+91 9999 324 197
editor@aqlamalhind.com

القائمة‎

أحمد شوقي وإبداعه في مجال الرواية
د. معراج أحمد معراج الندوي

 

ملخص البحث:

يعد أحمد شوقي من أعظم شعراء العربية في جميع العصور ولذلك لقب بـ “أمير الشعراء”. استطاع هذا الشاعر العبقري أن يصبح في فترة قصيرة من حياته أشهر الشعراء حول العالم. ولكن لم يكتف أحمد شوقي بإمارة الشعر بل اقتحم النثر من أوسع أبوابه. لقد أغنى المكتبة العربية بفنونه النثرية المختلفة منها الحكمة والسيرة والحوار وأدب الرحلة والرسائل والمسرحية والرواية وغيرها من فنون متعددة الأساليب والأغراض. خاض أحمد شوقي في غمار العمل الروائي وأثبت حضوره روائيا إلى جانب إمارة الشعر. فقد كانت تجربته الروائية الأولى من خلال روايته “عذراء الهند” التي ظهرت في عام 1897م والتي عدت باكورة أعماله الروائية في هذا الميدان، لقد كتب شوقي خمس روايات استلهم فيها من التاريخ الفرعوني القديم، ولكن لم تحظ رواياته باهتمام الباحثين، ويجهل الكثيرون أن شوقي كان روائيا، قد ساهم مساهمة فعالة في كتابة الرواية العربية الحديثة. له إبداع وابتكار في مجال الرواية العربية التاريخية يبدو أن شعره قد غلب على نثره وقتل أعماله الروائية. يستهدف هذا البحث إبراز أهمية الروايات التي كتبها شوقي وابتكاره وإبداعه في مجال الرواية.

 

الكلمات الريئسية: أحمد شوقي، الرواية العربية، الاتجاه التاريخي، الحب والتاريخ، الحضارة الفرعونية

مدخل:

أما حديث عن أحمد شوقي وإبداعه في مجال الرواية، فيبدو أن هذا الموضوع غريب لأنه هو أمير الشعراء يتربع على مكانة الصدراة بغزارة شعره وروعته وجماله. وهو أول من أدخل في شعرنا الحديث المسرح القصصي ولكن قبل أن يخوض هذا العبقري في مجال الشعر، طرق باب الرواية في وقت مبكر من حياته. بدأ حياته الأدبية من الرواية العربية، ولكن سرعان ما أدرك أنه لم يستطع أن يضيف كثيرا في هذا الفن فغير وجهة نظره وكرس نفسه على الشعر والشاعرية ووقف مواهبه الأدبية على القصيدة العربية. فنظم قصائد رائعة حتى أصبح أمير الشعراء في العصر الحديث. كتب أحمد شوقي في بداية أمره من حياته الأدبية خمس روايات وأضاف في فن الرواية، لأن فن الرواية استطاع أن يثبت وجوده وأثره بين الفنون الأدبية، وبهذا، يمكن القول أن الترجمة الأدبية كانت سببًا في ظهور قوالب فنية جديدة.

 لم يكن أحمد شوقي بعيدًا عن نبض مجتمعه والتيارات التي كان يمر بها العالم العربي بعد فشل الثورة العرابية وسيطرة الاحتلال البريطاني على مصر. فعبر كل ما يختلج في نفسه من خلال الرواية واستمد شوقي في أعماله الروائية من التاريخ عبارة تستر أفكاره فيما يجري حوله وأخرج “عذراء الهند” عام 1897م و”لادياس” أو “آخر الفراعنة” عام 1988م، ثم رواية “دل ويتمان” في نفس العام وتعتبر هذه الرواية الجزء الثاني لرواية “لادياس”، ثم “شيطان بنتاؤور” عام 1901م، وأخيرًا أصدر روايته الأخيرة “ورقة الآس”، عام1905م، وتناول في هذه الروايات الموضوعات الاجتماعية والسياسية وعبّر فيها أفكاره في ستر من خلال التاريخ. 

مولده ونشأته:

ولد أحمد شوقي في 16 أكتوبر سنة 1870م حيث كانت مصر إبان تلك الفترة في حكم إسماعيل تسعى إلى يقظة شاملة.[1] انحدر شوقي من أسرة اختلطت دماءها بأصول أربعة: الكردية واليونانية والتركية والعربية. أما جده لأبيه يرجع أصوله إلى الكردية. يقول شوقي: “إن والده قدم هذه الديار يافعا يحمل وصاة من أحمد باشا، وكان جدي يحسن كتابة العربية والتركية خطا وإنشاء فأدخله الوالي معيته”.[2] وينحدر جده لأمه من أصول تركية اسمه أحمد بك حليم. أما جدته لأمه فكانت جارية يونانية قيدت كأسيرة حرب أو جارية. وكما يقول شوقي: “أما جدي لوالدتي فاسمه أحمد بك حليم ويعرف بالنجدي نسبة إلى نجد إحدى قرى الأناضول، وقدم هذه البلاد فتيا، فاستخدمه والي مصر إبراهيم باشا في أول يوم، ثم زوجه بمعتوقته وهي جدتي والتي أرثيها في هذه المجموعة وأصلها من مورة جلبت منها أسيرة حرب لا شراء”.[3] تلقى شوقي علوم المرحلة الابتدائية على يد الشيخ صالح ثم التحق بمدرسة المبتديان الابتدائية ثم انتقل إلى مدرسة الحقوق والتحق بقسم الترجمة. تعلم هناك اللغة الفرنسية. ولعل أصوله المتعددة ساعدته في دراسة الترجمة.

علاقته بالقصر الخديوي:

إن العلاقة التي تربط الخديو بجدته لأمه قوية. فكانت جدته تحظي بمكانة هامة في داخل القصر. ” كانت علاقة أسرته بالبيت الملك أبا عن جده أهم عامل  في نشؤءه وتطوره. وإن كانت هذه العلاقة ألجمت شاعريته في بعض المجاملات”[4] كما أن علاقته بالخديو توفيق كانت قوية، وكان لها الأثر في نفسيته. ومهما يكن من الأمر، عمل شوقي في قصر الخديو عاما قبل أن يسافر إلى فرنسا لإكمال دراسته على نفقة الخديو الذي وجد أن الفتى ابن العشرين لا يجوز أن يلتحق بقصره قبل أن يستكمل أسباب الثقافة القانونية بالإضافة إلى شهادة الترجمة. وعندما سافر شوقي إلى فرنسا اطلع هناك على الآداب الأوربية وتأثر بها فضلا عن تأثره بالقانون والحقوق.  والجدير بالذكر أنه لم يمارس الحقوق بعد عودته إلى مصر، لكنه استطاع أن يقرض قصائده السياسية بالفكر القانوني والسياسي مع قضاياه القومية والوطنية. يقول شوقي: “ثم طلبت العلم في أوربا فوجدت فيها نور السبيل من أول يوم، وعلمت أني مسؤول عن تلك الهبة التي لا تحد ولا تنفد. جعلت أبعث بقصائدي المديح من أوربا مملوءة من جديد المعاني وحديث الأساليب بقدر الإمكان”.[5] اطلع شوقي على الآداب الغربية أثناء إقامته في فرنسا فتأثر بروائع الفن والحضارة الأوربية ولا سيما عندما وقف على أعمال الكُتاب في الأدب العالمي. بدأ شوقي يقلد أدباءهم في فنه وأدبه. وكانت المدسة الرومانسية ذات الأثر الأكبر على  فكره. تسارعت الأحداث السياسية في مصر والدولة العثمانية. وكان لذلك أثر عظيم في حياة شوقي وفنه، وكانت الدولة العثمانية في ذلك الوقت فريسة تنازع عليها كل من روسيا والغرب. وكان يحاول كل منهم أن يأخذوا نصيبهم منها فاستطاعت روسيا السيطرة على أجزاء واسعة من الدولة العثمانية بعد حروب طويلة وانفصل اليونان عنها. هكذا وقعت مصر في سيطرة الاحتلال البريطاني عام 1881م. وهذه هي نقطة تحول في حياة شوقي ولها تأثير كبير في حياته وأدبه. فانعكست الأحداث السياسية والاجتماعية في أعماله الأدبية ولا سيما في أعماله الروائية.

عاد شوقي إلى مصر عام 1892م بعد أن أتم دراسته في فرنسا والتحق بقصر الخديو توفيق، و سافر في عام 1894م إلى سويسرا مبعوثا من الحكومة المصرية لحضور مؤتمر المستشرقين ثم انتقل إلى ببليجكا. لم تدم المكانة التي حظى بها شوقي في داخل القصر بعد موت الخديو توفيق، عاد شوقي إلى مصر عام 1892 في عهد عباس حلمي الثاني، فأعرض مدة عن شوقي ولكنه ما لبث أن قربه إلى عرشه وجعله شاعر البلاط. عاد شوقي إلى وطنه برسالة جديدة حيث بدأ ينظم الشعر الوطني ضد الاحتلال البريطاني حتى أصبح شوقي لسانا لشعبه ينطق بميولهم ورغباتهم الدفينة في نفوسهم عقب الثورة العرابية.

اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914م وتمكنت بريطانيا على إثرها من السيطرة على مصر. فأمرت بريطانيا بعزل عباس حلمي الثاني من منصبه وتم التعيين حسين كامل على مكانه. ولم تكتف بريطانيا على هذا بل بدأت تعزل وتنفي رجال الخديو، فنظم شوقي قصيدة تحدث فيها عن الاستعمار البريطاني وأثرها ونفوذها على مصر فقال: “إن الرواية لم تتم فصولا.”[6] فنفاه الإنجليز إلى اسبانيا. وصل شوقي إلى برسلونة حيث مكث خمسة أعوام. وكان لهذا النفي أثر عظيم في أدبه وفنه. هناك نما في قلب شوقي الحنين إلى الوطن وازداد شيئا فشيئا، فاشتعل الحنين لوطنه في صدره وبدأ لسانه يفيض شعرا وطنيا وغناء حزينا. وتعتبر هذه الفترة من حياته نقطة التحول في  فكره وفنه. ومن هناك بدأ الشاعر يتحرر من قيود القصر الذهبية ويتقرب إلى الشعب المصري حتى صار لسان الشعب .[7]  لقد انقطع شوقي عن القصر بعد عودته من المنفى تماما وأخذ ينظم القصائد الوطنية. كرس قلمه وفكره ضد الاستعمار البريطاني غير أن قيثارة الشعر العرب لم تلبث أن سقطت من يده في أكتوبر عام 1932م وسكت جسمه ولكن رفع صوته وخلده في التاريخ.

أحمد شوقي وإسهاماته في الرواية العربية:

لقد أغنى شوقي المكتبة العربية بفنونه النثرية المختلفة إلا أنها لم تنل حظا وافيا بالدراسة والتحليل، إذ تغلب شعره على نثره وقتله حيث أصبح شوقي مجهولا في باب النثر. يجهل الكثيرون أن شوقي كان روائيا، وله إسهامات جليلة في مجال الرواية. [8] أغمض كثير من الدارسين والباحثين أبصارهم عن أعماله النثرية ولم يتطرقوا إلى هذا المجال. ومن المعلوم أن في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، قد اتجه كُتاب الرواية إلى اتجاهين؛ فمنهم من كان محافظا، واتخذ من السير الشعبية والمقامات في أدبه، ومنهم من تأثر بالآداب الغربية الوافدة إلى الأدب العربي. وكان أحمد شوقي في طليعة المحافظين الذين تأثروا بتلك السير والمقامات رافضا الثقافة الغربية الجديدة. أراد شوقي أن يثبت حضوره في مجال الرواية، فكتب عديدا من الروايات في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وسلك على مسلك جرجي زيدان وعلي مبارك ومحمد المويلحي وحافظ إبراهيم ومحمد لطفي جمعة وآخرين.

أخرج أحمد شوقي خمس روايات واستلهم فيها من التاريخ الفرعوني القديم وهي بالتالي:

  1. “عذراء الهند” عام 1897م
  2. “لادياس” أو “آخر الفراعنة” عام 1998م ،
  3. “دل ويتمان” أو “آخر الفراعنة” عام 1899م
  4. “شيطان بنتاؤور” عام 1901م،
  5. “ورقة الآس” عام 1905م.

“عذراء الهند”:

بدأ شوقي باكورته الروائية بكتابة “عذراء الهند” التي أخرجها عام 1897م والتي كانت نشرة مسلسلة في جريدة “الأهرام” تحت عنوان “عذراء الهند وتمدن الفراعنة” من 20 يوليو إلى 6 اكتوبر عام1897م”[9] وهي رواية غرامية غريبة السرد تنتهي وقتها إلى زمن رعمسيس الثاني المعروف سيزو وستريس أحد الفراعنة مصر الأقدمين.[10] تنقسم الرواية إلى ثلاثة أبواب وسبعة فصول. الباب الأول منها تحت عنوان: “الحوادث في الهند” لأن حوادثها دارت في الهند. وقعت “عزراء الهند”التي هي ابنة ملك الهندين الشرقية والغربية في حب” آشيم” ابن سيزوستريس، وهو كان ابن عدوه. وعندما عرف “دهنش” بهذا الحب أرسل ابنتها إلى جزيرة نائية مع مئة بنات الوزراء والأمراء وقادة الجنود حتى لا تجتمع بابن عدوه، ولكن الكاهن “طوس” وابنه “هاموس” قررا التقرب إلى “آشيم” وأبيه. وراحا يبحثان عن العزراء لتقديمها قربان طاعة الملك وابنه. بدأ “طوس”رحلته في غابات الهند الثمانية الكثيفة حيث واجه خلال السفر صعوبة كثيرة واجههما في الغابة الأولى ثعبان أخضر، وكان عظيم البنية، إلا أنه تغلب عليه بفضل مساحيقه العجيبة.

أما الغابة الثانية فقد عبراها بصعوبة بعد معركة شرسة مع ثعبان آخر، وعند عبورها الغابة الثالثة واجها جيشا من النمل ذي مناشير حادة. أما الغابة الرابعة فقد واجه “طوس” فيها جيشا من إنسان متوحش، وكان هذا الإنسان يعبد “الببغاء الأسود” إلا أن “طوس” هزم هذا الجيش هزيمة بعد اللجوء إلى التنويم المغناطيسي والأسحار العجيبة. هذا وقام باعتقال إليهم  وهو”الببغاء الأسود”. يقول أحمد شوقي: “فقبض على الأسود متلبسا بالنشوءة، وكان قد أعد لذلك سلسلة من الذهب طويلة خفيفة محكمة. “[11] جاء الخبر إلى ملك الهند “دهنش” بوجود رجلين غريبين في غابات الهند يبحثان عن العذراء فأرسل جنوده لاعتقالهما ولكنهم فشلوا تماما. واصل “طوس” و”هاموس” رحلتهما عبر الغابات، فلم يتوقفا عند النقطة التي وصل إليها كل من الرحالة “تيحو” و”يوقو” الصينين من قبل، وإذ بطائر عملاق أسود يحلق فوقها، فقاما بقتله ثم شقا بطنه فوجدا بيضة صفراء في أحشائه، وكان لهذه البيضة شأن عظيم لدى حكام الأرض، إذ كانوا يسمونها “يتيمة الصين”، إذ كانت محتجبة بعد أن تصارعت عليها الأمم.[12]

وفي الغابة التالية واجه “طوس” و”هاموس” نمرين شديدين فقتلا أحدهما واسرا الآخر. رأى رجال الأسطول الهندي نارا في الغابات وحينما اقتربوا إليها لجأ طوس إلى أسحاره لتنويمهم حتى اسرهم جميعا. واصل “طوس” رحلته في البحث عن العذراء حتى وصل الغابة الأخيرة – جزيرة العذراء- فواجه جيشا النمور التي كانت تحرس العذراء. وصل “طوس” إلى العذراء واقتادها إلى مصر عبر البحر إلا أن الأسطول الهندي راح يطارده لكنه لم يتمكن من أسره حتى دخل “طوس” في  المياه المصرية.

أما الباب الثاني للرواية، فهو مشتمل على إثنى عشر فصولا. وتدور أحداثه في منفيس المصرية حيث وصل طوس بالعذراء إلى قصر الأمير “بستاموس” شقيق الأمير “آشيم” وقرر بستاموس إرسال “العذراء” إلى قصر  النزهة في طيبة عن الطريق السري، إلا أن طوس استطاع حسم المعركة ضد الكهنة من خلال مساحيقه العجيبة.[13] وبعد وصولها إلى قصر النزهة غيب الكهنة “رادريس” وحارس قصرها وقاموا باقتحامه ليلا وراحوا يفتشون عن العذراء إلا أنهم لم يعثروا عليها. ولجأت “العذراء” إلى بيداء الذئاب فنزلت في صورة امرأة ورجل مصريين، ووصل ابن عمها ” ثرثر” أثناء ذلك من الهند باحثا عنها. ساقت القدرية “ثرثر” إلى ذلك النزول في بيداء الذئاب والتقى بالعذراء واقتداها عبر الصحرا عائدا إلى وطنه، إلا أن “آشيم” اعترض طريقه فوقعت بينمها حرب حامية حتى أصبح “ثرثر” جريحا ولكن طوس قام بعلاجه.  وفي الأخير، قرر الملك تزويج آشيم والعذراء ولكن في حفلة الزواج حضر “ثرثر” وقتل”آشيم”  نفسه بخنجر هناك فحزنت “العذراء”حزنا شديدا وألقت نفسها في النيل.[14]

إن أحداث الرواية جاءت في معظمها خيالة انطلق شوقي من خلالها قصة تاريخية ليبنى عالمه الخيالي. وإن هذا الخيال ما هو إلا ستار يختفي خلفه شوقي من بطش المحتل. جرت أحداث الرواية في أماكن مختلفة ففي الباب الأول يقدم الكاتب أحداثه في الهند، أما في الباب الثاني فقد وقعت أحداثه في منفيس، وأما في الباب الثالث والأخير وقعت أحداثه في مصر. يقول محمد صبري: “هذه الرواية كغيرها من الروايات النثرية التي ظهرت بعدها ركيكة في مجموعها لا تبدو فيها روح شوقي إلا في بعض المواقف الشعرية وعلى الرغم من ذلك فقد أبى شوقي إلا أن يكون ناثرا ليخوض غار النثر غير آبه بمن حوله.” [15]

“لادياس”:

أصدر شوقي هذه الرواية عام 1898م. وهي رواية نثرية تاريخية تدور أحداثها في عهد الفراعنة في زمن “البرياس”.[16] اتخذ شوقي أساسها من الحب يبني عليه حوادثه التاريخية حيث اعتمد كثير من الكُتاب على العلاقة بين الشخوص إلى جانب الأحداث أو في بناء الأحداث في العمل الروائي. قدم شوقي في هذه الرواية شخصية “لادياس” شخصية باهتة مسطحة. فهي ثابتة من البداية إلى النهاية ولا تتأثر بالأحداث ولا تعدل عن رأيها الخير أو الشر تتمثل جانب الخير من البداية إلى النهاية. يقول شوقي: كانت “لادياس” فتنة الناس بالبدر الطالعة في الغصن المياس لا من طينة البشر ولا من أديم الشمس والقمر، ولكن صورة آية في الصور فوق مبلغ الخواطر ومنار الفكر وكانت لابسة حلة بيضاء”.[17] لقد بينت الرواية بطولة القائد الفرعوني “حماس” في بلاد اليونان، فجاءت الأحداث تمجد العنصر الفرعوني في بلاد الأجنبية. فقد استطاع “حماس” تخليص اليونان من المتمردين والخارجين عن قانون المملكة. أراد شوقي لبطله الفرعوني في اليونان. عاد “حماس” إلى مصر واستطاع أن ينقلب على ملكها “أبرياس” ليقيم دولته القوية. يتمحور شوقي من خلال الرواية حول التدخلات الأجنبية في شؤون مصر الفرعونية ولا سيما اليونانية.

“دل وتيمان”:

في الواقع أن هذه الرواية هي مكتملة لرواية “لادياس” أخرجها شوقي هذه الرواية عام 1899م وعبّر فيها وضع مصر في عهد الملك “أمازيس”. ذكر فيها استبداد اليونان بشؤون مصر.[18] تدور أحداث الرواية على ازدياد نفوذ العنصر اليوناني في مصر حتى سقوط البلاد تحت الحكم الفارسي بزعامة “قمبيز”. تقع الرواية في خمسة وثلاثين فصلا، وقعت بعض أحداثها في مصر وبعضها في فارس. بدأت الرواية تسلط الضوء على علاقة حب نمت بذورها بين الحارس “تيمان” والأميرة “دل” وهي ابنة “الملك المخلوع أبرياس” ثم توالت الأحداث لتزداد أطماع قمبيز في مصر. وقد كللت هذه الأطماع بأن ترسل رسولا إلى “أمازيس” يطلب ابنته للزواج وعندما عرض الأمر على الأميرة رفضت فخاف الملك على عرشه فسارع إلى “دل” والتمس منها أن تقبل العرض فقبلت لدوافع وطنية.  تعد شخصية “دل” شخصية رئيسية في الرواية وعلاقتها بالحدث مؤثرة ومتأثرة. فهي شخصية محورية مثلت المرأة الوطنية التي أسهمت في الدفاع عن الوطن، فهي فتاة عانت من ظلم الملك أمازيس الذي جعلها رهينة الأسر في قصر والدها ولكنها آثرت حب الوطن على حبها لتيمان. فقد قبلت أن تكون طعما في فم “قمبيز”حتى تجنب وطنها من شر العاقبة واحتلالها، فسيقت له عروسا لكي تعطي وقتا كافيا يصلح فيه أمور الجيش والقواعد العسكرية إلا أن مؤامرة اكتشفت أمام “قمبيز” فوقعت حرب حامية وأصبحت “دل” شهيدة  بعيدة في أرضها في الدفاع عن وطنها العزيز. أما شخصية رئيسية ثانية في هذه الرواية هي شخصية “تيمان”  وهو  الشاب المصري القائد العسكري يمثل العنصر الوطني ولكنه أيضًا آثر الواجب الوطني على حبه.

استلهم شوقي في هذه الرواية حدثا تارخيا يحكي قصة قمبيز لمصر في عام 525 قبل الميلاد. فتح قمبيز ملك الفارس البلاد المصرية وقضى على استقلالها القضاء المبرم، فبقيت ولاية فارس في مصر إلى عام 333 قبل الميلاد. وهو العام الذي سقط فيه مصر في يد الإسكندر الأكبر.[19]. قدم شوقي في هذه الرواية ضحية أسيرة قصرها في سبيل الوطن ولكن في نهاية الرواية بدأ اليونانيون يتغلغلون في نظام الحكم في مصر وتزعموا مراكز حساسة في الدولة. أراد شوقي من ذلك انتشار الموت والفوضى والانحطاط عقب الاحتلال الإنجليزي لمصر. أما قصة الحب التي نشأت بين “دل” و”تيمان” فلا علاقة لها بالتاريخ. ويبدو أن الربط بين علاقة حب وأحداث تاريخية يسيران جنبا إلى جنب  لتقديم التاريخ بأسلوب شائق.

“شيطان بنتاؤور”:

أخرج شوقي هذه الرواية عام 1901م. وتختلف هذه الرواية عن رواياته الأخرى في كونها وكيانها. اعتمد شوفي فيها على الحوار بأسلوب مقامات الهمذاني والحريري. يدور الحوار في هذه الرواية بين طائر الهدهد الذي يرمز إلى شوقي نفسه وطائر النسر الذي يرمز إلى بنتاؤور، شاعر مصر الفرعوني القديم. قد ذكر فيها شوقي أحوال مصر السياسية والأخلاقية والاجتماعية والأدبية والثقافية. أراد شوقي من ذلك أن يبرز أهمية الأديب والشاعر ودوره في المجتمع.

كان الهدهد يتأمل في آثار المصريين القدماء التي أصبحت مركزا لكل زائر أجنبي وصورة ترتسم في الذاكرة دون وعى لمجد أصحابها، فآلمه حفر القبور وسرقة محتوياتها وتقديمها رخصة في متاحف العالم.  ويتمنى الهدهد من السلطات المصرية أن تعتني بأمجاد الأجداد كما تفعل فرنسا إذ قدم عليه نسر بنتاؤور وعرف كل منهما الآخر، ويرجو الهدهد النسر أن يعلمه ويطلعه على الأمجاد الفراعنة ومجدهم، فصار يلتقيان كل يوم في موعد محدد. يقول شوقي على لسان الهدهد: “ثم استقر بنا الزروق ونالت أقدامنا منفيس، فإذا بها تحلت من الزخارف بكل نفيس، وتجلت تختال من حلل البهاء وتميس حيث التفت رأيت حولي عزازة وعمارة وجنود البر والبحارة من كل زي وإشارة. بكى الهدهد إزاء هذه الحضارة الدارسة في زمن صارت فيه مصر عابسة حيث الضعف والقهر والاحتلال والضياع. انتقل الهدهد مع النسر للحديث عن أسرى الحرب في سجون الملك رعمسيس لنرى القسوة في معاملتهم، فراح الهدهد ينكر هذه المعاملة على أجداده لكن المؤدب يبين له أن القسوة والقوة سر البقاء، لولاها لزال ملك مصر”.[20]

ظل النسر يتجول في أحياء المدينة يطلع تلميذه على معالمها. يقول شوقي: “فرأيت حركة لم أر مثلها فيها غبر وشهد من العظمة ما يصغر المدائن الكبر: شوارع وسيعة ودور رفيع، وحدائق بديعة، جماهير متدفقة وشرطة منبثقة متفرعة وخيل مركوبة، ومركبات مجرورة.[21] طلب النسر مرة من الهدهد لقاءه في دار العلم والفلسفة. وكان النسر على هيئة إنسان، يلقي الدروس على تلاميذه يحثهم على العمل وهو يقول: “العالم من لا ينام والحكيم من لا يطعم والطبيب من لا يموت”[22] ويدعوهم إلى الزهد في المعاش واحترام الناس والإقبال على التعليم ويحذرهم من الأطماع الخارجية في ملك مصر قائلا: “أيها القوم إن ملككم لكبير، وإن عدوكم لكثير، أمركم نافذ في الشرق، في كل مفرق، وعداكم يسيرون، وحساكم يسرعون، فاسبقوا أنفسكم وهذبوها.”[23] وينهاهم عن شرب الخمر لأنها تذهب العقول وكذلك يحثهم على الاهتمام بالوقت والزمن.

دارت أحداث في الرواية في مكانين مختلفين، هما مصر القديمة ومصر الحديثة، ووازن فيها شوقي الفروق بين مصر الفراعنة وما آلت إليه من أمورها في العصر الحديث، اختار شوقي مدينة “منفيس” الفرعونية ليقوم بموازنة بينهما وبين مدينة القاهرة في العصر الحديث. وكان يريد أن يبرز معالم الحضارة الفرعونية، حضارة الأجداد التي فاخر بها الأمم، فلم يكد يترك مكانا عظيما إلا توقف عنه بالوصف وقدم صورة زاهية مشرقة لكل ما هو فرعوني من المدافن والقصور والشوارع والأسواق ودور الحكومة والمحاكم وما إلى ذلك، يقول شوقي: “وقفت أتأمل قبور الملوك العظام وأذكر عبث الأنام لا الأيام، وأعجب الأهرام وهي ممن عمل الأسرة الرابعة، وبنيان المصري في أول عهده بالحياة وبداية دخوله في الحضارة- كيف رسخت في الأرض رسوخه في العالم، ووقفت للدهر وقوفه في الفن، وكلما تأملنا جزتني العبرة عن النظرة والعظة عن اللحظة، فرأيت النعيم كيف يزول، والحال كيف يحول.”[24]

لقد سلطت الرواية الضوء على مصر منذ 3300 عام مرورا بعصر الخلفاء الراشدين والفتح الإسلامي لمصر، ومن ثم العصر الأيوبي حتى مصر الحديثة حتى بدأ الاحتلال الإنجليزي في مصر. وفي الرواية شخصيتان رئيسيتان لا غير، الأولى هي شخصية النسر المعمر والذي يرمز إلى بنتاؤور شاعر مصر القديم منذ 3300عام. وكان  شخصية النسر شخصية محورية في الرواية. وتذكر مصادر التاريخ أنه يدون الأحداث التاريخية من خلال قصائده وحكاياته. أما الشخصية الثانية الرئيسية فهي شخصية الهدهد الذي يرمز ويمثل شوقي نفسه. دارت الأحداث على لسان “راو”، فالنسر بطل ينتقل في أحياء مصر القديمة ويطلع الهدهد على قبس الأجداد، بينما نجد النسر راويا يروي ما دار في الرحلة عبر الزمن والمكان. إن الصراع الخارجي في هذه الرواية جاء بين المصريين القدماء والمصريين الجدد، فكان الأولون يعيشون حياة سعيدة حياة عزة وقوة، وأما الآخرون فيعيشون تحت الاحتلال الإنجليزي وتداخلاته حتى في شؤون بيوتهم حيث فقدوا حريتهم وعاشوا غرباء في داخل وطنهم.

“ورقة الآس”:

أخرج شوقي هذه الرواية عام 1905م. وهي الرواية العربية الوحيدة من بين رواياته الفرعونية. ترجع أحداثها إلى العام 272م. وقد أخذ موضوعها من التاريخ العربي قبل الإسلام. تدور أحداث الرواية حول غدر “النضيرة” وخيانتها لوطنها ودولة أبيها أولا ثم محاولتها مع خيانة زوجها “سابور” ثانيا. فشخصية “النضيرة” وهي ابنة الملك التي خانت والدها وساهمت في إسقاط بلادها بقبضة الاحتلال حيث ساعدت “سابور” الذي غزاها من فارس على دخول بلاد الحضر لقاء الزواج منها. يقول شوقي: “خرجت النضيرة برفقة أسماء التي سهلت أمر خيانة النضيرة لتفوز بقلب ابن بكر، خرجتا ليلا ، وفي الطريق اعترضهما أحد الحراس، فقام أبو سعد وهو أحد معاوني النضيرة بقتله، فوصلت الخيانة إلى سابور.[25]  ورقة الآس تدور حول قصة إنسانية شاذجة هي النضيرة بنت الضيرزن ملك الحضر، ويقدمها الكاتب في البداية ثابتة رزينة ولكنها تعجب بسابور قائد الفرس الذي جاء لغزو بلادها.[26] جاءت أحداث الرواية تبين مصير الخيانة، خيانة من الوطن. اختار شوقي في هذه الرواية حقبا زمنية مليئة بالصراعات. بدأت أحداث الرواية خلال المدة التي حاصر “سابور” فارس بلاد الحضر. إن شوقي يخلق قصص الحب في روايته. وهذه طبيعة رواية التسلية والترفيه،  يقول أحمد هيكل: “إن رواية التسلية والترفيه قد اتجهت إلى مجرد أرضاء ورغبات الجماهير وأذواقهم وخضعت خضوعا كبيرا لميولهم خصوصا أنها تتطرق لعلاقات حب إلى جانب الفكرة الرئيسية”.[27] إن رواية “ورقة الآس” مليئة بالرسائل السياسية في الفترة التي استطاع فيها الاستعمار الإنجليزي أن يفرض سياسته في مصر حيث تغلغل نفوذه إلى أبعد حد، وهذا ما بينته في حياة شوقي من هذه الدراسة.

الاتجاه التاريخي في روايات أحمد شوقي:

كان التاريخ عماد فكر شوقي وأعماله الروائية. فجاءت نابضة بحياة الأجداد ورافدة تزود الأحفاد بحب الوطن والحنين إليه. لجأ شوقي إلى التاريخ وأحداثه واتخذ منه قناعا ودرعا من رجال القصر من ناحية، وبطش الاستعمار من ناحية أخرى. إن شوقي في “عذراء الهند” يكتفي بالإشارات والتلميح مختفيا وراء ستار التاريخ، ففي عذراء الهند يتلفح الكاتب بعباءة من الخيال أكثر من الواقع والتاريخ مكتفيا فيها بالتلميح دون التصريح. فهو يختار أضعف الفقرات في جسد مصر وتاريخها حيث يسود العنصر الأجنبي على الوطن وتضعف يد الدولة.[28] استمد شوقي من التاريخ الفرعوني في روايات أربع وهي “عذراء الهند” و “لادياس و “دل وتيمان” وشيطان بنتاؤور” أما روايته “ورقة الآس” فقد قدم فيها تاريخ العرب قبل الإسلام. قد تناول شوقي مادته الأولية في رواياته مثل الأدباء الآخرين من التاريخ وأوضح الحياة الاجتماعية المعاصرة  واستفاد من التاريخ ليظهر أفكاره ويوقظ أبناء الوطن.

الحب والتاريخ في روايات شوقي:

إن علاقة الحب عند شوقي تسير جنبا إلى جنب مع الحدث التاريخي، وما يرمي إليه شوقي في رواياته. فهذه العلاقة السياسية في الرواية العربية الأولى. ومن المعلوم أن الروائي في محاولته يصور العلاقة بين الرجل والمرأة وكذلك يتخذ موضوع الحب باعتباره عنصرا أو مادة رئيسية في الطبيعة البشرية.[29] إن صورة المرأة تبدو شخصية أساسية في تشكيل البناء الفني، إذ ليست تجربة الحب فيها مقحمة، وإنما هي رافدة من الروافد المشكلة لحياة الناس.[30] كان لا بد لكل رواية أن تتخذ موضوع الحب ميدانا لتصور هذه العاطفة ولكنه حب ذي مراسيم خاصة وتقاليد ذات أصول ولا ينبغي لأحد الخروج عن هذه الأصول. ولا بد لهذا الحب أن يقوم بين الطرفين: الأول من طبقة النبلاء والأشراف ورجال القمة من أمراء وإقطاعيين والثاني من بين سيدات هذه الطبقة من بنات القصور.[31]

الحضارة الفرعونية القديمة في روايات أحمد شوقي:

كتب شوقي خمس روايات و استلهم فيها من التاريخ الفرعوني القديم. استطاع شوقي أن يستظهر الماضي لخدمة الحاضر. فكانت مصر القديمة نهل منها شوقي وبنى عليها عالمه الروائي. رسم شوقي في معظم رواياته معالم حضارة الأجداد وقدم صورة تجعلنا نقف خاشعين أمام أمجادهم وعظمتهم. فالمدن الفرعونية محروسة بالجند ومراكزهم تنيرها الأضواء. يقول شوقي: “كانت منفيس لم تزل في أسر اليل وتحت رق أحكامه، سهرة الحراس والمخافر مغلقة المداخل والأبواب، ولا يخرج منها خارج ولا يدخلها داخل إلا بإذن، وهي كأنها الهالة المستقلة المنيرة الآهلة، أضواء ولا ضوضاء، وسنا للناظرين وسناء، وسكون في الأرض وسكينة في السماء، وكانت الطرق إليها شتى، وقد أخذت مع ذلك تزدحم بناقلي الأقدام… فكانت هاته الجماعات والزمر تموج وتزحف سيرا إلى منفيس…حيث كان لأسوقها الشأن الأعظم في المدينة، وكانت هي زخرف أغنيائها والزينة”.[32] إن المجتمع الفرعوني متحضر، يحتكم للقضاء والقانون، فللمحاكم شأن عظيم في تسوية النزاعات بين المواطنين. وكانت مصر الفرعونية مستقلة بقراراتها، تعتمد على ذاتها حيث الزراعة والصناعة والتجارة، فلم تك مسلوبة الإرادة كمصر الحديثة كان مجتمعا عزيزا قويا يعتز بذاته يدافع عن معتقداته وتراثه. يبدو أن شوقي يعتز بحضارة أجداده ويدعو إلى احترامها وتقديرها وحمايتها من الضياع والفقدان.

إن شوقي ينقل لنا معالم الحضارة الفرعونية بأدق تفاصيلها ويبين لنا العدالة الفرعونية وانتصارها للخير على الشر، ثم ينطلق بنا إلى الدوائر المصرية. وقد مجد شوقي الأدب والأباء المصريين قديمهم وحديثهم. لقد أبرز شوقي في رواياته مفاتن الحضارة الفرعونية، فجاءت صورها زاهية مشرقة، فأكثر من ذكر المدن الفرعونية، والأسواق والمصانع والمتاجر كما أشاد برقى المجتمع الفرعوني حيث وصل إلى مراكز علمية رفيعة وذكر عن الطب الفرعوني والتخطيط مشيدا بدور العلم ومعاهده. لقد اهتم شوقي في رواياته بأن يبعث رسائل مهمة إلى المصريين الجدد وجعلهم إلى الثورة على الاستعمار الإنجليزي ورفض سياسته كما يحث الأحفاد من خلالها على أن يحافظوا حضارة أجدادهم ويدعو هم للرجوع إلى الدين الإسلامي بتعاليمه الحنيفة.

بطولة المرأة في روايات أحمد شوقي:

إن مشكلة المرأة من بين المشكلات الاجتماعية التي يوجد فيها الصراع بين القديم والجديد، بين ما نشأت المرأة المصرية من حياء وحقوق عن مخالطة الرجال، وبين ما تمتعت به المرأة الأوربية من تحرر وانطلاق وتربية وتعليم. تأثر شوقي من الكُتاب الآخرين حيث طغت الأسماء النسوية على العناوين لكل روايته مع النداء لتحرر المرأة. فنجد أن المرأة موجودة في كل رواياته بصورة واضحة كشخصية رئيسية. وهي محل صراع بين الأطراف. فقد استطاعت أن تتحرر من  قيودها وتنطلق للدفاع عن وطنها، أما في رواية  “ورقة الآس” فقد جاءت المرأة بصورتها المشوهة فخانت الوطن ومكنت المحتل من دخوله واحتلاله. إن رواية جاءت بعنوان “عذراء الهند” وهي شخصية رئيسية أن العذراء عاجزة، إنها إمرأة عاجزة كأنها دمية في أيدي الرجال، لا حراك فيها ولا ثبات. أرسلها أبوها إلى جزيرة العذارى بغية أبعادها عن “آشيم”. أما “طوس” فقد اختطفها وقادها إلى مصر وبدأ “هاموس” يتحرش بها، وكان “بستاموس” قد اقتادها إلى طيبة. أما “ثرثر” فقد نقلها عبر البيداء وتزوج بها “آشيم”. ولم تواجه هذه الأحداث إلا بالصمت والسكوت. فالمرأة دائما مأزومة حزينة لأنها تعجز عن أي تحقق سعادتها بالزواج ممن تحبها. وهذا الحرمان تجسيد لكل سلبيات العصر من حيث انعدام الحرية.[33] قد غلب على العذراء طابع الحزن والمعاناة في كل باب الرواية وفصولها وتكررت على لسانها عبارة “يا للسماء لهذه الخالدة الشقاء الأبدية الإقصاء”. فقد حرمها أبوها من رؤية من أحبت وأبعدها إلى جزيرة نائية كما تعرضت لأكثر من محاولة اغتيال من قبل الكهنة في مصر. فقررت الانتحار حزنا على بعلها فقفذت نفسها في النيل.

الرمز في روايات شوقي:

عرف الأدب العربي الرمز منذ زمن بعيد، إذ وظفه الجاهليون في أعمالهم الشعرية والنثرية. وظل الرمز ملازما بالأدب العربي في العصور التالية للجاهلي حيث واكب العصر الإسلامي والأموي والعباسي وكان عماده الإيجاز. وظهر الرمز السياسي والغزلي. أما في العصر الحديث عندما تأثر الأدب العربي بالثقافات الأجنبية، فذهب بعض الكتاب العرب يقلدون الغرب بينما الآخرون يحافظون على القديم. فإن الرمزية ظهرت في النثر الذي مال إلى طابع الشعر تأثرت بالرمزية الأوربية. لجأ شوقي إلى أن يرمز أفكاره بعباءة التاريخ خوفا من المحتل الانجليزي ورجالات القصر. إن شوقي عندما يلجأ إلى التاريخ إنما ينهل من معينه أحداث رواياته، فيختار حقبا زمنية عصبية وحماسة من تاريخ مصر غير أنه يلجأ إلى وقائع الغريبة والخرافات التي كان سلاحا مشرعا عليه من قبل النقاد إلا أننا نرى أن هناك ستار يختفي خلفه الكاتب.

ملخص البحث:

يتربع أحمد شوقي على مكانة الصدراة بغزارة شعره وروعته وجماله. وهو أول من أدخل في شعرنا الحديث المسرح القصصي ولكن قبل أن يخوض هذا العبقري في الشعر، طرق باب الرواية في وقت مبكر من حياته. بدأ حياته الأدبية بالنثر الفني ولا سيما الرواية ولكن سرعان ما غير وجهة نظره وكرس نفسه للشعر ووقف مواهبه الأدبية الفنية بالقصيدة. قرض قصائدة رائعة على مختلف الموضوعات حتى لقب بأمير الشعراء في العصر الحديث. وليس من المستغرب أن عبقرية شوقي أن تتفجر وعرفت بالإبداع الأدبي والعطاء الفكري في الشعر والنثر. خاض أحمد شوقي في غمار العمل الروائي وأثبت حضوره روائيا إلى جانب إمارة الشعر. إن اللغة السردية بارزة في روايات شوقي واتسمت لغة شوقي في روايته بالسهولة والسلاسة غير أن هذه السهولة جعل بعض النقاد يعيبون على لغته وعلى رأسهم اليازجي الذي هاجمه ونقد نقدا لاذعا على روايته “عذراء الهند” لجأ شوقي في لغته إلى الأسلوب المسجع والمنمق. فمن خلال رواياته استطاع شوقي أن يوازن بين لغتي السرد والحوار في أعماله الروائية. ومن خصائص شوقي أنه بدأ معظم روايته بأبيات شعرية  حيث استهل روايته: عذراء الهند:

وما نحن قلنا فالحب له      وما فعلنا فللهــــوى الفعــــل

وإن نقلنا لبقعـــــة قدمـا         فللهوى لا البقعـــــة النقــــــل

وبدأ روايته ” دل وتيمان”  بهذه الأبيات:

أحوم على حسنكم ما أحوم         وأذكــرهـــــــم بطلـوع النجـوم

واثبوا إليكــــــم وأشتــاقكـــم     كما اشتاق طيب الشفـــاء السقيــم

وما  بيننا غير هذا الفنـــــاء         وهـــذا الجـــدار وهـــذا الحـــريم

إن شوقي لم يستطع التخلى عن موهبته الشعرية حتى في أعماله النثرية، إذ نجد أنه ينظم الشعر في معظم رواياته على لسان أبطاله. فهو يكشف عما يختلج في نفس كل شخصية من مشاعر وأحاسيس في النثر والشعر.

الهوامش:

  [1]   طه وادي: شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص 7، دار المعارف عام 1985م

[2]     نفس المصدر: ص، 190

[3]   نفس المصدر: ص، 190-191

[4]   عرفان شهيد: العودة إلى شوقي وبعد خمسين عاما: ص 37، الأهلية للنشر والتوزيع ، بيروت عام 1986م

[5]   طه وادي: شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص، 185، دار المعارف عام 1985م

[6]   الدكتور شوقي ضيف: الأدب العربي المعاصر، ص، 112، دار المعارف، القاهرة عام 1961م

[7]   طه وادي: شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص13، دار المعارف عام 1985م

[8]   عرفان شهيد: العودة إلى شوقي وبعد خمسين عاما، ص، 415

[9]   محمد صبري: الشوقيات المجهولة، ص،112

[10]    نفس المصدر، ص 139

[11]   أحمد شوقي: عذراء الهند أو تمدن الفراعنة: ص 87 تقديم أحمد الهواري، عين للنشرـ مصر عام 2005،

[12]   نفس المصدر: ص، 94-95

[13]   أحمد شوقي: روايات شوقي المجهولة: ص: 145، تقديم محمود علي، المجلس الأعلى للنشر، 2007م

[14]   أحمد شوقي: عذراء الهند، تقديم أحمد الهواري، ص، 94

[15]  محمد صبري: الشوقيات المجهولة: ص 112

[16]   طه وادي: شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص: 173 دار المعارف عام 1985م

[17]  أحمد شوقي: روايات شوقي المجهولة، لادياس، ص 187

[18]   طه وادي: شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص: 174 دار المعارف عام 1985م

[19]   استيندرف: ديانة قدماء المصريين، ترجمة سليم حسن :ص، 9، دار البستاني للنشر

[20] أحمد شوقي: شيطان بنتاؤور، ص: 357

[21]  نفس المصدر: ص:57

[22]   نفس المصدر: ص:86

[23]  نفس المصدر: ص:97

[24]   نفس المصدر: ص: 18

[25]   أحمد شوقي: ورقة الآس، ص، 30

[26]   طه وادي: صورة المرأة في الأدب العربي، ص، 174

[27]   أحمد هيكل: تطور الأدب الحديث في مصر، ص، 182

[28]   أحمد شوقي: روايات شوقي المجهولة، ص، 33-34

[29]  أحمد إبراهيم الهواري: نقد الرواية في الأدب العربي الحديث  في مصر، ص 31، دار المعارف، القاهرة، 1994م

[30]   طه وادي: شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص:214

[31]   عبد الرحمن ياغي: الجهود الروائية من سليم البستاني إلى نجيب محفوظ، ص: 12، دار العودة، بيروت، 1972م

[32]  أحمد شوقي: روايات شوقي المجهولة، عذراء الهند، ص: 91-92

[33]   طه وادي: شعر شوقي الغنائي والمسرحي، ص: 117 ، دار المعارف عام 1985م

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
Notify of
Close