+91 9999 324 197
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

قصة قصيرة: إلى مجتمع مسموم
محسن عتيق خان

إلى مجتمع مسموم

يأتي نهر غومتي مستقيما ثم يطوف قرية إسولي نصف طواف و يستقيم مرة ثانية و هكذا يعطي صورة هلال لدى هذه القرية الكبيرة التي تعرض ضفتها مشهدا رائعا بحقولها المترامية و أشجارها الطويلة. و تجد من هنا و هناك بعض أكواخ من القش في ظل بعض أشجار الأنبج للفلاحين الذين يلجؤون إليها في الأيام التي يشتد فيها الحر و تهب اللفحات التي تلسع الوجوه مثل العقارب، و يبيتون فيها بعض الليالي الهالكة عندما لا يكفي المطر و تطلب سقاية الحقول بماء النهر وقتا طويلا.

و من بين هذه الأكواخ كان كوخا صغيرا لـ”أخلاق” الذي كان ابنا وحيدا لأبويه العجوزين، و كان هذا المثلث يشكل أسرة مسلمة وحيدة في هذه القرية، كان الأب من أشجع الناس في المنطة في شبابه، و امتلك هذه القرية و بعض القرى المجاورة في زمان و لكن عندما حصلت الهند على استقلالها و قامت الحكومة الهندية بإلغاء النظام الإقطاعي، إنه فقد جميع أراضيها إلا قطعة صغيرة من الأرض على ضفة النهر و لم يستطع أن يحصل على المزيد رغم طوافه للمحكمة لسنوات طويلة حتى استيأس وكف عن ذلك بسبب عمره الذي كان يزيد كل يوم في ضعفه.

كان الشيخ لم يزل محترما في القرية و مقبولا لدى الشيوخ الذين كانوا رأوا زمان امتلاكه للقرية فكان لا يزال يترأس الجماعة لحل الشجارات الإرثية والأسرية في القرية و في بعض الأحيان يدعى لذلك في القرى المجاورة. ولكن عددا من الشبان بدأ يحقده و يبغضه منذ نجح “رام برساد” في انتخابات رئيس القرية، فقد كان عضوا لحزب هندوسية متطرفة و ينفر من المسلمين نفورا لا حد لها، فيجد هذه الأسرة الوحيدة في القرية كأنها شيئ خارجي لا بد من طردها، و كلما يرى القطعة الأرضية الصغيرة على الضفة يزيد حقده و بغضه للأسرة، و في هذه المرة إنه اختط خطوة كبيرة ليلحق الضرر بالأسرة، و هذه الخطوة الشنيعة لم يخطر قط ببال أحد من رجال القرية، و لم يجترأ أحد أن يختار هذا السبيل في القرية ضد العدو اللدود فضلا عن هذه الأسرة الكريمة التي لم تضر أحدا قط، وكانت دائما تشارك الناس في سرائهم وضرائهم،  فعندما أتت أشجار الأنبج بأثمارها، وبدت سنابل القمح تتمايل بعد نضجها، قرر “رام برساد” أن ينفذ خطته، ففي ظهيرة حارة عنما أوى الناس إلى بيوتهم ليقوا أنفهسم من شدة الحر والهواء اللافح، إنه تسلل من القرية مختفيا عن أنظار الناس، و وصل الضفة. ألقى نظرة دقيقة على قطعة أخلاق الأرضية و أشجار الأنبج التي كانت تشكل حديقة صغيرة في إحدى زواى القطعة، أشعل سيجاراته، ثم ألقى نظرة عابرة أخرى على القطعة، وأخذ عود كبريته المشتعل في يده بشدة ثم رمى بها إلى أبعد ما يستطع في وسط حقول أخلاق، استمر يحدق في المكان الذي سقط فيه العود حتى رأى الدخان ينبعث من هنا، فأخذ تنفسا طويلا ثم ألقى بنفسه في النهر و بدأ يسبح إلى الضفة الأخرى.

عندما عاد رام برساد في المساء وجد أن عمله الذي حوّل حقول القمح و حديقة الأبنج إلى الرماد قد أصبح حديث القرية بدون أن يعرف أحد من فعل ذلك. إنه وصل بيته فرأى أباه يحاول أن يخرج غرارة من غرائر القمح المدخرة للبيع، فسأله لماذا يفعل ذلك، و جوابه أدهشه، فهو يريد أن يهدي هذه الغرارة إلى أبي “أخلاق”، فقد ابتلعت الحريق حقوله و ولم يترك له شيئا. فاشتعل غضبا و منعه من أن يفعل ذلك، و لكن أباه كان يعرف انتماءه و حقده للمسلمين فبدأ يفهمه قائلا “يا بني الحقد لا ينفع، و هذا الرجل الذي فقد حصاد هذا الموسم في الحريق كان يمتلك هذه القرية في زمان مضى، و كان حسن الخلق و يراعي حقوق الناس، و كان يعامل الناس معاملة حسنة و لم يظلم أحدا قط و لم يستطع أحد أن يظلم أحدا في أيامه، و هو لا يزال يفصل في شجارنا فصل الحق. أنت رئيس القرية الآن، و عليك أن تشارك أناس القرية في سرائهم و ضرائهم”. ثم حمل الغرارة على كتفه اليمنى و توجه إلى بيت “أخلاق”، فخرج هو أيضا خلف أبيه رغم أنه كان مشتعلا بالغضب ليتظاهر بأنه يلقي أخلاق و يواسي أبيه.

مضى على حادث الحريق شهور و خلال هذه الأيام اشتد انتماء رام برساد بالحزب السياسي المتطرف و المنظمة المتطرفة التي تشرف على هذا الحزب و تسعى إلى خلق النفور بين عامة الناس ضد المسلمين، و تحاول إيجاد الاضطرابات الطائفية من حين لحين، ففتح فرعا لهذه المنظمة في القرية و دعى شبابها أن ينضموا إليها فزاد عدد الأعضاء يوما بعد يوم، و حتى وجد عددا من الشبان يفكرون مثله، و ينفرون من المسلمين، و يحقدون عليهم مثله إلا عددا قليلا من الشبان الذين استردوا عضويتهم بعد أن رأوا أن هذه المنظمة منظمة متطرفة غير إنسانية و دون عقلانية، و تدعو إلى اختيار الكذبة في كتابة التاريخ والثقافة، و تسعى أن تخلق الهوة بين المجتمع الهندي على أساس الدين والثقافة والطائفة.

عندما نجح رام برساد في أن يخلق جماعة من الشبان الذين يتبعونه، إنه اختط خطوة حاسمة للقضاء على هذه الأسرة المسلمة الوحيدة، ففي المساء الذي صعد أخلاق فيه سطح بيته لرؤية هلال العيد، فتح رام برساد الغرفة المختصة لفرع المنظمة في فناءه، و حضر أصدقائه من الفرع حسب الموعد و ناقش معهم الخطة حتى اتفقوا على كيفية التنفيذ النهائية ثم تفرقوا. إنه خرج أخيرا من الغرفة، و عندما بدأ يغلقها، سمع أباه يسعل بشدة، و يدعوه إليه، فذهب إلى سريره و جلس إليه، فقال له أبوه، “بني، أنا أعرف ما تمكرون، ولكن هذا ليس صحيح، يجب أن تعلم أن الحقد والنفور والظلم لا تقود إلى الفلاح بل إلى الكارسة و سوف تدرك ذلك، و يجب أن نعيش بسلم و سلام، و هذه المنظمة لا تفعل إلا أن تجعل المجتمع مسموما، و إن نجحت سوف تقود هذه البلاد إلى دار البوار. و ماذا تريد أن تحصل، أنت تحكم هذه القرية الآن…” إنه قام عن السرير قبل أن يكمل أبوه كلامه و دخل بيته نافضا كتفيه.

كان ذلك صباح يوم العيد، و كان المارون ببيت أخلاق يهنؤونه للعيد بينما كان هو مشغولا بكنس فناء بيته و فرش بعض أسرة  متوقعا عددا من الزائرين بعد صلاة العيد، ثم نقل أباه من داخل البيت إلى فناءه فقد كان قد أصبح صاحب الفراش بسبب مرضه الطويل و شيخوخته و لا يستطيع الآن أن يذهب إلى مصلى العيد في قرية مجاورة. عندما استعد أخلاق كاملا للذهاب إلى الصلاة، أخرج دراجته و أجلس ابنيه الصغيرين عليها، صلى العيد و لقى أصدقاءه من القرى المجاورة، ثم اشترى بعض الحلويات و لحم الضأن حسب العادة قبل أن يعود إلى بيته.

عندما رجع أخلاق من مصلى العيد وجد بعض شبان القرية عند بيته كأنهم يجلسون في مرصاده، ولكنه لم يتوجه إليهم إذ لم يهنئه أحد منهم، ثم وقف عند بابه و بدأ ينزل ابنيه الصغيرين من دراجته، و عندما بدأ يفك أكياس بوليثين من مقود دراجته، خاطبه أحد الشبان سائلا “ماذا تحمل في هذه الأكياس” و قال بصوت عال مشيرا إلى كيس أسود، “أنت تحمل لحم البقرة، البقرة أمنا، ألا تعلم أننا نعبدها، ثم بدأ يصيح، ها هو يحمل لحم البقرة، و قبل أن يفوه أخلاق بكلمة وقع عليه الشبان وقع الصقر و بدأو يلكمونه و يركلونه بأيديهم و أرجلهم، و يضربونه بالعصا، بدون أي ترحم، و بدأ عدد الناس يزيد و ينضم إلى هؤلاء الشبان المجنونين بدون أي تحقيق، فهذا كانت مسألة إلههم، البقرة الأم، قيمة حياتها أكثرمن قيمة حياة إنسان، ولم يكن هناك من يجترأ أن يتوسط أو يمنعهم من هذا الظلم، و عندما تركوه كان قد لفظ أنفاسه الأخيرة بدون أن يجد فرصة لتبرير نفسه من كذبة. رآه ابوه يموت أمام عينيه و لكن لم يستطع أن يبرح من سريره، فصاح بكل قوته بأسماء بعض أصدائه من شيوخ القرية، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده، و عندما رأى ابنه الوحيد ميتا، صدم صدمة عنيفة بنوبة قلبية، و لبى نداء ربه.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of
Close