+91 9999 324 197
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

آراء الشيخ عبد الحميد الفراهي في مسائل دقيقة في تفسير القرآن الكريم-الحلقة الثانية
الأستاذ خالد باندوي الندوي

عبد الحميد الفراحي

موازنة بين منهج الفراهي بغيره من علماء علوم القرآن

المطلب الأول: “مفردات القرآن” للفراهي موازنته ب”عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ” للسمين الحلبي

لم يتأخر التصنيف في غريب القرآن عن النصف الأول عن القرن الثاني الذي يعزى إلى ابن عباس ، ويرجح أن يكون العلماء قد دونوا فيه رواياته في تفسير القرآن بعد وفاته [1]. وأول كتاب ألف بعد ذلك في غريب القرآن ، هو كتاب أبي سعيد أبان بن تغلب بن رباح البكري ، المتوفى سنة 141 هـ ، ولكن هذا الكتاب لم يصل إلينا ، و من ثم فنحن لا نعرف شيئا عن منهجه ، أما الكتاب الذي وصل إلينا عن القرن الثالث فهو ” غريب القرآن ” لابن قتيبة ، وهو يفسر ألفاظ القرآن في سورها ، كذلك وصل إلينا من القرن الرابع كتاب ” نزهة القلوب ” وفيه تشرح الألفاظ الغريبة مرتبة وفقاً للحرف الأول منها دون التزام بترتيب الحروف التالية :

وهناك دراسات أخرى اتجهت إلى معاني القرآن ، وممن ألف في هذا الموضوع أبو عبيدة ، والمبرد ، وابن الأنباري وغيرهم ممن ذكرهم النديم [2]، وكذلك ألف الأصمعي ، وأبو زيد كتباً تحت عنوان ” لغات القرآن ” .

ثم توالت التصانيف في الغريب على مر القرون فأغرزت حتى قالت سيوطي أفرده بالتصنيف “أفرده بالتصنيف خلائق لا يحصون”[3] نذكر منهم:

  1. محمد بن غزيز السجستاني “بزايين معجتنتين” المتوفى سنة 330هـ – 941م. سماه “نزهة القلوب”.
  2. أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني المتوبى سنة 502هـ – 1108م. سماه “المفردات في غريب القرآن”.
  3. أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ – 1200م سماه “الأريب بما في القرآن من الغريب”.

ومما يجدر التنبيه إليه أن بعض هذه التصانيف في غريب القرآن لم تذكر في عناوينها كلمة “الغريب” صريحة. فالفراء أطلق على كتابه “معاني القرآن”، وأبو عبيده يسميه “مجاز القرآن” وهكذا، فالمعنى القائم بعرف هؤلاء هو الغريب وتحمل كل هذه العناوين بين طياتها شرحاً للكلمة الغريبة في القرآن والاستدلال عليها وتوضيح معانيها.

وعلى كل فقد جاءت هذه المصنفات على اتجاهين: فالأول على ترتيب السور في القرآن الكريم، والثاني على ترتيب حروف المعجم، فمن أراد معرفة معنى الكملة القرآنية وهو يعرف موضعها منه قدمها له الفريق الأول ميسره، ومن أراد معرفة الكلمة متتبعاًاشتقاقاتها ودورانها في كتاب يجد مبتغاه في المجموعة الثانية، ومههما تباينت الأساليب فإن كلاً منهم قد أسدى لقراء كتاب الله خدمة وبسط لطلابه طريق الاطلاع والمعرفة.

مفردات القرآن:

إن كتاب مفردات القرآن من الكتب الخمسة الرئيسية التي ألفها العلامة الفراهي تمهيداً للسبل إلى معرفة أسرار القرآن ولتكون خير مرشد للقارئ إلى بواطن الحكم القرآنية الدقيقة الغامضة التي لا يتكشف عنها إلا اللبيب الحاذق البصير، ولعلك على علم أن الألفاظ للمعاني بمثابة اللباس من الجسد والقشر من اللب، فلولا القشر لما صان اللب، ولولاه لما حلا التمر، فمعرفة الألفاظ المفردة هي البداية لمعرفة المعاني المستمدة من مجموعها، والاطلاع على الحكم والأسرار التي حصل من بطونها، وكتاب الفراهي هذا من خير الكتب وأعزها لديه وأكرمها عنده.

صرح المؤلف – رحمه الله – أن هناك روابط تجمع مؤلفاته القرآنية في اتجاه خاص وهدف محدد يقول:

ذكر المؤلف نفسه سبب تأليفه وموضوعه فيقول في مقدمة كتابه:

“أما بعد! فهذا كتاب في مفردات القرآن جعلته مما نحول إليه في كتاب نظام القرآن لكيلا نحتاج إلى تكرار بحث المفردات إلا في مواضع يسيرة يكون فيها الصحيح غير المشهور فنذكر بقدرما تطمئن به القلوب السليمة، ولا نورد في هذا الكتاب من الألفاظ إلا ما يقتضي بياناص وإيضاحاً، إما لبناء فهم الكلام أو نظمه عليه، فإن الخطأ ربما يقع في نفس معنى الكلمة فيبعد عن التأويل الصحيح أو في بعض وجوهه فيغلق باب معرفة النظم وأما عامة الكلمات فلم نتعرض لها وكتب اللغة والأدب كافلة به، ومع ذلك تجد هذا الكتاب – إن شاء الله تعالى – محتوياً على جل ما يقتضي الشرح من ألفاظ القرآن”[4].

ثم أشار المؤلف إلى هدف الكتاب والفكرة الأساسية المسيطرة عليه عند تأليفه كما أشار أيضاً إلى أهمية فهم الألفاظ المفردة في تدبر كتاب الله عز وجل فقال:

“لا يخفى أن المعرفة بالألفاظ المفردة هي الخطوة الأولى في فهم الكلام…. فمن لم يتبين معنى الألفاظ المفردة من القرآن غلق عليه باب التدبر وأشكل عليه فهم الجملة، وخفي عنه نظم الآيات والسورة….. وربما ترى أن الخطأ في معنى كلمة واحدة يصرف عن تأويل السورة بأسرها…. وهكذا ترى الخطأ في حد كلمة واحدة أنشأ مذهباً باطلاً، وأضل به قوماً عظيماً، وجعل الملة الواحدة بدداً….. فإن معظم القرآن الحكمة، وهي الأصل، ولا سبيل إلى فهمها من القرآن دون الاطلاع على معاني كلماتها المفردة”[5].

لاريب أن المعرفة بمعاني الكلمات المفردة تلعب دوراً رئيسياً في فهم مقصود الآيات القرآنية وبدون العلم بمعاني الألفاظ لا يقدر الإنسان على التدبر في القرآن والتوصل إلى كنه الحكم اللطيفة المختفية في طي النظام القرآني، وربما يتغافل عنها الكثير، ولا يعتنون بأهميتها حق الاعتناء أكد المؤلف – رحمه الله – على أهميته وجلالة قدره لذكر هذه الحقيقة مرتين فقال:

“والخلاص من ذلك بأمرين: الأول معرفة معنى الكلمة ووجوهه وأحواله، والثاني الاعتصام بنظم الكلام….. فوضعت هذا الكتاب للأمر الأول، وفيه عون على الأمر الثاني، فإن من عرف معنى الكلمة وأحاط بوجوهه، وما يتعلق به من الأحوال مكنه أن يطلع على ما هو أكمل رباطاً وأحسن تأويلاً”[6].

يتجلى بما كتبه المؤلف – رحمه الله – في المقدمة أن كتابه هذا يحتل مكانة مرموقة من بين كتبه القرآنية، ويسد فراغاً هائلاً في المكتبات الإسلامية، وذلك لأنه كان أهم العناصر التكوينية للطريقة الفراهية في فهم القرآن، وأعظم الكتب التي تمثل المدرسة الفراهية منهجاً وغاية، أسلوباً وطريقة، لكن مما يقضي له الأسف أن المنية لم تلح له أن يكمله، وعاجلته دون تحقيق بغيته، فلم يجد الكتاب عن التنقيح والكمال مثل ما نالته كتبه الأخرى، ولا من الاهتمام بالطبع مثلما خطيت به دراساته القرآنية غيره، فلم نعثر على المراحل التي مر بها المؤلف في تأليفه، والمشاكل التي واجهها وعالجها في الكتاب، كما لم نعثر على الوضع وذكر زمن التأليف، كما لم يشر المؤلف ولا القائمون على طبعه إلى ذكر ذلك، واكتفي الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي عند ذكره في مجلة الإصلاح بقوله:

“نقوم بعد ذلك بطبع “أصول التأويل ومفردات القرآن” والكتاب الثاني يشتمل على شرح معاني الألفاظ القرآنية، وطريقة المؤلف يختلف في ذلك عن طريقة المتقدمين وتحقيقاتهم، وتحمل مسئولية ترتيب الكتاب وتهذيبة الأستاذ أختر أحسن، وهو الآن مشتغل بعمله ذلك، ونرجو أن يقوم بذلك على أقرب وقت، ثم يقوم العلامة السيد سليمان الندوي بعملية التصحيح والتنقيح، ولما كان المؤلف – رحمه الله – يرى هذه الكتب الثلاثة: مفردات القرآن، أساليب القرآن، وأصول التأويل حلقة واحدة من سلسلة الكتب في علوم القرآن، فنرى من الأجدر أن تظهر إلى النور في وقت واحد”[7].

وطبع الكتاب سنة 1940م باعتناء عبد الأحد الإصلاحي من مكتبة الإصلاح بسرائ مير بأعظم جراه.

وقد تجلت في الكتاب براعة المؤلف اللغوية الأدبية، وعلمه العميق والقدرة على الشرح والتحليل والتطبيق، وشجاعته النقدية في هدوء وأدب واحترام للمتقدمين، ويساعده في معالجة القضايا اللغوية الدقيقة العويصة معرفته الكاملة باللغة والأدب، والاطلاع الواسع على أساليب الأدب والبلاغة من علم البيان والمعاني والبديع وتذوقه للكلام العربي والشعر الجاهلي، والاطلاع على تعبيرات الصحف السماوية والأحاديث والآثار، وتضلعه من اللغات الأجنبية من الإنجليزية والفارسية والعبرانية، ويمتاز منهج المؤلف الرصين في الكتاب بالجمع بين الإتقان والضبط والتدبر العميق، وشرح الدلالات الاستدلالية، وبين إظهار مكنونات الضمير بشجاعة نقدية دون خجل واكتراث بوجاهة أحد وجلالة قدره، كما يمتاز بما ظهر فيه ذكاءه الحاد وقوة تحليله وبسط الشرح والاطلاع على المصادر الأدبية القديمة.

ونقدم – فيما يلي – نموذجاً من تحقيقه العلمي الرصين – على سبيل المثال – ليتضح به المنهج وطريقة معالجته للقضايا يقول المؤلف وهو يشرح معنى “الآلاء” الواردة في القرآن، وهو أول كلمة بدأ بها المؤلف الكتاب، يقول:

“الآلاء أجمعوا على أن معناه النعم ولكن القرآن، وأشعار العرب يأباه والظاهر أن معناه الفعال العجبية فارسيته كرشمة، لما كان غالب فعاله تعالى الرحمة ظنوا أن الآلاء هي النعم، والرواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه حملتهم على هذا، ولكن السلف إذ سئلوا أجابوا حسب السؤال والمراد المخصوص من موضع مسئول عنه”[8].

ثم أكد على رأيه ذلك بذكر الأدلة اللغوية والشواهد الشعرية كما كانت عادته في جميع كتبه، وتحدث الفراهي عن معنى كلمة الآلاء في صفحتين تقريباً وتوسع في ذكر الأدلة العلمية واستعمال الكلمة في كلام العرب توسعاً مما لا يدع مجالاً للخروج على رأيه ويدعو القارئ على التوقف عند رأيه والاعتراف بتحقيقه.

قبل أن يشرع المؤلف – رحمه الله – في شرح الكلمات المفردة ذكر في خمس مفدمات بعض الأصول العامة والمعارف الكلية التي تزيد القارئ بصيرة فأكد في المقدمة الأولى مقصد الكتاب وحاجة الناس، وأشار إلى أهميته بتقديم الأدلة، ثم توجه في المقدمة إلى ذكر بعض الثوابت والكليات التي تتعلق بعلم اللسان، فأرشد هناك إلى بعض الأمور والضوابط الحسنة التي يكون القارئ عند مراعاتها بمنجاة من الزلل والزيغ في تحديد المعاني المستنبطة من الألفاظ، وأما في المقدمة الثالثة فأكد فيها على أن القرآن نزل باللغة العربية الفصيحة، وكما بذل جهده فيها لإزالة ما يطرأ على الأذهان في تصنيف كتب غريب القرآن وأوضح السبب، وبين الغاية، وأما المقدمة الثالثة والرابعة تشتملان على تعريف ألفاظ القرآن، والعام والخاص، والمجاز والحقيقة وحكمة الحروف المقطعات وغير ذلك.

ويبدو من ترتيب الكتاب وبيان المرتب في الحاشية أن المؤلف يريد أن يأتي هناك ببعض المعارف الضرورية في فهم القرآن إلا أنه اشتغل عنه لوجوه مجهولة، يقول المرتب:

“ولكنه اقتصر على هذا القدر في هذا الفصل، وترك البياض، وأتى ببعض التفصيل في مقدمته على التفسير فمن شاء التفصيل فليراجعها”. (حاشية مفردات القرآن:10)

نلخص هنا بعض ما يتضمن الكتاب من المميزات البارزة:

  1. مقدماته التي تناول فيها مسائل مهمة تتعلق بلغة القرآن.
  2. مهنجه في تفسير الألفاظ.
  3. تقديمه لبعض تفسيرات جديدة لبعض الألفاظ.
  4. كشفه عن أصول جديدة ترجع إليها مشتقات المواد اللغوية.
  5. تأصيله لبعض الكلمات التي زعم الطاعنون أن القرآن أخذها عن اليهود والنصارى.

ابن السمين الحلبي وكتابه عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

هو أحمد بن يوسف من عبد الدائم بن محمد الحلبي شهاب الدين المقري النحوي، لقد أجمع المؤرخون على أن وفاة ابن السمين – رحمه الله – كانت سنة 756هـ، ولكنهم لم يذركوا تاريخ ولادته، كما لم نجد التاريخ يذكر تفاصيل حياته، سوى مقتطفات يسيرة مبعثرة في كتب التراجم والسير ومن خلال تتبع آثاره يتضح لنا أنه قرأ:

  1. أحمد بن محمد أبو العباس المرادي القرطبي المعروف بالعشاب.
  2. والشيخ أبو حيان الأندلسي.
  3. الشيخ إبراهيم بن عمر بن إبراهيم.
  4. الأستاذ برهان الدين أبو إسحاق الجعسري.
  5. الشيخ يونس بن إبراهيم بن عبد القوي الكناني المعروف بالدبوسي.
  6. الشيخ تقي الدين أبو عبد الله الصائغ المصري الشافعي.

يتضح لنا باستعراض ما تفرق من تراجمه المبعثرة أنه كان في العقود الأخيرة من القرن السادس وقد بدأ حياته العلمية مع مطلع القرن الثامن، وله آثار علمية حسنة قد تعرض معظمها للضياع بسبب الكوارث الطبيعية والاطفاعية التي داهمت العالم الإسلامي حينذاك، ولعل من الأسباب التي ساهمت في ضياع مؤلفاته عدم وجود وريث له، نذكر فيما أهم مؤلفاته:

  1. تفسير القرآن، في عشرين مجلدة.
  2. إعراب القرآن القرآن، سماه “الدر المصون في علم الكتاب المكنون”.
  3. أحكام القرآن.
  4. شرح التسهيل.
  5. شرح الشاطبية.

ثناء العلماء عليه:

قال الأسنوي: كان فقيهاً بارعاً في النحو والتفسير وعلم القراءات، ويتكلم في الأصول خيراً ديناً.

قال ابن تغرى بردي في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ج1 ص321: كان إماماص عالماص أفتى ودرس وأقرأ عدة سنين.

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ

موضوع الكتاب:

يتحدث الكتاب عن معاني كلمات القرآن الكريم، فيذكر معاني الألفاظ على معاني كلمات الواردة وشرحاص للآية الكريمة التي وردت فيها تلك اللفظة، إلا أنه لا يقتصر على معاني كلمات الواردة في القرآن فحسب، بل يتطرف لألاء من سبقوه، ومن عاصروه فيفند أخطاءهم، ويثنى على صوابهم موضحاص مواضع الإصابة والخطأ منتصراً للمحق على المخطئ، مبيناً وجه الحقيقة ومواقع الخطأ.

ومما صرح به المؤلف – رحمه الله – في مقدمة الكتاب يتضح جلياً منهجه وغايته والفكرة المسيطرة عليه عند تأليفه يقول – رحمه الله –:

“أذكر المادة – كما ستعرف ترتيبه مفسراً معناها، وإن عثرت على شاهد من نظم أو نثر أتيت به تكميلاً للفائدة، وإن كان في تصريفها بعض غموض أوضحته بعبارة سهلة – إن شاء الله – وإن ذكر أهل التفسير اللفظة، وفسروها غير موضوعها اللغوي كما قدمته تعرضت إليه، لأنه والحالة هذه محط الفائدة، ورتبت هذا الموضوع على حروف المعجم بترتيبها الموجودة هي عليه الآن، فأذكر الحرف الذي هو أول الكلمة مع ما بعده من حروف المعجم إلى أن ينتهي ذلك الحرف مع ما بعده، وهلم جراً إلى أن ينتهي – إن شاء الله – حروف المعجم جميعها ولا اعتمدت إلا على أصول الكلمة دون زوائدها، فلو صدرت بحرف زائد لم اعتبره، بل أعتبر ما بعده من الأصول”.

يتجلى من كلام المؤلف – رحمه الله – أنه كان يشعر بحاجة شديدة رغم وجود تصانيف حسنة في الموضوع – إلى تأليف كتاب فريد جامع شامل ليكون فيه كفاية للدارسين والباحثين عن الدراسات القرآنية، ولعل ذلك هو الدافع القوي الذي حفز المؤلف لحمل هذا العبء العلمي يقول المؤلف نفسه:

“قد وضع أهل العلم – رحمهم الله تعالى – في ذلك تصانيف حسنة، وتآليف محررة متقنة كغريب الإمام الحبر الرباني أبي عبيد الله بن محمد الهروي، وكغريب محمد بن أبي بكر بن عزيز السجستاني، وكمفردات الألفاظ لأبي القاسم الراغب الأصفهاني، غير أنهم لم يتمموا المقصود من ذلك الاختصار عبارتهم وإيجاز إشارتهم، على أن الراغب – رحمه الله – قد وسع مجالة وبسط مقاله بالنسبة إلى ما تقدمه، وحذا بها الحذو رسمه غير أنه – رحمه الله – أغفل في كتابه ألفاظاً كثيرة لم يتكلم عليها، ولا أشار في تصنيفه إليها مع شدة الحاجة إلى معرفتها، وشرح معناها ولغتها مع ذكره لبعض مواد لم ترد في القرآن الكريم، أو وردت في قراءة شاذة جداً”.

إن المتتبع لما كتبه السمين يكتشف ما وقع فيه الراغب من أخطاء وسهو، فبالإضافة إلى الإشارة إلى المواد التي لم يذكرها الراغب أشار إلى الأخطاء حيث نراه إلى رأي المعتزلة الذي أخر به الراغب في مادة: ضل، ومادة: رسل، ويرد رأي الراغب ورأي الزمخشري في مادة: خلق، ويستشهد برأي ابن الأعراب ورأي الفراء لرد ذلك، ميزات الكتاب:

يتكشف لنا من الاستعراض بعض مميزات الكتاب التي يفوق بها الكتاب على كثير من الكتب المؤلفة في مفردات القرآن ومن أهمها:

  1. الترتيب البديع.
  2. الإحاطة بالألفاظ القرآنية، وشرح معناها اللغوي، الحقيقي منها والمجازي.
  3. الاستشهاد بالشعر والنثر إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
  4. الإشارة إلى معنى اللفظة القرآنية الحقيقة، وذكر خلاف المفسرين.
  5. الانتقاد على آراء الغعلماء وتمحيصها في ضوء الأدلة الشافية.
  6. التعرض لآراء المتكلمين والفقهاء والمحاكمة بين راجحها ومرجوحها.
  7. ذكر الروايات الإسرائيلية وتفنيدها.
  8. تفصيل مذهب أهل السنة والجماعة على المذاهب الأخرى.
  9. ذكر أسباب نزول الآيات القرآنية.
  10. التعرض لذكر الفرق وعقائدها.
  11. الاستناد إلى الآراء اللغوية.
  12. الاستمداد من القواعد الصرفية والنحوية في تحليل وشرح الألفاظ المفردة.

الموازنة بين مفردات القرآن للفراهي وبين عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ:

وبمقابلة كتاب ابن السمين الحلبي بأقرانه من كتب الغريب يتضح لنا أن الفائدة تكمن في جميعها، ولكل شرعة ومنهاج قد سار عليه وانطلق بتأليفه إليه، والهدف واحد، هو خدمة كتاب الله وشرح معانيه وتوضح مراميه، والاختلاف في أسلوب العرض بين إسهاب واختصار وحروف المعجم وترتيب السور.

إن كتاب عمدة الحفاظ لابن السمين الحلبي إذا قابلناه بكتاب مفردات القرآن نجد بينهما بعض التقارب والشبه، ويكاد يوافق كل منهما في طريقة الشرح والتحليل اللغوي ومنهج الاستدلال واستنباط المعنى المراد من بطون الألفاظ، فكلاهما لا يقتصران في كتابهما على ذكر المعنى اللغوي وما يتعلق بالمعنى القرآني مباشرة، بل يذكران الشواهد واختلاف الآراء، ويشيران إلى الآية الكريمة التي وردت فيها الكلمة من القرآن الكريم، كما أنهما ينسبان الأقوال إلى قائليها، ونريد أن نقدم – فيما يلي – نموذجين من كتابيهما لتكون على بصيرة بطريقتهما ومنهجيهما في الكتابين، يقول الفراهي وهو يقوم بتحليل معنى الكلمة “الأبتر” الواردة في سورة الكوثر.

يقول الفراهي: “الأبتر” هو صفة من البتر وهو القطع وللكلمة استعمالات شتى والنظر فيها يعنيك على استنباط المعنى المراد في سورة الكوثر، فنذكر استعمال هذه المادة حسب ترتيب معانيها يقال سيف باتر أى قاطع، وبتار قطاع، بتر فلان رحمها قطعها، الأباتر قاطع الرحم، أبتر الرجل إذا أعطى ثم منع، الحجة البتراء القاطعة، في حديث الضحايا أنه نهى عن المبتورة وهي ما قطع ذنبها، الأبتر من الحيات نوع منها قصير الذنب، الأبتر من لا عقب له، في الحديث كل أمر ذي بال لم يبدأ بذكر الله والصلوة على رسوله سميت بتراء، الأبتر ما لا عروة له من المزاد والدلاء، الأبتران العير والعبد، البتيراء الشمس إذا برت وذهبت قرونها ونبلها، فالنظر في هذه الأنحاء يدل على أن الأبتر هو المقطوع عما يفحمه ويمده حتى أن الشمس إذا برت وذهبت عنها بنها وانجردت قرصاً صغيراً سميت بتراء وكذلك من بتر رحمه وانقطع عن عصبة وأنصاره سمى ابتر، ولذلك سموا العير والعبد الأبترين لقلة ناصريهما، وعلى هذا الأصل قال قتادة “الأبتر الحقير الدقيق الذليل” فتبين أن معنى هذه الكلمة تدرج من المقطوع إلى الصغير القصيرة وإلى المخذول الحقير.

ويقول ابن السمين قوله تعالى: “إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ” [الكوثر:3]، والأبتر الذي لا عقب له ولا نسل وأصله من البتر وهو القطع ومنه نهى عن المبتورة في الضحايا هي التي انقطع ذنبها، وفي الحديث كل امر ذي بال لم يبدأ فيه بالحمد لله فهو أبتر، أي اقطع وروعاً جذم وذلك أن العاص بن وائل كان يقول إنما محمد أبتر فإذا مات انقطع ذكره أي ليس له ولد يذكر به إذا روي فاكذبه الله ورفع ذكره وجعله هو الأبتر إذا ذكر لا بذكر إلا بشر، وفي حديث على وقد سئل عن صلاة الضحى فقال حين …… البتيراء للأرض أي تنبسط الشمس فالبتيراء اسم للشمس سميت بذلك لأنها تكل إلا نصارى تبتعها إذا حدقت نحوها فجعل ذلك قطعاً مجازاً وقال الراغب كلاماً حسناً نبه الله تعالى إن الذي ينقطع ذكره هو الذي يسوء فاتا هو فكما وصفه الله تعالى بقوله “وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ” [الشرح:4]، لكونه جعل أباً للمؤمنين وفي الحديث معنى رفعنا لك ذكرك لا أذكرك إلا ذكرت معي وإلى هذا أشار أمري المؤمنين علي رضي الله عنه بقوله العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة، وأثارهم في القلوب موجودة، هذا في إبتاع الأنبياء فكيف بهم صلوات الله وسلامه عليهم فكيف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث رفع ذكره وجعله خاتم رسله وقال الراغب البتر يقارب ما تقدم يعني البت لكن استعمل في قطع الذين ثم أجرى قطع العقب مداره ورجل أبتر وأباتر لم يكن له عقب ويقال لمن قطع رحمه أبتر وأباتر وكذا من انقطع عن كل خير.

فقد تبين لك فيما سبق أن بين الكتابين تشابهاً قوياً وتقارباً شديداً في طريقة العلاج والغاية والمنهج كما يتضح لك إذا أنعمت النظر في النموذج الفراهي كأنه اطلع على منهج ابن فارس في كتابه “المقاييس” فأخذ عنه طريقة التحليل اللغوي وشرح المفردات حيث يذكر أولاً على أصول الاستعمالات للكلمة، ثم يخوض في ذكر المعاني المتفرعة من ذلك الأصل القديم، ويذكر الشواهد الشعرية كما أنه يهتم بذكر تدرج الكلمة من معنى إلى معنى آخر.

كما يلمح لنا باستعراض الكتابين ومقابلتهما أن صاحب العمدة أكثر من الاهتمام بملاحظة كتاب الراغب والزمخشري، يمحص آراءهما فينتقدها أحياناً ويستحسنها أخرى، أما صاحب المفردات فلم يجعل نصب عينه نقد كتاب مخصوص أو تمحيص رأي مصنف بعينه إلا ما جاء عفواً للخاطر، ومن توقد الذهن الذكي، وإنما يهدف إلى إزالة ما طرأ على المعتقدات والثوابت الإسلامية من الشبهات بناءاً على زيع الفكر والخطأ في فهم المعنى اللغوي من الألفاظ المفردة القرآنية، انظر – على المثال – ما ذكره العلامة الفراهي – رحمه الله – في كلمة “ابن الله، والرب والأب”.

لما كان العلامة الفراهي متضلعاً من اللغات الأجنبية من الانجليزية والعبرانية بحكم ثقافته المخصوصة، فتلمس آثار هذه الثقافة الواسعة ومظاهرها في جميع كتبه وأبحاثه العلمية، وكتابه هذا، حظي بهذه الخصيصة أكثر من غيرها فتجد في ثنايا بحثه الاستشهاد باللغة العبرانية واستعمال الكلمة فيها والشواهد الشعرية والإشارة إلى تحريف اليهود والنصارى الكلمة عن مواضعها الصحيحة يقول – رحمه الله –:

كلمة الابن في العبرانية تستعمل المعينين للنسبة كابن السبيل وابن الليل أو كابن صبح وابن حول وسنة وللعبد كالرجل والفتى والغلام ولفظ الابن ليسك لفظ الولد فإن الولد صريح في الأبنية ولذلك ترى في القرآن لم يشنع الأعلى لفظ الولد وبين أن في استعمال لفظ الابن مضاهاة بالكفر فينبغي أن يتجنب كما أن لفظ الرب يشابه المعبود فبين في القرآن أنهم أفرطوا هذين اللفظين وبيان ذلك تحت آيته وههنا نور وأثلة من كتب اليهود والنصارى لكي يتبين لك ما ذكرنا ونور وترجمتهم الباطلة بإزاء ترجمة صحيحة.

ترجمتهم الباطلة الترجمة الصحيحة
الله قائم مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي حتى متى تقضون جور أو ترفعون وجوه الأشرار، اقضوا للذليل ولليتيم وانصفوا المسكين والبائس نجواص للمسكين والفقير من يد الأشرار أنقذوه لا يعلمون ولا يفهمون في الظلمة يتمشون تبتزعزع كل أسس الأرض أنا قلت أنكم آلهة وبنو العلى كلكم لكن مثل الناس تموتون وكأحد الروساء تسقطون قم يا الله دون الأرض، لأنك أنت تمتلك كل الأمم (المزهور 82) الله قائم في مجمع الحكام يقضي بين الأمراء حتى متى تقضون جوراً وتراعون جانب الشر يرحموا لسكين واليتيم، اقصطوا للفقير من يد الشري، لا يعلمون وال يفقهون وفي الظلمة يذهبون قد فسدت الأرض إلى بنيانها أنا صيرتكم حكاماص وخلفاء الله ولكنكم مثل العامة تغوون وكروسائهم تعثرون قم يا رب دن الأرض فإنك ترث الأمم كلها.

هل ترى كيف خلطوا بين الحاكم والله والقضاء والحماية والوصل والفصل والموت والغواية والابن والخليفة الخادم كلما نجد في الإنجيل من “ابن الله” فهو عبد الله في المعنى وكلما فيه من “أبونا” أو “أبونا وأبوكم” فهو ربنا وربكم كما ترجمة القرآن وقد منع المسيح عليه السلام عن استعمال كلمة الرب لنفسه وقال ربنا واحد وهو الله وأنا وأنتم إخوة وقد بدلت النصارى هذا التعليم والواضح وكذبهم باد مكشوف في متى ويحبون المتكا الأول في الولائم والمجالس الأولى في المجامع والتحيات في الأسواق وأن يدعوهم الناس ربي ربى وأما أنتم فلا تدعوا ربي لأن ربكم واحد المسيح وأنتم جميعاً إخوة ولا تدعوا لكم ربا على الأرض لأن ربكم واحد الذي في السماوات والأرض معلمين لأن معلكم واحد المسيح وأكبركم يكون خادماً لكم[9].

المطلب الثاني: “أقسام القرآن” للفراهي، وموازنته مع ما ورد في ذلك في “الإتقان في علوم القرآن ” للسيوطي

قد قام العلامة الفراهي – رحمه الله – بتأليف كتاب صغير الحجم “أقسام القرآن” ويتحدث هذا الكتاب عن قضية الأقسام القرآنية، وترمى إلى إزالة الشبهات الواردة، وللمؤلف كتاب آخر حول هذا الموضوع أسماه “الإمعان في أقسام القرآن” فالكتاب الأول في الحقيقة بداية وتمهيد للثاني، فقد فصل المؤلف في الثاني ما أجمله في الأول وبسط فيه ما كان مختصراً، ورتب وهذب، وأتى بما سبق به الأولين وأعجز به الآخرين.

ولما طبع كتابه الأول “أقسام القرآن” تداولته الأيدي بالقبول والاستحسان، وعكف عليه العلماء والباحثون يثنون على المؤلف بأسلوبه العلمي الرصين، وطريقة تدبره في القرآن، والاشتغال به، وسلامة فكره ورجاحة عقله وشجاعته العلمية النقدية، فكان ذلك حافزاً قوياً له أن ينهض لتناول هذا الموضوع من جديد في ضوء الدراسات القرآنية التي لا نهاية لها ولا تحديد، وليصل منه ما كان منقطعاً ويكمل منه ما كان ناقصاًـ، ويبسط في الكلام ما كان وجيزاً مجملاً، وسماه “الإمعان في أقسام القرآن” وإن هذا الكتاب يختلف عن الأول في اسمه وحجمه، ومباحثه اختلافاً كبيراً، إلا أن بعض الباحثين والدارسين اختلط عليهم اسم الكتابين، فاعتبروهما واحداً لوحدانيتهما في الموضوع حيناً، ولتقاربهما في المباحث يقول الدكتور معين أحمد الأعظمي في أطروحته للدكتوراة بعد أن ذكر “الإمعان في أقسام القرآن”.

“وله رسالة أخرى مطبوعة في القسم المسماة بأقسام القرآن” هذه الرسالة طبعت أولاً في مطبعة أصح المطابع بلكناؤ، ومطبعة فيض عام علي جراه” (الفراهي وأثره في التفسير ص46، لم يطبع).

ونذكر فيما يلي قائمة المباحث التي يتناولها “أقسام القرآن” بالبحث والتحليل لكي يتسنى للباحث المقارنة بين الكتابين ويتيسر به التميز والتمحيص ويتبين له الفرق بينهما.

“فهرس مطالب الفصول”

  • أصل القسم هو الإشهاد.
  • القسم بغير الله هو الإشهاد بلسان الحال.
  • القرآن دل على هذا الأمر.
  • القسم في القرآن تعبير عن الآية الدالة.
  • هذا الرأي لمح للمفسرين من قبل.
  • الفرق بين القسم وما يشبه به مما لا يلين بالله.
  • القسم من أسلوب البلاغة والاستفاد بكلام اليونانين.
  • لا حرج في غموض جهة الإشهاد.

ويقول العلامة سيد سليمان الندوي – رحمه الله – في مقاله القيم عن الفراهي، وهو يثنى على الكتابين “أقسام القرآن” و”الإمعان”:

“بعد الفراغ من تأليف أقسام القرآن شرع في تأليف الإمعان في أقسام القرآن” ويتجلى في ذلك دقته وبراعته العلمية وعبقريته في البحث والتحليل، فسبق به الأولين، وتطفل على مائدته الآخرون” (ياد رفتكان:136)

ويتضح ذلك جلياً بما صرح به الدكتور عبيد الله الفراهي في مقدمة طبعته المصرية يقول:

” وقد كتب رحمه الله أولاً جزءاً صغيراً في هذا الموضوع، يوم كان مدرساً في مدرسة الإسلام بمدينة كراتشي (1897م – 1907م) وطبع في “أصح المطابع” بمدينة (لكناؤ) سنة 1906م وكان في 38 صفحة، ثم توسع فيه، واستكمل جوانبه، وصاغه صياغة جديدة، وطبع سنة 1329هـ (1911م) في المطبعة الأحمدة بمدينة (عليكره) في 55 صفحة، والطبعة الثانية لهذه الصياغة الجديدة صدرت في القاهرة بالمطبعة السلفية سنة 1349هـ (1930م) على نفقة دار المصنفين بمدينة (أعظم كره).

ومن عجائب المقادير أن كل ما ألفه الإمام الفراهي رحمه الله في علوم القرآن والعربية كان باللغة العربية، وذلك لأنه كان يكتب لعلماء العالم الإسلامي المتراحب، ولكن لم تصل كتبه إلى أيديهم إلا نادراً، فإنها طبعت في الهند وبالخط الفارسي، وإن كتابه هذا في أقسام القرآن هو الوحيد الذي طبع في بلد عربي، فاطلع عليه من اطلع من العلماء والباحثين، وقد أرسل للطبع إلى القاهرة في حياة المؤلف رحمه الله، ولكنه توفي بعد ذلك بشهرين، فكتب صديقه العلامة السيد سليمان الندوي رحمه الله الله ترجمة موجزة له ألحقت بآخر الكتاب”.

وقد تبين مما سبق أن للمؤلف كتابين في موضوع أقسام القرآن، ولكليهما قيمة علمية فنية، ولهما الفضل على العلماء والباحثين عن الدراسات القرآنية.

أما كتابه “الإمعان” فهو أيضاً جزء من مقدمة تفسيره مثل معظم الكتب التي أفردها في علوم القرآن كما صرح بذلك في فاتحته، وهو يتناول قضية القسم في القرآن تناولاً أصولياً عاماً، وتهدف إلى رفع الشبهات الباطلة الواردة عليه، وأكبر الشبهة التي كانت سداً منيعاً دون تدبر أقسام القرآن وفهمها على الوجه الصحيح: أن القسم يقتضي شرف المقسم به وعظمته لا محالة – فأزال المؤلف – رحمه الله – هذه الشبهة، وقضى عليه قضاء تاماً.

مباحث الكتاب:

ذكر المؤلف – رحمه الله – أولاً الشبهات الثلاث على أقسام القرآن وهي شبهات رئيسية تدور في خواطر أوساط الناس والسطحيين من القراء، قال:

“إعلم أن الشبهة على أقسام القرآن من وجوه:

  • القسم نفسه لا يليق بجلالةربنا، فإن الذي يحلف على قوله يهين نفسه، ويضعها موضع من لا معول على حديثه، وقد جاء في القرآن الكريم: “ولا تطع كل حلاف مهين”، فجعل الحلف من الخلال المذمومة، ونهى المسيح الحواريين عن الحلف مطلقاً، “ليكن قولكم نعم نعم أولا لا، ولا تحلفوا.
  • القسم في القرآن جاء على أمور مهمة كالمعاد والتوحيد والرسالة، ولا فائدة فيها للقسم لا للمنكر بها، فإنه يطلب الدليل والبرهان، والقسم ليس في شئ منه، ولا للمؤمنين فإنه قد آمن بها.
  • القسم يكون بالذي عظم ورجل، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – من كان حالفا” فليحلف بالله أو ليصمت، فنهى عن القسم بغير الله، فكيف يليق بجلالة ربنا أن يقسم بالمخلوق لاسيما بأشياء مثل التين والزيتون.

وقد ذكر العلامة الفراهي – رحمه الله – أولاً ما أجاب به العلامة الرازي، وقد انتقده وذكر عدم ارتياحه إلى وجاهته، وعدم إصابته الهدف، وأثنى على طريق العلامة ابن القيم ثناءاً إجمالياً، وقد ناقشه مناقشة علمية هادئة أدبية مما يدل على إنصافه واتزانه، وشجاعته العلمية والنقدية.

وقد عقد باباً مستقلاً بعنوان “طريق هذا الكتاب في الجواب على سبيل الإجمال، وقد ذكر بعد ذلك بالإجمال: أن أقسام القرآن بالمخلوقات ليست إلا آيات دالة؛ وأنها نوع من القسم مباين للأقسام التعظيمية”.

وقد تناول تاريخ القسم وحاجة الناس إليه قديماً وحديثاً، وطرقه المتنوعة وبين معاني كلمات القسم ومفهومه الأصلي ومفاهيمه المتشعبة الثلاثة من الإكرام والتقديس والاستدلال المجرد، وعقد لذلك باباً مستقلاً بعنوان “تاريخ القسم وعقد لذلك باباً مستقلاً بعنوان “تاريخ القسم وحاجة الناس إليه، وطرقه المختلفة، والدلالة على حقيقة معناه في أول الأمر”، وهو باب يدل على اطلاعه الواسع على أساليب كلام العرب، وأساليب غيرهم من الشعوب والأمم، والآداب واللغات، والثقافات والديانات، ونوه ببعض الأخطاء في بعض الترجمات للصحف القديمة، مما يدل على دراسته المقارنة العميقة للصحف السماوية والديانات المختلفة، واطلاعه الواسع على كلام العرب الأولين، يحتاج إلى تقدير المقسم به في كل موضع، أما إذا ضم إيه المقسم به فإنما هو للإشهاد، ولا يراد منه التعظيم إلا إذا كان بالله تعالى وبشعائره.

وذكر أنواع القسم، ممنها القسم على وجه الإكرام للمقسم به والمتكلم والمخاطب، والقسم على وجه التقديس للمقسم به، استشهد في هذا الباب بأبيات كثيرة للشعراء الجاهليين مما يدل على اطلاعه الواسع على الشعر الجاهلي، ومنها القسم على وجه الاستدلال بالمقسم به، وهو الأقرب إلى نوع الأقسام القرآنية، وأبعد عن الشبهات والتساؤلات، وقد استشهد في ذلك بأبيات العرب الأولين، وعرض في ذلك نماذج من كلام الأولين من بلغاء اليونان، ثم شرح دلالات القسم الاستدلالي، وذكر الأدلة المأخوذة من نفس القرآن على ما فيه من الأقسام الاستدلالية، وهي الغاية من تأليف هذا الكتاب، والمحور الذي يدور حوله، وتوسع المؤلف في ذكر الأمثلة من القرآن، وتطبيقها على الغايات، ثم ذكر بعض أسباب خفاء الوجه الصحيح في تأويل أقسام القرآن، وذكر بعض ما في القسم من أبواب البلاغة ولطائفها.

سمات الكتاب:

إذ قمنا باستعراض ما تضمن هذا الكتاب من المزايا والسمات البارزة وجدنا “الشئ الكثير مما زان جيده، وفضل مؤلفه على كثير من العلماء والدارسين نذكر من أهمها فيما يلي:

  • الشمول والاستيعاب والإحاطة.
  • الاستشهاد بأقوال السلف.
  • تفسير السورة التي ورد فيها القسم إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
  • الإشارة إلى الرباط الذي يربط آياتها بعضها ببعض.
  • ذكر اللطائف العلمية، وحل الغوامض التفسيرية والتأريخية.
  • الاستشهاد بأشعار العرب الأولين.
  • إثبات الإعجاز القرآني.
  • الاحتواء على النكت المستمدة من فن البلاغة وأساليب البيان العربي.
  • الاستدلال بالصحف السماوية الأخرى، والاستشهاد باللغات الأجنبية من الإنجليزية والعبرانية.
  • المقارنة للديانات العالمية.

قبول الكتاب بين الأوساط العلمية وثناء العلماء عليه:

ألف العلامة الفراهي – رحمه الله – في علوم القرآن عشرات من الكتب التي نالت قبولاً وإعجاباً لدى الباحثين والدارسين، ولكن الإمعان يحتل الصدارة من بين هذه الكتب ومما يمتاز به أنه طبع في حياة المؤلف مرتين، واسترعى اهتمام المتدبرين في القرآن والمعنيين بتفسيره، فأكبوا عليه ثناءاً عاطراً، وأقبلوا عليه استعراضاً وتلخيصاً وشرحاً واختصاراً، ومما يدل على أهمية الكتاب وقيمته الفنية أنه حمل مسئولية اختصاره وتلخيصه العلامة العبقري المؤرخ الفهام الناقد الحاذق شمس العلماء شبلي النعماني – رحمه الله – وهو أول اختصار للكتاب سنة 1906م، ثم قام باختصاره الأستاذ المولوي عبد الأحد الإصلاحي وقد نشرته مجلة الإصلاح سنة 1936م، ثم الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي.

وأما التعليقات على الكتاب فهي مما لا تعد ولا تحصى، وقد صبح بذلك الكتاب مرجعاً أساسياً في هذا الموضوع حتى لا يمكن لأحد يكتب أو يؤلف في علوم القرآن التغافل عن ذكره والاستفادة منه.

ونذكر – فيما يلي – أهم الآراء والانطباعات عن الكتاب.

يقول الأستاذ السيد أحمد عروج القادري في تعليقه على الكتاب:

“لا نبالغ إذا قلنا: إن الكتاب يندر نظيره في المكتبات العلمية، وذلك بما كان للمؤلف فيه من سعة النظر، ودقة البحث، والعمق في الدراسة والتحليل، وتأييد آرائه بالأدلة القاطعة، ولا يجد الكاتب – في حدود علمه واطلاعه – كتاباً” أشمل منه في اللغة الأردية بل وفي اللغة العربية”[10].

ويثنى على الكتاب الأستاذ يوسف الفوزان، السفير السعودي بالهند في رسالته إلى الأستاذ عبد الرحمن ناصر قائلاً:

“وبعد فقد اطلعنا على الكتاب المقدم من قبلكم الموسوم “إمعان في أقسام القرآن” من تصانيف الشيخ النابغة المعلم عبد الحميد الفراهي – رحمه الله وغفر له – والكتاب – ولاشك – يدل على سعة علم المصنف الفقيد وتخصصه في أسرار القرآن الكريم، وأعتقد أن طلاب الشريعة وعلوم القرآن بالأخص سوف يجدون فيه مبتغاهم، ويفيدون منه فائدة جليلة، شكر الله سعيكم ووفقنا جميعاً لما فيه الخير”.

ويقول الأستاذ تمناء العمادي في مقالته عن “أقسام القرآن”.

“ورد القسم في القرآن الكريم بأشياء كثيرة من السماء والشمس والقمر، فينزعج القارئ المتدبر ويخاف في تحديد مفهومه لجهله حيناً بمقصود القسم، وعدم اطلاعه حيناً آخر على أنواعه وأقسامه وأهميتها في أساليب اللغة العربية، وتصدى لملأ هذا الفراغ جهابذة العلماء كالعلامة ابن القيم الجوزية والعلامة الرازي، وأفردوا في هذا الموضوع كتباً مفصلة إلا أن كتاب الفراهي – الذي هو من أعظم المفسرين وجهابذة العلماء في الهند – أكثرها شمولاً واستيعاباً، وأشدها وضوحاً”[11].

يقول الشيخ الندوي في مقدمته على الكتاب:

“فجاءت هذه الرسالة – على قصر قامتها وكبر قيمتها – تنوب عن المكتبة القرآنية في موضوع أقسام القرآن بصفة خاصة مع احتوائها على لطائف مفتقة للقريحة ومنيرة ومثيرة لإمعان الدراسة في القرآن والتدبر من جديد”.

وقد أشار الشيخ الندوي في المقدمة نفسها إلى مزايا الكتاب البارزة فقال:

“وقد جمع هذا الكتاب بين التدبر العميق في دراسة القرآن والتشبع بروحه، والاطلاع الواسع على أساليب البيان والبلاغة، والتعبير عن مكنونات الضمير في لغات مختلفة، والاطلاع على تعبيرات الصحف السماوية والأساليب الدينية البيانية مع دراسة مقارنة للديانات، واطلاع واسع وتذوق للكلام العربي والشعر الجاهلي، فجاء هذا الكتاب – على صغر حجمه – يجمع بين إزاحة بعض الحجب التي طرأت على هذا الصنف من الإعجاز القرآني وبين ما دة ثرية من الأصول الأدبية، ونكت مستمدة من فن البلاغة وأساليب البيان العربي، ولا يتأتى ذلك إلا لمن جمع بين التدبر في القرآن والاشتغال به، وبين التذوق الصحيح لفن البلاغة والمعاني والبيان في اللغة العربية، والتشبع من دراسة بعض اللغات الأجنبية والصحف السماوية القديمة، وبين سلامة الفكر ورجاحة العقل والتعمق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”.

خلاصة بحثه:

  • أن القسم إذا كان مجرداً عن المقسم به – لأنه ليس من لوازمه – فإنما يراد به تأكيد قول وإظهار عزم وصريمة.
  • أما إذا أقسم بشئ فإن المقصود هو الإشهاد، حتى في الأيمان الدينية، وإنما اختلط به معنى التعظيم من جهة المقسم به لا من جهة أصل معنى القسم.
  • وربما يكون القسم لمحض الاستدلال.
  • أما أقسام القرآن فليست إلا للاستدلال والاستشهاد بالآيات الدالة، ولترى فائدة هذا البحث وأثرها العظيم في التفسير، يمكنك الرجوع إلى تفسير المؤلف للسور المذكورة.

الإتقان في علوم القرآن:

وهو كتاب عجيب في بابه، ويعتبر فريداً لا نظير له و ليس معنى ذلك أن مسائله لم يتكلم فيها إنسان، أو لم ترد في كتاب، لا، ولكنها وردت مبثوثة في كتب عدة، وفي أبواب كثيرة، و تكلم فيها أناس كثيرون، و يرجع الفضل للسيوطي في أنه لم شملها، و جمعها منظمة منسقة مبوبة في كتابه هذا، حتى صارت هيكلاً مستقلاً متناسق الأجزاء، منسجم النواحي، ذا وحدة متحدة.

وهذه قدرة عجيبة من السيوطي، تدل على ذهنية متوقدة اتجهت به إلى هذا الموضوع الفريد، فطاف على مؤلفات كثيرة العدد مختلفة المشارب، كثيرة الأقوال والمذاهب فحقق فيها و دقق، حتى استبانت له وجوه الصواب، فحشدها في كتاب بعد أن زودها بما له من ثاقب رأي، و صائب فكر، و يقول محقق الإتقان الأستاذ فواز أحمد زمرلي في مقدمته عليه:إن كتاب الإتقان في علوم القرآن، يعتبر بحق و جدارة موسوعة و دائرة معارف في علوم القرآن”.

موضوع الكتاب:

الكلام عن القرآن الكريم كلاما تاريخياً، فهو ليس تفسيراً، وإن كان بين الاثنين ارتباط، هو وصف له و لسوره و آياته، وطريقة النطق بها، ويتطرق إلى بحوث تاريخية، وبحوث في التجويد، و علوم اللغة من نحو و بلاغة، و بحوث في التوحيد، وبيان للإعجاز، و هلم جراً.

و من فصوله :

وإن هذا السفر القيم يشتمل على بحوث نفيسة من العلوم القرآنية مثل: معرفة السور بجميع أقسامها، و معرفة ما نزل من القرآن على لسان بعض الصحابة، و ما تكرر نزوله، وما تأخر نزوله عن حكمه، و كيفية نزوله، ومعرفة المتواتر والمشهور والشاذ والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمطلق والمفيد، وحديث عن مظاهر البلاغة فيه من حقيقة و مجاز و تشبيه واستعارة، وبدائع القرآن وأقسامه وإعجازه وطريقة جدله وفضائله.

كما تكلم مؤلفه عن شروط المفسر وآدابه، وعن غرائب التفسير، وختم الكتاب بفصل ممتع عن بعض المفسرين الأوائل و ما قيل في حقهم.

والكتاب – كما اتضح- دليل خالد على رسوخ قدم السيوطي في علوم العربية والدين و إحاطته الشاملة بكثير جداً مما قيل عن القرآن الكريم، و حفظه التام لحوادث التاريخ، و معرفته برجاله، وسعة اطلاعه على كتب المتقدمين بعامة.

الدافع إلى تأليفه :

وقد ذكر المؤلف في خطبة كتابه هذا ما يفيد أن التأليف في موضوعه أمنية جالت في نفسه، و استشرف له فؤاده منذ مدة، إذ وجد كثيرا من المؤلفين قد وضعوا كتبا عدة في علم الحديث، ولم يهتموا بجمع المسائل الخاصة بالقرآن، وقد زاد استشراف فؤاده لكتابة في هذا الموضوع حينما سمع من شيخه أبي عبد الله محي الدين الكافيجي أنه دون في علم التفسير لم يسبق إليه، وقد كتبه السيوطي عنه، فوجده صغير الحجم، وبه بابان و خاتمة، الأول في ذكر معنى التفسير و التأويل والقرآن والسورة والآية، والثاني في شروط القول بالرأي فيه، والخاتمة في آداب العالم والمتعلم، فلم يرو السيوطي غلته، حتى اطلع على كتاب آخر أضخم حجماً و أغزر مادة من الأول، في مثل هذه الموضوعات التي تدور حول القرآن الكريم، وهو من تأليف القاضي جلال الدين البلقيني، سماه: مواقع العلوم من مواقع النجوم، وهو خير من الأول ترتيبا و تبويبا، وتقريرا و تحريرا.

كل ذلك حفز همته إلى وضع كتاب لهذه المسائل، يكون أشمل و أفضل، وأجمع لشتاتها، فوضع كتابا سماه ” التحبير في علوم التفسير ” اعتمد فيه على كتاب ” مواقع العلوم” السابق ذكره، ثم خطر له أن يضع كتابا أوفى، و أكثر بسطا و جمعا، وأفضل ضبطاً، و أكثر استقصاء، ليكون مقدمة لتفسيره الكبير المسمى ” مجمع البحرين و مطلع البدرين ” الذي شرع في وضعه، وبينما هو يتردد في هذا الأمر، ويقلبه على وجوهه، ظاناً أنه أسبق الناس إليه، إذ بلغه أن الشيخ بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي وضع كتاباً على هذا المنوال، حافلاً، وسماه ” البرهان في علوم القرآن ” فاطلع عليه السيوطي، فحمد ما فيه، وكان أكثر حفزاً له، على وضع كتابه الذي فكر فيه.

مصادره:

و يتبين مما سبق أن السيوطي اعتمد على كتب أربعة في تدوين كتابه الإتقان الأول: كتاب الكافيجي، والثاني: كتاب جلال الدين البلقيني، الثالث: كتابه المسمى ” التحبير” الرابع: كتاب الزركشي، و كتاب السيوطي أجمع و أوفى، و به كلام عن ثمانين مسألة مـن مسائل علوم القرآن، أو ثمانين نوعاً كما سماها هو، وقد ذكرنا بعضها فيما سبق.

وقد بين السيوطي أن ثمت كتباً أخرى تكلمت عن بعض هذه الفنون، ولكنها بالنسبة لكتابه كنقطة لبحر، و منها فنون الأفنان في علوم القرآن لابن الجوزي، وجمال القرآن للسخاوي، والمرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز لأبي شامة، والبرهان في مشكلات القرآن لأبي المعالي عزيزي بن عبد الله المعروف بـ”شيدلة”.

وهناك كتب أخرى اعتمد عليها أيضا و أعانته، ذكرها في مقدمته وهي أكثر من أن تحصي هنا، وهي جملة من الذخائر والنفائس في التفسير والحديث، وعلوم القرآن، واللغة و التاريخ، والرسم.

وقد عني في كل فصل أن يذكر الأقوال المأثورة في المسألة مسندة إلى رواتها، وإن الكتب التي ذكرت فيها، ويفصل القول في ذلك تفصيلاً منظماً [12].

تحدث السيوطي – رحمه الله – في النوع السابع والستين من كتابه “الإتقان في علوم القرآن” عن قضية القسم، فذكر أولاً مقصود القسم ومراده، وأشار إلى موارد القسم في القرآن، وأقسامه وأنواعه ووجوه استعماله في الآيات القرآنية، وإن هذا النوع الذي يشتمل على قضية القسم في القرآ، إنما يستغرق ثلاث أو أربع صفحات من الكتاب، لخص فيه المؤلف مبحث القسم ورتبه بأحسن ترتيب وتلخيص، والبحث كله من أوله إلى آخره مأخوذ من دراسات المتقدمين، وقد ختم السيوطي بحثه بسرد تحقيق ابن القيم الجوزية – رحمه الله – من كتابه “التبيان في علوم القرآن” الذي هو “أول كتاب مفصل علمي مؤسس على الدراسة العميقة والتدبر في القرآن واستعراض لأنواع الأقسام والمقسم بها ومواردها في القرآن” كما يقول عنه – الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي – رحمه الله، وقد أشار إلى ذلك السيوطي نفسه في بداية بحثه حول قضية القسم.

المقارنة بين الإمعان والإتقان:

إذا ذهبنا نستعرض الكتابين: “الإمعان والإتقان” ونقارن بينهما وجدنا كلا الكتابين يتميزان عن غيرهما من الكتب في علوم القرآن، ولكل منها من السمات والخصائص التي طبقت صيتهما الآفاق، وصفق لهما الزمان، وحكم لهما حاكم الذوق والعلم بأنهما من أفضل الكتاب المتعلقة بالقرآن، كما وجدنا بينهما كثيراً من الفوارق بين الكتابين، وطريقهما صاحبيهما “الإمعان والإتقان” هي المنهج والهدف والعرض والاستدلال نذكر أهمها – فيما يلي – بشئ من التفصيل:

  • نجد أول الفوارق بينهما أن الفراهي إذا أخذ القلم ليتحدث عن قضية القسم فكان له هدف محدد سعي لتحقيقه، وهو إزالة الشبهات الناشئة في أذهان القراء عند تلاوة الآيات القرآنية المتضمنة بالقسم، كما يظهر من بيان الفراهي في بداية الكتاب حيث قال: لما كان المقصد الأعظم من هذا المبحث إزالة الشبهات أردت أن أذكرها أولاً، ليكون الناظر من قبل على بصيرة بمساق الكلام فيتضح له شكل نظامه وغرض سهامه” – بينهما السيوطي – كما نراه – لم تكن تملك عليه فكرة خاصة وهدف معين لتعرضه بهذا المبحث، لذلك نجد الفراهي يتوسع في القول، ويرخى عنان القلم ليفيض بالأدلة العلمية والشواهد القرآنية والشعرية إثباتاً لرأيه وتحقيقاً الكتب.
  • ونجد الفرق الثاني بينهما أن السيوطي – رحمه الله – نقل آراء العلماء وأصحاب التفسير في الكتاب كما كانت عادته في بيع وسردها دون التمحيص والعزيلة والتنقيح، فكأن مقصوده فيه سرد الأقوال والآراء ولا يعتني بالنقد والنقاش، أما الفراهي فلا يكتفي بذكر أقوال العلماء، بل يضعه على المحك ويميز بين الصحيح والسقيم كما ذكر ما أجاب به العلامة فخر الدين الرازي والجوزي ولكنه ما ارتاح إلى رأيهما وما اطمئن به قلبهما فناقشهما نقاشاً علمياً أصولياً، وحاكم إلى الدلائل والشواهد الخطأ والصواب، وبعد أن قام بعملية تحليل الآراء وغربلة الشواهد ذكر الجواب على سبيل الإجمال فقال:

“ولكن الغمة التي لم تنجل عنهم والمضيق الذي لم يخرجوا منه هو ظنهم بكون القسم مشتملاً على تعظيم المقسم به لا محالة، وذلك هو الظن الباطل الذي صار حجاباً على فهم أقسام القرآن ومنشأ للشبهات، فنبطله أولاً حتى يتبين أن أصل القسم ليس في شئ من التعظيم، إنما هو يفهم من بعض أقسامه”.

ثم نبين أ، أقسام القرآن بالمخلوقات ليست إلا آيات دالة، وأنها نوع من القسم مباين للأقسام التعظيمية، وليس من القسم بصفات الله كما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله.

  • نجد الفرق الثالث بينهما أن السيوطي – رحمه الله – يظهر في الكتاب كأن من وظيفته تلخيص المبحث وتهذيبه فحسب، فليس فيه من عقله نصيب كثير، إلا ما جاء ضمن البحث إيضاحاً للمقصود وربطاً للجملة التالية بالسابقة، فهو فيه ناقل عقلد أكثره منه المخترع المبتكر، بينما الفراهي – رحمه الله – فخظي كتابه من فكره وابتكاره واختراعه أوفر نصيب وأعظمه.
  • كتاب الفراهي يمتاز عن كتاب السيوطي – رحمه الله – بأنه يتحدث عن تاريخ القسم وحاجة الناس إليه قديماً وحديثاً وطرقه المتنوعة، ومعاني كلمات القسم ومفهومه الأصلي – وذلك كلمه في تفصيل وأسلوب علمي مقنع أما كتاب السيوطي – رحمه الله – فيشير إليه إلماعاً، ويذكره إجمالاً.
  • يتحلى كتاب الفراهي بالشواهد الشعرية أما كتاب السيوطي وخاصة مبحثه في أقسام القرآن فلا نجد فيه شاهداً شعرياً.
  • أشار العلامة السيوطي – رحمه الله – أن العرب من عادتها القسم إذا أرادت أن تؤكد أمراً وقد نزل القرآن بلغة العرب فلابد من رعاية أساليبه، واكتفى بذلك، ولم يبذل أي جهد لجمع الاستعمالات والشواهد من كلام العرب ليكون قوله آكد وأبلغ، بينما العلامة الفراهي نتوسع في جمع الشهواهد، وخاض في بحار كلام العرب فأتى بما تجمل به رأيه، وتأكد به قوله، فذكر هناك قول ريطة بنت العباس السمية والنابغة الذبياني، وزهير بن أبي سلمى، والحارث بن عباد وطرفة بن العبد، والمتلمس والأخطل والآخرين.
  • لم يكتف صاحب “الإمعان” بذكر سنن العرب في القسم بل دفعته العلمية الناقدة، وتبحره في العلوم المختلفة وتضلعه من اللغات الأ<نبية إلى أن يذكر طريقة اليونانيين في القسم، وهذا مما يفوق به الإمعان على الإتقان وغيره من الكتب الأخرى لمؤلفة في علوم القرآن.


المطلب الثالث: موازنة كتاب “الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم” للفراهي مع “الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه” لمكي بن أبي طالب

الرسوخ في معرفة الناسخ والمنسوخ

العلامة الفراهي – كما تعرف – مُوْلَعٌ بالدراسات القرآنية، لذا صَدَر من قلمه عدة كتب علمية تتعلق بموضوع علوم القرآن، وكتابه هذا “الرسوم في معرفة الناسخ والمنسوخ” من خير مؤلفاته العلمية، وإن موضوع النسخ من الموضوعات الهامة التي شغلت العلماء قديماً وحديثاً ما بين مسرف فيه ومقتصد كما أنه كان موضعاً للجدل عند العلماء والفرق الإسلامية من حيث جواز وقوعه في القرآن وعَدَمِه، وقد ألف العلماء فيه عدداً كبيراً من الكتب فلا نكاد نرى مفسراً للقرآن الكريم، إلا وقد اهتم لموضوع النسخ وألف فيه فحين نستعرض طبقات المفسرين وأسماء مؤلفاتهم نجد معظمهم قد كتب في النسخ حيث كانوا يعتبرون معرفة الناسخ والمنسوخ شرطاً في أهلية المفسر للتفسير وقد ألف في النسخ جماعة من العلماء منهم قتادة بن دعامة السدوسي وأبو عبيدة القاسم بن سلام وأبو داؤد السجستاني وأبو جعفر النحاس هبة الله بن سلام الضرير وابن العربي وابن الجوزي ومكي وغيرهم.

أما كتاب الفراهي “الرسوخ في معرفة الناسخ والمنسوخ” هو الكتاب الذي نحن بصدد الحيث عنه، يشتمل على مباحث هامة في موضوع النسخ كما يظهر من خطة المؤلف، ولكن مما يقضي له الأسف أن المؤلف رحمه الله قد عاجلته المنية، وانخرمت حياته دون تحقيق بغيته إلا أن النظر على قائمة المباحث التي يشتمل عليها الكتاب ليشير إلى أهمية المنهج والدقة في المبحث والسعة في العرض والتحليل العميق كما يدل على أنه إن منحت له الفرصة في إكمال الكتاب لجاء فريداً في بابه جامعاً لأشتات الفنون ومحيطاً بصفوة آباء المتقدمين وحائزاً بنكت شريفة وحكم لطيفة وإليك قائمة المبحث.

الباب في الكليات:

  1. ما هو النسخ، وتنقيح المسألة عن نزاع لفظي.
  2. الحكمة في النسخ.
  3. محل النسخ من الأمور.
  4. الناسخ لا يكون إلا الشارع، وهو الله تعالى ورسوله بإذنه.
  5. غير القرآن لا ينسخ.
  6. ×
  7. ×
  8. أهم النسخ ما جاء به القرآن لما قبله.
  9. ذكر قسمين من ثلاثة أقسام النسخ الحكمة العامة في النسخ وهي تبقى القسم الثالث من النسخ الباقي.
  10. جواب قول نفاة النسخ.
  11. كشف معنى كلمة النسخ وبيان قول النفاة.

“الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه”

مكيي بن أبي طالب محمد بن محمد بن مختار القيرواني الأصل القرطبي مسكناً ولد بقيروان في 23/شعبان سنة 354هـ، ونشأ بها وقام بأول رحلة إلى مصر سنة 347هـ لتلقى العلم وبعد ذلك لم يزل يختلف إلى مصر وقيروان حتى استقر في بلده سنة 383هـ ثم خرج إلى مكة في سنة 387هـ فأقام فيها إلى سنة 390هـ فدخل القرطبة في أيام المظفر بن أبي زيد فعلاً ذكر في البلد كله بعلمه وبقي فيها القرطبة يوم السبت 3/المحرم سنة 437هـ.

للمؤلف كتب ذوات عدد مثل الهداية في علم معاني القرآن والرعاية في تجويد القرأة لكنه خص منها كتابين للناسخ والمنسوخ هما “الإيجاز لناسخ القرآن ومنسوخه و”الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه”.

اسم الكتاب ومضمونه:

سمي المؤلف هذا الكتاب بالإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، بما يدور حول المضمون وهو “الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ومعرفة أصوله واختلاف الناس فيه”.

منهج الكتاب

جمع المؤلف في هذا الكتاب ما تفرق في كتب المتقدمين في علم الناسخ والمنسوخ ولم يحتو عليه كتاب واحد منهم، وما تباين في قولهم، واختلفت فيه روايتهم، ثم تتبع كتب أهل الأصول في الفقه فجمع فيه منها مقدمات في الناسخ والمنسوخ وقد إغفلها أو أكثر كل من ألف في الناسخ والمنسوخ فهو أصول لا يستغني عنها، ووجد في كتب الناسخ والمنسوخ أسياء دخل فيها وهم ونقلت على حالها، وأشياء لا يلزم ذكرها في الناسخ والمنسوخ وأشياء لا يجوز فيها النسخ فذكر جميع ذلك من قولهم وبين الصواب من ذلك حسب مقدرته.

واهتم المؤلف أولاً بتقديم أصول النسخ ووضعها في عشرة أبواب تكلم في الباب الأول عن معنى النسخ في اللغة وأن يكون بمعنى النقل مثل قولك نسخت الكتاب وبمعنى إزالة الشئ والحلول محله مثل قول العرب نسخت الشمس الظل وبمعنى إزالة الشئ وعدم الحلول محله كقول العرب نسخت الريح الآثار ثم يقرر أن معنى النسخ من المعنيين الثاني والثالث والأخذ من المعنى الأول وهم وغلط كما قال:

النحاس

والجدير بالملاحظة أن مكيا لم يذهب في تعريف النسخ في الإصلاح إلى ما ذهب إليه وغيره بل عرفه بناء على المعاني اللغوية التي استق منها وجعل النسخ في القرآن من المعنيين الثاني والثالث وقدم تعريفاً عاماً وأثناء حديثه عن الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء.

أما الباب الثاني فقد خصصه “لبيان حقيقة النسخ وكيفيته ومن أين جاز ذلك” وهو أول مؤلف ابتكر هذا الباب فيقول “هذا الباب ما علمت أن أحداص سبقني إلى مثله وإلى مثل ما فيه من البيان” فتحدث فيه عن علم الله – عز وجل – وأن التعيير في المأمور به فقط فيقول “فنسخ – أي الله – بحكمه مأموراً بمأمور به آخر فأمره، كلامه، صفة له لا تغيير فيه ولا تبديل وإنما التغير في المأمول به.

والباب الثالث خصصه لبيان النص على جواز النسخ فاستدل بقول الله “يمحو الله ما يشاء ويثبت” وبقوله “فينسخ الله ما يلقى الشيطان”.

والباب الرابع فقد ذكر فيه ما يجوز أن ينسخ وما لا يجوز

والباب الخامس في بيان أقسام المنسوخ فيقسمه إلى ستة أقسام ويشرح كل قسم بشكل صريح ويتمثل بآيات القرآن.

والباب السادس في بيان أقسام المنسوخ فيقسمه إلى ثلاثة أقسام ويأتي لكل منها بشرح كاف بذلك آي القرآن على سبيل المثال.

الباب السابع في بيان ما يجوز أن يكون ناسخاً ومنسوخاً وجعل هذا الباب أيضاً في خمسة أقسام وحذا حذوه في التشريح والتمثيل.

ثم يتبع بعد ذلك باباً للفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء وباباً لبيان النسخ والتخصيص وتمثيله يعقبه باباص في أقسام ما يخصص القرآن وبعد هذا الباب يذكر ىيات من كتاب الله من هذه الأبواب وبينها ويشرحها.

ويأتي بالباب التاسع لبيان شروط الناسخ والمنسوخ والباب العاشر للقول الجامع لمقدمات الناسخ والمنسوخ ثم يشير إلى أنه سيذكر الآيات التي وقع فيها الناسخ والمنسوخ سورة وسورة مع ذكر الاختلاف ويقدم قبل ذلك باباً يذكر فيه جملة من المنسوخ ليسهل حفظها وذكرها مجملة ثم يختم الكتاب.

مميزات الكتاب

  1. جمعه ما تفرق في كتب المتقدمين ولم يحتو عليه كتاب واحد منها.
  2. ذكره ما تباين فيه قولهم واختلف فيه وايتهم.
  3. تتبعه كتب الأصول وجمعه منها مقدمات في أصول الناسخ لا يستغني عنها وقد أهملها أو أكثرها كل من ألف في الناسخ والمنسوخ.
  4. ذكر ملاحظات على من كتب في النسخ ممن تقدمه، ونبه على أشياء دخلها وهم، ونقلت على حالها في كتب الناسخ والمنسوخ، وأشياء لا تلزم في الناسخ والمنسوخ، وأشياء لا يجوز فيها النسخ.

أقوال العلماء في الكتاب:

قال الدكتور أحمد حسن فرحات الذي قام بتحقيق هذا الكتاب “يبدو أنه (الكتاب) أفضل ما وصل إلينا مما كتب في الموضوع” قال القاضي عياض في ترتيب المدارك عن هذا الكتاب.

“وهو كتاب حسن”

الموازنة بين الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب

وبين الرسوخ في معرفة الناسخ والمنسوخ للفرهي

بمقابلة كتاب “مكي بن أبي طالب” الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه بكتاب الفراهي “الرسوخ في معرفة الناسخ والمنسوخ” تتجلى لنا أمور:

الأول: أن كتاب ابن أبي طالب القيسي جاء جامعاً لمباحث النسخ في القرآن الكريم، وهو كما يجمع أيضاً ما تفرق في كتب المتقدمين بأحسن ترتيب وأجوده، أما كتاب الفراهي فليس من الجمع والتكميل والشمول في شئ، فهو في الحقيقة رسالة أراد فيها المصنف بالإبداع ودقة المبحث إلا أنه سبقته المنية وحالت دون طريقه إليه.

الثاني: قد حفل كتاب القيسي بالاهتمام بنقل أقوال العلماء المتقدمين وآرائهم ووجهات أنظارهم المتبانية، والمحاكمة بين هذه الآراء في ضوء الأصول العلمية، أما كتاب الفراهي فليس فيه ذكر الآراء وتمحيص الأدلة إلا قليلاً نادراً.

الثالث: يشتمل كتاب ابن أبي طالب القيسي على كثير من المباحث العلمية المتعلقة بموضوع النسخ مما لا نجد ذكره في كتاب الفراهي مثل: شروط الناسخ والمنسوخ، ونسخ السنة بالسنة، ونسخ القرآن بالسنة المتواترة ونسخ القرآن بالإجماع، ونسخ الإجماع بإجماع بعده.

الرابع: مما يفوق به كتاب أبي محمد القيسي أنه يحيط بجميع الآيات القرآنية التي اشتبه على المفسرين وقوع النسخ فيها، فجاد قلمه ببحث علمي مقنع، مع وضوح الموقف ودقة المسلك والبراعة في الاستدلال، بينما كتاب الفراهي فليس من هذه المباحث في شئ.


المطلب الرابع: موازنة “أساليب القرآن” للفراهي مع “البرهان في علوم القرآن” للزركشي

أساليب القرآن

كتاب أساليب القرآن من سلسلة تآليف الأستاذ الفراهي التي ألفها في موضوع علوم القرآن، ولعله لا يصلح أن يعد هذا الكتاب من تصانيفه الناقصة، وإن التصفح في هذا الكتاب يدل دلالة واضحة على أن الأستاذ الفراهي كان قد جمع إشارات وتلميحات وملاحظات في هذا الموضوع، ولكن لم يتح له فرصة تسويدها، ولما انتقل إلى جوار ربد جمعت هذه المواد العلمية والتلميحات النافعة ونشرت في كتاب.

وكان قد أسمى الأستاذ الفراهي هذا الكتاب “كتاب الأساليب” بدلاً عن أن يسميه “أساليب القرآن” وذلك أنه ليس من قصده أن يختصه بالقرآن الكريم فحسب، بل كان يريد أن يكون أساس وضعه على أساليب كلام العرب، هو يقول:

وأقرب ما يمكن أن هذا الاسم كان مذكوراً في مسودته، ويؤيد ذلك أن هذا الكتاب قبل الطبع كان مشتهراً على الألسن بكتاب الأساليب، وذكره أمين أحس الإملاحي في رسالة مطبوعة دورية بهذا الاسم، حيث يقول “كتاب الأساليب وأصول التأويل في صدر الطبع وسيطبعان في أقرب وقت إن شاء الله”.

وذكره أيضاً في مقدمة تدبر القرآن بهذا الاسم حيث يكتب.

“تنكشف بمطالعة القرآن الكريم وأدب زمان نزول القرآن أصول الحذف والإيجاز العديدة رتبها أستاذي مولانا الفراهي وجمعها في كتاب له”.

ولا غرو أن الأستاذ الفراهي عندما يحتاج في أي كتاب من كتبه إلى ذكر مرجع هذا الكتاب فلعله أشار إلى هذا الاسم، إذ كان من إرادته أن يكون أساس الكتاب على كلام العرب، لذلك سماه “كتاب الأساليب” ولم يسم أساليب القرآن، ولكنه لم يستوعب هذا الموضوع كما كانت الداعية أشرأبت في قلبه، وكثيراص ما كتب في المسودة فهو يتعلق بالقرآن الكريم، وما وجد من الأمثلة المتنوعة في أبواب متعددة وفصول مختلفة فهو مستقطب من آيات القرآن، بيد أن هناك أمثلة تعد على الأصابع مأخوذة من كلام العرب، ولأجل ذلك قد تقرر عندي أن هذا الكتاب صار مسمىً بأساليب القرآن بعد، لئلا يختلف الاسم والمسمى، ولئلال يتباعد العنوان والألوان، وقد تسب الأستاذ أمين أحسن الإصلاحي هذا الاسم إلى هذا الكتاب بصدد ترجمة حياة الأستاذ الفراهي، وسببه واضح جلي، وأيضاً أشار العلامة سليمان الندوي إلى هذا الاسم في ذيول كتابه “إمعان في أقسام القرآن”.

وما كان من تصانيف الفراهي في التفسير أو في فن آخر فمقصده بذلك كله تعبيد الطريق وتمهيد السبيل إلى فهم القرآن الكريم، وكما كان الأستاذ الذي ختم كثيراً من الأمور المذكورة في كتابه لفهم القرآن، كذلك قد ألزم التطلع الواسع العميق على أساليب اللغة العربية وأساليب القرآن الكريم، ومراده هنا باللغة الأدب العربي الذي نشأ وترعرع في زمان نزول الوحي، ومن هذه الناحية لم يعتبر لغة المولدين لغة يستند إليها أو يوثق بها، حيث يقول عن غاية هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

“كما أن المقصود من كتاب المفردات إحادة العلم حتى الوسع بدلالة الكلم بحرمه ووجوهه، وكذلك المقصود من هذا الكتاب إحاطة العلم حتى الوسع بدلالات الصور والأساليب ومواقع استعمالها، فإن محض العلم بأسلوب خاص من دون تخصيص مواقعه، يفتح باباً عظيماً لسوء التأويل، مثلاً قالوا إن كلمة “لا” بما تأتي زائدة، فإهمال هذا القول أقرب إلى الضرر منه إلى النفع، فإننه يجعل النفي إثباتاً، فلابد أن نعلم مواقع الأساليب، فنستدل على معانيها ولا نحو لها عن مواضعها الخاصة، ومن هذه الجهة اشتدت الحاجة إلى إقامة الحجة على هذه الدلالات، فإن ذلك جزء من معاني الكلام، والجاهل به كالجاهل ببعض المعاني لكلمة مشتركة، فلا يأولها إلا إلى ما علم من معانيه وربما يكون المراد غيره”.

ومما يدل على أهمية الكتاب وموضوعه ومحتوياته وما يحتل هذا الفن مكانة عالية شامخة التصريحات والتعليمات التي تنصصت في هذا الكتاب، ولكن الأستاذ الفراهي لم يتحدث من أهمية هذا الفن ولم يتناول هذه النقاط إلا بإيجاز واختصار، ولو قمنا باستعراض هذه النقاط لطال الكلام ولضاق المقام، ولم يثر كذلك علماء المعاني موضوع أساليب الكلام، إلا أن الفقهاء الأصوليين اقتبسوا من هذا الموضوع بعض القواعد والمسائل حسب ما ألجأتهم الضرورة إليه، ولم يستطع هذا الفن أن يركز عناية أ؛د من الباحثين والمحققين رغم أنه يحمل في طيه أهمية بالغة قصوى، والأستاذ الفراهي هو أول من استثعر بأهمية هذا الفن في فم القرآن، ولم ير بداً أن يولف فيه تأليف مستقل، فلم يسبقه أحد في هذا الباب، والفضل في ذلك يرجع إليه، فياليته أنتم هذا الكتاب وفقاً لما كان تصور ذهنه رسماً له، وما كان في الكتاب فهو ناقص، رغم ذلك كله لا يمكن الجحود والإنكار بأهمته وإفادته، وهناك أمر يحتاج إلى الوضوح والبيان وهو أن من يريد المطالعة والاستفادة منه فليعلم أن هذا الكتاب ليس تأليفاً مستقلاً بل هي مجموعة من الإشارات والتلميحات، وهي تتوخى منه المعرفة التامة والاطلاع الواسع على أفكار المؤلف ونظرياته وميوله مع التفكر والتعمق والنظر فيها.

وقد تطرق كلام المؤلف في هذا الكتاب إلى أساليب الكلام ومواقع استعمالها المتنوعة مصحوبة بالأمثلة القرآنية عن طريق العناوين المختلفة التي يبلغ عددها إلى اثنين وثلاثين بعد أ، وضع الأبواب والفصول التمهيدية ولا يمكن الوصول إلى المعنى المراد الصحيح إلا بمعرفة هذه الأساليب ومواقع استخدمها.

ومما يجدر بالذكر أن الأمثلة المختلفة كلها في هذا الكتاب مقتبسة من القرآن الكريم، غير أن هناك أمثلة عديدة مأخوذة من أساليب كلام العرب، وتناول المؤلف الجرجان والكسائي والفراء، وابن تيمية بدراسة نقدية، وإن نظرة عجلى على عناوين الكتاب ومحتوياته تكفي لمعرفة ذكاء المؤلف وتوقد ذهنه وتبحر علمه وسعة مطالعته وآرائه القيمة وأفكاره النبيلة، فجاء ككتاب مستقل بعينه يسلط ضوءاً على أساليب القرآن، ولكن كتاب الأساليب ينتظر عناية من الباحثين والمحققين ولعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.


كتاب البرهان

إن كتاب “البرهان في علوم القرآن” الذي نحن بصدد الحديث عنه هو من خير ما ألفت في الدراسات القرآنية من الكتب وأجمعها للفنون، فإن مؤلفه وهو الإمام بدر الدين بن محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي يعتبر من جهابذة أهل النظر وأرباب الاجتهاد، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه، والفقه وأصوله، وقد حفظ كتاب المنهاج في الفروع للإمام النووي ولد بالقاهرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة.

وقد ضمن كتابه هذا “البرهان في علوم القرآن” خلاصة ما وصل إليه من علم التفسير في أكثر الجوانب التي عني بها، ويتناول: التعريف بعلم التفسير وعلوم القرآن، ومعرفة أسباب النزول، ومعرفة المناسبات بين الآيات، ومعرفة الفواصل ورؤوس الآي، وجمع الوجوه والنظائر، وعلم المتشابه، والمبهمات، وأسرار الفواتح والسور وخواتمها، ومعرفة المكي والمدني، ومعرفة أول ما نزل وآخر ما نزل، ومعرفة على لغة نزل، ومعرفة جمعه وتدوينه ومعرفة تقسيمه بحسب سوره، وترتيب السور والآيات وعددها، ومعرفة أسمائه واشتقاقاتها وأسرار التقديم والتأخير، والتأكيد والمبالغة والحذف والإيجاز والإطناب والنكت البيانية والأنواع البديعية، والفروق في معاني المترادفات، وأسرار الكلمات التي ختمت بها الآيات إلى غير ذلك من النكت والأسرار.

فجاء هذا الكتاب فريداً في بابه، جامعاً لصفوة آراء العلماء المحققين، وأقوال المتقدمين، يقول الأستاذ الفاضل المحقق محمد أبو الفضل إبراهيم في مقدمة تحقيقه على الكتاب وهو ينوه بنبوغ المؤلف وفضله وسعة علمه كما يشيد بالكتاب:

“كتاب البرهان في علوم القرآن الكريم وكتاب الله الخالد، كسره على سبعة وأربعين نوعاً كل نوع يدور حول موضوع خاص من علوم القرآن ومباحثه، يستأهل كل نوع أن يكون موضوعاً لمؤلف خاص حاول في كل موضوع أن يؤرخ له، ويحصى الكتب التي ألفت فيه، ويشير إلى العلماء الذين تدارسوه، فأشبع الفصول، وضم أقوال المفسرين والمحدثين إلى مباحث الفقهاء والأصوليين، إلى قضايا المتكلمين، وأصحاب الجدل، إلى مسائل العربية وآراء أرباب الفصاحة والبيان، فجاء – كما شاء الله – كتاباً فريداً في فنه، شريفاً في أغراضه مع سداد المنهج، وعذوبة المورد، وغزارة المادة، بعيداً عن التعمية واللبس نائياً عن الحشو والفصول”[13].

ولو قمنا بعد ما جمع الكتاب من وجوه القيمة الفنية وميزاتها الكثيرة ظهر لنا ما يفوق الاحصاء، ويتجاوز الاستقصاء، وإليك بعض الجوانب القيمة التي جال فيها يراع المؤلف العبقري وأتى فيها بالعجب العجاب – فنذكر فيما يلي – بعض السمات البارزة لكتاب.

العناية بالنواحي البلاغية:

إن من بين وجوه إعجاز القرآن الكريم الصبغة البلاغية التي يتجلى بها، فهو نور من الكلام، أو كلام من النور، ولا عجب أن يكون كذلك، فهو تنزيل من حكيم حميد، ومن هنا فإن المؤلف الفاضل اهتم كثيراً من كتابه هذا بتحلية النواحي البلاغية في المباحث التي يستعرضها، أحياناً من قبل نفسه، وأحياناً كثيرة فيما ينقله عن الآخرين.

وحيث إن علم البلاغة يشتمل فنوناً ثلاثة وهي: علم المعاني وعلم البيان، وعلم البديع، فإن المؤلف – رحمه الله – ظهر اهتمامه بكل ذلك وإليك بعض الأمثلة على ذلك:

علم البيان:

لقد ذكر المؤلف ما يندرج تحت هذا من أنواع متعددة، وإليك بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر.

الاستعارة.

المجاز.

والكناية المرشحة، والتشبيه وأنواعه، والتورية والاستخدام والفرق بينهما، فقد فصل المؤلف – رحمه الله – القول في جميع هذه الأقسم البيانية، وأكد على وردوها في القرآن، وردّ كذلك على من أنكروها، فقال المؤلف – رحمه الله – في مبحث الاستعارة:

“هي من أنواع البلاغة، وهي كثيرة في القرآن، ومنهم من أنكره، بناءاً على إنكار المجاز في القرآن”[14].

ثم يذكر المؤلف – رحمه الله – أمثلة الاستعارة في القرآن وحقيقتها وحكمتها فيقول:

“وحقيقتها أن تستعار الكلمة من شئ معروف بها إلى شئ لم يعرف بها، وحكمة ذلك إظهار الخفي، وإيضاح الظاهر الذي ليس بجلي أو بحصول المبالغة أو للجموع.

فمثال إظهار الحفي قوله تعالى: وإنه في أم الكتاب”، فإن حقيقة أنه في أصل الكتاب، فاستعير لفظ “الأم” للأصل، لأن الأولاد تنشأ من الأم، كما تنشأ الفروع من الأصول، وحكمة ذلك تمثيل ما ليس بمرئ حتى يصير مرئياً، فينقل السامع من حد السماع إلى حد العيان، وذلك أبلغ في البيان[15].

علم البديع:

لقد حفل كتاب البرهان في علوم القرآن” بالأنواع الكثيرة التي يتضمنها هذا العلم، ومنها:

  1. التجنيس
  2. الطباق
  3. المقابلة
  4. رد العجز على الصدر وعكسه
  5. النجام الخصم بالحجة
  6. التذييل

فبسط المؤلف – رحمه الله – الكلام في تعريفه، وأنواعه، بجانب ذكر الخلاف بين العلماء إن كان هناك، فانظر على سبيل المثال أنه ذكر التجنيس وأمثلته من القرآن ثم رد خلاف ابن أبي الحديد في إثبات التجنيس في الآية الكريمة: يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة”، يقول:

نازع ابن أبي الحديد في الآية الأولى، وقال: عندي أنه ليس بتجنيس أصلاً، وأن الساعة في الموضعين بمعنى واحد، والتجنيس أن يتفق اللفظ ويختلف المعنى، وأ، لا تكون أحدهما حقيقة والأخرى مجازاً، بل نكونا حقيقتين، وإن زمان القيامة – وإن طال – لكنه عند الله تعالى في حكم الساعة الواحدة، لأن قدرته لا يعجزها أمر، ولا يطول عندها زمان، فيكون إطلاق لفظة الساعة على أحد الموضعين حقيقة وعلى الآخر مجازاً، وذلك يخرج الكلام من التجنيس، كما لو قلت ركبت حماراً، ولقيت حماراً، وأردت بالثاني البليد، وأيضاً يجوز أن يكون المراد بالساعة الساعة الأولى خاصة، وزمان البعث، فيكون لفظ الساعة مستعملاً في الموضعين حقيقة، فيخرج عن التجنيس.

الاستشهاد بالشعر:

إن المؤلف – رحمه الله – لم يكن خافياً عليه دور الشعر في فهم القرآن الكريم وتفسيره، وفي توضيح المعاني، لذلك ذكر المؤلف الشواهد الشعرية كما استشهد المؤلف بالشعر في قضية ورود البعض وإرادة الكل يقول:

“ويجوز أبو عبيدة ورود البعض وإرادة الكل، وخرج عليه قوله تعالى: ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبينن لكم بعض الذي تختلفون فيه” أي كله، وقوله تعالى:

“وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ”[16].

وأنشد بيت لبيد:

تراك أمكنة إذا لم أرضها

أو يعتلق بعض النفوس حمامها[17]

الموازنة بين أساليب القرآن للفراهي والبرهان في علوم القرآن

إذا تناولنا الاستعراض بين الكتابين “أساليب القرآن” للفراهي و”البرهان في علوم القرآن” وجدناهما مشتملين على مباحث مهمة وفوائد جليلة، يتوافق كلاهما على غاية شريفة وهدف نبيل، وهو خدمة القرآن الكريم وتمهيد السبل للتوصل إلى ما يتضمنه من اللطائف والأسرار المكنونة كما يهدف إلى توضيح الآيات وتفسير البينات ونجد كذلك تباين منهج العرض والاستدلال والترتيب والاختلاف في المباحث القرآنية.

الأول: فكتاب الفراهي كما تعرف رسالة وجيزة تتحدث عن عموم أساليب كلام العرب ويقصد إحاطة العلم حتى الوسع بدلالات الصور والأساليب، ومواقع استعمالها، كما صرح بذلك الفراهي رحمه الله في بداية كتابه حيث قال: “كما أن المقصود من كتاب المفردات إحاطة العلم حتى الوسع بدلالة الكلم بحرمه ووجوهه، فكذلك المقصود من هذا الكتاب إحاطة العلم حتى الوسع بدلالات الصور والأساليب ومواقع استعمالها”[18].

أما كتاب الزركشي “البرهان في علوم القرآن” فهو بمثابة الأمهات للكتب المؤلفة في الدراسات القرآنية، ومن ميزاته البارزة: الجمع والاستيعاب والشمول، مع أجود الترتيب والتبويب، وهو في أربعة مجلدات ضخمة يجمع ما قاله الأئمة الأعلام في هذا الفن سواء كانوا مفسرين أم محدثين أم أصوليين أم لغويين أم بلاغيين، فيبدو العلامة الزركشي في كتابه كأنه يتوخى من خلال كتابه التعرض لجميع المباحث القرآنية واستيعابها بعقلية موسوعية، أما الفراهي فقد اقتصر على مبحث قرآني محدود، وناحية مخصوصة من الكلام الإلهي.

الثاني: تصدى كلا الكتابين للتعرض للمباحث القرآنية والأساليب البيانية من أسولب الخطاب والالتفات ومواقع الحذف والعود على البدأ، والوصل والفصل والتذييل إلا إذا أمعنا النظر بين الكتابين نجد الفراهي أنه أقدر على تفسير مكنونات صدره وإثبات رأيه بكثير من الإمام الزركشي، كما هو يمتاز أيضاً من صاحبه أنه يأتي بنكت شريفة ولطائف دقيقة لم نجد ذكرها في “البرهان في علوم القرآن” للزركشي، أنظر إلى هذا المقال: مبحث القرآن والوصل، والفرق بينهما في كتابه الأساليب، وهو يدل على عقليته المتبكرة، وطبيعته المخترعة المتوقدة، أما صاحبنا الزركشي فهو يقتصر على الاهتمام بنقل الآراء عن الآخرين أكثر من الاهتمام بالاختراع والابتكار.

الثالث: نجد ذكر مبحث الالتفات في الكتابين كليهما بغاية من الإسهاب والتفصيل فتوسع المؤلفان كلاهما في بسط الحديث عن الالتفات وتقديم الأمثلة والأدلة من كلام العرب الأولين، وأساليب بيانهم إلا أن الفراهي يفوق على صاحبيه بذكر الفوائد والحكم الخفية من مجيئ الالتفات في القرآن الكريم، يقول الفراهي وهو يذكر فوائد الالتفات: إعلم أن الالتفات في القرآن كثير جداً في كلام العرب، ومن فوائده العامة: انتباه السامع، ومنها إحضار البعيد، ومنها شدة الخطاب، ومنها صرف التوجه عن السامع تصغيراً له وإعراضاً عنه، ومنها صرف الخطاب الشديد إلى أكبرهم، ومنها التعريض بمن يتوقع منه الإنكار أو الكراهية، والالتفات من مخاطب إلى مخاطب، والالتفات لتنويع المعنى والالتفات لإرادة التوبيخ.

[1] المعجم العربي : 1/39 .

[2] الفهرست ، 58 .

[3] الإتقان 1/113.

[4] مفردات القرآن ص3.

[5] مفردات القرآن ص4-5.

[6] مفردات القرآن ص8.

[7] جريدة الإصلاح يوليو 1939م ص326.

[8] مفردات القرآن ص11.

[9] مفردات القرآن ص16-18.

[10] ماهنامه زندكي رامبور، فروري 1961م ص60.

[11] جريدة خاتون باكستان العدد الخاص عن القرآن الكريم سنة 1384هـ – 1965م، ص73.

[12] ملخص من مقدمة المصنف لكتاب “الإتقان في علوم القرآن”.

[13] مقدمة على كتاب البرهان: 12.

[14] البرهان في علوم القرآن 3/432.

[15] البرهان في علوم القرآن 3/433.

[16] غافر:28.

[17] البرهان في علوم القرآن 2/334.

[18] أساليب القرآن: ص9.

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of
Close