القريبة، وكنت قد وضعتُ تحت إبطي الأيسر غرارة بالية للجلوس.

عندما وصلت المدرسة وجدت طلاب الصف الأول جالسين تحت شجرة بِيبَل، ففرشت غرارتي في جنبهم وما أن جلست عليها بدؤوا يطردوني و يبعدونني عنهم و يشتمونني كأني شيئ نجس و كأنهم الملائكة نزلوا من السماء، فأحد الأستاذة الذين كانوا يجلسون على الكراسي حول طاولة تحت ظل شجر آخر، أسرع إلينا صائحا و مستفسرا لماذا هذا الشغب. و عندما أدرك الواقع، أشار علي أن أجلس بعيدا عنهم في نهاية الصف، ثم كتب على السبورة بعض الحروف الأبجدية للغة الهندية وأمرنا أن ننقلها على لوحاتنا الخشبية ثم ذهب لشأنه. كان لهذا الحادث صدمة نفسية شديدة على قلبي إذ لم أكن أخرج من بيتي ولم أواجه قط مثل هذا السلوك في حيي، كانت رغبة الدراسة قد فُقِدت فلم أحاول نقل هذه الحروف في لوحتي، وكل همي هو أن أغادر هذا المكان بأسرع ما يمكن. وعندما ضُرِب جرس المدرسة للمغادرة بدأت أجري إلى البيت، وأول ما فعلت هو إخفاء رأسي في حضن أمي التي فهمت كل شيئ بدون أن أفوه بكلمة وبدون أن تسأل أي شيئ وبدأت تلامس شعر رأسي بشفقة للغاية بينما كانت دموع عيني تبلل خدي.

صباح اليوم التالي، عندما ناداني أبي، رفضت أن أذهب إلى المدرسة فلم أستطع أن أتلقى مزيدا من الإذلال، فضمني إلى صدره وبقي هكذا لعدة دقائق ثم أخذ بذقني قائلا “يا بني، يبدو أن الذل قد قُدر لنا منذ أبد الآباد، فقد عاش مع هذا الذل آباءنا وأجدادنا، ولكن أريد أن لا تكون مثلنا في المستقبل، وآمل بأن الصبر على بعض الذل الآن سوف يخرجك من الذل الدائم في المستقبل، وسوف تصبح مثقفا، و إذا بذلت جهدك في الدراسة وعملت مخلصا لمجتمعك فسيحترمك الناس كما يحترمون بابا صاحب.” لا أتذكر ما فهمت من قوله و ما لم أفهم، ولكنني أدركت أنه يريدني أن أذهب إلى المدرسة وأتعلم، فأخذت حقيبتي و ضغطت غرارة خالية في إبطي متوجها إلى المدرسة، و هناك جلست في نهاية الصف حيث كنت جلست بالأمس  حسب إشارة الأستاذ هناك.

سيدي، جاء هذا اليوم بتجربة جديدة، فالأستاذ كتب على السبورة نفس الحروف التي كتبها بالأمس ثم علمنا كيف نكتب هذه الحروف وطلب منا أن نكتبها حسب إرشاده. إنه بدأ يتجول في الصف ويشاهد لوحات الطلاب واحدا تلو آخر بينما كان يحرك بيده اليمنى عصا صغيرة من حين لحين، ويرشد الطلاب بإشارة هذه العصا ويضربهم بخفة إذا اقتضت الحاجة، وعندما مر بي وقف ونظر إلى لوحتي من بعيد ثم قال لي شيئا وعندما لم أفهم رفع العصا ولكن امتنع شاتما باسم طبقتي وقال: “أنت تريد أن تتعلم، هل سيدخل شيئ في رأسك” ثم قال لي مشيرا إلى بعض الحقول القريبة من المدرسة “إذهب إلى حقول العدس الأصفر وأتني بعصا جيدة فإن استخدمت هذه العصا عليك ستتسخ و لا تبقى صالحا للاستخدام على غيرك.” وعندما عدت بعصا جديدة من الحقل وجدته جالسا في انتظاري، فأخذه من يدي وبدأ يضربني وعندما تعب، رمى به بعيدا ثم أخذ عصاه ومشى إلى الطلاب الآخرين وهو يقول لي “عليك أن تأتي كل يوم بعصا جديدة.”

و هكذا أصبح من عادتي أن أقطع له كل يوم عصا جديدة فلم ير مناسبا أن يستخدم علي حتى عصاه فضلا عن أن يأخذ بيدي لتعليم الكتابة أو يمس بلوحتي ليريني كيف تكتب الحروف، فكأنه ليس معلم يحب التعليم والتعلم، بل مُعذِب يتمتع بتعذيب الطلاب المساكين. كل يوم كنت أقول لأبي أنني لا أذهب إلى المدرسة و كل يوم كان يصر ويقنعني بدلائل مختلفة أن أذهب إلى المدرسة، وعندما سئمت من ذلك، امتنعت عن الحديث معه، وبدأت أخرج من البيت واختار طريقا غير طريق المدرسة وأذهب إلى الحقول وأقضي الأوقات هناك متسلقا الشجرات في بساتين المانجو أو مغتسلا في النهر مع رعاة الغنم، ولكن إلى متى كان من الممكن أن أخفي كل هذا من أبي، ففي يوم من الأيام إنه رآني و كنت أقفز في الماء من فوق جسر نهر صغير يمر بقريتي، فأخذني معه إلى البيت ساكتا وضربني هناك لعدة دقائق ثم جلس على مربع التراب عند باب بيتنا غارقا في فكر عميق، و في هذا المساء كان كل شيئ ساكنا في البيت فلم يأكل أحد منا ولم يتكلم بعضنا البعض، ونمنا جنبا بجنب على الفراش الذي بُسط على شجيرات الرز الجافة لتقليل البرد من التحت.

عندما استيقظت كان كل شيئ على ما يرام، كان أبي يصقل معوله وأمي تطبخ الخبز وتقلي الفلفل مع البصل لغدائنا. رفع أبي رأسه و ألقى نظرة علي ثم قال لي، منذ اليوم ستأتي معي وتشاركني في العمل، فلعل الإله راما قد قدر لنا أن نعيش مذلولين ومستحقرين دائما. بدأت أغدو و أروح مع أبي إلى الحقول، فكنا نحرثها و نعزقها، ونسقيها و نُعَشِبها، و نحصد ونحمل إلى البيادر، وكنا نعيش بين الطرد والشتم والنهر، ونصبر على كل ذلك الذل والهوان التعذيب إذ استطعنا أن نحصل على ما يسد رمقنا.

و في يوم من الأيام، ويا سيدي، ذلك كان أنحس يوم لنا، فبينما كنا نقوم بالتعشيب في حقل من الحقول أخبرنا صاحب الحقل بأن هناك جثة لبقرة قد ماتت الليلة البارحة في بيته وطلب منا أن نحملها إلى خارج القرية، فأسرعنا إلى بيته، ليس لأننا كنا نعبدها، بل طمعا في جلد الجثة الذي سيجلب لنا بعض الروبيات الإضافية، فأقسم لك بأنني لم أذق لبن بقرة قط في حياتي، ولكنني شربت بولها عدة مرات متبركا ومتيمنا كالعادة. فأخذنا معنا رجلين من طبقتنا، وحملنا هذه الجثة على أكتافنا وبدأنا نمشي إلى الخارج، وعندما وصلنا ملتقى الطريق عند دكان الشائ هجم علينا بعض الذين عُرِفوا في ذلك الحين كحراس البقرة. ولعلك تتذكر يا سيدي، كان في ذلك الحين قد آل الأمر في بلادنا إلى حزب هندوسي متطرف، وبرعاية هذا الحزب قد ظهرت جماعات من الشبان المتفرجين العاطلين في زي حراس البقرة في كل مدينة وقرية مثل فطر و كانوا يعتبرون أنفسهم فوق كل قانون من قوانين الأرض، فكانوا دائما يبحثون عن عذر أو آخر للهجوم على آكلي اللحوم، يضربونهم ويقتلونهم بدون خوف أي مؤاخذة، و بدون مبرر. إنهم عقدوا بنا إلى شجرة وبدأو يضربوننا بالعصي الغليظة والأحذية بينما كنا نصيح بأننا من عباد البقرة و لم نقتلها، و كل ذلك في حشد كبير من الناس، وأمام شرطي المخفر هناك، ولكن لم يترحم علينا أحد ولم يتقدم لنا من يستطيع أن يتدخل في الأمر، فكأننا في مجتمع ميت منهار لا يوجد فيه رجل رشيد.

سيدي، لا أتذكر متى أُغمي علي خلال هذه الضربات المبرحة، ولكن عندما أفقت وجدت أن كل عضو من أعضاء جسمي قد تورمت ولا تزال تتوجع، كان الليل حالكا ولم يكن هناك أحد حولي، كان الآخرون لايزالون في حالة إغماء فاجترأت قليلا وحاولت أن أوقظ أبي ولكن وجدت جسمه باردا و نبضه ساكنا فأدركت أنه لم يستطع أن يتحمل الضربات ولبى نداء ربه، فبكيت طويلا ثم قمت بحل عقدي بعد جهد جهيد، بعد ذلك أسرعت إلى أبي وفككت عقده إذ كنت أريد أن أغادر القرية في أسرع وقت ممكن إلى وجهة غير معلومة، فلم أكن أعرف ماذا سيفعلون بي لو وجدوني حيا في الصباح. حملت جثة أبي على كتفي ومشيت على الطريق الذي يذهب إلى الطريق الكبير، وعندما بلغت الجسر ألقيت جثته بأيدي المرتشعة في ماء النهر الذي يجري بصوت مريع، ثم واصلت المشي على الطريق ولم أتوقف إلا عندما سقطت على الأرض متعبا وكان قد أغمي علي.

عندما فتحت عيني حائرا وجدت نفسي على هذا الجسر، جسر “موتي محل” كما عرفتُ فيما بعد، و كنت في ذلك الحين أموت من الجوع و العطش الشديدين، و لعل بضع مارة قد ترحموا علي، فوجدت بعض ربيات ملقاة حولي وكذلك بطانية بالية كانت قد ألقيت علي. كنت متحيرا ولم أستطع أن أقرر ما أفعل إذ مر بي أحد الباعة مع عربة الفواكه كأن الله بعثه إلي خاصة، فأدرك من محياي حالة جوعي وعطشي، ورمى إلي بتفاحين فاسدين و رزمة صغيرة من الماء فأكلت وشربت وحمدت الله. ومنذ ذلك الحين، جعلت من هذا المكان بيتي أقضي النهار سائلا فوق الجسر وأبيت الليل نائما تحت الجسر عند هذا العماد. وهذه هي قصتي يا سيدي، ليس وراءها شيئ. والآن قد آن أوان الكسب، فأنت تعلم، الناس العائدون من مكاتبهم يتصدقون على المتسولين إذ يقفون على هذا الجسر لاشتراء الفواكه والخضراوات من الباعة، فاستأذنك.

Leave a Reply

Be the First to Comment!

Notify of
avatar
wpDiscuz